لو ذهبنا نبحث عن أسباب سقوط الحضارات، وذهاب ريحها، فسنجد أن القرآن الكريم، كتاب الإسلام الخالد، ومعجزته الباقية ذكر طرفًا من أخبار الأمم، وعلة سقوط الحضارات، ونجد ذلك في سورة الفجر التي تطرقت إلى مثل هذا الحديث، يقول تعالى: «والفجر (1) وليال عشر (2) والشفع والوتر (3) والليل إذا يسر (4) هل في ذلك قسم لذي حجر (5) ألم تر كيف فعل ربك بعاد (6) إرم ذات العماد (7) التي لم يخلق مثلها في البلاد (8) وثمود الذين جابوا الصخر بالواد (9) وفرعون ذي الأوتاد (10) الذين طغوا في البلاد (11) فأكثروا فيها الفساد (12) فصب عليهم ربك سوط عذاب (13) إن ربك لبالمرصاد (14)» سورة الفجر.
هذه الصفحات المجللة بالسواد ذكرها المؤرخون من أجل العظة والتأسي بما حدث للأمم السالفة التي تنكبت صراط الله المستقيم، وحول الأسباب التي أدت إلى تداعي الحضارات، وأفول نجومها إما بفعل أنها استنفدت أسباب وجودها، ويؤكد المؤرخون أن هناك عوامل من داخل هذه الحضارات كانت السبب وراء تداعي بنيانها من القواعد، وتهاوي أركانها، وهذا ما بسط القرآن القول فيه حين تحدث أو حين حدثنا عن بعض هذه الحضارات مثل عاد وثمود وفرعون ذي الأوتاد التي لم يخلق مثلها في البلاد، وكان السبب في أفول حضاراتهم ما بلغوه من طغيان وفساد، يقول أحد المؤرخين: سقوط الإمبراطوريات ليس حدثًا مفاجئًا، بل هو عملية بطيئة ناجمة عن تراكم عوامل داخلية وخارجية، ويتلخص هذا الانهيار التاريخيّ في تآكل القوة الاقتصادية، والاستبداد وفساد النخب إلى جانب استنفاد. الموارد في حروب خارجية تفقد الدولة هيبتها وقوة ردعها، ومن الأسباب الجذرية وراء انهيار الحضارات الكبرى، ويمكن تلخيصها في الآتي: (الفساد والاضطرابات الداخلية عندما تستولي النخب الحاكمة على مقدرات الدولة، وتهمل العدالة كنتيجة طبيعية للاستبداد والبعد عن احتياجات الشعوب) «ويكيبديا».
هذا ما أشار إليه القرآن الكريم عند حديثه عن حضارة عاد التي لم يخلق مثلها في البلاد، وأيضًا عن حضارة قوم صالح وما حققوه في عصرهم من تقدم ومدنية، وما فعله فرعون حين ظن أنه إله يعبد من دون الله تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرا، وذكر ذلك في القرآن: «وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحًا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين» القصص: 38.
وهكذا سادت حضارات ثم باد بعضها، وبقي البعض الآخر شاهداً على ما صنعه الطغاة من فساد، فيأفل نجمها، وينطفئ نورها، وتذهب ريحها، ومن ثم يتهاوى بنيانها من القواعد، وتبقى أثرًا بعد عين، ويأتي الناس من مكان بعيد ليروا ما حققه الأجداد من إنجازات، وتكون هذه الآثار دليلا واضح المعالم على ما يفعله الفساد والطغيان بأهله وأن البشرية على ميعاد جديد، ومرحلة قادمة ليصنع التاريخ حضارات جديدة، وأن الحضارات قديمها وجديدها مهما علت، وعلت رسومها فمآلها إلى زوال، وأن العدل والإنصاف هما عنصرا المعادلة، وهما السبب في بقاء الحضارة وتعاظم إنجازاتها.
تلكم الحضارات: قديمها وحديثها.. علو في الهمة، وتميز في القمة وتفرد في العطاء والمنحة!
ذلكم الإسلام الذي سطر بأحرف من نور معالم حضارة جمعت في أصولها وفروعها بين الدنيا والآخرة، منهاجها من السماء، ونبيها خاتم الأنبياء، ومعجزتها التي تؤيد صدق بلاغ الأنبياء عن الله تعالى، إنها الأمة المؤهلة لقيادة ركب البشرية إلى صراط الله المستقيم، التي قال عنها رب الأرض والسماء: «وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا» (البقرة: 143)، وقال عنها كذلك: «كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله» آل عمران: 110.
ذلكم هو الإسلام وتلك حضارته المتأبية على الزوال، الباقية رغم تطاول الزمان وتبدل المكان.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك