تعد الصناعة من القطاعات الواعدة والمهمة للاقتصاد البحريني؛ إذ تعتبر من أهم مجالات خلق وظائف مجزية ومناسبة للشباب البحريني، كما تدعم ازدهار الشركات الصغيرة والمتوسطة والناشئة في حال تكاملها ضمن سلاسل التوريد. إضافة إلى ذلك، تمثل الصناعة مصدرا أساسيا لتعزيز الصادرات وتطوير بدائل الاستيراد، وبذلك تحقق ميزان تجاري إيجابي، فضلا عن إسهامها في رفد الميزانية العامة عبر الضرائب على الشركات؛ وبهذا فهي تسهم بشكل فعال في تخفيض الدين العام. ومن هذا المنطلق، تكتسب الاستراتيجية الصناعية أهمية محورية في مساري التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وضعت وزارة الصناعة والتجارة الاستراتيجية الصناعية (2022-2026) في إطار برنامج التعافي الاقتصادي، وجاءت رؤيتها تحت شعار «نحو صناعة متطورة ومستدامة ركيزتها مبادرات مبتكرة ومتقدمة». وتسعى الاستراتيجية الى «تحقيق تنمية صناعية مستدامة ومتوازنة ومتكاملة، بالشراكة مع القطاع الخاص، وتوطين التكنولوجيا الصناعية المتقدمة». وقد حددت الاستراتيجية ثلاثة أهداف رئيسية، تمثلت في: زيادة مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي، زيادة صادرات القطاع الصناعي وطنية المنشأ، وخلق فرص عمل واعدة للمواطنين في القطاع الصناعي.
تستند الاستراتيجية إلى أربع ركائز أساسية: أولها تحويل القطاع الصناعي نحو الثورة الصناعية الرابعة، عبر تشجيع الاستثمار في البنية التحتية التكنولوجية ورقمنة التصنيع؛ وتتمثل الركيزة الثانية في زيادة كفاءة سلاسل الامداد والتوريد من خلال تكامل الصناعات الخليجية؛ أما الركيزة الثالثة فتتمحور حول تشجيع الاستثمار في البنية التحتية التكنولوجية؛ في حين تتناول الركيزة الاخيرة تطبيق مفهوم الاقتصاد الدائري الكربوني.
وعملت الاستراتيجية ضمن خمس محاور، هي: تعزيز الصناعات الوطنية، تحسين تجربة المستثمرين، تحديث التشريعات والقوانين، توجيه البحرينيين مهنيا، والاستثمار في البنية التحتية. استهدفت الاستراتيجية ست صناعات واعدة تشمل: صناعة الألمنيوم التحويلية، والطاقة المتجددة، والصناعات البتروكيماوية، والإلكترونيات الدقيقة، والهيدروجين الأخضر والأزرق، والصناعات الغذائية والدوائية، اضافة إلى تطوير خدمات لوجستية تسهم في تسهيل النفاذ إلى اسواق دول مجلس التعاون الخليجي.
وباعتبار أن الاستراتيجية تمثل خيارا من بين عدة بدائل محتملة يتخذها صانع القرار أو الفريق المعني استنادا إلى بيانات ومعلومات موثوقة، فإنها تتأثر بخلفية الفريق القائم على صياغتها وبالسياسات العامة التي تحدد مهمة الفريق وتؤطر خلفيته الفكرية.
كما تتأثر الخيارات الاستراتيجية بطبيعة القضايا التي يتعامل معها الفريق والأهداف التي يسعى الى تحقيقها، كقضية خلق فرص عمل ورفع مستوى المعيشة وتقليل اتساع فجوة الدخل. وقد يستلزم ذلك إحداث تحولات في هيكل النشاط الاقتصادي وتوجيه مشاريع البحث العلمي والتطبيقي، ودفع عجلة التقدم المجتمعي.
ويأتي هذا التوجه منسجما مع ما تبنته دول الخليج من مشاريع للتنويع الاقتصادي، وتعزيز التكامل الخليجي، وتطوير مشاريع الضمان الاجتماعي. وتحسب للاستراتيجية سعيها إلى ربط مشتريات المصانع الكبرى بالصناعات المحلية الصغيرة والمتوسطة، مع توفير برامج احتضان ودعم تسهم في التوسع في صادرات مملكة البحرين.
وانطلاقا من ذلك فإن مناقشة الاستراتيجية الصناعية تقتضي طرح تساؤلات اساسية حول مدى الترابط بين الرؤية والاولويات والمستهدفات التي وضعتها الاستراتيجية، ومدى انعكاس مؤشرات الاداء على ما تحقق فعليا، فضلا عن درجة مواءمة هذه العناصر مع الرسالة العامة والرؤية الكلية والغاية الاجتماعية للنشاط الاقتصادي.
فقد حددت الاستراتيجية عددا من المستهدفات الرئيسية، من أبرزها: بلوغ حجم الاستثمارات الصناعية خمسة مليارات دينار بحريني، وتوظيف عشرين ألف بحريني في القطاع الصناعي. وتحقيق المركز الأول خليجيا والخامس والعشرين عالميا في مؤشر الأداء الصناعي التنافسي، إلى جانب رفع مساهمة القطاع في الناتج المحلي الاجمالي إلى 270 مليون دينار في 2026، والوصول بقيمة الصادرات الصناعية وطنية المنشأ إلى خمسة مليارات دينار بحريني.
كما ركزت الاستراتيجية على أربع أولويات اساسية تشمل: زيادة كفاءة سلاسل الإمداد والتوريد عبر التكامل الصناعي، وتشجيع الاستثمار في البنية التحتية التكنولوجية، وتطبيق مفهوم الاقتصاد الدائري للكربون، ودعم تحول القطاع نحو الثورة الصناعية الرابعة. ويتطلب تحقيق هذه الأولويات شراكة فاعلة مع القطاع الخاص بقيادة من الجهات الحكومية في مقدمتها مجلس التنمية الاقتصادية.
وفي مؤتمر صحفي عُقد في ديسمبر 2021 بشأن الاستراتيجية أوضح وزير الصناعة أن المستهدفات الكمية تضمنت رفع مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي من 12.8% في عام 2019 إلى 14.5% بحلول عام 2026، ورفع نسبة العمالة البحرينية في القطاع الصناعي من 23% إلى 25.3% من إجمالي العاملين في القطاع خلال الفترة ذاتها. كما تستهدف الاستراتيجية زيادة قيمة الصادرات الصناعية من 2.1 مليار دينار بحريني في عام 2019 إلى 2.48 مليار دينار، ورفع نسبة الصادرات الصناعية من إجمالي الصادرات من 70.1% إلى 80.1% بحلول عام 2026.
وفي هذا السياق تبرز تساؤلات نطرحها للنقاش حول مدى فاعلية التعاون بين القطاعين العام والخاص في دعم هذه الأولويات، وحول مستوى تحقيق المستهدفات المعلنة، ولا سيما فيما يتعلق بنسبة توظيف العمالة الوطنية قياسًا إلى الزيادة الكلية في العمالة الصناعية. وما هي الصادرات الصناعية الحالية من حيث التركيز على السلع النهائية والدخول في سلاسل الامداد، ومدى كفاءة استغلال الموارد البشرية والمادية في تعزيز القدرة الإنتاجية وتقليص فجوة الإنتاج، سواء من حيث التوظيف أو ترشيد استخدام الموارد الطبيعية. ويُضاف إلى ذلك أهمية تقييم أثر الاستراتيجية على الشركات الصغيرة والمتوسطة من حيث ربحيتها ونموها واستدامتها، فضلًا عن انعكاساتها الاجتماعية المرتبطة بتحسين مستوى المعيشة، ومستويات الأجور، وفرص التوظيف المتاحة للمواطنين وتقليل فجوة الدخل.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك