العدد : ١٧٦٦٥ - الثلاثاء ٠٤ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢١ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٦٥ - الثلاثاء ٠٤ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢١ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

القرآن الكريم.. وتداعي الحضارات!

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ٠٢ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

لو‭ ‬ذهبنا‭ ‬نبحث‭ ‬عن‭ ‬أسباب‭ ‬سقوط‭ ‬الحضارات،‭ ‬وذهاب‭ ‬ريحها،‭ ‬فسنجد‭ ‬أن‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم،‭ ‬كتاب‭ ‬الإسلام‭ ‬الخالد،‭ ‬ومعجزته‭ ‬الباقية‭ ‬ذكر‭ ‬طرفًا‭ ‬من‭ ‬أخبار‭ ‬الأمم،‭ ‬وعلة‭ ‬سقوط‭ ‬الحضارات،‭ ‬ونجد‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬سورة‭ ‬الفجر‭ ‬التي‭ ‬تطرقت‭ ‬إلى‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الحديث،‭ ‬يقول‭ ‬تعالى‭: ‬‮«‬والفجر‭ (‬1‭) ‬وليال‭ ‬عشر‭ (‬2‭) ‬والشفع‭ ‬والوتر‭ (‬3‭) ‬والليل‭ ‬إذا‭ ‬يسر‭ (‬4‭) ‬هل‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬قسم‭ ‬لذي‭ ‬حجر‭ (‬5‭) ‬ألم‭ ‬تر‭ ‬كيف‭ ‬فعل‭ ‬ربك‭ ‬بعاد‭ (‬6‭) ‬إرم‭ ‬ذات‭ ‬العماد‭ (‬7‭) ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يخلق‭ ‬مثلها‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ (‬8‭) ‬وثمود‭ ‬الذين‭ ‬جابوا‭ ‬الصخر‭ ‬بالواد‭ (‬9‭) ‬وفرعون‭ ‬ذي‭ ‬الأوتاد‭ (‬10‭) ‬الذين‭ ‬طغوا‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ (‬11‭) ‬فأكثروا‭ ‬فيها‭ ‬الفساد‭ (‬12‭) ‬فصب‭ ‬عليهم‭ ‬ربك‭ ‬سوط‭ ‬عذاب‭ (‬13‭) ‬إن‭ ‬ربك‭ ‬لبالمرصاد‭ (‬14‭)‬‮»‬‭ ‬سورة‭ ‬الفجر‭. ‬

هذه‭ ‬الصفحات‭ ‬المجللة‭ ‬بالسواد‭ ‬ذكرها‭ ‬المؤرخون‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬العظة‭ ‬والتأسي‭ ‬بما‭ ‬حدث‭ ‬للأمم‭ ‬السالفة‭ ‬التي‭ ‬تنكبت‭ ‬صراط‭ ‬الله‭ ‬المستقيم،‭ ‬وحول‭ ‬الأسباب‭ ‬التي‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬تداعي‭ ‬الحضارات،‭ ‬وأفول‭ ‬نجومها‭ ‬إما‭ ‬بفعل‭ ‬أنها‭ ‬استنفدت‭ ‬أسباب‭ ‬وجودها،‭ ‬ويؤكد‭ ‬المؤرخون‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬عوامل‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬هذه‭ ‬الحضارات‭ ‬كانت‭ ‬السبب‭ ‬وراء‭ ‬تداعي‭ ‬بنيانها‭ ‬من‭ ‬القواعد،‭ ‬وتهاوي‭ ‬أركانها،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬بسط‭ ‬القرآن‭ ‬القول‭ ‬فيه‭ ‬حين‭ ‬تحدث‭ ‬أو‭ ‬حين‭ ‬حدثنا‭ ‬عن‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬الحضارات‭ ‬مثل‭ ‬عاد‭ ‬وثمود‭ ‬وفرعون‭ ‬ذي‭ ‬الأوتاد‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يخلق‭ ‬مثلها‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭ ‬وكان‭ ‬السبب‭ ‬في‭ ‬أفول‭ ‬حضاراتهم‭ ‬ما‭ ‬بلغوه‭ ‬من‭ ‬طغيان‭ ‬وفساد،‭ ‬يقول‭ ‬أحد‭ ‬المؤرخين‭: ‬سقوط‭ ‬الإمبراطوريات‭ ‬ليس‭ ‬حدثًا‭ ‬مفاجئًا،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬عملية‭ ‬بطيئة‭ ‬ناجمة‭ ‬عن‭ ‬تراكم‭ ‬عوامل‭ ‬داخلية‭ ‬وخارجية،‭ ‬ويتلخص‭ ‬هذا‭ ‬الانهيار‭ ‬التاريخيّ‭ ‬في‭ ‬تآكل‭ ‬القوة‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬والاستبداد‭ ‬وفساد‭ ‬النخب‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬استنفاد‭. ‬الموارد‭ ‬في‭ ‬حروب‭ ‬خارجية‭ ‬تفقد‭ ‬الدولة‭ ‬هيبتها‭ ‬وقوة‭ ‬ردعها،‭ ‬ومن‭ ‬الأسباب‭ ‬الجذرية‭ ‬وراء‭ ‬انهيار‭ ‬الحضارات‭ ‬الكبرى،‭ ‬ويمكن‭ ‬تلخيصها‭ ‬في‭ ‬الآتي‭: (‬الفساد‭ ‬والاضطرابات‭ ‬الداخلية‭ ‬عندما‭ ‬تستولي‭ ‬النخب‭ ‬الحاكمة‭ ‬على‭ ‬مقدرات‭ ‬الدولة،‭ ‬وتهمل‭ ‬العدالة‭ ‬كنتيجة‭ ‬طبيعية‭ ‬للاستبداد‭ ‬والبعد‭ ‬عن‭ ‬احتياجات‭ ‬الشعوب‭) ‬‮«‬ويكيبديا‮»‬‭.‬

هذا‭ ‬ما‭ ‬أشار‭ ‬إليه‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬عند‭ ‬حديثه‭ ‬عن‭ ‬حضارة‭ ‬عاد‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يخلق‭ ‬مثلها‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭ ‬وأيضًا‭ ‬عن‭ ‬حضارة‭ ‬قوم‭ ‬صالح‭ ‬وما‭ ‬حققوه‭ ‬في‭ ‬عصرهم‭ ‬من‭ ‬تقدم‭ ‬ومدنية،‭ ‬وما‭ ‬فعله‭ ‬فرعون‭ ‬حين‭ ‬ظن‭ ‬أنه‭ ‬إله‭ ‬يعبد‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬الله‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬علوًا‭ ‬كبيرا،‭ ‬وذكر‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬القرآن‭: ‬‮«‬وقال‭ ‬فرعون‭ ‬يا‭ ‬أيها‭ ‬الملأ‭ ‬ما‭ ‬علمت‭ ‬لكم‭ ‬من‭ ‬إله‭ ‬غيري‭ ‬فأوقد‭ ‬لي‭ ‬يا‭ ‬هامان‭ ‬على‭ ‬الطين‭ ‬فاجعل‭ ‬لي‭ ‬صرحًا‭ ‬لعلي‭ ‬أطلع‭ ‬إلى‭ ‬إله‭ ‬موسى‭ ‬وإني‭ ‬لأظنه‭ ‬من‭ ‬الكاذبين‮»‬‭ ‬القصص‭: ‬38‭.‬

وهكذا‭ ‬سادت‭ ‬حضارات‭ ‬ثم‭ ‬باد‭ ‬بعضها،‭ ‬وبقي‭ ‬البعض‭ ‬الآخر‭ ‬شاهداً‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬صنعه‭ ‬الطغاة‭ ‬من‭ ‬فساد،‭ ‬فيأفل‭ ‬نجمها،‭ ‬وينطفئ‭ ‬نورها،‭ ‬وتذهب‭ ‬ريحها،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬يتهاوى‭ ‬بنيانها‭ ‬من‭ ‬القواعد،‭ ‬وتبقى‭ ‬أثرًا‭ ‬بعد‭ ‬عين،‭ ‬ويأتي‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬مكان‭ ‬بعيد‭ ‬ليروا‭ ‬ما‭ ‬حققه‭ ‬الأجداد‭ ‬من‭ ‬إنجازات،‭ ‬وتكون‭ ‬هذه‭ ‬الآثار‭ ‬دليلا‭ ‬واضح‭ ‬المعالم‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يفعله‭ ‬الفساد‭ ‬والطغيان‭ ‬بأهله‭ ‬وأن‭ ‬البشرية‭ ‬على‭ ‬ميعاد‭ ‬جديد،‭ ‬ومرحلة‭ ‬قادمة‭ ‬ليصنع‭ ‬التاريخ‭ ‬حضارات‭ ‬جديدة،‭ ‬وأن‭ ‬الحضارات‭ ‬قديمها‭ ‬وجديدها‭ ‬مهما‭ ‬علت،‭ ‬وعلت‭ ‬رسومها‭ ‬فمآلها‭ ‬إلى‭ ‬زوال،‭ ‬وأن‭ ‬العدل‭ ‬والإنصاف‭ ‬هما‭ ‬عنصرا‭ ‬المعادلة،‭ ‬وهما‭ ‬السبب‭ ‬في‭ ‬بقاء‭ ‬الحضارة‭ ‬وتعاظم‭ ‬إنجازاتها‭.‬

تلكم‭ ‬الحضارات‭: ‬قديمها‭ ‬وحديثها‭.. ‬علو‭ ‬في‭ ‬الهمة،‭ ‬وتميز‭ ‬في‭ ‬القمة‭ ‬وتفرد‭ ‬في‭ ‬العطاء‭ ‬والمنحة‭!‬

ذلكم‭ ‬الإسلام‭ ‬الذي‭ ‬سطر‭ ‬بأحرف‭ ‬من‭ ‬نور‭ ‬معالم‭ ‬حضارة‭ ‬جمعت‭ ‬في‭ ‬أصولها‭ ‬وفروعها‭ ‬بين‭ ‬الدنيا‭ ‬والآخرة،‭ ‬منهاجها‭ ‬من‭ ‬السماء،‭ ‬ونبيها‭ ‬خاتم‭ ‬الأنبياء،‭ ‬ومعجزتها‭ ‬التي‭ ‬تؤيد‭ ‬صدق‭ ‬بلاغ‭ ‬الأنبياء‭ ‬عن‭ ‬الله‭ ‬تعالى،‭ ‬إنها‭ ‬الأمة‭ ‬المؤهلة‭ ‬لقيادة‭ ‬ركب‭ ‬البشرية‭ ‬إلى‭ ‬صراط‭ ‬الله‭ ‬المستقيم،‭ ‬التي‭ ‬قال‭ ‬عنها‭ ‬رب‭ ‬الأرض‭ ‬والسماء‭: ‬‮«‬وكذلك‭ ‬جعلناكم‭ ‬أمة‭ ‬وسطا‭ ‬لتكونوا‭ ‬شهداء‭ ‬على‭ ‬الناس‭ ‬ويكون‭ ‬الرسول‭ ‬عليكم‭ ‬شهيدا‮»‬‭ (‬البقرة‭: ‬143‭)‬،‭ ‬وقال‭ ‬عنها‭ ‬كذلك‭: ‬‮«‬كنتم‭ ‬خير‭ ‬أمة‭ ‬أخرجت‭ ‬للناس‭ ‬تأمرون‭ ‬بالمعروف‭ ‬وتنهون‭ ‬عن‭ ‬المنكر‭ ‬وتؤمنون‭ ‬بالله‮»‬‭ ‬آل‭ ‬عمران‭: ‬110‭.‬

ذلكم‭ ‬هو‭ ‬الإسلام‭ ‬وتلك‭ ‬حضارته‭ ‬المتأبية‭ ‬على‭ ‬الزوال،‭ ‬الباقية‭ ‬رغم‭ ‬تطاول‭ ‬الزمان‭ ‬وتبدل‭ ‬المكان‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا