نحن نسير على طرق غير معبدة نحو نظام إقليمي جديد، هذا كان عنوانا فرض نفسه مع بداية التخطيط للكتابة لأكتشف بعد قليل عنوانًا آخر وقد بدا لي عنوانًا أدق ونصه كالآتي:
«نركض على طرق وعرة نحو نظم إقليمية متعددة، وفي الغالب متخاصمة».
تراكمت أمامي التطورات في الإقليم وتغيرت شخوص واختلت توازنات وانحسرت هيمنات لتستجد أخرى، ونتيجتها الحاجة إلى ابتكار عنوان آخر هو التالي ولعله الأدق، «نسير في الإقليم على طرق خطرة، كثيرًا ما ننحو جانبًا عند مفارقها ونتوقف طويلا، تهدينا في السير كما في التوقف خرائط لم نرسمها».
زيادة في التحوط، وإمعانا في احترام قواعد نظريات العلاقات الدولية، وإدراكًا أعمق لمدى التدهور الحادث في نوعية وكثافة التفاعلات «الشريرة» التي طرأت على الإقليم «العربي» منذ أن استأنفت رحلة الكتابة في هذا الموضوع، قررت طرح الأفكار المتداولة في هذه القضية.
شهد الجيل الذي انتمى إليه نهاية نظام توازن القوى بنشوب حرب عالمية. جرى في هذه الحرب استخدام السلاح النووي لأول مرة بحجة أنه من دون استخدام هذا السلاح لما انتهت الحرب العالمية الثانية بالشكل الذي انتهت عليه. فقد انتهت على شكل نظام دولي ثنائي القطبية وفي وقت اكتملت فيه أو كادت تكتمل مقومات القوة والقيادة لكل قطب من القطبين على مجموعة حلفاء قبلوا طوعا أو قسرا الانسياق وراء إرادة وتسيير قوة عظمى.
شهد هذا الجيل أيضا تطورا مثيرا جرت تفاصيله على أرض تخصه وبين شعوب يهمه شأنها. فمن خلال مفاوضات الإنهاء على ذيول نظام توازن القوى سمحت الولايات المتحدة للدولتين الغربيتين الكبريين في مجموعة فلول الاستعمار التقليدي، هما بريطانيا «العظمى» وفرنسا، سمحت لهما بنقل بعض مقاليد الهيمنة الإمبراطورية من ميراث السلطة العثمانية إليهما. واكب هذا النقل تيار ناشئ في بعض الأقطار العربية المستقلة حقيقة أو شكلا، وعددها في ذلك الحين لا يزيد عن سبع، يعتنق أفراده ومنظماته ومختلف تشكيلاته فكرا قوميا تحت مسميات أو ظلال عروبية. هذا التيار، متدفقا ومهاجما تارة ومنسحبا أو محاصرا تارة أخرى، ظل مرافقا لصعود ما سمى النظام الإقليمي العربي إلى أن حانت مرحلة اختفائهما معا أو انسحابهما المطول.
قيل «كلام»، وصار يتردد، مفاده أن شكلًا ما أو أشكالًا متعددة لنظم إقليمية في الشرق الأوسط جارٍ حاليًا الترويج لها. الشرق الأوسط بحسب الخرائط الجيوسياسية الأحدث، أقصد به الإقليم الواقع جغرافيًا بين ليبيا غربًا وباكستان شرقًا، وبين سواحل قزوين شمالًا وسواحل بحر العرب جنوبًا. نسمع عن مشروعات نظام إقليمي يستمد قوته من مزيج الدين والاسطورة وإرادة الدولة الأعظم، ونظام إقليمي تحت عنوان إسرائيل الكبرى، ونظام إقليمي نيلي، ونظام إقليمي لمجموعة الدول المتشاطئة البحر الأحمر، ونظام الهلال الخصيب مجددًا، ونظام الدول الإسلامية الشرق أوسطية.
إنه التعدد المبالغ فيه والمتعمد. تكوينات نظرية لا تستند في الواقع لأساس أو شرعية. جميعها ظهرت أو ارتفع صوتها في أعقاب ما ساد من أفكار أو سياسات تعلن ضمنًا أو صراحة نهاية النظام الإقليمي العربي. يسود اعتقاد، بعضه أو أكثره من فعل أو من تدبير فاعل، بأن النظام العربي يعاني منذ فترة غير قصيرة من تداعيات وتبعات انفراطات خطيرة تحدث على مستويين:
المستوى الأول هو الانفراطات الداخلية، أي التي تقع داخل عديد الدول المنضوية أساسًا تحت مظلة هذا النظام وربما بسبب ظروف نشأته وسبب وجوده وربما بسبب ما راح يبث من أفكار ويرسم من «مستقبلات». أخص بالذكر أحداث العراق وسوريا ولبنان وفلسطين والسودان وليبيا واليمن، وكلها بحسب ما تيقنا وقعت تحت ضغط فاعل خارجي انتهز فرص ممارسات عنف وظلم وتجاوزات بغير حدود.
أما المستوى الثاني وأقصد به أعمال التمرد على قواعد وأخلاقيات النظام الإقليمي العربي وما يتصل بها من تطورات وتغيرات هيكلية أو تغيرات تتعلق بقناعات فكرية أو أيديولوجية أو حضارية، متعلق أيضًا بتطورات كانت في الأصل بين الأسس التي قام عليها أو قام من أجل دعمها وحمايتها النظام الإقليمي العربي وتكويناته المؤسسية مثل جامعة الدول العربية ومنظماتها المتخصصة.
هذا المستوى متعلق كذلك بتغيرات من نوع النزعة القومية الجارفة كما حدث خلال الحروب مع إسرائيل وتصعيد إسرائيل لإجراءات العنف، وكما حدث ويحدث بدرجة أقل كعوامل ردع للحكومات العربية الآيلة للوقوع في براثن الدعاوى المستجدة. متعلق كذلك بالنزعة القومية المنسحبة والمنحسرة كما هو الحال في الواقع الصعب الذي تعيشه في الوقت الراهن هذه التكوينات المؤسسة للنظام الإقليمي العربي.
النظام الإقليمي لا ينشأ في فراغ. ينشأ قويًا ومحدد الأهداف في حضن نظام دولي قائم ومكتمل، وينشأ ضعيفًا في ظل نظام دولي غير مكتمل النضوج. النظام العربي نشأ برعاية نظام فرعي من دولتين استعماريتين استغلتا نقص الدراية اللازمة من جانب الولايات المتحدة بقضايا المنطقة العربية وطموحاتها، وغياب الاهتمام من جانب الاتحاد السوفيتي، الطرف الثاني في النظام الدولي الجديد. لم ينتظر البريطانيون والفرنسيون اكتمال تشكيل هذا النظام الدولي وأقدموا وحدهم على صنع نظام إقليمي جديد مستعينين فقط بتجربتهم الاستعمارية، وهي التجربة التي أثبتت فشلها بعد عشر سنوات في أول صدام سياسي بين الدولتين من جهة وكل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي في حرب السويس من جهة أخرى.
مرة أخرى نسمع من يردد مقولة إن بناء المؤسسات التكاملية شرط ضروري وكافٍ لبناء نظام إقليمي فاعل تتكامل فيه الأجزاء وتذوب الفوارق وربما أفلح في خلق، أو في استعادة، الشعور بقومية مشتركة.
قرأنا أنها نجحت في الولايات المتحدة ولكن بكلفة باهظة في الأرواح واسترقاق الزنوج والحرب الأهلية ثم حروب أخرى في أمريكا الجنوبية وفى العالم العربي. نعلم أيضا أن الأوروبيين استخدموها دروعًا لحماية أوطانهم ضد جيوش نابليون وجيوش هتلر. نتذكر كذلك، ونحن في كامل وعينا، كيف أسهمت القومية في شحذ الهمم العربية في أنحاء كثيرة من العالم العربي للحصول على الاستقلال الوطني، حتى تحقق فعلا.
غير خاف على أحد أن هذه التجربة، تجربة صنع نظام إقليمي عربي، ووجهت منذ بدايتها بتحديات بعضها مسلط عليها من أطراف في داخل المنطقة العربية وأكثرها مخطط له من خارجها. إلا أننا يجب أن نعترف بأن النقص الشديد والمفاجئ في عدد، ولا أقول مهارة، التكامليين العرب من سياسيين واقتصاديين وفنيين يقف وراء العجز البادي في القدرة الذاتية العربية على إطلاق تجربة ثانية.
ليس غريبًا ولا صعبًا على الفهم أن هذا العجز في كتائب التكامليين وكانت ملء الساحة في عقدي الخمسينيات والستينيات رافقته في بداياته بدايات حملة اتفاقات السلام التي قادتها الولايات المتحدة في المنطقة بدفع من إسرائيل. رافقته أيضا ضخامة الفوائد المادية العائدة من سلطة الدولة القطرية بما لا يقارن بالفوائد المقدرة التي يمكن أن توفرها للمواطن سياسات تكامل إقليمي عربي جماعي خلال الأجل القصير.
هذا العجز رافقته أيضا حرب دموية شنتها الولايات المتحدة على العراق وأعقبتها بتوسع في إنشاء وتعزيز «ومحاربة» حركات متطرفة ومسلحة تعمل في معظم أرجاء المنطقة العربية تشغل بها انتباه الحكومات العربية بعيدا عن التفكير في تنفيذ مشروعات تكاملية أو مستقبلية.
تبقى لنا حقيقة أن الخيارات التكاملية الممكنة والمتاحة نظريا أمام الجماعة السياسية العربية خلال العقود القليلة القادمة لن تخرج عن الآتية: (1) المشروع الإسلامي بروافده الراديكالي أي الإيراني، والمحافظ في المنطقة العربية، والتجريبي أي التركي العثماني. (2) مشروع التطبيع الإقليمي بروافده المتعددة. (3) المشروع القومي على النمط الأوروبي. (4) المشروع التكاملي انطلاقا من أسس قومية وحدوية تقرها القمة العربية.
يبقى لنا أيضا الأمل في أن ينتبه المسؤولون العرب قبل فوات الأوان إلى حقيقة أنه من دون سياسة تكامل إقليمي وعقول تكاملية عربية لن نتمكن من تحقيق الإنجاز المنشود في مجال الذكاء الاصطناعي والثورة الملحقة به والمستقبل الناطق باسمه.
{ كاتب ومحلل سياسي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك