العدد : ١٧٦٧٢ - الثلاثاء ١١ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٧٢ - الثلاثاء ١١ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

ماذا يفعل الفلسطينيون بعد انهيار مشاريع التسوية مع إسرائيل؟

بقلم: د. أحمد رفيق عوض

الخميس ٣٠ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

يبدو‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬اليوم‭ ‬عاجزًا‭ ‬أمام‭ ‬هذا‭ ‬الكم‭ ‬الهائل‭ ‬من‭ ‬الأزمات؛‭ ‬الهجمة‭ ‬الاستيطانية‭ ‬المدعومة‭ ‬من‭ ‬حكومة‭ ‬الاحتلال‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬تتصاعد‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مسبوق،‭ ‬وأزمة‭ ‬الرواتب‭ ‬مستمرة،‭ ‬وأزمة‭ ‬الجسر،‭ ‬وأزمة‭ ‬الوقود،‭ ‬وأزمة‭ ‬البطالة،‭ ‬وأزمة‭ ‬الضغوط‭ ‬السياسية،‭ ‬وأزمة‭ ‬انعدام‭ ‬الأفق‭ ‬السياسي،‭ ‬واستمرار‭ ‬الفصل‭ ‬بين‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬وقطاع‭ ‬غزة،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬أزمة‭ ‬العنف‭ ‬الداخلي‭. ‬كلها‭ ‬أزمات‭ ‬متلاحقة،‭ ‬تتراكم‭ ‬فوق‭ ‬بعضها‭ ‬بعضا،‭ ‬حتى‭ ‬يبدو‭ ‬الفلسطيني‭ ‬وكأنه‭ ‬محاصر‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬الاتجاهات‭.‬

في‭ ‬ظل‭ ‬هذا‭ ‬الواقع،‭ ‬يقف‭ ‬الفلسطيني‭ ‬عاجزًا‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير،‭ ‬ليس‭ ‬لأنه‭ ‬لا‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يفعل،‭ ‬وإنما‭ ‬لأن‭ ‬الظروف‭ ‬المحيطة‭ ‬به‭ ‬بالغة‭ ‬القسوة‭. ‬هناك‭ ‬غياب‭ ‬لاستراتيجية‭ ‬وطنية‭ ‬موحدة،‭ ‬وغياب‭ ‬لقيادة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تنظيم‭ ‬الحالة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬وتأطيرها‭ ‬وقيادتها،‭ ‬وهناك‭ ‬أيضًا‭ ‬غياب‭ ‬لضغط‭ ‬دولي‭ ‬حقيقي،‭ ‬وغياب‭ ‬لضغط‭ ‬إقليمي‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬إحداث‭ ‬فرق‭. ‬ولذلك‭ ‬يبدو‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬وكأنه‭ ‬يقف‭ ‬وحده،‭ ‬وحده‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير،‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬شعب‭ ‬أعزل،‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬قوة‭ ‬مادية‭ ‬تفرض‭ ‬إرادته،‭ ‬ولا‭ ‬يملك‭ ‬أدوات‭ ‬المواجهة‭ ‬التي‭ ‬يملكها‭ ‬الطرف‭ ‬الآخر‭.‬

لهذا‭ ‬تبدو‭ ‬الصورة‭ ‬سوداوية‭ ‬للغاية،‭ ‬بل‭ ‬غير‭ ‬مشجعة‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭. ‬وكأننا‭ ‬ندفع‭ ‬ثمن‭ ‬كل‭ ‬شيء؛‭ ‬ندفع‭ ‬ثمن‭ ‬الغياب،‭ ‬وثمن‭ ‬الهزيمة،‭ ‬وثمن‭ ‬الهجمة‭ ‬المتصاعدة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الاحتلال،‭ ‬ومن‭ ‬قبل‭ ‬الإدارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬أيضًا‭. ‬ولذلك‭ ‬يطرح‭ ‬الجميع‭ ‬السؤال‭ ‬نفسه‭: ‬ما‭ ‬العمل؟‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نفعله؟‭ ‬وما‭ ‬الذي‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نقوم‭ ‬به‭ ‬بأقل‭ ‬الخسائر‭ ‬الممكنة؟

في‭ ‬تقديري،‭ ‬علينا‭ ‬أولًا‭ ‬أن‭ ‬نفهم‭ ‬طبيعة‭ ‬المشروع‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬فإسرائيل‭ ‬اليوم‭ ‬لا‭ ‬تريد‭ ‬فقط‭ ‬إدارة‭ ‬الصراع،‭ ‬بل‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تسحق‭ ‬كل‭ ‬التجارب‭ ‬الفلسطينية‭ ‬المختلفة‭. ‬هي‭ ‬ترفضها‭ ‬جميعًا،‭ ‬وتتخلى‭ ‬عمليًا‭ ‬عن‭ ‬فكرة‭ ‬التسوية‭ ‬السياسية،‭ ‬وتتخلى‭ ‬عن‭ ‬رؤية‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬باعتباره‭ ‬شعبًا‭ ‬له‭ ‬حقوق‭ ‬وطنية،‭ ‬بل‭ ‬وتتجاوز‭ ‬أيضًا‭ ‬فكرة‭ ‬التسوية‭ ‬الإقليمية‭ ‬التي‭ ‬تمر‭ ‬عبر‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭. ‬

هي‭ ‬تريد‭ ‬كل‭ ‬شيء؛‭ ‬تريد‭ ‬الأمن،‭ ‬وتريد‭ ‬يهودية‭ ‬الدولة،‭ ‬وتريد‭ ‬الديمقراطية‭ ‬لنفسها،‭ ‬وتريد‭ ‬السلام‭ ‬مع‭ ‬الإقليم،‭ ‬ولكنها‭ ‬تريد‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬مع‭ ‬تجاوز‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬وكأن‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬موجودة‭ ‬أصلًا‭.‬

لهذا‭ ‬السبب،‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يحدد‭ ‬أدواته‭ ‬بنفسه،‭ ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬يحدد‭ ‬شكل‭ ‬تحركه،‭ ‬ويخترع‭ ‬وسائل‭ ‬الرد‭ ‬التي‭ ‬تناسبه،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬والمكان‭ ‬والظرف‭ ‬الذي‭ ‬يراه‭ ‬مناسبًا‭. ‬ولذلك‭ ‬لا‭ ‬أرى‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬الاقتراحات‭ ‬المعلبة،‭ ‬ولا‭ ‬إلى‭ ‬الخطط‭ ‬الجاهزة،‭ ‬ولا‭ ‬إلى‭ ‬النصائح‭ ‬التي‭ ‬تقدم‭ ‬وكأنها‭ ‬تصلح‭ ‬لكل‭ ‬زمان‭ ‬ومكان‭. ‬فكل‭ ‬مرحلة‭ ‬لها‭ ‬ظروفها،‭ ‬وكل‭ ‬ظرف‭ ‬له‭ ‬حساباته،‭ ‬وكل‭ ‬مجتمع‭ ‬يعرف‭ ‬أولوياته‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬أحد‭ ‬آخر‭.‬

أنا‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬الناس‭ ‬تعرف‭ ‬مصلحتها‭. ‬تعرف‭ ‬متى‭ ‬تتحرك،‭ ‬ومتى‭ ‬تنتظر،‭ ‬وتعرف‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬أولوياتها،‭ ‬وتعرف‭ ‬أيضًا‭ ‬حجم‭ ‬المخاطر‭ ‬التي‭ ‬تواجهها‭. ‬هذه‭ ‬ليست‭ ‬جماهير‭ ‬بلا‭ ‬تجربة،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬جماهير‭ ‬راكمت‭ ‬خبرة‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬الانتفاضات‭ ‬السابقة،‭ ‬ومن‭ ‬التجارب‭ ‬الوطنية‭ ‬المختلفة،‭ ‬ومن‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬عاشته‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الماضية‭. ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬الجمهور،‭ ‬في‭ ‬النهاية،‭ ‬هو‭ ‬سيد‭ ‬نفسه،‭ ‬وهو‭ ‬الأقدر‭ ‬على‭ ‬تحديد‭ ‬أولوياته،‭ ‬وعلى‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬الذي‭ ‬يراه‭ ‬مناسبًا‭.‬

ثم‭ ‬إن‭ ‬التاريخ‭ ‬لا‭ ‬يعمل‭ ‬بقوانين‭ ‬فيزيائية‭ ‬ولا‭ ‬رياضية‭. ‬للتاريخ‭ ‬منطقه‭ ‬الخاص،‭ ‬وسننه‭ ‬الخاصة،‭ ‬ومساراته‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬اختزالها‭ ‬بمعادلات‭ ‬جامدة‭.‬

ولذلك،‭ ‬رغم‭ ‬قساوة‭ ‬هذا‭ ‬الظرف‭ ‬وسوداويته،‭ ‬فإنني‭ ‬لا‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬الحلول‭ ‬غائبة‭. ‬هناك‭ ‬دائمًا‭ ‬حلول،‭ ‬لكنها‭ ‬تأتي‭ ‬في‭ ‬زمانها،‭ ‬وتنضج‭ ‬في‭ ‬ظروفها،‭ ‬لأن‭ ‬الحلول‭ ‬لا‭ ‬تصنعها‭ ‬إرادتنا‭ ‬وحدها،‭ ‬وإنما‭ ‬تصنعها‭ ‬أيضًا‭ ‬تحولات‭ ‬عدونا،‭ ‬وتحولات‭ ‬الإقليم،‭ ‬وتحولات‭ ‬العالم‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يتوقف‭ ‬عن‭ ‬التغير‭.‬

هذه‭ ‬ليست‭ ‬رؤية‭ ‬قدرية،‭ ‬وليست‭ ‬دعوة‭ ‬إلى‭ ‬الانتظار،‭ ‬وإنما‭ ‬هي‭ ‬دعوة‭ ‬إلى‭ ‬الثقة‭ ‬بقدرة‭ ‬الناس‭ ‬على‭ ‬التقدير‭ ‬والحساب‭. ‬فالناس‭ ‬تعرف‭ ‬مصلحتها،‭ ‬وتعرف‭ ‬أولوياتها،‭ ‬وتعرف‭ ‬المخاطر‭ ‬التي‭ ‬تواجهها،‭ ‬وتمتلك‭ ‬قدرة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬إجراء‭ ‬التوازنات‭ ‬التي‭ ‬تحفظ‭ ‬لها‭ ‬البقاء‭ ‬والاستمرار‭ ‬والصمود،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تأتي‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬تنضج‭ ‬فيها‭ ‬الظروف،‭ ‬وتصبح‭ ‬الخيارات‭ ‬الممكنة‭ ‬أوسع‭ ‬مما‭ ‬هي‭ ‬عليه‭ ‬اليوم‭.‬

{‭ ‬‭ ‬مدير‭ ‬مركز‭ ‬المتوسط‭ ‬للدراسات‭ ‬الإقليمية‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا