في السياسة، كثيراً ما تعود الأفكار الكبرى إلى الواجهة عندما تتشابه الظروف، وإن اختلفت الأزمنة. وهذا ما يحدث اليوم مع سكة حديد الحجاز، المشروع الذي حمل رايته السلطان عبدالحميد الثاني قبل أكثر من قرن، ويعود اليوم ليُطرح من جديد في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها الشرق الأوسط.
عندما قرر السلطان عبدالحميد الثاني إنشاء سكة حديد الحجاز، لم يكن يفكر في نقل المسافرين أو تسهيل رحلة الحجاج إلى الديار المقدسة فحسب، بل كان ينظر إلى المشروع باعتباره أداة لبناء القوة. فقد أراد ربط ولايات الدولة العثمانية بإسطنبول، وتعزيز وحدتها، وتأمين حركة الجيوش، وترسيخ نفوذها في مواجهة القوى الكبرى آنذاك، على رأسها بريطانيا وفرنسا وروسيا.
وبالفعل، وصل القطار إلى المدينة المنورة عام 1908، في إنجاز هندسي وسياسي غير مسبوق في ذلك الوقت. غير أن هذا النجاح لم يدم طويلاً؛ إذ تحولت سكة الحديد خلال الحرب العالمية الأولى إلى هدف عسكري، وتعرضت أجزاء واسعة منها للتدمير، قبل أن تُهمل عقودا طويلة، وكأنها أصبحت جزءاً من ذاكرة التاريخ.
واليوم، يبدو أن الظروف التي دفعت إلى التفكير في هذا المشروع تعود بصيغة مختلفة. فالشرق الأوسط يعيش مرحلة إعادة تشكيل، تتغير فيها التحالفات، وتتصاعد فيها التحديات الأمنية والاقتصادية، بينما تبحث دول المنطقة عن أدوات جديدة لحماية مصالحها وتعزيز حضورها الإقليمي.
وفي هذا السياق، عاد الحديث عن إحياء مشروع سكة حديد الحجاز، التي يمكن أن تربط تركيا بسورية والأردن وصولاً إلى السعودية. وحتى الآن، لا يزال المشروع فكرة قيد النقاش، ولم يتحول إلى خطة تنفيذية معتمدة، لكنه يعكس توجهاً متزايداً نحو التفكير في مشاريع إقليمية تعيد ربط المنطقة بعد سنوات طويلة من الحروب والانقسامات.
إلا أن الطريق إلى تنفيذ هذا المشروع ليس سهلاً؛ فالعقبة الأولى تتمثل في البيئة الدولية والإقليمية المعقدة. فالقوى التي عارضت المشروع قبل أكثر من قرن كانت ترى فيه وسيلة لتعزيز استقلال القرار العثماني، واليوم لا تزال المنافسة الدولية على النفوذ في الشرق الأوسط حاضرة بقوة، وهو ما قد يجعل أي مشروع تكاملي كبير عرضة للتجاذبات السياسية.
أما التحدي الآخر، فهو داخلي بين دول المنطقة نفسها. فالمشاريع الاستراتيجية العابرة للحدود لا تقوم على التمويل وحده، بل تحتاج إلى ثقة سياسية، واستقرار أمني، وتفاهمات طويلة الأمد. وبعد سنوات من الخلافات والأزمات، يبقى بناء هذه الثقة هو الاختبار الحقيقي لأي مشروع بهذا الحجم.
ومع ذلك، فإن المكاسب المحتملة تستحق التفكير الجاد. فمن الناحية الاقتصادية، يمكن أن تتحول السكة إلى شريان تجاري يربط جنوب تركيا بالمشرق العربي وشبه الجزيرة العربية، ويخفض تكاليف النقل، ويزيد حجم التبادل التجاري، ويخلق فرصاً واسعة للاستثمار، فضلاً عن دوره في دعم جهود إعادة الإعمار، ولا سيما في سورية.
كما يحمل المشروع قيمة استراتيجية لسورية، التي كانت تاريخياً عقدة مواصلات بين الشمال والجنوب. وإعادة تفعيل هذا الدور لا تعني تحسين حركة النقل فحسب، بل إعادة دمج الاقتصاد السوري ضمن شبكة اقتصادية إقليمية أوسع.
أما البعد الاجتماعي والثقافي فلا يقل أهمية. فسكة حديد الحجاز كانت، في الأصل، مشروعاً يربط الناس قبل أن يربط المدن، وإحياؤها قد يسهم في تعزيز التواصل بين شعوب المنطقة، وتسهيل حركة الحجاج والمسافرين، وإحياء جزء من الإرث الحضاري المشترك الذي يجمع هذه الجغرافيا.
وعلى المستوى السياسي، فإن نجاح مثل هذا المشروع قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون الإقليمي، تقوم على المصالح الاقتصادية والتكامل بدلاً من الصراعات. وقد يمنح الدول العربية وتركيا مساحة أوسع للتأثير في معادلات المنطقة، إذا استطاعت تحويل التقارب السياسي إلى مشاريع عملية ومستدامة.
في النهاية، ربما لا تكون سكة حديد الحجاز مجرد خط حديدي يعود إلى العمل، بل قد تكون مؤشراً على عودة فكرة قديمة بصيغة جديدة؛ فكرة أن قوة المنطقة لا تُبنى بالمواجهة وحدها، بل أيضاً بالمشاريع المشتركة التي تصنع المصالح، وتربط الاقتصادات، وتقرب الشعوب. وكما كانت السكة، قبل أكثر من قرن، رمزاً لطموح سياسي وحضاري، فقد تصبح اليوم رمزاً لإرادة بناء نظام اقليمي أكثر ترابطاً واستقراراً، إذا توافرت الإرادة السياسية لتحويل الحلم إلى حقيقة.
{ باحث وكاتب سوري.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك