يسابق نتنياهو وائتلافه الزمن في محاولة لاستثمار ما تبقى له من وقت، في ضوء ما تعكسه استطلاعات الرأي الإسرائيلية التي تشير إلى حتمية سقوط هذا التحالف في حال جرت الانتخابات في موعدها.
في أقل الاحتمالات، يريد هذا التحالف أن يخلق أوضاعاً صعبة للحكومة التي يمكن أن تشكلها المعارضة بعد الانتخابات، تجعلها مضطرة إلى مواصلة سياسة الحكومة القائمة وخصوصاً فيما يتعلق بالحرب على الفلسطينيين وإلا فإنها ستتهم بأنها تفرط بالأمن القومي الإسرائيلي، والتخلي عن أوهامه في بسط السيادة على الضفة الغربية.
نتنياهو الذي يدرك أين تتجه الأوضاع في إسرائيل ويخشى على مستقبله السياسي وحتى الشخصي. سيحاول تفجير حروب، يتذرع بها لتأجيل الانتخابات، وإطالة أمد الائتلاف القائم.
نتنياهو مقيد بدرجة معينة بشأن العودة إلى الانخراط في الحرب على إيران، وهو مقيد أيضاً إزاء التصعيد على جبهة لبنان، وعلى الجبهة السورية، وذلك بقرار أمريكي، وفق حسابات الرئيس ترامب، ولذلك فإن الجبهة المفتوحة أمامه هي الضفة الغربية، فيما تأخذ الحرب على قطاع غزة مساراً روتينياً لم يعد بوسعه أن يتجاوز ما يقوم به رغم استمرار التهديدات التي يطلقها لاحتلال قطاع غزة، وبناء المستوطنات.
لم تتبدل الأهداف الإسرائيلية إزاء الأراضي الفلسطينية المحتلة العام 1967، التي تستهدف تهجير الفلسطينيين، عبر وسائل متعددة، من بينها تحويل الضفة إلى منطقة غير قابلة للحياة كما يفعل في قطاع غزة.
بالإمكان تفهم السياسة الفلسطينية في الضفة الغربية التي تلتزم خط سحب الذرائع، حتى لا يواجه الفلسطينيون ما يواجهونه في قطاع غزة، ولذلك فإنها تركز نشاطها السياسي والدبلوماسي، حتى إن كان هذا التركيز لا يكفي لإفشال المخططات الإسرائيلية.
ولكن إلى متى يمكن أن تصمد هذه السياسة، في ظل التصعيد الاستفزازي الخطير الذي يتعرض له الفلسطينيون وتتعرض له السلطة الفلسطينية، وخصوصاً أن المواقف العربية والإسلامية لا تزال أقل من المطلوب وتتجمد عند حدود إصدار البيانات التي لا تنطوي على أي تهديد كان جديا أو حتى لفظيا. ويتحرك الموقف الدولي ببطء تجاه التصعيد الإسرائيلي الذي يتجاوز القرارات والقوانين الدولية، إذ لا يكفي أن تتخذ بعض الحكومات الأوروبية قرارات لحظر وتقييد التعامل مع البضائع التي تصدر عن المستوطنات الإسرائيلية.
ثمة توجه ليس جديداً لدى حكومة نتنياهو، لإطلاق أيادي بن غفير وسموتريتش في الضفة الغربية، وتصعيد الهجمات المنهجية التي يشنها المستوطنون وإقامة بؤر استيطانية جديدة أصبحت كالفطر تنتشر في كل أنحاء الضفة.
بن غفير متخصص في سياسة خنق الأسرى، اعتداء وتجويعاً، وتقليصاً للخدمات وتعريضهم لعقوبات جماعية، ومتخصص في محاولة السيطرة على المسجد الأقصى، ويتباهى بأنه فرض بالقوة، التقسيم الزماني والمكاني، وبقيام اليهود بالصلاة في المسجد الأقصى.
سموتريتش متخصص في تضييق الخناق على السلطة الفلسطينية، وعلى حياة الناس، وتدمير الاقتصاد الفلسطيني، وتوسيع المستوطنات والبنى التحتية التي تخدم المستوطنين، ورعاية المليشيات الاستيطانية الإرهابية. لا عمال فلسطينيين إلى داخل الخط الأخضر، بينما يحدث أيضا تضييق مجالات العمل في الضفة، فضلاً عن مواصلة السطو على أموال المقاصة من الضرائب الفلسطينية المستحقة، وأخيراً وليس آخرا إعلان بنكين إسرائيليين عزمهما على وقف التعامل مع البنوك الفلسطينية، أو استقبال مئات ملايين عملة «الشواكل» المكدسة في خزائن البنوك الفلسطينية، وإجبار التجار والبنوك على التعامل بالدولار في المعاملات التجارية البينية.
الأيام الأخيرة، شهدت تصعيداً كبيراً وخطيراً، من قبل المليشيات الاستيطانية التي كثفت هجماتها على الفلسطينيين وأملاكهم، وإطلاق النار عليهم وخصوصاً بعد مقتل اثنين من المستوطنين، بعد أن استولى شاب فلسطيني على سلاح أحد المستوطنين وقام بإطلاق النار عليهم دفاعاً عن سيدة فلسطينية تعرضت للاعتداء.
في العرف الإسرائيلي فإن ما قام به الشاب الفلسطيني هو إرهاب، بينما تجري عملية تغطية وتبرير للأعمال الإرهابية التي يشنها المستوطنون الذين تسلحهم الحكومة الإسرائيلية.
المسألة هنا ليست مسألة بعض المستوطنين المتطرفين، أو الإرهابيين كما تود بعض الحكومات الغربية تصويره، وإنما يصل الأمر إلى مليشيات مسلحة وسياسة حكومية إسرائيلية تحمي هذه المليشيات وتقدم لها الدعم. بعد مقتل المستوطنيْن، هاجت وماجت المليشيات الإرهابية للانتقام، لكن الأخطر هو ما صدر عن حكومة نتنياهو، التي تتحدث عن احتمال انفجار الأوضاع ومن ثم الحاجة إلى نقل بعض الفرق العسكرية من لبنان وسورية إلى الضفة الغربية.
أمام هذا الوضع الذي ينذر بتصعيد إسرائيلي رسمي واستيطاني خطير، قد تفلت الأمور من يد السلطة الفلسطينية التي تمارس سياسة ضبط النفس، والأرجح أنها ستواصل هذه السياسة، حتى بما يمنع الناس من ممارسة المقاومة الشعبية السلمية التي لا تزال عند أدنى مستوى من الفعل.
والسؤال هو إذا كان البعض يأخذ على المقاومة في غزة أنها افتقرت إلى الحكمة حين بادرت في السابع من أكتوبر 2023 بما قامت به، فما الذي يبرر لإسرائيل أن تقوم بما تقوم به في الضفة الغربية رغم أن السلطة تلتزم ما يمكن اعتباره سياسة ضبط النفس، والالتزام بمسار المفاوضات والسلام وترفض وتقاوم كل محاولة لاستخدام العنف؟
السبب هو أن إسرائيل لا تنتظر ذرائع، وأنها ملتزمة بسياسة وأهداف ترفض وتقاوم المفاوضات والمسار السياسي، وتسعى لفرض سيطرتها وتحقيق أهدافها الاستعمارية بالقوة.
{ كاتب من فلسطين.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك