أثارت الاعتداءات الأخيرة التي استهدفت منشآت حيوية ونفطية في منطقتي الشرقية والرياض بواسطة طائرات مسيرة أطلقتها مليشيات موالية لإيران موجة تنديد وتضامن عربية وخليجية واسعة داعمةً لحق المملكة العربية السعودية الأصيل في الدفاع عن النفس وصون أمنها وسلامة أراضيها.
وكانت دول مجلس التعاون الخليجي في مقدمة الدول التي أدانت تلك الاعتداءات، واعتبرت استهداف منشآت الطاقة تهديداً مباشراً للأمن الإقليمي واستقرار الاقتصاد العالمي، في رسالة واضحة لطهران بأن دول المجلس تقف في خندق واحد في مواجهة الصلف الإيراني. كما عبرت دول المجلس عن تأييدها للضربات الجوية الدقيقة التي نفذتها القوات المسلحة السعودية بالتعاون مع القيادة العسكرية الأمريكية (سنتكوم) ضد مقرات ومستودعات لوجستية تابعة للمليشيات الموالية لإيران في العراق.
ويعكس هذا التأييد الإقليمي تحولاً استراتيجياً بارزاً في المقاربة الأمنية الخليجية؛ حيث باتت دول المجلس تنظر إلى استهداف أمن الطاقة ومنشآت النفط في المملكة كتهديد مباشر للأمن القومي المشترك، ما شرعن التحرك العسكري الأخير كأداة ردع جماعية وحق أصيل في الدفاع النفس وفق المواثيق الدولية.
وفي ظل تأكيد وزارة الدفاع السعودية أن الرياض لا تسعى للتصعيد لكنها لن تتوانى في الرد بحزم على أي عدوان، يلوح في الأفق تحول لافت في العقيدة الاستراتيجية العسكرية نحو «الردع الاستباقي والنشط».
إن هذا التحول -المتمثل في استهداف مصادر النيران ومواقع الفصائل العابرة للحدود المرتبطة بإيران- يعكس قناعة متزايدة باستنفاد جدوى الاكتفاء بالدفاع البحت في مواجهة التهديدات الإقليمية المستمرة، وإن استهداف مصادر النيران ومقرات الفصائل المعتدية يبعث رسالة حاسمة لطهران؛ بأن كلفة الاعتداء ستكون باهظة وفورية، وأن مبدأ (الانكار المقبول) قد انتهى إلى غير رجعة». كما أن هذا التغيير في «الاستراتيجية العسكرية السعودية»، ومسارعة دول مجلس التعاون لتأييد الضربات السعودية ضد أهداف داخل الأراضي العراقية، يعمق من المأزق السياسي للحكومة في بغداد.
فالغطاء الخليجي والأمريكي الممنوح لهذه الهجمات المحددة يُظهر بوضوح ضيق ذرع العواصم الخليجية من استمرار اتخاذ الفصائل المسلحة للعراق منطلقا لتهديد دول الجوار، وهو ما يضع التعهدات الرسمية العراقية بحصر السلاح بيد الدولة أمام اختبار حقيقي وحرج في إطار الحفاظ على علاقاتها الاقليمية المتوازنة، وإذا لم تتحرك في هذا الاتجاه وبسرعة عالية، وتُبقي الحال على ما هو عليه، فإن عليها تحمل نتائج هذا الموقف.
أما بخصوص إيران فهي لن تتنازل عن وكلائها في العراق واليمن ولبنان بسهولة؛ لأنها تريد اليوم أن تجني ثمرات ما زرعته على امتداد سنوات، فهي قامت بتربيتهم، ورعايتهم حتى شبوا عن الطوق، وجاء الوقت التي تقطف فيه ثمار ما زرعته في بغداد وصنعاء وبيروت من خلال تحريك هذه المجاميع في مواجهة خصومها. والسؤال الذي يطرح في هذا السياق هو: ما الركائز التي تستند عليها طهران في سلوكها العدواني عبر وكلائها في المنطقة؟
بعيداً عن القراءات المؤدلجة والتحليلات المنطلقة من المواقف المسبقة، فإن قراءة سلوك طهران العسكري عبر وكلائها في المنطقة تظهر تكتيكا مدروسا بعناية، يقوم على عدة ركائز أساسية:
أولاً: محاولة نقل المعركة من الجغرافيا الإيرانية إلى جغرافية الوكلاء؛ وهنا تسعى طهران إلى إبعاد أي مواجهة عسكرية مباشرة عن حدودها الجغرافية. ومن خلال الإيعاز لفصائلها في العراق أو اليمن ولبنان بتنفيذ هجمات بالصواريخ والمسيرات، تحاول إيران فرض قواعد اشتباك تضمن بقاء الداخل الإيراني آمناً، بينما تتحول الدول الحاضنة لهذه الفصائل إلى ساحات لتصفية الحسابات وامتصاص ردود الفعل العسكرية المضادة.
ثانياً: عقيدة «الحرب الهجينة» والانكار المقبول؛ وهي استراتيجية عسكرية سياسية توظفها إيران في حربها الحالية حيث تعتمد إيران على توظيف الجغرافيا السياسية المعقدة للشرق الأوسط عبر ما يعرف بالإنكار المقبول؛ فيتم تنفيذ الضربات من أراض غير إيرانية وبأيدي فصائل محلية، ما يمنح نظام الملالي هامشاً للمناورة الدبلوماسية، ويجعل من الصعب اتخاذ قرارات دولية بشن ضربات عسكرية مباشرة ضد طهران يمكن ان يكون لها تبعات قانونية معقدة.
ثالثاً: الضغط النفطي وابتزاز الاقتصاد العالمي؛ تدرك إيران أن استهداف المنشآت النفطية في السعودية هو ضربة لعصب الطاقة الدولي، ولشرايين الاقتصاد العالمي. تهدف طهران من خلال هذا التهديد المستمر لخطوط الإمداد إلى رفع كلفة التأمين البحري، والضغط على القوى الدولية لتخفيف العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، وفرض معادلة أمنية مفادها: «إما أن يصدر الجميع نفطهم بأمان، وإما يتضرر أمن الطاقة للجميع».
رابعاً: توظيف الضربات في ملفات التفاوض؛ غالباً ما تتزامن هذه الضربات التصعيدية مع منعطفات سياسية مهمة، مثل المفاوضات المتعلقة بالملف النووي أو الترتيبات الأمنية الإقليمية؛ حيث تستخدم المسيرات والصواريخ كـ«أوراق ضغط تفاوضية» لإثبات أن استقرار المنطقة يمر حتماً عبر التوافق مع طهران.
فإذا كانت إيران تنطلق في استراتيجيتها السياسية والعسكرية من هذه العقيدة، وتعمل على تنفيذها، فإن السؤال المهم والجوهري هو كيف يمكن تفكيك «العقيدة الإيرانية»؟
هنا، يذهب بعض المحللين في الإجابة عن هذا السؤال إلى القول: إن مواجهة هذه العقيدة القائمة على توظيف الوكلاء وحروب الظل لا يمكن أن تقتصر على الأدوات الدفاعية التقليدية، بل تتطلب استراتيجية شاملة تعيد رسم قواعد الاشتباك وتجرد طهران من اوراقها في المنطقة. ويحددون ملامح هذا التصدي في ثلاثة مسارات رئيسية:
المسار الأول: الانتقال إلى «الردع النشط»؛ أثبتت التطورات أن الاكتفاء بصد الصواريخ والمسيرات عبر المنظومات الدفاعية -رغم كفاءتها العالية- يمثل استنزافاً اقتصادياً وعسكرياً مستمراً. لذا، فإن استهداف مصادر النيران ومقرات القيادة والسيطرة للفصائل المعتدية يبعث رسالة حاسمة لطهران ووكلائها بأن كلفة الاعتداء ستكون باهظة وفورية، ما يكسر مبدأ «الانكار المقبول» الذي تتخفى خلفه إيران.
المسار الثاني: بناء مظلة أمنية دولية؛ يتطلب التصدي الفعال تطوير شبكات إنذار مبكر ودفاع جوي وبحري متكاملة بالتنسيق مع الحلفاء الدوليين لمراقبة وضبط الطائرات المسيرة وتهريب الأسلحة عبر البحار.
المسار الثالث: تقوية الدولة الوطنية وسحب البساط؛ يبقى السلاح الأطول أثراً لتقويض العقيدة الإيرانية هو استعادة سيادة الدولة الوطنية في عواصم النفوذ مثل بغداد وصنعاء وبيروت. ذلك أن دعم المؤسسات العسكرية الرسمية في هذه الدول هو السبيل الوحيد لسحب البساط من تحت أقدام الفصائل المسلحة وتحويلها من «أوراق ضغط إقليمية» إلى عبء سياسي داخلي.
في الختام، يمر أمن الشرق الأوسط بمنعطف تاريخي يفرض صياغة معادلة ردع جديدة، ولم تعد المسألة تتعلق بحسم معركة عابرة، بل بإنهاء زمن الحروب بالوكالة، وإجبار القوى الإقليمية على احترام سيادة الدول وحسن الجوار كشرط أساسي لاستقرار المنطقة وازدهارها.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك