العدد : ١٧٦٧٢ - الثلاثاء ١١ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٧٢ - الثلاثاء ١١ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

احتمالات الصدام بين الحكومة العراقية والمليشيات الإيرانية

بقلم: إياد الدليمي {

الجمعة ٣١ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

بعد‭ ‬ساعات‭ ‬قليلة‭ ‬من‭ ‬عودة‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬العراقي‭ ‬علي‭ ‬الزيدي‭ ‬من‭ ‬طهران‭ ‬يوم‭ ‬الجمعة‭ ‬الماضية،‭ ‬في‭ ‬أوّل‭ ‬زيارة‭ ‬له‭ ‬منذ‭ ‬توليه‭ ‬رئاسة‭ ‬الحكومة،‭ ‬حاصرت‭ ‬قوّة‭ ‬أمنية،‭ ‬ترافقها‭ ‬قوّة‭ ‬من‭ ‬هيئة‭ ‬الحشد‭ ‬الشعبي،‭ ‬مقرّاً‭ ‬لإحدى‭ ‬المليشيات‭ ‬المسلّحة‭ ‬جنوب‭ ‬بغداد‭ ‬لتفتيشه‭. ‬غير‭ ‬أنّها‭ ‬لم‭ ‬تتمكّن‭ ‬من‭ ‬تنفيذ‭ ‬المهمّة،‭ ‬بعدما‭ ‬رفضت‭ ‬المليشيا‭ ‬السماح‭ ‬لها‭ ‬بالدخول،‭ ‬وهدّدت‭ ‬بفتح‭ ‬النار‭ ‬إذا‭ ‬حاولت‭ ‬اقتحام‭ ‬المقرّ،‭ ‬لتنسحب‭ ‬القوّة‭ ‬لاحقا‭ ‬بعد‭ ‬تلقّيها‭ ‬أوامر‭ ‬بذلك‭.‬

وتكشف‭ ‬هذه‭ ‬الحادثة‭ ‬طبيعة‭ ‬المرحلة‭ ‬المقبلة‭ ‬في‭ ‬العراق؛‭ ‬مرحلة‭ ‬تتقاطع‭ ‬فيها‭ ‬الضغوط‭ ‬الأمريكية‭ ‬الرامية‭ ‬إلى‭ ‬تفكيك‭ ‬المليشيات‭ ‬وحصر‭ ‬السلاح‭ ‬بيد‭ ‬الدولة،‭ ‬مع‭ ‬إصرار‭ ‬تلك‭ ‬المجموعات‭ ‬المسلحة‭ ‬التابعة‭ ‬لإيران‭ ‬على‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بترسانتها‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬ارتباطها‭ ‬العضوي‭ ‬بإيران‭ ‬التي‭ ‬تخوض‭ ‬اليوم‭ ‬واحدةً‭ ‬من‭ ‬أخطر‭ ‬المواجهات‭ ‬في‭ ‬تاريخها،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬دفعها‭ ‬إلى‭ ‬استنفار‭ ‬جميع‭ ‬أوراق‭ ‬نفوذها‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

وقبل‭ ‬هذه‭ ‬الحادثة‭ ‬بيوم‭ (‬الخميس‭ ‬قبل‭ ‬الماضي‭)‬،‭ ‬نشرت‭ ‬صحيفة‭ ‬عراقية‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬لدى‭ ‬فصائل‭ ‬موالية‭ ‬لإيران‭ ‬مخطّطاً‭ ‬لاغتيال‭ ‬علي‭ ‬الزيدي‭ ‬إذا‭ ‬مضى‭ ‬في‭ ‬مشروعه‭ ‬الرامي‭ ‬إلى‭ ‬نزع‭ ‬سلاح‭ ‬المليشيات‭ ‬وتفكيكها‭. ‬ويختصر‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬طبيعة‭ ‬المرحلة‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬يقف‭ ‬العراق‭ ‬على‭ ‬أعتابها‭. ‬فعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬التعهّدات‭ ‬التي‭ ‬قدّمها‭ ‬الزيدي‭ ‬في‭ ‬زيارته‭ ‬واشنطن،‭ ‬حين‭ ‬أكّد‭ ‬أنّ‭ ‬العراق‭ ‬دخل‭ ‬مرحلةً‭ ‬جديدةً‭ ‬لا‭ ‬مكان‭ ‬فيها‭ ‬لسلاح‭ ‬خارج‭ ‬إطار‭ ‬الدولة،‭ ‬تبدو‭ ‬ترجمة‭ ‬هذه‭ ‬الوعود‭ ‬إلى‭ ‬واقع‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬ممّا‭ ‬توحي‭ ‬به‭ ‬التصريحات‭ ‬الرسمية‭. ‬فالمشكلة‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬جماعات‭ ‬مسلّحة،‭ ‬بل‭ ‬تتمثّل‭ ‬في‭ ‬تغلغل‭ ‬هذه‭ ‬الجماعات‭ ‬داخل‭ ‬مفاصل‭ ‬الدولة،‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬تجعل‭ ‬أيَّ‭ ‬محاولة‭ ‬جادّة‭ ‬لمواجهتها‭ ‬محفوفةً‭ ‬بمخاطر‭ ‬سياسية‭ ‬وأمنية‭ ‬كبيرة‭.‬

ويأتي‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تشهد‭ ‬فيه‭ ‬إيران‭ ‬تصعيداً‭ ‬أمريكياً‭ ‬متواصلاً،‭ ‬سواء‭ ‬عبر‭ ‬الضربات‭ ‬العسكرية،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التصريحات‭ ‬المتكرّرة‭ ‬للرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب،‭ ‬التي‭ ‬يلوّح‭ ‬فيها‭ ‬بحرب‭ ‬واسعة‭ ‬وضربات‭ ‬تختلف‭ ‬في‭ ‬حجمها‭ ‬وتأثيرها‭ ‬عمّا‭ ‬سبق‭.‬

ولا‭ ‬تُخفي‭ ‬المليشيات‭ ‬العراقية‭ ‬ولاءها‭ ‬لطهران،‭ ‬كما‭ ‬لا‭ ‬تستبعد‭ ‬الانخراط‭ ‬المباشر‭ ‬في‭ ‬أيّ‭ ‬مواجهة‭ ‬عسكرية‭ ‬إذا‭ ‬تعرّضت‭ ‬إيران‭ ‬لهجوم‭ ‬جديد‭. ‬وليس‭ ‬سرّاً‭ ‬أنّ‭ ‬فصائل‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬نشرت‭ ‬مراراً‭ ‬تسجيلات‭ ‬مصوّرة‭ ‬لعمليات‭ ‬إطلاق‭ ‬طائرات‭ ‬مسيّرة‭ ‬وصواريخ‭ ‬باتجاه‭ ‬دول‭ ‬خليجية‭ ‬والأردن،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬الهجمات‭ ‬التي‭ ‬استهدفت‭ ‬مقارّ‭ ‬الأحزاب‭ ‬الكردية‭ ‬الإيرانية‭ ‬المعارضة‭ ‬في‭ ‬شمالي‭ ‬العراق،‭ ‬وكذلك‭ ‬القنصلية‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬أربيل‭ ‬وقاعدة‭ ‬حرير‭ ‬العسكرية‭.‬

ويحاول‭ ‬الزيدي،‭ ‬بحسب‭ ‬ما‭ ‬يتردّد‭ ‬في‭ ‬الأوساط‭ ‬السياسية‭ ‬العراقية،‭ ‬أن‭ ‬يستبدل‭ ‬بالمواجهة‭ ‬المباشرة‭ ‬سياسة‭ ‬الاحتواء‭ ‬والإغراءات،‭ ‬فالرجل‭ ‬القادم‭ ‬من‭ ‬خلفية‭ ‬اقتصادية‭ ‬وتجارية‭ ‬يبدو‭ ‬مقتنعاً‭ ‬بإمكانية‭ ‬إقناع‭ ‬بعض‭ ‬قادة‭ ‬الفصائل‭ ‬بتسليم‭ ‬أسلحتهم‭ ‬مقابل‭ ‬ضمانات‭ ‬بعدم‭ ‬ملاحقتهم،‭ ‬ولا‭ ‬سيّما‭ ‬في‭ ‬ملفّات‭ ‬الفساد‭ ‬والتمويل،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬منحهم‭ ‬مواقع‭ ‬حكومية‭ ‬أو‭ ‬أدواراً‭ ‬سياسية‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬المقبلة‭.‬

غير‭ ‬أنّ‭ ‬هذه‭ ‬المقاربة‭ ‬تبدو‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬الرهان‭ ‬الصعب‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬الخطّة‭ ‬القابلة‭ ‬للتنفيذ،‭ ‬فكثير‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الفصائل‭ ‬لا‭ ‬يخضع‭ ‬قراره‭ ‬لقيادات‭ ‬عراقية‭ ‬خالصة،‭ ‬بل‭ ‬يرتبط،‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬تؤكّد‭ ‬مصادر‭ ‬وتقارير‭ ‬عراقية‭ ‬عديدة،‭ ‬بقيادات‭ ‬في‭ ‬فيلق‭ ‬القدس‭ ‬التابع‭ ‬للحرس‭ ‬الثوري‭ ‬الإيراني‭. ‬كما‭ ‬أنّ‭ ‬هذه‭ ‬الجماعات‭ ‬ليست‭ ‬مجرّد‭ ‬تشكيلات‭ ‬مسلّحة،‭ ‬بل‭ ‬تنظيمات‭ ‬عقائدية‭ ‬مؤدلجة،‭ ‬تمتلك‭ ‬من‭ ‬الدافع‭ ‬الأيديولوجي‭ ‬ما‭ ‬يجعلها‭ ‬مستعدّةً‭ ‬لمواجهة‭ ‬الدولة‭ ‬نفسها‭ ‬إذا‭ ‬شعرت‭ ‬بأنّ‭ ‬وجودها‭ ‬أو‭ ‬مشروعها‭ ‬بات‭ ‬مهدّداً‭.‬

ويعزّز‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬موقف‭ ‬إيران‭ ‬التي‭ ‬باتت‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬المليشيات‭ ‬بوصفها‭ ‬إحدى‭ ‬أهمّ‭ ‬أدواتها‭ ‬لفرض‭ ‬النفوذ‭ ‬وإيصال‭ ‬رسائل‭ ‬القوّة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭. ‬وقد‭ ‬أثبتت‭ ‬تجربة‭ ‬الحوثيين‭ ‬في‭ ‬اليمن،‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬طهران،‭ ‬أنّ‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الوكلاء‭ ‬أقلّ‭ ‬كلفةً‭ ‬من‭ ‬الانخراط‭ ‬المباشر‭ ‬في‭ ‬الحروب،‭ ‬وأكثر‭ ‬قدرةً‭ ‬على‭ ‬استنزاف‭ ‬الخصوم‭ ‬سياسياً‭ ‬وعسكرياً،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬الفصائل‭ ‬العراقية‭ ‬جزءاً‭ ‬أساسياً‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الاستراتيجية‭.‬

وجاءت‭ ‬زيارة‭ ‬علي‭ ‬الزيدي‭ ‬طهران‭ ‬بعد‭ ‬أيّام‭ ‬من‭ ‬زيارة‭ ‬وُصفت‭ ‬بالتاريخية‭ ‬لواشنطن،‭ ‬استمرّت‭ ‬عدّة‭ ‬أيّام‭ ‬وجرى‭ ‬فيها‭ ‬توقيع‭ ‬اتفاقات‭ ‬ومذكّرات‭ ‬تفاهم‭ ‬قُدّرت‭ ‬قيمتها‭ ‬بنحو‭ ‬60‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭. ‬وسمع‭ ‬الزيدي‭ ‬هناك‭ ‬الرسالة‭ ‬نفسها‭ ‬التي‭ ‬تدركها‭ ‬بغداد‭ ‬جيّداً‭: ‬لا‭ ‬استثمارات‭ ‬كُبرى،‭ ‬ولا‭ ‬شراكةَ‭ ‬استراتيجيةً‭ ‬حقيقيةً،‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬ينجح‭ ‬العراق‭ ‬في‭ ‬الحدّ‭ ‬من‭ ‬النفوذ‭ ‬الإيراني‭ ‬واستعادة‭ ‬قرار‭ ‬الدولة‭.‬

يدرك‭ ‬المبعوث‭ ‬الأمريكي‭ ‬إلى‭ ‬سورية‭ ‬والعراق،‭ ‬والسفير‭ ‬في‭ ‬أنقرة‭ ‬توم‭ ‬برّاك،‭ ‬وهو‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬مهندسي‭ ‬السياسة‭ ‬الأمريكية‭ ‬الجديدة‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬أنّ‭ ‬معالجة‭ ‬الملفّ‭ ‬العراقي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتم‭ ‬عبر‭ ‬شعارات‭ ‬أو‭ ‬قرارات‭ ‬سريعة‭. ‬فهو‭ ‬يعلم‭ ‬أنّ‭ ‬النفوذ‭ ‬الإيراني‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬ليس‭ ‬مجرّد‭ ‬مليشيات‭ ‬أو‭ ‬شبكات‭ ‬مالية‭ ‬أو‭ ‬علاقات‭ ‬سياسية،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬منظومة‭ ‬نفوذ‭ ‬متكاملة‭ ‬بنتها‭ ‬طهران‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عقدَين،‭ ‬مستفيدة‭ ‬من‭ ‬الفراغ‭ ‬الذي‭ ‬خلّفه‭ ‬الانسحاب‭ ‬الأمريكي‭ ‬عام‭ ‬2011،‭ ‬ومن‭ ‬تراجع‭ ‬الحضور‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬خلال‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة‭.‬

ولعلّ‭ ‬التراجع‭ ‬الذي‭ ‬أصاب‭ ‬حملة‭ ‬مكافحة‭ ‬الفساد‭ ‬التي‭ ‬أطلقها‭ ‬الزيدي،‭ ‬مع‭ ‬بداية‭ ‬توليه‭ ‬رئاسة‭ ‬الحكومة،‭ ‬يقدّم‭ ‬مثالاً‭ ‬واضحاً‭ ‬على‭ ‬حجم‭ ‬التعقيدات‭. ‬فما‭ ‬إن‭ ‬شعرت‭ ‬شخصيات‭ ‬نافذة‭ ‬داخل‭ ‬‮«‬الإطار‭ ‬التنسيقي‮»‬‭ ‬بأنّ‭ ‬الحملة‭ ‬قد‭ ‬تقترب‭ ‬منها،‭ ‬حتّى‭ ‬بدأت‭ ‬الضغوط‭ ‬تتصاعد،‭ ‬وتراجع‭ ‬زخم‭ ‬الإجراءات‭. ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬ملفّات‭ ‬الفساد‭ ‬قد‭ ‬واجهت‭ ‬هذه‭ ‬المقاومة‭ ‬كلّها،‭ ‬فكيف‭ ‬سيكون‭ ‬الحال‭ ‬مع‭ ‬ملفّ‭ ‬السلاح‭ ‬الذي‭ ‬يمثّل‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬تلك‭ ‬الفصائل‭ ‬ضمانةَ‭ ‬وجودها‭ ‬ونفوذها؟

لذلك،‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬أمام‭ ‬الزيدي‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬سوى‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرار‭ ‬المواجهة،‭ ‬مهما‭ ‬بلغت‭ ‬كلفتها‭. ‬نعم،‭ ‬ستكون‭ ‬مواجهةً‭ ‬باهظةَ‭ ‬الثمن،‭ ‬لكنّ‭ ‬البديل‭ ‬هو‭ ‬استمرار‭ ‬تمدّد‭ ‬المليشيات‭ ‬وتعاظم‭ ‬نفوذها‭ ‬داخل‭ ‬مؤسّسات‭ ‬الدولة،‭ ‬بما‭ ‬يجعل‭ ‬أيّ‭ ‬مشروع‭ ‬لبناء‭ ‬دولة‭ ‬أمراً‭ ‬بالغ‭ ‬الصعوبة‭.‬

يجد‭ ‬العراق‭ ‬نفسه‭ ‬اليوم‭ ‬أمام‭ ‬خيارَين،‭ ‬يكادان‭ ‬يكونان‭ ‬متناقضَين‭: ‬الانخراط‭ ‬في‭ ‬شراكة‭ ‬استراتيجية‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وحلفائها‭ ‬الإقليميين،‭ ‬وما‭ ‬يفرضه‭ ‬هذا‭ ‬من‭ ‬إعادة‭ ‬ترتيب‭ ‬الداخل‭ ‬العراقي،‭ ‬أو‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬الارتهان‭ ‬للمحور‭ ‬الإيراني،‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬يحمله‭ ‬هذا‭ ‬من‭ ‬تداعيات‭ ‬سياسية‭ ‬واقتصادية‭ ‬وأمنية‭ ‬قد‭ ‬تطاول‭ ‬مستقبل‭ ‬الدولة‭ ‬نفسها‭. ‬وتبدو‭ ‬واشنطن،‭ ‬وفق‭ ‬الرؤية‭ ‬التي‭ ‬يعمل‭ ‬عليها‭ ‬توم‭ ‬برّاك،‭ ‬غير‭ ‬مستعدّة‭ ‬للقبول‭ ‬باستمرار‭ ‬العراق‭ ‬بوصفه‭ ‬امتداداً‭ ‬للنفوذ‭ ‬الإيراني،‭ ‬فالتصوّر‭ ‬الأمريكي‭ ‬الجديد‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬دمج‭ ‬العراق‭ ‬ضمن‭ ‬فضاء‭ ‬إقليمي‭ ‬يضمّ‭ ‬تركيا‭ ‬وسورية‭ ‬ودول‭ ‬الخليج،‭ ‬بما‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬مشاريع‭ ‬النقل‭ ‬والطاقة‭ ‬والتجارة،‭ ‬ويعيد‭ ‬رسم‭ ‬التوازنات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والجيوسياسية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

من‭ ‬هنا،‭ ‬تبدو‭ ‬المواجهة‭ ‬بين‭ ‬الدولة‭ ‬والحكومة‭ ‬العراقية‭ ‬والمليشيات‭ ‬المسلحة‭ ‬التابعة‭ ‬لإيران‭ ‬احتمالاً‭ ‬يصعب‭ ‬تجنّبه،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬توقيتها‭ ‬وحجمها‭ ‬سيبقيان‭ ‬مرتبطين‭ ‬بمسار‭ ‬العلاقة‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإيرانية‭. ‬فإذا‭ ‬انهارت‭ ‬الهدنة‭ ‬الحالية‭ ‬بشكل‭ ‬كامل‭ ‬وعادت‭ ‬الحرب،‭ ‬فإنّ‭ ‬العراق‭ ‬سيكون‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬ميادينها‭. ‬أمّا‭ ‬إذا‭ ‬نجحت‭ ‬المفاوضات‭ ‬في‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬اتفاق‭ ‬شامل،‭ ‬فقد‭ ‬تمنح‭ ‬بغداد‭ ‬فرصةً‭ ‬لالتقاط‭ ‬الأنفاس‭ ‬والشروع‭ ‬في‭ ‬معالجة‭ ‬هذا‭ ‬الملفّ‭ ‬الشائك‭ ‬بأقلّ‭ ‬قدر‭ ‬ممكن‭ ‬من‭ ‬الكلفة‭. ‬أمّا‭ ‬استمرار‭ ‬الوضع‭ ‬الحالي،‭ ‬فسيُبقي‭ ‬العراق‭ ‬معلّقاً‭ ‬بين‭ ‬دولتَين،‭ ‬وسلطتَين،‭ ‬ومشروعَين‭ ‬متناقضَين‭.‬

{‭ ‬كاتب‭ ‬وصحفي‭ ‬عراقي‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا