العدد : ١٧٦٧٢ - الثلاثاء ١١ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٧٢ - الثلاثاء ١١ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

70 عاما على القرار التاريخي لجمال عبدالناصر بتأميم قناة السويس

بقلم: د. عصام عبدالفتاح {

السبت ٠١ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

تحل‭ ‬علينا‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬الذكرى‭ ‬السبعون‭ ‬لحدث‭ ‬تاريخي‭ ‬جلل‭ ‬هز‭ ‬العالم‭ ‬كله،‭ ‬حدث‭ ‬يتعلق‭ ‬بأهم‭ ‬ممر‭ ‬مائي‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬وهو‭ ‬تأميم‭ ‬قناة‭ ‬السويس‭. ‬الممرات‭ ‬المائية‭ ‬بطبيعتها‭ ‬الجيوستراتيجية‭ ‬لها‭ ‬طابع‭ ‬مزدوج‭ ‬فهي‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬العوامل‭ ‬التي‭ ‬تربط‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬وتسهم‭ ‬في‭ ‬توطيد‭ ‬العلاقات‭ ‬بينها‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬المجالات‭: ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والثقافية‭... ‬إلخ،‭ ‬ومن‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى‭ -‬وهنا‭ ‬تبدو‭ ‬المفارقة‭- ‬تعد‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬أسباب‭ ‬اشتعال‭ ‬النزاعات‭ ‬الدولية‭ ‬والحروب‭ ‬بين‭ ‬الدول‭. ‬ولنا‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الراهن‭ ‬شاهد‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬الظاهرة‭.‬

في‭ ‬السادس‭ ‬والعشرين‭ ‬من‭ ‬يوليو‭ ‬عام‭ ‬1956‭ ‬أعلن‭ ‬جمال‭ ‬عبدالناصر‭ ‬تأميم‭ ‬قناة‭ ‬السويس‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬كانت‭ ‬فعليًا‭ ‬خاضعة‭ ‬للنفوذ‭ ‬البريطاني‭. ‬ولكي‭ ‬تتضح‭ ‬جلية‭ ‬آثار‭ ‬التأميم‭ ‬الخطيرة‭ ‬على‭ ‬الغرب،‭ ‬وبالتحديد‭ ‬على‭ ‬الحكومة‭ ‬البريطانية،‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬فهم‭ ‬السياق‭ ‬التاريخي‭ ‬الذي‭ ‬حل‭ ‬‮«‬بإمبراطورية‭ ‬الشمس‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تغيب‮»‬‭.‬

‭ ‬ففي‭ ‬عام‭ ‬1956‭ ‬كانت‭ ‬إنجلترا‭ ‬تشهد‭ ‬عمليًا‭ ‬أفولًا‭ ‬تدريجيًا‭ ‬في‭ ‬نفوذها‭ ‬العالمي،‭ ‬ورغم‭ ‬ذلك‭ ‬ظلت‭ ‬قناة‭ ‬السويس‭ ‬بسبب‭ ‬أهميتها‭ ‬العظمى‭ ‬في‭ ‬تصورات‭ ‬صانعي‭ ‬القرار‭ ‬البريطانيين‭ ‬مكسبًا‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬التفريط‭ ‬فيه‭ ‬مهما‭ ‬احتلكت‭ ‬الظروف‭. ‬

كانت‭ ‬البنية‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬البريطانية‭ ‬تعيش‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬التهاوي‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يتبقى‭ ‬منها‭ ‬سوى‭ ‬منظومة‭ ‬فضفاضة‭ ‬من‭ ‬القواعد‭ ‬العسكرية‭ ‬والاتفاقيات‭ ‬وحقوق‭ ‬العبور،‭ ‬والترتيبات‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬المألوفة،‭ ‬ولكن‭ ‬فقدان‭ ‬ممر‭ ‬بأهمية‭ ‬قناة‭ ‬السويس‭ ‬هو‭ ‬أمر‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬لمخيلة‭ ‬الحكومة‭ ‬البريطانية‭ ‬أن‭ ‬تتخيل‭ ‬حدوثه‭. ‬

أطاح‭ ‬جمال‭ ‬عبدالناصر‭ ‬بآخر‭ ‬أوهام‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬البريطانية‭. ‬ويعلق‭ ‬أحد‭ ‬المحللين‭ ‬على‭ ‬حدث‭ ‬التأميم‭ ‬بقوله‭: ‬‮«‬استقبل‭ ‬أصحاب‭ ‬القرار‭ ‬في‭ ‬الحكومة‭ ‬البريطانية‭ ‬هذا‭ ‬الإعلان‭ ‬بمزيج‭ ‬من‭ ‬الدهشة‭ ‬والغضب‭ ‬العارم،‭ ‬إذ‭ ‬ساد‭ ‬لديهم‭ ‬الاعتقاد‭ ‬أن‭ ‬عبدالناصر‭ ‬قد‭ ‬تجاوز‭ ‬بصورة‭ ‬لا‭ ‬تُغتفر‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يعد‭ ‬آنذاك‭ ‬من‭ ‬الأعراف‭ ‬المستقرة‭ ‬للسلوك‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭. ‬

فمن‭ ‬منظور‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬البريطاني‭ ‬أنتوني‭ ‬إيدن‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬قناة‭ ‬السويس‭ ‬مجرد‭ ‬ممر‭ ‬ملاحي‭ ‬ذي‭ ‬أهمية‭ ‬استراتيجية،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬آخر‭ ‬تجسيدات‭ ‬المكانة‭ ‬العالمية‭ ‬لبريطانيا‭ ‬العظمى‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬وقتئذ‭ ‬بدأ‭ ‬يميل‭ ‬تدريجيًا‭ ‬إلى‭ ‬الهيمنة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فرضت‭ ‬أزمة‭ ‬التأميم‭ ‬على‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬سؤالًا‭ ‬حرجًا‭ ‬كان‭ ‬يساورها‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬1945‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تخوض‭ ‬فيه‭: ‬‮«‬ما‭ ‬الذي‭ ‬سيؤول‭ ‬إليه‭ ‬وضع‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬البريطانية‭ ‬إذا‭ ‬تعارضت‭ ‬مصالحها‭ ‬الوطنية‭ ‬الجوهرية‭ ‬مع‭ ‬أولويات‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬بحيث‭ ‬لا‭ ‬تحظى‭ ‬تلك‭ ‬المصالح‭ ‬بأي‭ ‬اعتبار؟‮»‬‭.‬

كان‭ ‬أنتوني‭ ‬إيدن‭ ‬ومعه‭ ‬النخبة‭ ‬البريطانية‭ ‬الحاكمة‭ ‬شديدي‭ ‬التمسك‭ ‬بالإرث‭ ‬الإمبراطوري،‭ ‬ونادرًا‭ ‬ما‭ ‬شعر‭ ‬صناع‭ ‬القرار‭ ‬في‭ ‬بريطانيا‭ ‬بأنهم‭ ‬يديرون‭ ‬إمبراطورية‭ ‬آيلة‭ ‬للزوال‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬إيدن‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬قناعة‭ ‬راسخة‭ ‬بأن‭ ‬الهيمنة‭ ‬على‭ ‬شريان‭ ‬حيوي‭ ‬مثل‭ ‬قناة‭ ‬السويس‭ ‬هو‭ ‬أمر‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬التفريط‭ ‬فيه‭ ‬بأي‭ ‬حال‭ ‬من‭ ‬الأحوال‭ ‬لضمان‭ ‬تدفق‭ ‬إمدادات‭ ‬النفط‭ ‬وصون‭ ‬المصالح‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬للغرب‭ ‬من‭ ‬الانهيار‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬أخذنا‭ ‬في‭ ‬الاعتبار‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬80‭ ‬في‭ ‬المائة‭ ‬من‭ ‬احتياجات‭ ‬أوروبا‭ ‬النفطية‭ ‬إبان‭ ‬أزمة‭ ‬السويس‭ ‬يأتي‭ ‬من‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭.‬

أما‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬الأمر‭ ‬مختلفًا؛‭ ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬الأمريكيون‭ ‬وقتئذ‭ ‬ينظرون‭ ‬إلى‭ ‬الوجود‭ ‬الإمبراطوري‭ ‬البريطاني‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬بوصفه‭ ‬بقايا‭ ‬عصر‭ ‬يخبو‭ ‬ومآله‭ ‬إلى‭ ‬الزوال،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬اعتبر‭ ‬فيه‭ ‬البريطانيون‭ ‬علاقاتهم‭ ‬بالولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬علاقة‭ ‬راسخة‭ ‬لا‭ ‬يُتصور‭ ‬أن‭ ‬تتغير‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬من‭ ‬الأيام،‭ ‬وخاصة‭ ‬أن‭ ‬السياق‭ ‬الدولي‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬1940‭ ‬فرض‭ ‬بطبيعته‭ ‬وحدة‭ ‬قوية‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬المتحالفة‭ ‬ضد‭ ‬دول‭ ‬المحور،‭ ‬كما‭ ‬فرض‭ ‬بينهم‭ ‬تعاونًا‭ ‬وطيدًا‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الاستخبارات‭ ‬وقنوات‭ ‬الاتصال‭ ‬والتقارب‭ ‬في‭ ‬الرؤى‭ ‬والاستراتيجيات‭. ‬وقد‭ ‬دأبت‭ ‬الخارجية‭ ‬البريطانية‭ ‬في‭ ‬تصريحاتها‭ ‬الرسمية‭ ‬المتكررة‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬الحقبة‭ ‬على‭ ‬التأكيد‭ ‬أن‭ ‬‮«‬خصوصية‭ ‬العلاقات‭ ‬البريطانية‭ ‬بواشنطن‭ ‬تعد‭ ‬شاهدًا‭ ‬على‭ ‬استمرار‭ ‬المكانة‭ ‬الدولية‭ ‬للمملكة‭ ‬المتحدة‮»‬‭. ‬بيد‭ ‬أن‭ ‬أزمة‭ ‬السويس‭ ‬أحدثت‭ ‬تصدعًا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التصور‭ ‬البريطاني‭.‬

‭ ‬إذ‭ ‬جرت‭ ‬الرياح‭ ‬بما‭ ‬لا‭ ‬تشتهي‭ ‬العقلية‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬البريطانية‭. ‬فرغم‭ ‬محاولاتها‭ ‬المضنية‭ ‬في‭ ‬استقطاب‭ ‬الدعم‭ ‬الأمريكي‭ ‬لما‭ ‬خططت‭ ‬له‭ ‬بشأن‭ ‬العدوان‭ ‬الثلاثي‭ ‬على‭ ‬مصر‭ ‬امتنعت‭ ‬واشنطن‭ ‬عن‭ ‬مؤازرتها‭ ‬بل‭ ‬أحبطت‭ ‬تمامًا‭ ‬خططها‭ ‬وشلت‭ ‬حكومتها‭ ‬عن‭ ‬الحركة‭ ‬بحيث‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬أمامها‭ ‬سوى‭ ‬خيار‭ ‬واحد‭ ‬أملته‭ ‬الظروف‭ ‬الدولية‭ ‬الجديدة،‭ ‬وهو‭ ‬أن‭ ‬تذعن‭ ‬لواشنطن‭ ‬وتتقاسم‭ ‬معها‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بسياستيهما‭ ‬هدفًا‭ ‬استراتيجيًا‭ ‬واحدًا‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬النفوذ‭ ‬السوفيتي‭. ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬تظل‭ ‬فيه‭ ‬مصر‭ ‬وقناة‭ ‬السويس‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬بريطانيا‭ ‬مسرحًا‭ ‬رئيسيًا‭ ‬مهمًا‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬مكانتها‭ ‬الدولية،‭ ‬وصونًا‭ ‬لثقلها‭ ‬السياسي‭ ‬ولقدرتها‭ ‬على‭ ‬إبراز‭ ‬قوتها‭ ‬العسكرية‭ ‬خارج‭ ‬حدودها‭.‬

لم‭ ‬يجانب‭ ‬المؤرخون‭ ‬الحقيقة‭ ‬عندما‭ ‬رأوا‭ ‬في‭ ‬أزمة‭ ‬قناة‭ ‬السويس‭ ‬نقطة‭ ‬تحول‭ ‬مفصلية‭ ‬كشفت‭ ‬حدود‭ ‬القوة‭ ‬البريطانية‭ ‬ولعبت‭ ‬دورًا‭ ‬جوهريًا‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬موازين‭ ‬القوى‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬الحلفاء‭ ‬الغربيين‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬اتضح‭ ‬جليًا‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬السبعة‭ ‬التالية‭ ‬لتأميم‭ ‬قناة‭ ‬السويس‭.‬

{‭ ‬أستاذ‭ ‬فلسفة‭ ‬اللغة‭ ‬والأدب‭ ‬الفرنسي‭   ‬بكلية‭ ‬الآداب‭ - ‬جامعة‭ ‬حلوان‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا