العدد : ١٧٦٦٥ - الثلاثاء ٠٤ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢١ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٦٥ - الثلاثاء ٠٤ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢١ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

36 عاما على الغزو العراقي للكويت عام 1990

بقلم: د. محمد الرميحي {

الاثنين ٠٣ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬فجر‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬أغسطس‭ ‬عام‭ ‬1990‭ ‬حدث‭ ‬أمر‭ ‬جلل‭ ‬شهده‭ ‬جيلنا،‭ ‬استيقظ‭ ‬الكويتيون‭ ‬على‭ ‬غزو‭ ‬غادر،‭ ‬ست‭ ‬وثلاثون‭ ‬سنة‭ ‬مرت‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬الحدث‭ ‬الجلل‭. ‬مَن‭ ‬عاش‭ ‬تلك‭ ‬الأيام‭ ‬يتذكر‭ ‬تفاصيل‭ ‬كثيرة‭ ‬مفزعة،‭ ‬ربما‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬في‭ ‬الكتب،‭ ‬أما‭ ‬الجيل‭ ‬الذي‭ ‬ولد‭ ‬بعد‭ ‬الكارثة‭ ‬فهو‭ ‬يسمع‭ ‬القصة‭ ‬من‭ ‬أهله‭ ‬لأنهم‭ ‬عاشوها‭... ‬أنا‭ ‬أعود‭ ‬إليها‭ ‬اليوم‭ ‬للتذكير‭ ‬بأن‭ ‬المنطقة،‭ ‬كما‭ ‬نعيش‭ ‬أحداثها،‭ ‬مازالت‭ ‬تعج‭ ‬بطموحات‭ ‬التوسع،‭ ‬ومخاطر‭ ‬المغامرات‭ ‬العسكرية،‭ ‬وحتى‭ ‬شن‭ ‬الحروب‭! ‬وأستحضرها‭ ‬لأن‭ ‬الطموح‭ ‬للهيمنة‭ ‬خارج‭ ‬الحدود‭ ‬مازال‭ ‬يمثل‭ ‬تحدياً‭ ‬وجودياً‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭.‬

قبل‭ ‬الغزو‭ ‬العراقي‭ ‬للكويت‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬التفاؤل‭ ‬يسود‭ ‬المنطقة،‭ ‬فقد‭ ‬انتهت‭ ‬الحرب‭ ‬العراقية‭ - ‬الإيرانية‭ ‬الشرسة‭ ‬بعد‭ ‬ثماني‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬الصراع،‭ ‬أصابت‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬منها‭ ‬جروح‭ ‬كثيرة،‭ ‬وأصابت‭ ‬الكويت‭ ‬مباشرة‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مناسبة‭ ‬إصابات‭ ‬اقتصادية‭ ‬وسياسية،‭ ‬وكنا‭ ‬نأمل‭ ‬أن‭ ‬يعقب‭ ‬العاصفة‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬الهدوء،‭ ‬ولكن‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬أيضاً‭ ‬سؤال‭ ‬يقلق‭ ‬الكثيرين،‭ ‬كيف‭ ‬ستتعامل‭ ‬الدولتان‭ ‬المتحاربتان‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬خلفته‭ ‬الحرب‭ ‬من‭ ‬سلاح‭ ‬وجيوش‭ ‬وطموحات‭ ‬مع‭ ‬طموحات‭ ‬التوسع؟

قبل‭ ‬ذلك‭ ‬بسنوات‭ ‬كانت‭ ‬الكويت‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬دفعت‭ ‬باتجاه‭ ‬لحمة‭ ‬خليجية،‭ ‬تجمع‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭. ‬وفي‭ ‬أبوظبي‭ ‬عام‭ ‬1981،‭ ‬ولد‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية‭. ‬يومها‭ ‬رحبت‭ ‬الدول‭ ‬الست‭ ‬بالفكرة،‭ ‬واتخذ‭ ‬القادة‭ ‬وقتها،‭ ‬رحمهم‭ ‬الله‭ ‬جميعاً،‭ ‬قراراً‭ ‬تاريخياً‭. ‬ربما‭ ‬لم‭ ‬يتصور‭ ‬أحد‭ ‬وقتها‭ ‬أن‭ ‬المجلس‭ ‬سوف‭ ‬يواجه‭ ‬بعد‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬عشر‭ ‬سنوات‭ ‬امتحاناً‭ ‬من‭ ‬النوع‭ ‬الذي‭ ‬واجهه‭ ‬في‭ ‬أغسطس‭ ‬1990‭.‬

القيادة‭ ‬العراقية‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬أخذتها‭ ‬حسابات‭ ‬ثبت‭ ‬سريعاً‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬كارثية‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬أحد‭ ‬من‭ ‬أهل‭ ‬الحكم‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬وقتها،‭ ‬كما‭ ‬قرأنا‭ ‬لاحقاً‭ ‬في‭ ‬مذكراتهم،‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يناقش‭ ‬ما‭ ‬يتخذه‭ ‬الرئيس‭ ‬العراقي‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬من‭ ‬قرارات،‭ ‬تلك‭ ‬صفات‭ ‬الدكتاتورية،‭ ‬فقام‭ ‬بغزو‭ ‬بلد‭ ‬جار‭ ‬ومسالم،‭ ‬وشعب‭ ‬لم‭ ‬يتأخر‭ ‬عن‭ ‬نصرة‭ ‬القضايا‭ ‬العربية،‭ ‬واعتقد‭ ‬أن‭ ‬الأمر‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬حقيقة‭ ‬سياسية‭ ‬يقبل‭ ‬بها‭ ‬الآخرون‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت‭. ‬ورافق‭ ‬هذا‭ ‬شن‭ ‬حرب‭ ‬إعلامية‭ ‬شعواء‭ ‬ضد‭ ‬الكويت‭ ‬ودول‭ ‬الخليج‭ ‬كانت‭ ‬شرسة‭ ‬وظالمة‭.‬

كانت‭ ‬سبعة‭ ‬أشهر‭ ‬من‭ ‬الاحتلال‭ ‬كما‭ ‬شهدها‭ ‬أهلنا‭ ‬سوداء‭ ‬بكل‭ ‬معنى‭ ‬الكلمة‭. ‬وفي‭ ‬تلك‭ ‬المحنة‭ ‬ظهر‭ ‬أيضاً‭ ‬ما‭ ‬يعنيه‭ ‬التلاحم‭ ‬الوطني‭ ‬الكويتي،‭ ‬واعتبرت‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬أن‭ ‬العدوان‭ ‬عليها‭ ‬أيضاً‭. ‬فقد‭ ‬استقبلت‭ ‬أهلنا‭ ‬الكويتيين‭ ‬الذين‭ ‬خرجوا‭ ‬قسراً‭ ‬من‭ ‬بلدهم،‭ ‬وتحركت‭ ‬تلك‭ ‬الدول‭ ‬لإنهاء‭ ‬الاحتلال‭. ‬كانت‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬في‭ ‬المقدمة،‭ ‬ومعها‭ ‬كل‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭. ‬ربما‭ ‬الحقيقة‭ ‬الأساسية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬خلاف‭ ‬عليها‭ ‬أن‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬اعتبرت‭ ‬العدوان‭ ‬قضية‭ ‬أمن‭ ‬خليجي‭ ‬مشترك‭.‬

في‭ ‬وسط‭ ‬تلك‭ ‬الأحداث‭ ‬كانت‭ ‬القيادة‭ ‬الكويتية‭ ‬تدير‭ ‬شؤون‭ ‬الداخل‭ ‬والخارج،‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬استثنائية‭. ‬وفي‭ ‬27‭ ‬سبتمبر‭ ‬1990‭ ‬حضر‭ ‬الأمير‭ ‬الراحل‭ ‬الشيخ‭ ‬جابر‭ ‬الأحمد‭ ‬الصباح‭ ‬إلى‭ ‬نيويورك‭ ‬وخاطب‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭. ‬أتذكر‭ ‬ذلك‭ ‬المشهد‭. ‬أعضاء‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة‭ ‬بعد‭ ‬الخطاب‭ ‬وقفوا‭ ‬وصفقوا‭ ‬له‭ ‬دقائق‭.‬

قال‭ ‬الشيخ‭ ‬جابر‭: ‬‮«‬لقد‭ ‬جئت‭ ‬اليوم‭ ‬إليكم‭ ‬حاملاً‭ ‬رسالة‭ ‬شعب‭ ‬أحب‭ ‬السلام،‭ ‬وعمل‭ ‬من‭ ‬أجله،‭ ‬ومد‭ ‬يد‭ ‬العون‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬استحقها،‭ ‬وسعى‭ ‬إلى‭ ‬الخير‭ ‬والصلح‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬تنازعوا،‭ ‬وتعرض‭ ‬أمنه‭ ‬واستقراره‭ ‬ليد‭ ‬العبث‮»‬‭.‬

الأهم‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلي‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الكلمة‭ ‬أن‭ ‬الرجل‭ ‬تحدث‭ ‬عن‭ ‬المستقبل‭ ‬فقال‭: ‬‮«‬إن‭ ‬خروج‭ ‬الغزاة‭ ‬لا‭ ‬ريب‭ ‬فيه‭ ‬بإذن‭ ‬الله‭ ‬العلي‭ ‬القدير،‭ ‬وسنعود‭ ‬إلى‭ ‬كويتنا‭ ‬كما‭ ‬عهدناها‭ ‬دار‭ ‬أمن‭ ‬وأمان‮»‬‭.. ‬وقد‭ ‬عدنا‭.‬

ولكن‭ ‬المحتل‭ ‬مع‭ ‬هزيمته‭ ‬فعل‭ ‬شيئاً‭ ‬يصعب‭ ‬نسيانه‭.. ‬أحرق‭ ‬وفجر‭ ‬آبار‭ ‬النفط‭. ‬وكان‭ ‬عليّ‭ ‬أن‭ ‬أعود‭ ‬إلى‭ ‬الكويت‭ ‬سريعاً‭ ‬بعد‭ ‬التحرير‭. ‬مع‭ ‬فريق‭ ‬دولي،‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬صورة‭ ‬تلك‭ ‬العودة‭ ‬في‭ ‬ذهني‭. ‬اقتربت‭ ‬الطائرة‭ ‬من‭ ‬الكويت‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬النهار،‭ ‬ونظرت‭ ‬من‭ ‬النافذة،‭ ‬فإذا‭ ‬النهار‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬الليل‭. ‬الدخان‭ ‬غطى‭ ‬السماء،‭ ‬ورائحة‭ ‬الحريق‭ ‬كانت‭ ‬إعلاناً‭ ‬آخر‭ ‬لحجم‭ ‬الخراب‭ ‬الذي‭ ‬تركه‭ ‬الغزاة‭ ‬وراءهم‭.‬

هرب‭ ‬الغازي‭ ‬وبقيت‭ ‬الكويت‭. ‬لم‭ ‬يتحقق‭ ‬ذلك‭ ‬إلا‭ ‬بالتضحيات‭. ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬شعب‭ ‬رفض‭ ‬الاحتلال،‭ ‬وقيادة‭ ‬تمسكت‭ ‬بشرعية‭ ‬الدولة،‭ ‬وكان‭ ‬هناك‭ ‬موقف‭ ‬خليجي‭ ‬مناصر‭ ‬وداعم،‭ ‬وموقف‭ ‬عربي‭ ‬ودولي‭ ‬مؤيد،‭ ‬رأى‭ ‬أن‭ ‬السماح‭ ‬بابتلاع‭ ‬دولة‭ ‬مستقلة‭ ‬سوف‭ ‬تكون‭ ‬له‭ ‬نتائج‭ ‬كارثية‭.‬

بعد‭ ‬ست‭ ‬وثلاثين‭ ‬سنة‭ ‬لا‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬المطلوب‭ ‬هو‭ ‬استدعاء‭ ‬الكراهية‭... ‬المطلوب‭ ‬شيء‭ ‬آخر،‭ ‬ألا‭ ‬ننسى‭ ‬الدرس‭. ‬هو‭ ‬ترسيخ‭ ‬السيادة‭ ‬والتضامن‭ ‬الخليجي،‭ ‬ذلك‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬جهد،‭ ‬لأن‭ ‬المخاطر‭ ‬تغيرت‭ ‬في‭ ‬الظاهر،‭ ‬ولكنها‭ ‬مستمرة‭ ‬في‭ ‬الجوهر‭.‬

فالمنطقة‭ ‬لم‭ ‬تصبح‭ ‬أكثر‭ ‬أمناً‭. ‬تغيرت‭ ‬الوجوه،‭ ‬أما‭ ‬فكرة‭ ‬التوسع‭ ‬فمازالت‭ ‬حاضرة‭. ‬وما‭ ‬نشاهده‭ ‬حولنا‭ ‬يقول‭ ‬إن‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية‭ ‬مازالت‭ ‬مهددة،‭ ‬عندما‭ ‬يعتقد‭ ‬طرف‭ ‬ما‭ ‬أن‭ ‬القوة‭ ‬تعطيه‭ ‬حق‭ ‬تقرير‭ ‬مصير‭ ‬الآخرين‭. ‬اليوم‭ ‬يرسل‭ ‬الحوثيون‭ ‬مسيَّراتهم‭ ‬إلى‭ ‬السعودية،‭ ‬مهددين‭ ‬بإغلاق‭ ‬مضيق‭ ‬باب‭ ‬المندب،‭ ‬وعصابات‭ ‬الشر‭ ‬ترسل‭ ‬مسيراتها‭. ‬إننا‭ ‬نعيش‭ ‬في‭ ‬جيرة‭ ‬عظيمة‭ ‬المخاطر‭. ‬إذ‭ ‬يستمر‭ ‬لدى‭ ‬بعضهم‭ ‬الصلف‭ ‬المذهبي‭!‬

آخر‭ ‬الكلام‭: ‬بعد‭ ‬ست‭ ‬وثلاثين‭ ‬سنة‭ ‬مازلت‭ ‬أرى‭ ‬صورة‭ ‬الكويت‭ ‬من‭ ‬نافذة‭ ‬تلك‭ ‬الطائرة‭: ‬نهاراً‭ ‬غطاه‭ ‬دخان‭ ‬الآبار‭ ‬المحترقة،‭ ‬ومازال‭ ‬البعض‭ ‬يرغب‭ ‬في‭ ‬إحلال‭ ‬الظلام‭ ‬من‭ ‬جديد‭!‬

{أستاذ‭ ‬علم‭ ‬الاجتماع

السياسي‭ ‬بجامعة‭ ‬الكويت‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا