كانت السنوات القليلة الماضية مربكة سياسيا للناخبين المسلمين والعرب الأمريكيين؛ فبعد تجربة حكم دونالد ترامب الأولى بين عامي 2016 و2020، التي جاءت شديدة القسوة فيما يتعلق بتبني سياسات متشددة تضيق على المهاجرين والمسافرين من دول ذات أغلبية مسلمة، إضافة إلى تبنيه سياسات داعمة للجانب الإسرائيلي على رأسها نقل السفارة الأمريكية إلى القدس والاعتراف بها عاصمة موحدة لإسرائيل، كان من الصعب التصويت في انتخابات 2024 لجو بايدن أو نائبته كامالا هاريس بسبب تصرفات إدارتهما تجاه قطاع غزة.
بررت إدارة بايدن الديمقراطية مواصلة شحن الأسلحة خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة حتى مع تزايد عدد القتلى المدنيين؛ وأدى ذلك إلى خيبة أمل كبيرة دفعت إلى ظهور حركة «غير ملتزم Uncommitted»، واختيار آلاف الناخبين عدم التصويت للمرشحين بسبب سجلهما، وعدم قدرتهما على الاستجابة لمخاوف هذه الفئة الانتخابية المهمة في عدة ولايات متأرجحة مثل ميشيجان وبنسلفانيا وجورجيا وويسكونسن.
ومع اقتراب الافتتاح غير الرسمي لموسم الانتخابات الرئاسية لعام 2028، أرى أنه من الحكمة أن يُنظر بجدية إلى نائب الرئيس جي دي فانس، وخاصة عند مقارنته بمرشحي صقور الحزب الجمهوري التقليديين من عينة وزير الخارجية ماركو روبيو، أو حاكم فلوريدا رون ديسانتيس، أو السيناتور تيد كروز. ويمكن النظر بجدية إلى فانس كذلك عند مقارنته بعدد من المرشحين الديمقراطيين المحتملين.
بنى فانس مواقفه السياسية الخارجية على الشك في جدوى الالتزامات العسكرية الأمريكية المفتوحة في الخارج، وجادل مرارا بأن على واشنطن التوقف عن اعتبار المساعدات الخارجية وشحنات الأسلحة استحقاقات تلقائية للحلفاء، مُصرا بدلا من ذلك على أن ترتبط أي مساعدة بالمصلحة الاستراتيجية الواضحة والنتائج القابلة للقياس.
يرفض فانس تقديم «شيكات على بياض» لإسرائيل، مشككا في جدوى العلاقة الخاصة لبلاده معها، وهاجم المنطق القائل إن إسرائيل تعد مركزا استراتيجيا للولايات المتحدة في الشرق الأوسط. كما رفض فانس الحرب على إيران، لكنه كسياسي براجماتي اضطر إلى مهادنة ترامب بعد اتخاذ قرار بدء القتال.
ورغم سلبية بعض مواقف فانس، فإن النظر إليه مقارنة ببقية المرشحين الجمهوريين المحتملين يجعل من الحكمة تقييمه بإيجابية؛ فقد أمضى ماركو روبيو أكثر من عقد في مجلس الشيوخ بنى خلاله سجلا صلبا من الدعم الأعمى لإسرائيل، وكان الأكثر تأييدا للحكومة الإسرائيلية بشكل غير مشروط، وكوزير للخارجية كان مدافعا صريحا عن استمرار الدعم العسكري لها.
في حين جعل السيناتور تيد كروز من دعمه لإسرائيل وعدائه لكل ما هو عربي أو مسلم سمة مميزة في مسيرته السياسية، ويعتبر وضع أي شروط على تقديم المساعدات لإسرائيل بمثابة خيانة. أما حاكم فلوريدا رون ديسانتيس فيضيق على مسلمي الولاية، ويتبنى قوانين مناهضة لحركة مقاطعة إسرائيل (BDS).
وعند المقارنة مع المرشحين الديمقراطيين المحتملين، ترجح كفة فانس كذلك؛ وعلى سبيل المثال ترشحت كامالا هاريس في 2024 من دون أن تبتعد عن نهج بايدن تجاه الحرب في غزة، ولم تدعم أي محاولات لوقف شحنات الأسلحة لإسرائيل.
ديمقراطيون بارزون آخرون قد يترشحون في 2028 -حكام وأعضاء في مجلس الشيوخ قضوا العامين الماضيين في تلطيف تصريحاتهم السابقة لتجنب نفور الدوائر المؤيدة لإسرائيل أو لحقوق الفلسطينيين- يقدمون في الغالب خطابا عاطفيا من دون تغيير حقيقي في السياسات. وأسهمت تجربة حكم بايدن في تلاشى الحجة بأن الديمقراطيين هم الخيار «الآمن» في الانتخابات الأمريكية. من هنا، يبقى خيار فانس منطقيا اعتمادا على نهجه الشعبوي واستعداده للتشكيك في حتمية تقديم المساعدات لإسرائيل، وهو ما يستحق على الأقل انتباها جادا.
في الوقت ذاته، لا يمكن تجاهل أن فانس هو نائب الرئيس ترامب في إدارة حافظت، بشكل عام، على موقف مؤيد لإسرائيل بقوة. كما أن فانس بنى مسيرته المهنية داخل ائتلاف جمهوري عريض في عهد ترامب يضم شبكات مانحين إنجيلية ومؤيدة لإسرائيل، ومن المنطقي التساؤل عن مدى استقلالية الرئيس المستقبلي في النأي بنفسه وتمثيل تيار «أمريكا أولا» من دون الاكتراث بكتلة متشددة داخل تيار الناخبين الإنجيليين. ومن هنا، يجب على الناخبين المسلمين والعرب الأمريكيين الذين يفكرون في خياراتهم لعام 2028 أن يتعاملوا مع ترشح فانس كبديل يمكن التدقيق في سجله وتعهداته.
على مدار العقد الأخير، صدم الديمقراطيون والجمهوريون التقليديون الناخبين العرب والمسلمين. وبعد هذه الصدمات، يجب أن يؤخذ على محمل الجد الوقوف مع مرشح -حتى لو كان شعبويا- طالما يمكنه خدمة أهداف هذه الكتلة التصويتية، على الأقل في قضايا الشرق الأوسط.
يبقى أن أذكر أن اختيار جي دي فانس كنائب لدونالد ترامب مثّل تتويجا لرحلة صعود مذهلة لرجل لم يبلغ الأربعين من العمر حينذاك. وُلد فانس في مدينة ميدلتاون الصناعية الصغيرة بولاية أوهايو، ونشأ في غياب أبيه، وتولت رعايته والدته التي كانت تعاني من الإدمان، ثم جدته السيدة التقليدية الفقيرة، ابنة مناطق جبال الأبالاش بالوسط الأمريكي.
وشق فانس طريقه من خلال فرص أتاحتها له مؤسسات أمريكية مرموقة؛ بداية بسلاح مشاة البحرية فور انتهاء دراسته الثانوية، ثم كلية الحقوق بجامعة ييل العريقة، ثم شركات وادي السيليكون بمنطقة سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا، وصولا إلى عضوية مجلس الشيوخ عام 2022. من هنا، وبالنظر إلى خلفيته ونشأته وإلى ما وصل إليه الآن، فمن الإنصاف القول بكل ثقة إن جي دي فانس هو الشخص الأكثر نجاحا في جيله في السياسة الأمريكية بلا منافس.
{ كاتب صحفي متخصص
في الشؤون الأمريكية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك