في وقت مضى، كان السفر بالنسبة إلي وإلى الكثيرين يحمل شيئا لا يُوصف. كان أكثر من تنقّل من مكان إلى آخر، كان انتظارا وترقّبا ودهشة معلّقة في الهواء، وما نعود به من الرحلة كان يحمل قيمة تفوق حجمه بكثير. أذكر أني اشتريت من الأردن قناعا للوجه من طين البحر الميت، وظل في بيتي خمس سنوات، أنظر إليه وينظر إليّ، ولم أجرؤ على استخدامه. كنت أخشى أن ينتهي، فبقي كما هو، شاهدا على رحلة أكثر منه منتجا للاستعمال.
أما اليوم، فالمشهد مختلف تماما. كل ما كنا نبحث عنه هناك، بات موجودًا هنا. النكهات المستوردة باتت على رفوف الأسواق القريبة، وحتى لافتات المطاعم تكررت حتى بدت مطبوعة من قالب واحد. الرحلة اليوم لا تكتشف شيئا جديدا، بقدر ما تعيد تدوير ما رأيناه آلاف المرات.
ربما ما نفتقده حقيقة ليس «الشغف» كما نسميه، الندرة نفسها هي ما نفتقده، والانتظار الذي كان يسبق الوصول. كان العالم بعيدا بما يكفي ليمنحنا لذّة الحلم. أما الآن، فكل شيء قريب.. أقرب مما ينبغي.
نحن نعيش في زمن الوفرة، وهذه الوفرة صنعت لنا ما يشبه الجوع الدائم. جوع لا يشبع لأنه يحرمنا فرصة الجوع الحقيقي أصلا. نمتلك الكثير فنفقد التقدير، وننتقل من تجربة إلى أخرى فنفقد أثر الأولى قبل أن تبدأ الثانية. وهذا ما يعرفه علم النفس باسم «التكيّف اللذّي»، وهو أن الاستجابة العاطفية تتراجع مع تكرار المتعة نفسها، حتى لو كانت عظيمة، فتعود النفس إلى مستواها المعتاد من الرضا مهما ازداد ما تملكه.
حتى الدهشة، تلك المشاعر الجميلة التي تجعل العين تتسع والقلب يتباطأ قليلا.. تلاشت للأسف. أصبحنا نرى المدينة وتفاصيل الفندق وحتى الطبق قبل أن نصل إليها، على شاشة هاتفنا. ولم يعد يتبقى لنا ما يفاجئنا عند الوصول فعلا.
تغيّر نمط العيش نفسه عمّا كان عليه قبل عقدين. كان للعيد طقس لا يشبه بقية الأيام، ملابس نراها لأول مرة صباحه، وأطباق تُصنع في البيت بنكهات كانت جدّاتنا تصنعها كل عام، ننتظره كما كنا ننتظر موعد السوق الأسبوعي ونحن أطفال. اليوم أصبح كل شيء متاحا في كل وقت، وفقد الموسم معناه، وفقد الانتظار قيمته.
نُقلب في عشرات التطبيقات، نمرّ على مئات العروض، ونُغلق الشاشة من دون أن نشتري شيئا. حتى «التوصيل» الذي كان رفاهية، غدا عاديا.. وأحيانا متعبا، عندما تتزاحم أسماء المطاعم أكثر من شهية الجائع نفسه. الطعام يصل إلى الباب قبل أن نشعر بالجوع الحقيقي، فنأكله كما نُنهي مهمة، لا كما ننتظر وجبة.
ننتقل من فيلم إلى آخر ومن حوار إلى آخر، ونخرج من كل ذلك وقد بقي الأثر على السطح، حتى يخيَّل إلينا أننا عبرنا عبورا خاطفا. إنه نوع خفيّ من الإرهاق الذهني، سببه أن الحياة تسارعت أكثر من اللازم، والسرعة وحدها كافية لإنهاكنا حتى لو كانت الحياة نفسها سهلة.
بتنا نمرّ بالمتعة كما نمرّ بالإشعارات، سريعا وبلا توقف. مازالت فينا القدرة على الفرح، لكن كل شيء أضحى قابلا للاستهلاك الفوري، ولم يعد بينه وبيننا وقتٌ كافٍ لنشتاق.
المشكلة الحقيقية أن النفس لم تعد تجد وقتا لتفتقد شيئا. وما لا نفتقده، لا نشتاق له. وما لا نشتاق له، لا يمنحنا الفرح عند الحصول عليه.
وأصعب ما في الأمر أن جيلا كاملا نشأ من دون أن يعرف طعم الانتظار. أرى حفيدتي تسأل عن أمر فتسبقها الإجابة قبل أن تكمل كلامها. لم تمر بها تلك المسافة التي كنا نقطعها بين الرغبة وبلوغها، وفيها كانت الرغبة تنضج حتى تصير جديرة بالفرح.
لذا يحاول والداها أحيانا أن يؤخّرا عنها الجواب قليلا، أن يتركاها تتخيل قبل أن تعرف، لعلّ شيئا من الدهشة يبقى فيها رغم كل هذا القرب. وفي صيف تخطط فيه عائلات كثيرة لرحلة أو سفرة، يستحق هذا الجيل أن يكتشف مرة واحدة أن الفرحة تُبنى بالانتظار.
لعلّ ما نحتاج إليه هو أن نشعر أكثر، لا أن نمتلك أقل. أن نُبطئ قليلا ونمنح الحاضر حقه في أن يُحسّ به كحاضر قائم بذاته، فننتظر لأن الانتظار وحده يمنح الوصول طعما مختلفا.
ربما تبدأ العودة إلى الشوق من تفاصيل صغيرة، كأن نزرع بذرة ونرعاها حتى تثمر بعد شهور، أو ننتظر فاكهة الموسم حتى يحين وقتها فنأكلها في أوانها لا مستوردة قبل أوانها. حتى تأجيل مشاهدة الحلقة الأخيرة يوما كاملا يمنح النهاية حقها في أن تُنتظر.
السرعة والتشابه هما من سرقا المعنى منا، والاستهلاك عجّل بالأشياء قبل أن تجد وقتها لتُزهر داخلنا. والحل يكمن في استعادة قدرتنا على الترقّب، أكثر مما يكمن في تقليل ما نملك. فالتجربة تُقاس بعمق أثرها، والدهشة، كالسعادة، تولد عندما نُحسن انتظار الشيء الواحد.
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك