العدد : ١٧٦٧٢ - الثلاثاء ١١ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٧٢ - الثلاثاء ١١ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

الأهمية الاستراتيجية والمصيرية لوحدة الموقف الخليجي

بقلم: د. يعقوب سامي القوز

السبت ٠١ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬السياسة،‭ ‬لا‭ ‬تُختبر‭ ‬قوة‭ ‬التحالفات‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬الهدوء،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬لحظات‭ ‬التوتر‭. ‬فالكثير‭ ‬من‭ ‬التفاهمات‭ ‬تبدو‭ ‬مستقرة‭ ‬ما‭ ‬دامت‭ ‬الظروف‭ ‬مستقرة،‭ ‬لكن‭ ‬الأزمات‭ ‬وحدها‭ ‬تكشف‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬التفاهمات‭ ‬مجرد‭ ‬مصالح‭ ‬مؤقتة‭ ‬أم‭ ‬أنها‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬وعي‭ ‬سياسي‭ ‬مشترك‭.‬

في‭ ‬الخليج،‭ ‬مرّت‭ ‬المنطقة‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الأخيرة‭ ‬بسلسلة‭ ‬من‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬فرضت‭ ‬على‭ ‬دولها‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬مفهوم‭ ‬الأمن‭ ‬الجماعي‭. ‬فالتوترات‭ ‬الإقليمية،‭ ‬والتحولات‭ ‬الجيوسياسية،‭ ‬والتحديات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بسياسات‭ ‬إيران،‭ ‬جعلت‭ ‬فكرة‭ ‬‮«‬المصير‭ ‬المشترك‮»‬‭ ‬أكثر‭ ‬واقعية‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى‭.‬

هذا‭ ‬الإدراك‭ ‬لم‭ ‬يتشكل‭ ‬دفعة‭ ‬واحدة،‭ ‬بل‭ ‬جاء‭ ‬نتيجة‭ ‬تراكم‭ ‬طويل‭ ‬من‭ ‬التجارب‭. ‬فكل‭ ‬أزمة‭ ‬جديدة‭ ‬كانت‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬خلل‭ ‬في‭ ‬استقرار‭ ‬دولة‭ ‬خليجية‭ ‬ينعكس‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬بقية‭ ‬المنطقة‭. ‬ومع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت،‭ ‬بدأ‭ ‬الخليج‭ ‬يتحرك‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬بوصفه‭ ‬مجموعة‭ ‬دول‭ ‬متجاورة،‭ ‬بل‭ ‬كمنظومة‭ ‬أمنية‭ ‬مترابطة‭.‬

وهنا‭ ‬تحديدًا،‭ ‬بدأت‭ ‬وحدة‭ ‬الموقف‭ ‬تأخذ‭ ‬معنى‭ ‬مختلفًا‭.‬

فالوحدة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تعني‭ ‬التطابق‭ ‬الكامل‭ ‬في‭ ‬السياسات،‭ ‬لأن‭ ‬لكل‭ ‬دولة‭ ‬حساباتها‭ ‬وظروفها‭ ‬الخاصة،‭ ‬لكنها‭ ‬أصبحت‭ ‬تعني‭ ‬وجود‭ ‬خطوط‭ ‬عامة‭ ‬مشتركة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاوزها،‭ ‬وخصوصًا‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالأمن‭ ‬والسيادة‭ ‬والاستقرار‭ ‬الإقليمي‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬اكتسبت‭ ‬الرسائل‭ ‬الخليجية‭ ‬الجماعية‭ ‬أهمية‭ ‬متزايدة‭. ‬فالبيانات‭ ‬الموحدة،‭ ‬وسرعة‭ ‬التنسيق،‭ ‬والتضامن‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬لحظات‭ ‬التوتر،‭ ‬كلها‭ ‬أصبحت‭ ‬عناصر‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬صورة‭ ‬الخليج‭ ‬ككتلة‭ ‬سياسية‭ ‬أكثر‭ ‬تماسكًا‭.‬

وهنا،‭ ‬لا‭ ‬تعود‭ ‬البروتوكولات‭ ‬مجرد‭ ‬مراسم‭.‬

فعندما‭ ‬تجتمع‭ ‬القيادات‭ ‬الخليجية‭ ‬في‭ ‬توقيت‭ ‬حساس،‭ ‬فإن‭ ‬الصورة‭ ‬نفسها‭ ‬تصبح‭ ‬رسالة‭. ‬وعندما‭ ‬تصدر‭ ‬المواقف‭ ‬بلغة‭ ‬متقاربة،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يُقرأ‭ ‬بوصفه‭ ‬تنسيقًا‭ ‬شكليًا،‭ ‬بل‭ ‬بوصفه‭ ‬مؤشرًا‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬إدراك‭ ‬مشترك‭ ‬لطبيعة‭ ‬التهديدات‭ ‬المحيطة‭ ‬بالمنطقة‭.‬

وفي‭ ‬عالم‭ ‬السياسة،‭ ‬الإدراك‭ ‬المشترك‭ ‬عنصر‭ ‬بالغ‭ ‬الأهمية‭. ‬لأن‭ ‬الدول‭ ‬قد‭ ‬تختلف‭ ‬على‭ ‬التفاصيل،‭ ‬لكنها‭ ‬عندما‭ ‬تتفق‭ ‬على‭ ‬تعريف‭ ‬الخطر،‭ ‬تصبح‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬موقف‭ ‬موحد‭ ‬أكبر‭ ‬بكثير‭.‬

هذا‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬تدريجيًا‭ ‬وبشكل‭ ‬متتابع‭ ‬في‭ ‬الخليج‭.‬

فمع‭ ‬تصاعد‭ ‬التحديات‭ ‬الإقليمية،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬النقاش‭ ‬يدور‭ ‬فقط‭ ‬حول‭ ‬كيفية‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬أزمة‭ ‬على‭ ‬حدة،‭ ‬بل‭ ‬حول‭ ‬كيفية‭ ‬بناء‭ ‬معادلة‭ ‬استقرار‭ ‬طويلة‭ ‬المدى‭ ‬تحمي‭ ‬المنطقة‭ ‬من‭ ‬تكرار‭ ‬الأزمات‭ ‬نفسها‭.‬

ومن‭ ‬هنا،‭ ‬تحولت‭ ‬وحدة‭ ‬الموقف‭ ‬من‭ ‬خيار‭ ‬سياسي‭ ‬إلى‭ ‬ضرورة‭ ‬استراتيجية‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الرسائل‭ ‬الخليجية‭ ‬تُبنى‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬رد‭ ‬الفعل،‭ ‬بل‭ ‬بدأت‭ ‬تأخذ‭ ‬طابعًا‭ ‬استباقيًا‭ ‬أيضًا‭. ‬فالتنسيق‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يهدف‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬احتواء‭ ‬التوتر‭ ‬بعد‭ ‬وقوعه،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬تثبيت‭ ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬أمن‭ ‬الخليج‭ ‬يُنظر‭ ‬إليه‭ ‬بوصفه‭ ‬مساحة‭ ‬جماعية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬التعامل‭ ‬معها‭ ‬بطريقة‭ ‬مجزأة‭.‬

وهذا‭ ‬التحول‭ ‬منح‭ ‬الموقف‭ ‬الخليجي‭ ‬وزنًا‭ ‬مختلفًا‭.‬

ففي‭ ‬السابق،‭ ‬كانت‭ ‬بعض‭ ‬القوى‭ ‬الإقليمية‭ ‬تراهن‭ ‬على‭ ‬اختلاف‭ ‬الحسابات‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬الخليجية،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬تباينات‭ ‬تسمح‭ ‬بفتح‭ ‬ثغرات‭ ‬داخل‭ ‬الموقف‭ ‬العام‭. ‬لكن‭ ‬مع‭ ‬الوقت،‭ ‬أصبح‭ ‬واضحًا‭ ‬أن‭ ‬المنطقة،‭ ‬رغم‭ ‬تنوع‭ ‬سياساتها،‭ ‬تتجه‭ ‬أكثر‭ ‬نحو‭ ‬إدراك‭ ‬أن‭ ‬التهديدات‭ ‬الكبرى‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬التعامل‭ ‬معها‭ ‬بشكل‭ ‬منفرد‭.‬

وهنا‭ ‬تظهر‭ ‬القوة‭ ‬الحقيقية‭ ‬لوحدة‭ ‬الموقف‭.‬

فهي‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬فقط‭ ‬توحيد‭ ‬الخطاب،‭ ‬بل‭ ‬توحيد‭ ‬الرسالة‭ ‬النفسية‭ ‬والسياسية‭ ‬أيضًا‭. ‬أي‭ ‬إيصال‭ ‬انطباع‭ ‬واضح‭ ‬بأن‭ ‬استقرار‭ ‬الخليج‭ ‬ليس‭ ‬قضية‭ ‬تخص‭ ‬دولة‭ ‬واحدة،‭ ‬بل‭ ‬قضية‭ ‬جماعية‭ ‬تُفهم‭ ‬بهذه‭ ‬الطريقة‭ ‬داخل‭ ‬المنطقة‭ ‬وخارجها‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬المعنى،‭ ‬تتحول‭ ‬الوحدة‭ ‬إلى‭ ‬عنصر‭ ‬ردع‭ ‬بحد‭ ‬ذاتها‭.‬

لأن‭ ‬الرسالة‭ ‬الجماعية‭ ‬تقلل‭ ‬من‭ ‬فرص‭ ‬اختبار‭ ‬الحدود‭ ‬أو‭ ‬محاولة‭ ‬استغلال‭ ‬التباينات‭. ‬وهي‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬تمنح‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬الخليجي‭ ‬شعورًا‭ ‬بأن‭ ‬هناك‭ ‬مظلة‭ ‬سياسية‭ ‬مشتركة‭ ‬تتحرك‭ ‬لحماية‭ ‬الاستقرار‭ ‬العام‭.‬

لكن‭ ‬هذه‭ ‬الوحدة‭ ‬لا‭ ‬تُبنى‭ ‬عبر‭ ‬الخطابات‭ ‬فقط‭.‬

إنها‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تنسيق‭ ‬مستمر،‭ ‬وإلى‭ ‬إدارة‭ ‬دقيقة‭ ‬للخلافات‭ ‬الداخلية،‭ ‬وإلى‭ ‬إدراك‭ ‬بأن‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الصورة‭ ‬الجماعية‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬إدارة‭ ‬الملفات‭ ‬الفردية‭ ‬لكل‭ ‬دولة‭.‬

ومن‭ ‬هنا،‭ ‬أصبحت‭ ‬البروتوكولات‭ ‬الخليجية‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬صناعة‭ ‬هذا‭ ‬التماسك‭.‬

القمم،‭ ‬واللقاءات،‭ ‬والصور‭ ‬الجماعية،‭ ‬والبيانات‭ ‬الموحدة،‭ ‬كلها‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬إجراءات‭ ‬دبلوماسية،‭ ‬بل‭ ‬أدوات‭ ‬لتثبيت‭ ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬الخليج‭ ‬يتحرك،‭ ‬في‭ ‬القضايا‭ ‬المصيرية،‭ ‬كمساحة‭ ‬سياسية‭ ‬واحدة‭.‬

وفي‭ ‬عالم‭ ‬مليء‭ ‬بالتوترات‭ ‬الإقليمية،‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬الرسالة‭ ‬تفصيلًا‭ ‬صغيرًا،

بل‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬عناصر‭ ‬الاستقرار‭ ‬نفسه‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا