تحل علينا هذا العام الذكرى السبعون لحدث تاريخي جلل هز العالم كله، حدث يتعلق بأهم ممر مائي على الأرض وهو تأميم قناة السويس. الممرات المائية بطبيعتها الجيوستراتيجية لها طابع مزدوج فهي من ناحية من أهم العوامل التي تربط بين الدول وتسهم في توطيد العلاقات بينها في جميع المجالات: السياسية والاقتصادية والثقافية... إلخ، ومن ناحية أخرى -وهنا تبدو المفارقة- تعد من أهم أسباب اشتعال النزاعات الدولية والحروب بين الدول. ولنا في مضيق هرمز في الوقت الراهن شاهد على تلك الظاهرة.
في السادس والعشرين من يوليو عام 1956 أعلن جمال عبدالناصر تأميم قناة السويس بعد أن كانت فعليًا خاضعة للنفوذ البريطاني. ولكي تتضح جلية آثار التأميم الخطيرة على الغرب، وبالتحديد على الحكومة البريطانية، لا بد من فهم السياق التاريخي الذي حل «بإمبراطورية الشمس التي لا تغيب».
ففي عام 1956 كانت إنجلترا تشهد عمليًا أفولًا تدريجيًا في نفوذها العالمي، ورغم ذلك ظلت قناة السويس بسبب أهميتها العظمى في تصورات صانعي القرار البريطانيين مكسبًا لا يمكن التفريط فيه مهما احتلكت الظروف.
كانت البنية الإمبراطورية البريطانية تعيش حالة من التهاوي إذ لم يعد يتبقى منها سوى منظومة فضفاضة من القواعد العسكرية والاتفاقيات وحقوق العبور، والترتيبات الدبلوماسية المألوفة، ولكن فقدان ممر بأهمية قناة السويس هو أمر لا يمكن لمخيلة الحكومة البريطانية أن تتخيل حدوثه.
أطاح جمال عبدالناصر بآخر أوهام الإمبراطورية البريطانية. ويعلق أحد المحللين على حدث التأميم بقوله: «استقبل أصحاب القرار في الحكومة البريطانية هذا الإعلان بمزيج من الدهشة والغضب العارم، إذ ساد لديهم الاعتقاد أن عبدالناصر قد تجاوز بصورة لا تُغتفر ما كان يعد آنذاك من الأعراف المستقرة للسلوك في العلاقات الدولية.
فمن منظور رئيس الوزراء البريطاني أنتوني إيدن لم تكن قناة السويس مجرد ممر ملاحي ذي أهمية استراتيجية، بل كانت آخر تجسيدات المكانة العالمية لبريطانيا العظمى في النظام الدولي الذي كان وقتئذ بدأ يميل تدريجيًا إلى الهيمنة الأمريكية، ومن ثم فرضت أزمة التأميم على المملكة المتحدة سؤالًا حرجًا كان يساورها منذ عام 1945 من دون أن تخوض فيه: «ما الذي سيؤول إليه وضع السياسة الخارجية البريطانية إذا تعارضت مصالحها الوطنية الجوهرية مع أولويات الولايات المتحدة، بحيث لا تحظى تلك المصالح بأي اعتبار؟».
كان أنتوني إيدن ومعه النخبة البريطانية الحاكمة شديدي التمسك بالإرث الإمبراطوري، ونادرًا ما شعر صناع القرار في بريطانيا بأنهم يديرون إمبراطورية آيلة للزوال. كما أن إيدن كان على قناعة راسخة بأن الهيمنة على شريان حيوي مثل قناة السويس هو أمر لا يمكن التفريط فيه بأي حال من الأحوال لضمان تدفق إمدادات النفط وصون المصالح الاستراتيجية للغرب من الانهيار إذا ما أخذنا في الاعتبار أن ما يقرب من 80 في المائة من احتياجات أوروبا النفطية إبان أزمة السويس يأتي من الشرق الأوسط.
أما في الولايات المتحدة فقد كان الأمر مختلفًا؛ إذ كان الأمريكيون وقتئذ ينظرون إلى الوجود الإمبراطوري البريطاني في الشرق الأوسط بوصفه بقايا عصر يخبو ومآله إلى الزوال، في الوقت الذي اعتبر فيه البريطانيون علاقاتهم بالولايات المتحدة علاقة راسخة لا يُتصور أن تتغير في يوم من الأيام، وخاصة أن السياق الدولي منذ عام 1940 فرض بطبيعته وحدة قوية بين الدول المتحالفة ضد دول المحور، كما فرض بينهم تعاونًا وطيدًا في مجال الاستخبارات وقنوات الاتصال والتقارب في الرؤى والاستراتيجيات. وقد دأبت الخارجية البريطانية في تصريحاتها الرسمية المتكررة خلال هذه الحقبة على التأكيد أن «خصوصية العلاقات البريطانية بواشنطن تعد شاهدًا على استمرار المكانة الدولية للمملكة المتحدة». بيد أن أزمة السويس أحدثت تصدعًا في هذا التصور البريطاني.
إذ جرت الرياح بما لا تشتهي العقلية الإمبراطورية البريطانية. فرغم محاولاتها المضنية في استقطاب الدعم الأمريكي لما خططت له بشأن العدوان الثلاثي على مصر امتنعت واشنطن عن مؤازرتها بل أحبطت تمامًا خططها وشلت حكومتها عن الحركة بحيث لم يكن أمامها سوى خيار واحد أملته الظروف الدولية الجديدة، وهو أن تذعن لواشنطن وتتقاسم معها فيما يتعلق بسياستيهما هدفًا استراتيجيًا واحدًا في الشرق الأوسط، يتمثل في الحد من النفوذ السوفيتي. في الوقت الذي تظل فيه مصر وقناة السويس بالنسبة إلى بريطانيا مسرحًا رئيسيًا مهمًا للحفاظ على مكانتها الدولية، وصونًا لثقلها السياسي ولقدرتها على إبراز قوتها العسكرية خارج حدودها.
لم يجانب المؤرخون الحقيقة عندما رأوا في أزمة قناة السويس نقطة تحول مفصلية كشفت حدود القوة البريطانية ولعبت دورًا جوهريًا في إعادة تشكيل موازين القوى في العلاقات بين الحلفاء الغربيين في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وهذا ما اتضح جليًا خلال العقود السبعة التالية لتأميم قناة السويس.
{ أستاذ فلسفة اللغة والأدب الفرنسي بكلية الآداب - جامعة حلوان.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك