العدد : ١٧٦٧٢ - الثلاثاء ١١ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٧٢ - الثلاثاء ١١ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

الضرورات العصرية لإحياء مشروع سكة حديد الحجاز

بقلم: د. محمد محمود رامي {

الجمعة ٣١ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬السياسة،‭ ‬كثيراً‭ ‬ما‭ ‬تعود‭ ‬الأفكار‭ ‬الكبرى‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة‭ ‬عندما‭ ‬تتشابه‭ ‬الظروف،‭ ‬وإن‭ ‬اختلفت‭ ‬الأزمنة‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬اليوم‭ ‬مع‭ ‬سكة‭ ‬حديد‭ ‬الحجاز،‭ ‬المشروع‭ ‬الذي‭ ‬حمل‭ ‬رايته‭ ‬السلطان‭ ‬عبدالحميد‭ ‬الثاني‭ ‬قبل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬قرن،‭ ‬ويعود‭ ‬اليوم‭ ‬ليُطرح‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التحولات‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬يشهدها‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭.‬

عندما‭ ‬قرر‭ ‬السلطان‭ ‬عبدالحميد‭ ‬الثاني‭ ‬إنشاء‭ ‬سكة‭ ‬حديد‭ ‬الحجاز،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يفكر‭ ‬في‭ ‬نقل‭ ‬المسافرين‭ ‬أو‭ ‬تسهيل‭ ‬رحلة‭ ‬الحجاج‭ ‬إلى‭ ‬الديار‭ ‬المقدسة‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬ينظر‭ ‬إلى‭ ‬المشروع‭ ‬باعتباره‭ ‬أداة‭ ‬لبناء‭ ‬القوة‭. ‬فقد‭ ‬أراد‭ ‬ربط‭ ‬ولايات‭ ‬الدولة‭ ‬العثمانية‭ ‬بإسطنبول،‭ ‬وتعزيز‭ ‬وحدتها،‭ ‬وتأمين‭ ‬حركة‭ ‬الجيوش،‭ ‬وترسيخ‭ ‬نفوذها‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ ‬آنذاك،‭ ‬على‭ ‬رأسها‭ ‬بريطانيا‭ ‬وفرنسا‭ ‬وروسيا‭.‬

وبالفعل،‭ ‬وصل‭ ‬القطار‭ ‬إلى‭ ‬المدينة‭ ‬المنورة‭ ‬عام‭ ‬1908،‭ ‬في‭ ‬إنجاز‭ ‬هندسي‭ ‬وسياسي‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬النجاح‭ ‬لم‭ ‬يدم‭ ‬طويلاً؛‭ ‬إذ‭ ‬تحولت‭ ‬سكة‭ ‬الحديد‭ ‬خلال‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى‭ ‬إلى‭ ‬هدف‭ ‬عسكري،‭ ‬وتعرضت‭ ‬أجزاء‭ ‬واسعة‭ ‬منها‭ ‬للتدمير،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تُهمل‭ ‬عقودا‭ ‬طويلة،‭ ‬وكأنها‭ ‬أصبحت‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬ذاكرة‭ ‬التاريخ‭.‬

واليوم،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬الظروف‭ ‬التي‭ ‬دفعت‭ ‬إلى‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬تعود‭ ‬بصيغة‭ ‬مختلفة‭. ‬فالشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬يعيش‭ ‬مرحلة‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل،‭ ‬تتغير‭ ‬فيها‭ ‬التحالفات،‭ ‬وتتصاعد‭ ‬فيها‭ ‬التحديات‭ ‬الأمنية‭ ‬والاقتصادية،‭ ‬بينما‭ ‬تبحث‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬عن‭ ‬أدوات‭ ‬جديدة‭ ‬لحماية‭ ‬مصالحها‭ ‬وتعزيز‭ ‬حضورها‭ ‬الإقليمي‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬عاد‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬إحياء‭ ‬مشروع‭ ‬سكة‭ ‬حديد‭ ‬الحجاز،‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تربط‭ ‬تركيا‭ ‬بسورية‭ ‬والأردن‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬السعودية‭. ‬وحتى‭ ‬الآن،‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬المشروع‭ ‬فكرة‭ ‬قيد‭ ‬النقاش،‭ ‬ولم‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬خطة‭ ‬تنفيذية‭ ‬معتمدة،‭ ‬لكنه‭ ‬يعكس‭ ‬توجهاً‭ ‬متزايداً‭ ‬نحو‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬مشاريع‭ ‬إقليمية‭ ‬تعيد‭ ‬ربط‭ ‬المنطقة‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬الحروب‭ ‬والانقسامات‭.‬

إلا‭ ‬أن‭ ‬الطريق‭ ‬إلى‭ ‬تنفيذ‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬ليس‭ ‬سهلاً؛‭ ‬فالعقبة‭ ‬الأولى‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬البيئة‭ ‬الدولية‭ ‬والإقليمية‭ ‬المعقدة‭. ‬فالقوى‭ ‬التي‭ ‬عارضت‭ ‬المشروع‭ ‬قبل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬قرن‭ ‬كانت‭ ‬ترى‭ ‬فيه‭ ‬وسيلة‭ ‬لتعزيز‭ ‬استقلال‭ ‬القرار‭ ‬العثماني،‭ ‬واليوم‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬المنافسة‭ ‬الدولية‭ ‬على‭ ‬النفوذ‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬حاضرة‭ ‬بقوة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يجعل‭ ‬أي‭ ‬مشروع‭ ‬تكاملي‭ ‬كبير‭ ‬عرضة‭ ‬للتجاذبات‭ ‬السياسية‭.‬

أما‭ ‬التحدي‭ ‬الآخر،‭ ‬فهو‭ ‬داخلي‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬نفسها‭. ‬فالمشاريع‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬العابرة‭ ‬للحدود‭ ‬لا‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬التمويل‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬ثقة‭ ‬سياسية،‭ ‬واستقرار‭ ‬أمني،‭ ‬وتفاهمات‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد‭. ‬وبعد‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬الخلافات‭ ‬والأزمات،‭ ‬يبقى‭ ‬بناء‭ ‬هذه‭ ‬الثقة‭ ‬هو‭ ‬الاختبار‭ ‬الحقيقي‭ ‬لأي‭ ‬مشروع‭ ‬بهذا‭ ‬الحجم‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬المكاسب‭ ‬المحتملة‭ ‬تستحق‭ ‬التفكير‭ ‬الجاد‭. ‬فمن‭ ‬الناحية‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬السكة‭ ‬إلى‭ ‬شريان‭ ‬تجاري‭ ‬يربط‭ ‬جنوب‭ ‬تركيا‭ ‬بالمشرق‭ ‬العربي‭ ‬وشبه‭ ‬الجزيرة‭ ‬العربية،‭ ‬ويخفض‭ ‬تكاليف‭ ‬النقل،‭ ‬ويزيد‭ ‬حجم‭ ‬التبادل‭ ‬التجاري،‭ ‬ويخلق‭ ‬فرصاً‭ ‬واسعة‭ ‬للاستثمار،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬دوره‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬جهود‭ ‬إعادة‭ ‬الإعمار،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬سورية‭.‬

كما‭ ‬يحمل‭ ‬المشروع‭ ‬قيمة‭ ‬استراتيجية‭ ‬لسورية،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تاريخياً‭ ‬عقدة‭ ‬مواصلات‭ ‬بين‭ ‬الشمال‭ ‬والجنوب‭. ‬وإعادة‭ ‬تفعيل‭ ‬هذا‭ ‬الدور‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬تحسين‭ ‬حركة‭ ‬النقل‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬إعادة‭ ‬دمج‭ ‬الاقتصاد‭ ‬السوري‭ ‬ضمن‭ ‬شبكة‭ ‬اقتصادية‭ ‬إقليمية‭ ‬أوسع‭.‬

أما‭ ‬البعد‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والثقافي‭ ‬فلا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية‭. ‬فسكة‭ ‬حديد‭ ‬الحجاز‭ ‬كانت،‭ ‬في‭ ‬الأصل،‭ ‬مشروعاً‭ ‬يربط‭ ‬الناس‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يربط‭ ‬المدن،‭ ‬وإحياؤها‭ ‬قد‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬التواصل‭ ‬بين‭ ‬شعوب‭ ‬المنطقة،‭ ‬وتسهيل‭ ‬حركة‭ ‬الحجاج‭ ‬والمسافرين،‭ ‬وإحياء‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الإرث‭ ‬الحضاري‭ ‬المشترك‭ ‬الذي‭ ‬يجمع‭ ‬هذه‭ ‬الجغرافيا‭.‬

وعلى‭ ‬المستوى‭ ‬السياسي،‭ ‬فإن‭ ‬نجاح‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬قد‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬التعاون‭ ‬الإقليمي،‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬المصالح‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والتكامل‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الصراعات‭. ‬وقد‭ ‬يمنح‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬وتركيا‭ ‬مساحة‭ ‬أوسع‭ ‬للتأثير‭ ‬في‭ ‬معادلات‭ ‬المنطقة،‭ ‬إذا‭ ‬استطاعت‭ ‬تحويل‭ ‬التقارب‭ ‬السياسي‭ ‬إلى‭ ‬مشاريع‭ ‬عملية‭ ‬ومستدامة‭.‬

في‭ ‬النهاية،‭ ‬ربما‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬سكة‭ ‬حديد‭ ‬الحجاز‭ ‬مجرد‭ ‬خط‭ ‬حديدي‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬العمل،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬مؤشراً‭ ‬على‭ ‬عودة‭ ‬فكرة‭ ‬قديمة‭ ‬بصيغة‭ ‬جديدة؛‭ ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬قوة‭ ‬المنطقة‭ ‬لا‭ ‬تُبنى‭ ‬بالمواجهة‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬بالمشاريع‭ ‬المشتركة‭ ‬التي‭ ‬تصنع‭ ‬المصالح،‭ ‬وتربط‭ ‬الاقتصادات،‭ ‬وتقرب‭ ‬الشعوب‭. ‬وكما‭ ‬كانت‭ ‬السكة،‭ ‬قبل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬قرن،‭ ‬رمزاً‭ ‬لطموح‭ ‬سياسي‭ ‬وحضاري،‭ ‬فقد‭ ‬تصبح‭ ‬اليوم‭ ‬رمزاً‭ ‬لإرادة‭ ‬بناء‭ ‬نظام‭ ‬اقليمي‭ ‬أكثر‭ ‬ترابطاً‭ ‬واستقراراً،‭ ‬إذا‭ ‬توافرت‭ ‬الإرادة‭ ‬السياسية‭ ‬لتحويل‭ ‬الحلم‭ ‬إلى‭ ‬حقيقة‭.‬

{‭ ‬باحث‭ ‬وكاتب‭ ‬سوري‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا