العدد : ١٧٦٦٦ - الأربعاء ٠٥ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٢ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٦٦ - الأربعاء ٠٥ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٢ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

قراءة في تحولات الوعي الأمريكي تجاه إسرائيل

بقلم: د. عيد محمد

الأربعاء ٠٥ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

قبل‭ ‬سنوات‭ ‬عديدة،‭ ‬وبينما‭ ‬كنت‭ ‬أتابع‭ ‬دراستي‭ ‬للدكتوراه‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬جورج‭ ‬واشنطن،‭ ‬حضرت‭ ‬مقررًا‭ ‬عما‭ ‬يُعرف‭ ‬في‭ ‬الجامعات‭ ‬الأمريكية‭ ‬بـ«الصراع‭ ‬العربي‭ ‬الإسرائيلي‮»‬‭. ‬كانت‭ ‬أستاذة‭ ‬المقرر‭ ‬أستاذة‭ ‬زائرة‭ ‬من‭ ‬جامعة‭ ‬تل‭ ‬أبيب،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬مستغربًا‭ ‬أن‭ ‬تقدم‭ ‬الرواية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬للصراع‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬تدافع‭ ‬عنها‭. ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬شد‭ ‬انتباهي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مضمون‭ ‬دفاعها،‭ ‬بل‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تطرح‭ ‬بها‭ ‬تلك‭ ‬الرواية‭ ‬باعتبارها‭ ‬أيضًا‭ ‬الرواية‭ ‬الأمريكية‭. ‬في‭ ‬كل‭ ‬محاضرة‭ ‬تقريبًا،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإسرائيل‭ ‬تُقدَّمان‭ ‬كحليفين‭ ‬تجمعهما‭ ‬مصالح‭ ‬استراتيجية‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتغير‭ ‬بتغير‭ ‬الظروف،‭ ‬بل‭ ‬كامتداد‭ ‬طبيعي‭ ‬لبعضهما‭ ‬بعضا‭. ‬كان‭ ‬الحديث‭ ‬يوحي‭ ‬بأن‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬إسرائيل‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬خيار‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬وإنما‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬تعريف‭ ‬أمريكا‭ ‬لنفسها،‭ ‬وكأن‭ ‬البلدين،‭ ‬سياسيًا‭ ‬وأخلاقيًا،‭ ‬جسدان‭ ‬بروح‭ ‬واحدة‭.‬

خرجت‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬القاعة‭ ‬بسؤال‭ ‬ظل‭ ‬يرافقني‭ ‬سنوات‭: ‬هل‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬حقيقة‭ ‬تاريخية‭ ‬ثابتة‭ ‬لا‭ ‬تتغير،‭ ‬أم‭ ‬أنها‭ ‬نتاج‭ ‬مرحلة‭ ‬معينة‭ ‬في‭ ‬تطور‭ ‬المجتمع‭ ‬الأمريكي؟

بعد‭ ‬سنوات‭ ‬عديدة،‭ ‬وجدتني‭ ‬أستعيد‭ ‬ذلك‭ ‬السؤال‭ ‬وأنا‭ ‬أتابع‭ ‬المقابلة‭ ‬المطولة‭ ‬التي‭ ‬أجراها‭ ‬نائب‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬جيه‭ ‬دي‭ ‬فانس‭ ‬مع‭ ‬الإعلامي‭ ‬جو‭ ‬روجان‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ما‭ ‬أثار‭ ‬اهتمامي‭ ‬هو‭ ‬الجدل‭ ‬الواسع‭ ‬الذي‭ ‬صاحب‭ ‬تصريحاته‭ ‬بشأن‭ ‬جيفري‭ ‬إبستين،‭ ‬ولا‭ ‬ما‭ ‬طرحه‭ ‬من‭ ‬قناعات‭ ‬حول‭ ‬علاقات‭ ‬إبستين‭ ‬المحتملة‭ ‬بأجهزة‭ ‬استخبارات‭ ‬إسرائيلية،‭ ‬وإنما‭ ‬ما‭ ‬كشفته‭ ‬المقابلة‭ ‬من‭ ‬تحول‭ ‬أعمق‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬السياسية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬وفي‭ ‬طبيعة‭ ‬النقاش‭ ‬الذي‭ ‬بات‭ ‬ممكنًا‭ ‬داخل‭ ‬أعلى‭ ‬مستويات‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬واشنطن‭.‬

الذي‭ ‬نقع‭ ‬فيه‭ ‬كثيرًا‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬هو‭ ‬أننا‭ ‬نتعامل‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬باعتبارها‭ ‬دولة‭ ‬تتحدث‭ ‬بصوت‭ ‬واحد،‭ ‬بينما‭ ‬يكشف‭ ‬حقل‭ ‬الدراسات‭ ‬الأمريكية‭ ‬أن‭ ‬أمريكا‭ ‬ليست‭ ‬صوتًا‭ ‬واحدًا،‭ ‬ولا‭ ‬هوية‭ ‬واحدة،‭ ‬ولا‭ ‬حتى‭ ‬رواية‭ ‬واحدة‭. ‬إنها‭ ‬مجتمع‭ ‬واسع‭ ‬تتنافس‭ ‬داخله‭ ‬رؤى‭ ‬مختلفة‭ ‬حول‭ ‬معنى‭ ‬أمريكا‭ ‬نفسها،‭ ‬وحول‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬وحول‭ ‬القيم‭ ‬التي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تمثلها‭.‬

لقد‭ ‬لفتت‭ ‬الباحثة‭ ‬الأمريكية‭ ‬إيمي‭ ‬كابلان‭ ‬الانتباه‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الإمبراطوريات‭ ‬لا‭ ‬تُبنى‭ ‬بالقوة‭ ‬العسكرية‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬بالثقافة،‭ ‬وبالقصص‭ ‬التي‭ ‬ترويها‭ ‬المجتمعات‭ ‬عن‭ ‬نفسها‭ ‬وعن‭ ‬الآخرين‭. ‬فالصورة‭ ‬التي‭ ‬ترسمها‭ ‬أمة‭ ‬لنفسها‭ ‬تحدد،‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬بعيد،‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬ترى‭ ‬بها‭ ‬العالم‭ ‬وتتعامل‭ ‬معه‭.‬

‭ ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنظور،‭ ‬لا‭ ‬تبدأ‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬في‭ ‬أروقة‭ ‬وزارات‭ ‬الخارجية،‭ ‬بل‭ ‬تبدأ‭ ‬في‭ ‬المدارس‭ ‬والجامعات،‭ ‬وفي‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام،‭ ‬وفي‭ ‬الأفلام،‭ ‬وفي‭ ‬الخطاب‭ ‬العام‭ ‬الذي‭ ‬يحدد‭ ‬من‭ ‬هو‭ ‬‮«‬نحن‮»‬،‭ ‬ومن‭ ‬هو‭ ‬‮«‬الآخر‮»‬‭.‬

ولسنوات‭ ‬طويلة،‭ ‬كانت‭ ‬إسرائيل‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬السردية‭ ‬الأمريكية‭. ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرد‭ ‬حليف‭ ‬استراتيجي،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬تُقدَّم‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الخطابات‭ ‬السياسية‭ ‬والثقافية‭ ‬باعتبارها‭ ‬امتدادًا‭ ‬لقيم‭ ‬الديمقراطية‭ ‬الغربية،‭ ‬ورمزًا‭ ‬لجزء‭ ‬من‭ ‬الهوية‭ ‬السياسية‭ ‬الأمريكية‭. ‬لكن‭ ‬السرديات،‭ ‬مثل‭ ‬المجتمعات،‭ ‬ليست‭ ‬ثابتة‭. ‬إنها‭ ‬تتغير‭ ‬حين‭ ‬تتغير‭ ‬الأجيال،‭ ‬وتتبدل‭ ‬مصادر‭ ‬المعرفة،‭ ‬وتتغير‭ ‬الخبرات‭ ‬التي‭ ‬تشكل‭ ‬الوعي‭ ‬العام‭.‬

ومن‭ ‬هنا،‭ ‬ربما‭ ‬يمكن‭ ‬فهم‭ ‬التحولات‭ ‬التي‭ ‬شهدها‭ ‬المجتمع‭ ‬الأمريكي‭ ‬خلال‭ ‬العقدين‭ ‬الأخيرين‭.‬

فحين‭ ‬جاء‭ ‬الربيع‭ ‬العربي،‭ ‬انشغل‭ ‬كثيرون‭ ‬بمتابعة‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬في‭ ‬القاهرة‭ ‬وتونس‭ ‬وصنعاء‭ ‬ودمشق‭. ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يحظ‭ ‬بالاهتمام‭ ‬الكافي‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬التاريخية‭ ‬لم‭ ‬تبق‭ ‬داخل‭ ‬الحدود‭ ‬العربية‭. ‬ففي‭ ‬الفترة‭ ‬نفسها‭ ‬تقريبًا،‭ ‬شهدت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬حركة‭ ‬‮«‬احتلوا‭ ‬وول‭ ‬ستريت‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬رفعت‭ ‬شعارات‭ ‬مختلفة،‭ ‬لكنها‭ ‬عبّرت‭ ‬عن‭ ‬قلق‭ ‬مشابه‭ ‬تجاه‭ ‬العدالة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬والتمثيل‭ ‬السياسي،‭ ‬واتساع‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬السلطة‭ ‬والمجتمع‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬ميدان‭ ‬التحرير‭ ‬وحديقة‭ ‬زوكوتى‭ ‬في‭ ‬نيويورك‭ ‬المكان‭ ‬نفسه،‭ ‬ولم‭ ‬يكونا‭ ‬يواجهان‭ ‬التحديات‭ ‬ذاتها،‭ ‬لكنهما‭ ‬عبّرا‭ ‬عن‭ ‬حقيقة‭ ‬أعمق‭: ‬أن‭ ‬الأفكار‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تسافر‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬الغرب‭ ‬إلى‭ ‬الشرق،‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬يُفترض‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬عقود،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬تنتقل‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الاتجاهات‭. ‬صار‭ ‬الناشط‭ ‬الأمريكي‭ ‬يتابع‭ ‬ما‭ ‬يجرى‭ ‬في‭ ‬القاهرة،‭ ‬كما‭ ‬يتابع‭ ‬الشاب‭ ‬العربي‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬نيويورك‭. ‬وأصبحت‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬تخلق‭ ‬فضاءً‭ ‬عامًا‭ ‬عابرًا‭ ‬للحدود،‭ ‬تتلاقى‭ ‬فيه‭ ‬التجارب‭ ‬الإنسانية‭ ‬مهما‭ ‬اختلفت‭ ‬سياقاتها‭.‬

ومنذ‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت،‭ ‬بدأت‭ ‬تظهر‭ ‬ملامح‭ ‬جيل‭ ‬أمريكي‭ ‬مختلف‭.‬

جيل‭ ‬لم‭ ‬يتشكل‭ ‬وعيه‭ ‬عبر‭ ‬نشرات‭ ‬الأخبار‭ ‬التقليدية‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬عبر‭ ‬الهواتف‭ ‬الذكية،‭ ‬ومنصات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬والبث‭ ‬المباشر،‭ ‬والشهادات‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭. ‬جيل‭ ‬أصبح‭ ‬أكثر‭ ‬استعدادًا‭ ‬لطرح‭ ‬الأسئلة،‭ ‬وأقل‭ ‬ميلًا‭ ‬إلى‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬المسلمات‭ ‬السياسية‭ ‬بوصفها‭ ‬حقائق‭ ‬نهائية‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬برزت‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬بصورة‭ ‬مختلفة‭ ‬عما‭ ‬عرفته‭ ‬الأجيال‭ ‬السابقة‭. ‬فلم‭ ‬تعد‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬الأمريكي‭ ‬مجرد‭ ‬ملف‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬نقاش‭ ‬أوسع‭ ‬حول‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬والقانون‭ ‬الدولي،‭ ‬واستخدام‭ ‬القوة،‭ ‬وحدود‭ ‬المسؤولية‭ ‬الأخلاقية‭ ‬للدول‭ ‬الديمقراطية‭.‬

ولا‭ ‬يمكن‭ ‬فهم‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬الالتفات‭ ‬إلى‭ ‬التغيرات‭ ‬العميقة‭ ‬التي‭ ‬شهدها‭ ‬المجتمع‭ ‬الأمريكي‭ ‬نفسه‭. ‬فالعرب‭ ‬والمسلمون‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لم‭ ‬يعودوا‭ ‬مجرد‭ ‬جاليات‭ ‬مهاجرة‭ ‬تعيش‭ ‬على‭ ‬هامش‭ ‬الحياة‭ ‬العامة،‭ ‬بل‭ ‬أصبحوا‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬نسيجها‭ ‬السياسي‭ ‬والثقافي،‭ ‬يدرسون‭ ‬في‭ ‬الجامعات،‭ ‬ويعملون‭ ‬في‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام،‭ ‬ويخوضون‭ ‬الانتخابات،‭ ‬ويشاركون‭ ‬في‭ ‬مؤسسات‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني،‭ ‬ويقدمون‭ ‬رواياتهم‭ ‬بوصفهم‭ ‬مواطنين‭ ‬أمريكيين،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬مراقبين‭ ‬من‭ ‬الخارج‭.‬

وبالتوازي‭ ‬مع‭ ‬ذلك،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬منصات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬مجرد‭ ‬وسائل‭ ‬لنقل‭ ‬الأخبار،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬فضاءات‭ ‬يعاد‭ ‬فيها‭ ‬تشكيل‭ ‬الرأي‭ ‬العام،‭ ‬وتتراجع‭ ‬فيها‭ ‬قدرة‭ ‬المؤسسات‭ ‬التقليدية‭ ‬على‭ ‬احتكار‭ ‬السردية‭. ‬ولأول‭ ‬مرة‭ ‬منذ‭ ‬عقود،‭ ‬باتت‭ ‬صور‭ ‬الحروب‭ ‬وشهادات‭ ‬المدنيين‭ ‬تصل‭ ‬مباشرة‭ ‬إلى‭ ‬ملايين‭ ‬الأمريكيين،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬المرور‭ ‬بالضرورة‭ ‬عبر‭ ‬الفلاتر‭ ‬التحريرية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تتحكم‭ ‬في‭ ‬تدفق‭ ‬المعلومات‭.‬

إن‭ ‬ما‭ ‬يجرى‭ ‬اليوم‭ ‬داخل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬اختزاله‭ ‬في‭ ‬خلاف‭ ‬بين‭ ‬سياسيين،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬انقسام‭ ‬حزبي‭ ‬بين‭ ‬الجمهوريين‭ ‬والديمقراطيين‭. ‬إنه‭ ‬يعكس،‭ ‬بدرجة‭ ‬أكبر،‭ ‬صراعًا‭ ‬بين‭ ‬سرديات‭ ‬مختلفة‭ ‬حول‭ ‬معنى‭ ‬أمريكا،‭ ‬ودورها‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬وطبيعة‭ ‬القيم‭ ‬التي‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تمثلها‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭.‬

ولهذا،‭ ‬فإن‭ ‬فهم‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬اليوم‭ ‬يتطلب‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬متابعة‭ ‬الانتخابات‭ ‬أو‭ ‬استطلاعات‭ ‬الرأي‭. ‬إنه‭ ‬يتطلب‭ ‬فهم‭ ‬الحراك‭ ‬الأكاديمي‭ ‬والطلابي‭ ‬داخل‭ ‬الجامعات،‭ ‬والحركات‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬والتحولات‭ ‬الديموغرافية،‭ ‬والثقافة‭ ‬الرقمية،‭ ‬والأجيال‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬تعيد‭ ‬تعريف‭ ‬السياسة‭ ‬خارج‭ ‬الأطر‭ ‬التقليدية‭.‬

فالدول‭ ‬لا‭ ‬تتغير‭ ‬فقط‭ ‬بتبدل‭ ‬الرؤساء،‭ ‬بل‭ ‬حين‭ ‬تتغير‭ ‬القصص‭ ‬التي‭ ‬يرويها‭ ‬الناس‭ ‬عن‭ ‬أنفسهم‭.‬

وربما‭ ‬يكون‭ ‬التحول‭ ‬الأهم‭ ‬الذي‭ ‬نشهده‭ ‬اليوم‭ ‬ليس‭ ‬تغيرًا‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬الأمريكية‭ ‬تجاه‭ ‬إسرائيل‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬بداية‭ ‬إعادة‭ ‬كتابة‭ ‬إحدى‭ ‬أكثر‭ ‬السرديات‭ ‬تأثيرًا‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬السياسي‭ ‬الأمريكي‭ ‬الحديث‭. ‬وعندما‭ ‬تتغير‭ ‬السردية،‭ ‬فإن‭ ‬السياسة‭ ‬لا‭ ‬تلبث‭ ‬أن‭ ‬تلحق‭ ‬بها،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬ببطء،‭ ‬وبقدر‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الجدل‭ ‬والمقاومة‭.‬

 

{ أكاديمي‭ ‬مختص‭ ‬في‭ ‬الدراسات‭ ‬الأمريكية‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا