قبل سنوات عديدة، وبينما كنت أتابع دراستي للدكتوراه في جامعة جورج واشنطن، حضرت مقررًا عما يُعرف في الجامعات الأمريكية بـ«الصراع العربي الإسرائيلي». كانت أستاذة المقرر أستاذة زائرة من جامعة تل أبيب، ولم يكن مستغربًا أن تقدم الرواية الإسرائيلية للصراع أو أن تدافع عنها. لكن ما شد انتباهي لم يكن مضمون دفاعها، بل الطريقة التي كانت تطرح بها تلك الرواية باعتبارها أيضًا الرواية الأمريكية. في كل محاضرة تقريبًا، لم تكن الولايات المتحدة وإسرائيل تُقدَّمان كحليفين تجمعهما مصالح استراتيجية يمكن أن تتغير بتغير الظروف، بل كامتداد طبيعي لبعضهما بعضا. كان الحديث يوحي بأن الدفاع عن إسرائيل ليس مجرد خيار في السياسة الخارجية الأمريكية، وإنما جزء من تعريف أمريكا لنفسها، وكأن البلدين، سياسيًا وأخلاقيًا، جسدان بروح واحدة.
خرجت من تلك القاعة بسؤال ظل يرافقني سنوات: هل هذه العلاقة حقيقة تاريخية ثابتة لا تتغير، أم أنها نتاج مرحلة معينة في تطور المجتمع الأمريكي؟
بعد سنوات عديدة، وجدتني أستعيد ذلك السؤال وأنا أتابع المقابلة المطولة التي أجراها نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس مع الإعلامي جو روجان. لم يكن ما أثار اهتمامي هو الجدل الواسع الذي صاحب تصريحاته بشأن جيفري إبستين، ولا ما طرحه من قناعات حول علاقات إبستين المحتملة بأجهزة استخبارات إسرائيلية، وإنما ما كشفته المقابلة من تحول أعمق في اللغة السياسية الأمريكية، وفي طبيعة النقاش الذي بات ممكنًا داخل أعلى مستويات السلطة في واشنطن.
الذي نقع فيه كثيرًا في العالم العربي هو أننا نتعامل مع الولايات المتحدة باعتبارها دولة تتحدث بصوت واحد، بينما يكشف حقل الدراسات الأمريكية أن أمريكا ليست صوتًا واحدًا، ولا هوية واحدة، ولا حتى رواية واحدة. إنها مجتمع واسع تتنافس داخله رؤى مختلفة حول معنى أمريكا نفسها، وحول دورها في العالم، وحول القيم التي ينبغي أن تمثلها.
لقد لفتت الباحثة الأمريكية إيمي كابلان الانتباه إلى أن الإمبراطوريات لا تُبنى بالقوة العسكرية وحدها، بل أيضًا بالثقافة، وبالقصص التي ترويها المجتمعات عن نفسها وعن الآخرين. فالصورة التي ترسمها أمة لنفسها تحدد، إلى حد بعيد، الطريقة التي ترى بها العالم وتتعامل معه.
ومن هذا المنظور، لا تبدأ السياسة الخارجية في أروقة وزارات الخارجية، بل تبدأ في المدارس والجامعات، وفي وسائل الإعلام، وفي الأفلام، وفي الخطاب العام الذي يحدد من هو «نحن»، ومن هو «الآخر».
ولسنوات طويلة، كانت إسرائيل جزءًا من هذه السردية الأمريكية. لم تكن مجرد حليف استراتيجي، بل كانت تُقدَّم في كثير من الخطابات السياسية والثقافية باعتبارها امتدادًا لقيم الديمقراطية الغربية، ورمزًا لجزء من الهوية السياسية الأمريكية. لكن السرديات، مثل المجتمعات، ليست ثابتة. إنها تتغير حين تتغير الأجيال، وتتبدل مصادر المعرفة، وتتغير الخبرات التي تشكل الوعي العام.
ومن هنا، ربما يمكن فهم التحولات التي شهدها المجتمع الأمريكي خلال العقدين الأخيرين.
فحين جاء الربيع العربي، انشغل كثيرون بمتابعة ما جرى في القاهرة وتونس وصنعاء ودمشق. لكن ما لم يحظ بالاهتمام الكافي هو أن تلك اللحظة التاريخية لم تبق داخل الحدود العربية. ففي الفترة نفسها تقريبًا، شهدت الولايات المتحدة حركة «احتلوا وول ستريت»، التي رفعت شعارات مختلفة، لكنها عبّرت عن قلق مشابه تجاه العدالة الاجتماعية، والتمثيل السياسي، واتساع الفجوة بين السلطة والمجتمع.
لم يكن ميدان التحرير وحديقة زوكوتى في نيويورك المكان نفسه، ولم يكونا يواجهان التحديات ذاتها، لكنهما عبّرا عن حقيقة أعمق: أن الأفكار لم تعد تسافر في اتجاه واحد من الغرب إلى الشرق، كما كان يُفترض على مدى عقود، بل أصبحت تنتقل في كل الاتجاهات. صار الناشط الأمريكي يتابع ما يجرى في القاهرة، كما يتابع الشاب العربي ما يحدث في نيويورك. وأصبحت وسائل التواصل الاجتماعي تخلق فضاءً عامًا عابرًا للحدود، تتلاقى فيه التجارب الإنسانية مهما اختلفت سياقاتها.
ومنذ ذلك الوقت، بدأت تظهر ملامح جيل أمريكي مختلف.
جيل لم يتشكل وعيه عبر نشرات الأخبار التقليدية وحدها، بل عبر الهواتف الذكية، ومنصات التواصل الاجتماعي، والبث المباشر، والشهادات القادمة من مختلف أنحاء العالم. جيل أصبح أكثر استعدادًا لطرح الأسئلة، وأقل ميلًا إلى التعامل مع المسلمات السياسية بوصفها حقائق نهائية.
وفي هذا السياق، برزت القضية الفلسطينية بصورة مختلفة عما عرفته الأجيال السابقة. فلم تعد بالنسبة إلى كثير من الشباب الأمريكي مجرد ملف في السياسة الخارجية، بل أصبحت جزءًا من نقاش أوسع حول حقوق الإنسان، والقانون الدولي، واستخدام القوة، وحدود المسؤولية الأخلاقية للدول الديمقراطية.
ولا يمكن فهم هذا التحول من دون الالتفات إلى التغيرات العميقة التي شهدها المجتمع الأمريكي نفسه. فالعرب والمسلمون في الولايات المتحدة لم يعودوا مجرد جاليات مهاجرة تعيش على هامش الحياة العامة، بل أصبحوا جزءًا من نسيجها السياسي والثقافي، يدرسون في الجامعات، ويعملون في وسائل الإعلام، ويخوضون الانتخابات، ويشاركون في مؤسسات المجتمع المدني، ويقدمون رواياتهم بوصفهم مواطنين أمريكيين، لا مجرد مراقبين من الخارج.
وبالتوازي مع ذلك، لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد وسائل لنقل الأخبار، بل أصبحت فضاءات يعاد فيها تشكيل الرأي العام، وتتراجع فيها قدرة المؤسسات التقليدية على احتكار السردية. ولأول مرة منذ عقود، باتت صور الحروب وشهادات المدنيين تصل مباشرة إلى ملايين الأمريكيين، من دون المرور بالضرورة عبر الفلاتر التحريرية التي كانت تتحكم في تدفق المعلومات.
إن ما يجرى اليوم داخل الولايات المتحدة لا يمكن اختزاله في خلاف بين سياسيين، أو في انقسام حزبي بين الجمهوريين والديمقراطيين. إنه يعكس، بدرجة أكبر، صراعًا بين سرديات مختلفة حول معنى أمريكا، ودورها في العالم، وطبيعة القيم التي تريد أن تمثلها في القرن الحادي والعشرين.
ولهذا، فإن فهم الولايات المتحدة اليوم يتطلب أكثر من متابعة الانتخابات أو استطلاعات الرأي. إنه يتطلب فهم الحراك الأكاديمي والطلابي داخل الجامعات، والحركات الاجتماعية، والتحولات الديموغرافية، والثقافة الرقمية، والأجيال الجديدة التي تعيد تعريف السياسة خارج الأطر التقليدية.
فالدول لا تتغير فقط بتبدل الرؤساء، بل حين تتغير القصص التي يرويها الناس عن أنفسهم.
وربما يكون التحول الأهم الذي نشهده اليوم ليس تغيرًا في السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل بقدر ما هو بداية إعادة كتابة إحدى أكثر السرديات تأثيرًا في التاريخ السياسي الأمريكي الحديث. وعندما تتغير السردية، فإن السياسة لا تلبث أن تلحق بها، وإن كان ذلك ببطء، وبقدر كبير من الجدل والمقاومة.
{ أكاديمي مختص في الدراسات الأمريكية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك