أثار حديث معالي وزير الداخلية الفريق أول الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة لرؤساء تحرير الصحف بشأن الوطنية الموازية نقاشاً مهماً حول معاني الانتماء الوطني، والعلاقة بين حرية الرأي ومتطلبات الأمن الوطني، ومدى إمكانية ترجمة هذا المفهوم سياسياً إلى قواعد قانونية، فمن الناحية القانونية فإن مصطلح «الوطنية الموازية» لا يمثل وصفاً تشريعياً مستقلاً في المنظومة القانونية البحرينية، وإنما هو توصيف سياسي وأمني يشير إلى وجود ولاءات أو مرجعيات تنافس الولاء الدستوري للدولة، سواء كانت ذات طابع أيديولوجي، أو مذهبي، أو تنظيمي، أو مرتبطة بجهات خارجية.
إذ إن معيار المشروعية القانونية لا يقوم على الأفكار أو القناعات المجردة، وإنما على السلوك الذي يشكل مخالفة للقانون، فالدستور البحريني يكفل حرية الرأي والتعبير في حدود القانون، ويقرر في الوقت ذاته حماية استقلال الدولة وأمنها ووحدتها الوطنية.
ومن ثم، فإن مجرد الاختلاف في الرأي أو النقد السياسي لا يمكن اعتباره صورة من صور الوطنية الموازية ما لم يقترن بأفعال تخرج عن الإطار الدستوري أو تنال من أمن الدولة أو تمثل ارتباطاً غير مشروع بجهات خارجية، لذا يعكس الخطاب تأكيداً لمفهوم «الوطنية الدستورية»، أي أن الولاء الأول يجب أن يكون للدستور وسيادة القانون ومؤسسات الدولة، وليس لأي تنظيم أو جماعة أو مرجعية أخرى تتجاوز الإطار الوطني.
وهذا المفهوم يتفق مع المبادئ العامة للقانون الدستوري التي تجعل الدولة صاحبة السيادة الوحيدة، وتحظر قيام سلطات أو ولاءات موازية تنازعها اختصاصاتها أو مشروعيتها. ومن زاوية قانون الأمن الوطني يمكن فهم الخطاب باعتباره رسالة وقائية أكثر منه إعلانا لمفهوم قانوني جديد، إذ يهدف إلى التنبيه إلى المخاطر التي قد تنشأ عندما تتحول الولاءات الفرعية إلى أدوات تحاول التأثير في القرار الوطني أو الإضرار بالتماسك الاجتماعي أو خدمة مصالح خارجية على حساب المصلحة الوطنية.
كما يحمل خطاب معالي وزير الداخلية رسالة واضحة إلى وسائل الإعلام، باعتبارها شريكاً في تعزيز الوعي الوطني، مع المحافظة على استقلاليتها المهنية، فالإعلام الوطني لا يعني تبني خطاب أحادي، وإنما ممارسة حرية مسؤولة تسهم في حماية السلم الأهلي وترسيخ ثقافة الانتماء للدولة، وتحصين المجتمع ضد حملات التضليل والاستقطاب، مع الالتزام بأحكام القانون وأخلاقيات المهنة.
وفي المحصلة، فإن مفهوم «الوطنية الموازية» يظل مفهوماً سياسياً يهدف إلى التحذير من الولاءات التي تنافس الدولة في مصدر الشرعية والانتماء، إلا أن قيمته القانونية لا تتحقق إلا إذا ارتبط بأفعال مجرمة بنصوص قانونية نافذة. ومن ثم فإن التوازن بين حماية الأمن الوطني وصون الحقوق والحريات الدستورية يبقى الضمانة الأساسية للحفاظ على دولة القانون.
ومن ثم يمثل حديث معالي وزير الداخلية دعوة إلى ترسيخ مفهوم الوطنية الدستورية، القائمة على وحدة الولاء للدولة وسيادة القانون، باعتبار أن الدولة القوية ليست تلك التي توسع من دائرة التجريم، وإنما الدولة التي تجعل من الدستور وسيادة القانون المرجعية الوحيدة للعلاقة بين السلطة والمجتمع، وبذلك يتحول الولاء الوطني من مجرد شعار إلى التزام دستوري وقانوني يعزز الاستقرار ويحمي الوحدة الوطنية في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.
{ أستاذ القانون المشارك – رئيس قسم
القانون العام – جامعة البحرين.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك