العدد : ١٧٦٦٧ - الخميس ٠٦ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٣ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٦٧ - الخميس ٠٦ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٣ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

زمن الوفرة.. وجوعنا الدائم

بقلم: نبيلة رجب

الخميس ٠٦ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬وقت‭ ‬مضى،‭ ‬كان‭ ‬السفر‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلي‭ ‬وإلى‭ ‬الكثيرين‭ ‬يحمل‭ ‬شيئا‭ ‬لا‭ ‬يُوصف‭. ‬كان‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬تنقّل‭ ‬من‭ ‬مكان‭ ‬إلى‭ ‬آخر،‭ ‬كان‭ ‬انتظارا‭ ‬وترقّبا‭ ‬ودهشة‭ ‬معلّقة‭ ‬في‭ ‬الهواء،‭ ‬وما‭ ‬نعود‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬الرحلة‭ ‬كان‭ ‬يحمل‭ ‬قيمة‭ ‬تفوق‭ ‬حجمه‭ ‬بكثير‭. ‬أذكر‭ ‬أني‭ ‬اشتريت‭ ‬من‭ ‬الأردن‭ ‬قناعا‭ ‬للوجه‭ ‬من‭ ‬طين‭ ‬البحر‭ ‬الميت،‭ ‬وظل‭ ‬في‭ ‬بيتي‭ ‬خمس‭ ‬سنوات،‭ ‬أنظر‭ ‬إليه‭ ‬وينظر‭ ‬إليّ،‭ ‬ولم‭ ‬أجرؤ‭ ‬على‭ ‬استخدامه‭. ‬كنت‭ ‬أخشى‭ ‬أن‭ ‬ينتهي،‭ ‬فبقي‭ ‬كما‭ ‬هو،‭ ‬شاهدا‭ ‬على‭ ‬رحلة‭ ‬أكثر‭ ‬منه‭ ‬منتجا‭ ‬للاستعمال‭.‬

أما‭ ‬اليوم،‭ ‬فالمشهد‭ ‬مختلف‭ ‬تماما‭. ‬كل‭ ‬ما‭ ‬كنا‭ ‬نبحث‭ ‬عنه‭ ‬هناك،‭ ‬بات‭ ‬موجودًا‭ ‬هنا‭. ‬النكهات‭ ‬المستوردة‭ ‬باتت‭ ‬على‭ ‬رفوف‭ ‬الأسواق‭ ‬القريبة،‭ ‬وحتى‭ ‬لافتات‭ ‬المطاعم‭ ‬تكررت‭ ‬حتى‭ ‬بدت‭ ‬مطبوعة‭ ‬من‭ ‬قالب‭ ‬واحد‭. ‬الرحلة‭ ‬اليوم‭ ‬لا‭ ‬تكتشف‭ ‬شيئا‭ ‬جديدا،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تعيد‭ ‬تدوير‭ ‬ما‭ ‬رأيناه‭ ‬آلاف‭ ‬المرات‭.‬

ربما‭ ‬ما‭ ‬نفتقده‭ ‬حقيقة‭ ‬ليس‭ ‬‮«‬الشغف‮»‬‭ ‬كما‭ ‬نسميه،‭ ‬الندرة‭ ‬نفسها‭ ‬هي‭ ‬ما‭ ‬نفتقده،‭ ‬والانتظار‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يسبق‭ ‬الوصول‭. ‬كان‭ ‬العالم‭ ‬بعيدا‭ ‬بما‭ ‬يكفي‭ ‬ليمنحنا‭ ‬لذّة‭ ‬الحلم‭. ‬أما‭ ‬الآن،‭ ‬فكل‭ ‬شيء‭ ‬قريب‭.. ‬أقرب‭ ‬مما‭ ‬ينبغي‭.‬

نحن‭ ‬نعيش‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الوفرة،‭ ‬وهذه‭ ‬الوفرة‭ ‬صنعت‭ ‬لنا‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬الجوع‭ ‬الدائم‭. ‬جوع‭ ‬لا‭ ‬يشبع‭ ‬لأنه‭ ‬يحرمنا‭ ‬فرصة‭ ‬الجوع‭ ‬الحقيقي‭ ‬أصلا‭. ‬نمتلك‭ ‬الكثير‭ ‬فنفقد‭ ‬التقدير،‭ ‬وننتقل‭ ‬من‭ ‬تجربة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى‭ ‬فنفقد‭ ‬أثر‭ ‬الأولى‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تبدأ‭ ‬الثانية‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يعرفه‭ ‬علم‭ ‬النفس‭ ‬باسم‭ ‬‮«‬التكيّف‭ ‬اللذّي‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬أن‭ ‬الاستجابة‭ ‬العاطفية‭ ‬تتراجع‭ ‬مع‭ ‬تكرار‭ ‬المتعة‭ ‬نفسها،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬عظيمة،‭ ‬فتعود‭ ‬النفس‭ ‬إلى‭ ‬مستواها‭ ‬المعتاد‭ ‬من‭ ‬الرضا‭ ‬مهما‭ ‬ازداد‭ ‬ما‭ ‬تملكه‭.‬

حتى‭ ‬الدهشة،‭ ‬تلك‭ ‬المشاعر‭ ‬الجميلة‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬العين‭ ‬تتسع‭ ‬والقلب‭ ‬يتباطأ‭ ‬قليلا‭.. ‬تلاشت‭ ‬للأسف‭. ‬أصبحنا‭ ‬نرى‭ ‬المدينة‭ ‬وتفاصيل‭ ‬الفندق‭ ‬وحتى‭ ‬الطبق‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬نصل‭ ‬إليها،‭ ‬على‭ ‬شاشة‭ ‬هاتفنا‭. ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬يتبقى‭ ‬لنا‭ ‬ما‭ ‬يفاجئنا‭ ‬عند‭ ‬الوصول‭ ‬فعلا‭.‬

تغيّر‭ ‬نمط‭ ‬العيش‭ ‬نفسه‭ ‬عمّا‭ ‬كان‭ ‬عليه‭ ‬قبل‭ ‬عقدين‭. ‬كان‭ ‬للعيد‭ ‬طقس‭ ‬لا‭ ‬يشبه‭ ‬بقية‭ ‬الأيام،‭ ‬ملابس‭ ‬نراها‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬صباحه،‭ ‬وأطباق‭ ‬تُصنع‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬بنكهات‭ ‬كانت‭ ‬جدّاتنا‭ ‬تصنعها‭ ‬كل‭ ‬عام،‭ ‬ننتظره‭ ‬كما‭ ‬كنا‭ ‬ننتظر‭ ‬موعد‭ ‬السوق‭ ‬الأسبوعي‭ ‬ونحن‭ ‬أطفال‭. ‬اليوم‭ ‬أصبح‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬متاحا‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬وقت،‭ ‬وفقد‭ ‬الموسم‭ ‬معناه،‭ ‬وفقد‭ ‬الانتظار‭ ‬قيمته‭.‬

نُقلب‭ ‬في‭ ‬عشرات‭ ‬التطبيقات،‭ ‬نمرّ‭ ‬على‭ ‬مئات‭ ‬العروض،‭ ‬ونُغلق‭ ‬الشاشة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نشتري‭ ‬شيئا‭. ‬حتى‭ ‬‮«‬التوصيل‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬رفاهية،‭ ‬غدا‭ ‬عاديا‭.. ‬وأحيانا‭ ‬متعبا،‭ ‬عندما‭ ‬تتزاحم‭ ‬أسماء‭ ‬المطاعم‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬شهية‭ ‬الجائع‭ ‬نفسه‭. ‬الطعام‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬الباب‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬نشعر‭ ‬بالجوع‭ ‬الحقيقي،‭ ‬فنأكله‭ ‬كما‭ ‬نُنهي‭ ‬مهمة،‭ ‬لا‭ ‬كما‭ ‬ننتظر‭ ‬وجبة‭.‬

ننتقل‭ ‬من‭ ‬فيلم‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬ومن‭ ‬حوار‭ ‬إلى‭ ‬آخر،‭ ‬ونخرج‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬وقد‭ ‬بقي‭ ‬الأثر‭ ‬على‭ ‬السطح،‭ ‬حتى‭ ‬يخيَّل‭ ‬إلينا‭ ‬أننا‭ ‬عبرنا‭ ‬عبورا‭ ‬خاطفا‭. ‬إنه‭ ‬نوع‭ ‬خفيّ‭ ‬من‭ ‬الإرهاق‭ ‬الذهني،‭ ‬سببه‭ ‬أن‭ ‬الحياة‭ ‬تسارعت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬اللازم،‭ ‬والسرعة‭ ‬وحدها‭ ‬كافية‭ ‬لإنهاكنا‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬الحياة‭ ‬نفسها‭ ‬سهلة‭.‬

بتنا‭ ‬نمرّ‭ ‬بالمتعة‭ ‬كما‭ ‬نمرّ‭ ‬بالإشعارات،‭ ‬سريعا‭ ‬وبلا‭ ‬توقف‭. ‬مازالت‭ ‬فينا‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الفرح،‭ ‬لكن‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬أضحى‭ ‬قابلا‭ ‬للاستهلاك‭ ‬الفوري،‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬بينه‭ ‬وبيننا‭ ‬وقتٌ‭ ‬كافٍ‭ ‬لنشتاق‭.‬

المشكلة‭ ‬الحقيقية‭ ‬أن‭ ‬النفس‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تجد‭ ‬وقتا‭ ‬لتفتقد‭ ‬شيئا‭. ‬وما‭ ‬لا‭ ‬نفتقده،‭ ‬لا‭ ‬نشتاق‭ ‬له‭. ‬وما‭ ‬لا‭ ‬نشتاق‭ ‬له،‭ ‬لا‭ ‬يمنحنا‭ ‬الفرح‭ ‬عند‭ ‬الحصول‭ ‬عليه‭.‬

وأصعب‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬الأمر‭ ‬أن‭ ‬جيلا‭ ‬كاملا‭ ‬نشأ‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يعرف‭ ‬طعم‭ ‬الانتظار‭. ‬أرى‭ ‬حفيدتي‭ ‬تسأل‭ ‬عن‭ ‬أمر‭ ‬فتسبقها‭ ‬الإجابة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تكمل‭ ‬كلامها‭. ‬لم‭ ‬تمر‭ ‬بها‭ ‬تلك‭ ‬المسافة‭ ‬التي‭ ‬كنا‭ ‬نقطعها‭ ‬بين‭ ‬الرغبة‭ ‬وبلوغها،‭ ‬وفيها‭ ‬كانت‭ ‬الرغبة‭ ‬تنضج‭ ‬حتى‭ ‬تصير‭ ‬جديرة‭ ‬بالفرح‭.‬

لذا‭ ‬يحاول‭ ‬والداها‭ ‬أحيانا‭ ‬أن‭ ‬يؤخّرا‭ ‬عنها‭ ‬الجواب‭ ‬قليلا،‭ ‬أن‭ ‬يتركاها‭ ‬تتخيل‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تعرف،‭ ‬لعلّ‭ ‬شيئا‭ ‬من‭ ‬الدهشة‭ ‬يبقى‭ ‬فيها‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬القرب‭. ‬وفي‭ ‬صيف‭ ‬تخطط‭ ‬فيه‭ ‬عائلات‭ ‬كثيرة‭ ‬لرحلة‭ ‬أو‭ ‬سفرة،‭ ‬يستحق‭ ‬هذا‭ ‬الجيل‭ ‬أن‭ ‬يكتشف‭ ‬مرة‭ ‬واحدة‭ ‬أن‭ ‬الفرحة‭ ‬تُبنى‭ ‬بالانتظار‭.‬

لعلّ‭ ‬ما‭ ‬نحتاج‭ ‬إليه‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬نشعر‭ ‬أكثر،‭ ‬لا‭ ‬أن‭ ‬نمتلك‭ ‬أقل‭. ‬أن‭ ‬نُبطئ‭ ‬قليلا‭ ‬ونمنح‭ ‬الحاضر‭ ‬حقه‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يُحسّ‭ ‬به‭ ‬كحاضر‭ ‬قائم‭ ‬بذاته،‭ ‬فننتظر‭ ‬لأن‭ ‬الانتظار‭ ‬وحده‭ ‬يمنح‭ ‬الوصول‭ ‬طعما‭ ‬مختلفا‭.‬

ربما‭ ‬تبدأ‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬الشوق‭ ‬من‭ ‬تفاصيل‭ ‬صغيرة،‭ ‬كأن‭ ‬نزرع‭ ‬بذرة‭ ‬ونرعاها‭ ‬حتى‭ ‬تثمر‭ ‬بعد‭ ‬شهور،‭ ‬أو‭ ‬ننتظر‭ ‬فاكهة‭ ‬الموسم‭ ‬حتى‭ ‬يحين‭ ‬وقتها‭ ‬فنأكلها‭ ‬في‭ ‬أوانها‭ ‬لا‭ ‬مستوردة‭ ‬قبل‭ ‬أوانها‭. ‬حتى‭ ‬تأجيل‭ ‬مشاهدة‭ ‬الحلقة‭ ‬الأخيرة‭ ‬يوما‭ ‬كاملا‭ ‬يمنح‭ ‬النهاية‭ ‬حقها‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تُنتظر‭.‬

السرعة‭ ‬والتشابه‭ ‬هما‭ ‬من‭ ‬سرقا‭ ‬المعنى‭ ‬منا،‭ ‬والاستهلاك‭ ‬عجّل‭ ‬بالأشياء‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تجد‭ ‬وقتها‭ ‬لتُزهر‭ ‬داخلنا‭. ‬والحل‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬استعادة‭ ‬قدرتنا‭ ‬على‭ ‬الترقّب،‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬تقليل‭ ‬ما‭ ‬نملك‭. ‬فالتجربة‭ ‬تُقاس‭ ‬بعمق‭ ‬أثرها،‭ ‬والدهشة،‭ ‬كالسعادة،‭ ‬تولد‭ ‬عندما‭ ‬نُحسن‭ ‬انتظار‭ ‬الشيء‭ ‬الواحد‭.‬

 

rajabnabeela@gmail‭.‬com

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا