العدد : ١٧٦٧٢ - الثلاثاء ١١ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٧٢ - الثلاثاء ١١ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

أهمية التحرك العربي لبناء نظام إقليمي جديد

بقلم: جميل مطر {

الجمعة ٣١ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

نحن‭ ‬نسير‭ ‬على‭ ‬طرق‭ ‬غير‭ ‬معبدة‭ ‬نحو‭ ‬نظام‭ ‬إقليمي‭ ‬جديد،‭ ‬هذا‭ ‬كان‭ ‬عنوانا‭ ‬فرض‭ ‬نفسه‭ ‬مع‭ ‬بداية‭ ‬التخطيط‭ ‬للكتابة‭ ‬لأكتشف‭ ‬بعد‭ ‬قليل‭ ‬عنوانًا‭ ‬آخر‭ ‬وقد‭ ‬بدا‭ ‬لي‭ ‬عنوانًا‭ ‬أدق‭ ‬ونصه‭ ‬كالآتي‭:‬

‮«‬نركض‭ ‬على‭ ‬طرق‭ ‬وعرة‭ ‬نحو‭ ‬نظم‭ ‬إقليمية‭ ‬متعددة،‭ ‬وفي‭ ‬الغالب‭ ‬متخاصمة‮»‬‭.‬

تراكمت‭ ‬أمامي‭ ‬التطورات‭ ‬في‭ ‬الإقليم‭ ‬وتغيرت‭ ‬شخوص‭ ‬واختلت‭ ‬توازنات‭ ‬وانحسرت‭ ‬هيمنات‭ ‬لتستجد‭ ‬أخرى،‭ ‬ونتيجتها‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬ابتكار‭ ‬عنوان‭ ‬آخر‭ ‬هو‭ ‬التالي‭ ‬ولعله‭ ‬الأدق،‭ ‬‮«‬نسير‭ ‬في‭ ‬الإقليم‭ ‬على‭ ‬طرق‭ ‬خطرة،‭ ‬كثيرًا‭ ‬ما‭ ‬ننحو‭ ‬جانبًا‭ ‬عند‭ ‬مفارقها‭ ‬ونتوقف‭ ‬طويلا،‭ ‬تهدينا‭ ‬في‭ ‬السير‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬التوقف‭ ‬خرائط‭ ‬لم‭ ‬نرسمها‮»‬‭.‬

زيادة‭ ‬في‭ ‬التحوط،‭ ‬وإمعانا‭ ‬في‭ ‬احترام‭ ‬قواعد‭ ‬نظريات‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية،‭ ‬وإدراكًا‭ ‬أعمق‭ ‬لمدى‭ ‬التدهور‭ ‬الحادث‭ ‬في‭ ‬نوعية‭ ‬وكثافة‭ ‬التفاعلات‭ ‬‮«‬الشريرة‮»‬‭ ‬التي‭ ‬طرأت‭ ‬على‭ ‬الإقليم‭ ‬‮«‬العربي‮»‬‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬استأنفت‭ ‬رحلة‭ ‬الكتابة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع،‭ ‬قررت‭ ‬طرح‭ ‬الأفكار‭ ‬المتداولة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬القضية‭.‬

شهد‭ ‬الجيل‭ ‬الذي‭ ‬انتمى‭ ‬إليه‭ ‬نهاية‭ ‬نظام‭ ‬توازن‭ ‬القوى‭ ‬بنشوب‭ ‬حرب‭ ‬عالمية‭. ‬جرى‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬استخدام‭ ‬السلاح‭ ‬النووي‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬بحجة‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬استخدام‭ ‬هذا‭ ‬السلاح‭ ‬لما‭ ‬انتهت‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬بالشكل‭ ‬الذي‭ ‬انتهت‭ ‬عليه‭. ‬فقد‭ ‬انتهت‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬نظام‭ ‬دولي‭ ‬ثنائي‭ ‬القطبية‭ ‬وفي‭ ‬وقت‭ ‬اكتملت‭ ‬فيه‭ ‬أو‭ ‬كادت‭ ‬تكتمل‭ ‬مقومات‭ ‬القوة‭ ‬والقيادة‭ ‬لكل‭ ‬قطب‭ ‬من‭ ‬القطبين‭ ‬على‭ ‬مجموعة‭ ‬حلفاء‭ ‬قبلوا‭ ‬طوعا‭ ‬أو‭ ‬قسرا‭ ‬الانسياق‭ ‬وراء‭ ‬إرادة‭ ‬وتسيير‭ ‬قوة‭ ‬عظمى‭.‬

شهد‭ ‬هذا‭ ‬الجيل‭ ‬أيضا‭ ‬تطورا‭ ‬مثيرا‭ ‬جرت‭ ‬تفاصيله‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬تخصه‭ ‬وبين‭ ‬شعوب‭ ‬يهمه‭ ‬شأنها‭. ‬فمن‭ ‬خلال‭ ‬مفاوضات‭ ‬الإنهاء‭ ‬على‭ ‬ذيول‭ ‬نظام‭ ‬توازن‭ ‬القوى‭ ‬سمحت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬للدولتين‭ ‬الغربيتين‭ ‬الكبريين‭ ‬في‭ ‬مجموعة‭ ‬فلول‭ ‬الاستعمار‭ ‬التقليدي،‭ ‬هما‭ ‬بريطانيا‭ ‬‮«‬العظمى‮»‬‭ ‬وفرنسا،‭ ‬سمحت‭ ‬لهما‭ ‬بنقل‭ ‬بعض‭ ‬مقاليد‭ ‬الهيمنة‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬من‭ ‬ميراث‭ ‬السلطة‭ ‬العثمانية‭ ‬إليهما‭. ‬واكب‭ ‬هذا‭ ‬النقل‭ ‬تيار‭ ‬ناشئ‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأقطار‭ ‬العربية‭ ‬المستقلة‭ ‬حقيقة‭ ‬أو‭ ‬شكلا،‭ ‬وعددها‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الحين‭ ‬لا‭ ‬يزيد‭ ‬عن‭ ‬سبع،‭ ‬يعتنق‭ ‬أفراده‭ ‬ومنظماته‭ ‬ومختلف‭ ‬تشكيلاته‭ ‬فكرا‭ ‬قوميا‭ ‬تحت‭ ‬مسميات‭ ‬أو‭ ‬ظلال‭ ‬عروبية‭. ‬هذا‭ ‬التيار،‭ ‬متدفقا‭ ‬ومهاجما‭ ‬تارة‭ ‬ومنسحبا‭ ‬أو‭ ‬محاصرا‭ ‬تارة‭ ‬أخرى،‭ ‬ظل‭ ‬مرافقا‭ ‬لصعود‭ ‬ما‭ ‬سمى‭ ‬النظام‭ ‬الإقليمي‭ ‬العربي‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬حانت‭ ‬مرحلة‭ ‬اختفائهما‭ ‬معا‭ ‬أو‭ ‬انسحابهما‭ ‬المطول‭.‬

قيل‭ ‬‮«‬كلام‮»‬،‭ ‬وصار‭ ‬يتردد،‭ ‬مفاده‭ ‬أن‭ ‬شكلًا‭ ‬ما‭ ‬أو‭ ‬أشكالًا‭ ‬متعددة‭ ‬لنظم‭ ‬إقليمية‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬جارٍ‭ ‬حاليًا‭ ‬الترويج‭ ‬لها‭. ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬بحسب‭ ‬الخرائط‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬الأحدث،‭ ‬أقصد‭ ‬به‭ ‬الإقليم‭ ‬الواقع‭ ‬جغرافيًا‭ ‬بين‭ ‬ليبيا‭ ‬غربًا‭ ‬وباكستان‭ ‬شرقًا،‭ ‬وبين‭ ‬سواحل‭ ‬قزوين‭ ‬شمالًا‭ ‬وسواحل‭ ‬بحر‭ ‬العرب‭ ‬جنوبًا‭. ‬نسمع‭ ‬عن‭ ‬مشروعات‭ ‬نظام‭ ‬إقليمي‭ ‬يستمد‭ ‬قوته‭ ‬من‭ ‬مزيج‭ ‬الدين‭ ‬والاسطورة‭ ‬وإرادة‭ ‬الدولة‭ ‬الأعظم،‭ ‬ونظام‭ ‬إقليمي‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬إسرائيل‭ ‬الكبرى،‭ ‬ونظام‭ ‬إقليمي‭ ‬نيلي،‭ ‬ونظام‭ ‬إقليمي‭ ‬لمجموعة‭ ‬الدول‭ ‬المتشاطئة‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر،‭ ‬ونظام‭ ‬الهلال‭ ‬الخصيب‭ ‬مجددًا،‭ ‬ونظام‭ ‬الدول‭ ‬الإسلامية‭ ‬الشرق‭ ‬أوسطية‭.‬

إنه‭ ‬التعدد‭ ‬المبالغ‭ ‬فيه‭ ‬والمتعمد‭. ‬تكوينات‭ ‬نظرية‭ ‬لا‭ ‬تستند‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬لأساس‭ ‬أو‭ ‬شرعية‭. ‬جميعها‭ ‬ظهرت‭ ‬أو‭ ‬ارتفع‭ ‬صوتها‭ ‬في‭ ‬أعقاب‭ ‬ما‭ ‬ساد‭ ‬من‭ ‬أفكار‭ ‬أو‭ ‬سياسات‭ ‬تعلن‭ ‬ضمنًا‭ ‬أو‭ ‬صراحة‭ ‬نهاية‭ ‬النظام‭ ‬الإقليمي‭ ‬العربي‭. ‬يسود‭ ‬اعتقاد،‭ ‬بعضه‭ ‬أو‭ ‬أكثره‭ ‬من‭ ‬فعل‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬تدبير‭ ‬فاعل،‭ ‬بأن‭ ‬النظام‭ ‬العربي‭ ‬يعاني‭ ‬منذ‭ ‬فترة‭ ‬غير‭ ‬قصيرة‭ ‬من‭ ‬تداعيات‭ ‬وتبعات‭ ‬انفراطات‭ ‬خطيرة‭ ‬تحدث‭ ‬على‭ ‬مستويين‭:‬

المستوى‭ ‬الأول‭ ‬هو‭ ‬الانفراطات‭ ‬الداخلية،‭ ‬أي‭ ‬التي‭ ‬تقع‭ ‬داخل‭ ‬عديد‭ ‬الدول‭ ‬المنضوية‭ ‬أساسًا‭ ‬تحت‭ ‬مظلة‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬وربما‭ ‬بسبب‭ ‬ظروف‭ ‬نشأته‭ ‬وسبب‭ ‬وجوده‭ ‬وربما‭ ‬بسبب‭ ‬ما‭ ‬راح‭ ‬يبث‭ ‬من‭ ‬أفكار‭ ‬ويرسم‭ ‬من‭ ‬‮«‬مستقبلات‮»‬‭. ‬أخص‭ ‬بالذكر‭ ‬أحداث‭ ‬العراق‭ ‬وسوريا‭ ‬ولبنان‭ ‬وفلسطين‭ ‬والسودان‭ ‬وليبيا‭ ‬واليمن،‭ ‬وكلها‭ ‬بحسب‭ ‬ما‭ ‬تيقنا‭ ‬وقعت‭ ‬تحت‭ ‬ضغط‭ ‬فاعل‭ ‬خارجي‭ ‬انتهز‭ ‬فرص‭ ‬ممارسات‭ ‬عنف‭ ‬وظلم‭ ‬وتجاوزات‭ ‬بغير‭ ‬حدود‭.‬

أما‭ ‬المستوى‭ ‬الثاني‭ ‬وأقصد‭ ‬به‭ ‬أعمال‭ ‬التمرد‭ ‬على‭ ‬قواعد‭ ‬وأخلاقيات‭ ‬النظام‭ ‬الإقليمي‭ ‬العربي‭ ‬وما‭ ‬يتصل‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬تطورات‭ ‬وتغيرات‭ ‬هيكلية‭ ‬أو‭ ‬تغيرات‭ ‬تتعلق‭ ‬بقناعات‭ ‬فكرية‭ ‬أو‭ ‬أيديولوجية‭ ‬أو‭ ‬حضارية،‭ ‬متعلق‭ ‬أيضًا‭ ‬بتطورات‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬الأصل‭ ‬بين‭ ‬الأسس‭ ‬التي‭ ‬قام‭ ‬عليها‭ ‬أو‭ ‬قام‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬دعمها‭ ‬وحمايتها‭ ‬النظام‭ ‬الإقليمي‭ ‬العربي‭ ‬وتكويناته‭ ‬المؤسسية‭ ‬مثل‭ ‬جامعة‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬ومنظماتها‭ ‬المتخصصة‭.‬

هذا‭ ‬المستوى‭ ‬متعلق‭ ‬كذلك‭ ‬بتغيرات‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬النزعة‭ ‬القومية‭ ‬الجارفة‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬خلال‭ ‬الحروب‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭ ‬وتصعيد‭ ‬إسرائيل‭ ‬لإجراءات‭ ‬العنف،‭ ‬وكما‭ ‬حدث‭ ‬ويحدث‭ ‬بدرجة‭ ‬أقل‭ ‬كعوامل‭ ‬ردع‭ ‬للحكومات‭ ‬العربية‭ ‬الآيلة‭ ‬للوقوع‭ ‬في‭ ‬براثن‭ ‬الدعاوى‭ ‬المستجدة‭. ‬متعلق‭ ‬كذلك‭ ‬بالنزعة‭ ‬القومية‭ ‬المنسحبة‭ ‬والمنحسرة‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬الصعب‭ ‬الذي‭ ‬تعيشه‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الراهن‭ ‬هذه‭ ‬التكوينات‭ ‬المؤسسة‭ ‬للنظام‭ ‬الإقليمي‭ ‬العربي‭.‬

النظام‭ ‬الإقليمي‭ ‬لا‭ ‬ينشأ‭ ‬في‭ ‬فراغ‭. ‬ينشأ‭ ‬قويًا‭ ‬ومحدد‭ ‬الأهداف‭ ‬في‭ ‬حضن‭ ‬نظام‭ ‬دولي‭ ‬قائم‭ ‬ومكتمل،‭ ‬وينشأ‭ ‬ضعيفًا‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬نظام‭ ‬دولي‭ ‬غير‭ ‬مكتمل‭ ‬النضوج‭. ‬النظام‭ ‬العربي‭ ‬نشأ‭ ‬برعاية‭ ‬نظام‭ ‬فرعي‭ ‬من‭ ‬دولتين‭ ‬استعماريتين‭ ‬استغلتا‭ ‬نقص‭ ‬الدراية‭ ‬اللازمة‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬بقضايا‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭ ‬وطموحاتها،‭ ‬وغياب‭ ‬الاهتمام‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي،‭ ‬الطرف‭ ‬الثاني‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬الجديد‭. ‬لم‭ ‬ينتظر‭ ‬البريطانيون‭ ‬والفرنسيون‭ ‬اكتمال‭ ‬تشكيل‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬وأقدموا‭ ‬وحدهم‭ ‬على‭ ‬صنع‭ ‬نظام‭ ‬إقليمي‭ ‬جديد‭ ‬مستعينين‭ ‬فقط‭ ‬بتجربتهم‭ ‬الاستعمارية،‭ ‬وهي‭ ‬التجربة‭ ‬التي‭ ‬أثبتت‭ ‬فشلها‭ ‬بعد‭ ‬عشر‭ ‬سنوات‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬صدام‭ ‬سياسي‭ ‬بين‭ ‬الدولتين‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬وكل‭ ‬من‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬السويس‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭.‬

مرة‭ ‬أخرى‭ ‬نسمع‭ ‬من‭ ‬يردد‭ ‬مقولة‭ ‬إن‭ ‬بناء‭ ‬المؤسسات‭ ‬التكاملية‭ ‬شرط‭ ‬ضروري‭ ‬وكافٍ‭ ‬لبناء‭ ‬نظام‭ ‬إقليمي‭ ‬فاعل‭ ‬تتكامل‭ ‬فيه‭ ‬الأجزاء‭ ‬وتذوب‭ ‬الفوارق‭ ‬وربما‭ ‬أفلح‭ ‬في‭ ‬خلق،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬استعادة،‭ ‬الشعور‭ ‬بقومية‭ ‬مشتركة‭. ‬

قرأنا‭ ‬أنها‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬ولكن‭ ‬بكلفة‭ ‬باهظة‭ ‬في‭ ‬الأرواح‭ ‬واسترقاق‭ ‬الزنوج‭ ‬والحرب‭ ‬الأهلية‭ ‬ثم‭ ‬حروب‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭ ‬الجنوبية‭ ‬وفى‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭. ‬نعلم‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬الأوروبيين‭ ‬استخدموها‭ ‬دروعًا‭ ‬لحماية‭ ‬أوطانهم‭ ‬ضد‭ ‬جيوش‭ ‬نابليون‭ ‬وجيوش‭ ‬هتلر‭. ‬نتذكر‭ ‬كذلك،‭ ‬ونحن‭ ‬في‭ ‬كامل‭ ‬وعينا،‭ ‬كيف‭ ‬أسهمت‭ ‬القومية‭ ‬في‭ ‬شحذ‭ ‬الهمم‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬أنحاء‭ ‬كثيرة‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬الاستقلال‭ ‬الوطني،‭ ‬حتى‭ ‬تحقق‭ ‬فعلا‭.‬

غير‭ ‬خاف‭ ‬على‭ ‬أحد‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬التجربة،‭ ‬تجربة‭ ‬صنع‭ ‬نظام‭ ‬إقليمي‭ ‬عربي،‭ ‬ووجهت‭ ‬منذ‭ ‬بدايتها‭ ‬بتحديات‭ ‬بعضها‭ ‬مسلط‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬أطراف‭ ‬في‭ ‬داخل‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭ ‬وأكثرها‭ ‬مخطط‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬خارجها‭. ‬إلا‭ ‬أننا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نعترف‭ ‬بأن‭ ‬النقص‭ ‬الشديد‭ ‬والمفاجئ‭ ‬في‭ ‬عدد،‭ ‬ولا‭ ‬أقول‭ ‬مهارة،‭ ‬التكامليين‭ ‬العرب‭ ‬من‭ ‬سياسيين‭ ‬واقتصاديين‭ ‬وفنيين‭ ‬يقف‭ ‬وراء‭ ‬العجز‭ ‬البادي‭ ‬في‭ ‬القدرة‭ ‬الذاتية‭ ‬العربية‭ ‬على‭ ‬إطلاق‭ ‬تجربة‭ ‬ثانية‭.‬

ليس‭ ‬غريبًا‭ ‬ولا‭ ‬صعبًا‭ ‬على‭ ‬الفهم‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬العجز‭ ‬في‭ ‬كتائب‭ ‬التكامليين‭ ‬وكانت‭ ‬ملء‭ ‬الساحة‭ ‬في‭ ‬عقدي‭ ‬الخمسينيات‭ ‬والستينيات‭ ‬رافقته‭ ‬في‭ ‬بداياته‭ ‬بدايات‭ ‬حملة‭ ‬اتفاقات‭ ‬السلام‭ ‬التي‭ ‬قادتها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬بدفع‭ ‬من‭ ‬إسرائيل‭. ‬رافقته‭ ‬أيضا‭ ‬ضخامة‭ ‬الفوائد‭ ‬المادية‭ ‬العائدة‭ ‬من‭ ‬سلطة‭ ‬الدولة‭ ‬القطرية‭ ‬بما‭ ‬لا‭ ‬يقارن‭ ‬بالفوائد‭ ‬المقدرة‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬توفرها‭ ‬للمواطن‭ ‬سياسات‭ ‬تكامل‭ ‬إقليمي‭ ‬عربي‭ ‬جماعي‭ ‬خلال‭ ‬الأجل‭ ‬القصير‭.‬

هذا‭ ‬العجز‭ ‬رافقته‭ ‬أيضا‭ ‬حرب‭ ‬دموية‭ ‬شنتها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬على‭ ‬العراق‭ ‬وأعقبتها‭ ‬بتوسع‭ ‬في‭ ‬إنشاء‭ ‬وتعزيز‭ ‬‮«‬ومحاربة‮»‬‭ ‬حركات‭ ‬متطرفة‭ ‬ومسلحة‭ ‬تعمل‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬أرجاء‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭ ‬تشغل‭ ‬بها‭ ‬انتباه‭ ‬الحكومات‭ ‬العربية‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬تنفيذ‭ ‬مشروعات‭ ‬تكاملية‭ ‬أو‭ ‬مستقبلية‭.‬

تبقى‭ ‬لنا‭ ‬حقيقة‭ ‬أن‭ ‬الخيارات‭ ‬التكاملية‭ ‬الممكنة‭ ‬والمتاحة‭ ‬نظريا‭ ‬أمام‭ ‬الجماعة‭ ‬السياسية‭ ‬العربية‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬القليلة‭ ‬القادمة‭ ‬لن‭ ‬تخرج‭ ‬عن‭ ‬الآتية‭: (‬1‭) ‬المشروع‭ ‬الإسلامي‭ ‬بروافده‭ ‬الراديكالي‭ ‬أي‭ ‬الإيراني،‭ ‬والمحافظ‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية،‭ ‬والتجريبي‭ ‬أي‭ ‬التركي‭ ‬العثماني‭. (‬2‭) ‬مشروع‭ ‬التطبيع‭ ‬الإقليمي‭ ‬بروافده‭ ‬المتعددة‭. (‬3‭) ‬المشروع‭ ‬القومي‭ ‬على‭ ‬النمط‭ ‬الأوروبي‭. (‬4‭) ‬المشروع‭ ‬التكاملي‭ ‬انطلاقا‭ ‬من‭ ‬أسس‭ ‬قومية‭ ‬وحدوية‭ ‬تقرها‭ ‬القمة‭ ‬العربية‭. ‬

يبقى‭ ‬لنا‭ ‬أيضا‭ ‬الأمل‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬ينتبه‭ ‬المسؤولون‭ ‬العرب‭ ‬قبل‭ ‬فوات‭ ‬الأوان‭ ‬إلى‭ ‬حقيقة‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬سياسة‭ ‬تكامل‭ ‬إقليمي‭ ‬وعقول‭ ‬تكاملية‭ ‬عربية‭ ‬لن‭ ‬نتمكن‭ ‬من‭ ‬تحقيق‭ ‬الإنجاز‭ ‬المنشود‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬والثورة‭ ‬الملحقة‭ ‬به‭ ‬والمستقبل‭ ‬الناطق‭ ‬باسمه‭.‬

{‭ ‬كاتب‭ ‬ومحلل‭ ‬سياسي‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا