العدد : ١٧٦٧٢ - الثلاثاء ١١ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٧٢ - الثلاثاء ١١ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

نحن واستخدام الذكاء الاصطناعي.. بين المنافع والأضرار

بقلم: د. زينب طه {

الخميس ٣٠ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

أستعير‭ ‬هنا‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬المسرحية‭ ‬الكوميدية‭ ‬القديمة‭ ‬‮«‬مدرسة‭ ‬المشاغبين‮»‬‭ ‬حين‭ ‬اشترك‭ ‬عادل‭ ‬إمام‭ ‬وسعيد‭ ‬صالح‭ ‬في‭ ‬الاستخفاف‭ ‬بناظر‭ ‬المدرسة‭ ‬وقالا‭ ‬له‭: ‬‮«‬ايه‭ ‬اللي‭ ‬جابك‭ ‬هنا؟‭ ‬عدو‭ ‬ولا‭ ‬حبيب؟‮»‬

وفي‭ ‬الحقيقة‭ ‬فهذا‭ ‬السؤال‭ ‬يتوازى‭ ‬استعاريا‭ ‬مع‭ ‬الموقف‭ ‬في‭ ‬المسرحية‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير؛‭ ‬فنحن‭ ‬نعيش‭ ‬الآن‭ ‬تحت‭ ‬سطوة‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬ليس‭ ‬ليساعدنا‭ ‬في‭ ‬عملنا‭ ‬أو‭ ‬دراستنا‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬ليكون‭ ‬الصديق،‭ ‬الرفيق،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬الحبيب‭ ‬أحيانا‭. ‬ولأنه‭ ‬من‭ ‬اللازم‭ ‬أن‭ ‬نفكر‭ ‬في‭ ‬اختيارنا‭ ‬الصديق‭ ‬أو‭ ‬الحبيب،‭ ‬وجب‭ ‬علينا‭ ‬الآن‭ ‬أن‭ ‬نتوقف‭ ‬لننظر‭ ‬مليا‭ ‬في‭ ‬علاقاتنا‭ ‬متعددة‭ ‬المستويات‭ ‬مع‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭.‬

إيه‭ ‬اللي‭ ‬جابك‭ ‬هنا؟‭ ‬لا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬له‭ ‬فوائد‭ ‬جمة‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬تتسابق‭ ‬فيه‭ ‬الدول‭ ‬في‭ ‬إحراز‭ ‬التقدم‭ ‬العلمي‭ ‬والتكنولوجي،‭ ‬ومع‭ ‬أجيال‭ ‬قليلة‭ ‬الصبر،‭ ‬اعتادت‭ ‬على‭ ‬سرعة‭ ‬إنجاز‭ ‬المهام‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬استقر‭ ‬في‭ ‬وجدانهم‭ ‬استخدام‭ ‬الكمبيوتر‭ ‬وأدوات‭ ‬الاتصال‭ ‬الحديثة‭. ‬جاء‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬لسد‭ ‬احتياجات‭ ‬عدة‭ ‬ومواكبة‭ ‬التقدم،‭ ‬بل‭ ‬ليحفز‭ ‬على‭ ‬التقدم‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الحياة‭ ‬المختلفة‭.‬

الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬يساعد‭ ‬على‭ ‬سرعة‭ ‬وعمق‭ ‬البحث‭ ‬الأكاديمي،‭ ‬يوفر‭ ‬الوقت‭ ‬والمجهود‭ ‬وأحيانا‭ ‬كثيرة‭ ‬يوفر‭ ‬المال‭ ‬لبعض‭ ‬الأفراد‭ ‬أو‭ ‬الهيئات،‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬في‭ ‬أفضل‭ ‬طرق‭ ‬استخدامه‭ ‬يساعدنا‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأمور‭ ‬المعقدة،‭ ‬يجد‭ ‬لنا‭ ‬الحلول،‭ ‬وينمي‭ ‬قدرتنا‭ ‬على‭ ‬التفكير‭. ‬

هذا‭ ‬هو‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬في‭ ‬أفضل‭ ‬صوره‭. ‬بل‭ ‬إنه‭ ‬يتعدى‭ ‬أحيانا‭ ‬دوره‭ ‬الآلي‭ ‬إلى‭ ‬أدوار‭ ‬أخرى‭ ‬شخصية‭ ‬جرت‭ ‬العادة‭ ‬أن‭ ‬يقتصر‭ ‬دورها‭ ‬على‭ ‬الإنسان‭ ‬فقط‭. ‬فالذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬أصبح‭ ‬الطبيب‭ ‬أحيانًا،‭ ‬والمصلح‭ ‬الاجتماعي‭ ‬أحيانا‭ ‬أخرى،‭ ‬بل‭ ‬الصديق‭ ‬في‭ ‬مواقف‭ ‬أخرى‭. ‬نجح‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬في‭ ‬اكتساب‭ ‬صفات‭ ‬‮«‬إنسانية‮»‬‭ ‬تٌشعر‭ ‬مستعمليه‭ ‬بأنهم‭ ‬يتعاملون‭ ‬مع‭ ‬إنسان‭ ‬له‭ ‬وجود،‭ ‬وليس‭ ‬مع‭ ‬حقيقة‭ ‬أنه‭ ‬آلة‭ ‬مبرمجة‭ ‬لا‭ ‬تشعر‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تنتج‭ ‬عاطفة‭ ‬أساسها‭ ‬الخبرة‭ ‬بالحياة‭.‬

فإذا‭ ‬كان‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬يساعدنا‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المجالات‭ ‬العديدة‭ ‬فلماذا‭ ‬أتساءل‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬عدوًا‭ ‬أم‭ ‬حبيبًا؟‭ ‬أجيب‭ ‬باستعراض‭ ‬آثار‭ ‬استخدام‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬على‭ ‬حياتنا‭:‬

1-‭ ‬أثبتت‭ ‬الدراسات‭ ‬المبدئية‭ ‬أن‭ ‬الإفراط‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬وخاصة‭ ‬بين‭ ‬الشباب‭ ‬يؤدى‭ ‬إلى‭ ‬الاعتمادية‭ ‬المفرطة‭ ‬على‭ ‬قدرات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬ما‭ ‬يسبب‭ ‬ضعف‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بالمعلومات‭ ‬والأخطر‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬تناقص‭ ‬القدرة‭ ‬التحليلية‭ ‬وإضعاف‭ ‬القدرة‭ ‬الذهنية‭ ‬بشكل‭ ‬عام‭.‬

ولقد‭ ‬شاهدنا‭ ‬منذ‭ ‬عقود‭ ‬مضت‭ ‬كيف‭ ‬أن‭ ‬وجود‭ ‬الحاسبات‭ ‬الآلية‭ ‬واعتماد‭ ‬الطلاب‭ ‬عليها‭ ‬لإجراء‭ ‬عمليات‭ ‬حسابية‭ ‬بسيطة‭ ‬قد‭ ‬خلقت‭ ‬أجيالا‭ ‬لا‭ ‬تحفظ‭ ‬جدول‭ ‬الضرب،‭ ‬بل‭ ‬وربما‭ ‬تعجز‭ ‬عن‭ ‬الجمع‭ ‬والطرح‭ ‬إلا‭ ‬مع‭ ‬وجود‭ ‬‮«‬الكالكيوليتر‮»‬‭.‬

2‭- ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬التطور‭ ‬في‭ ‬قدرات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬له‭ ‬ضوابط‭ ‬أخلاقية‭ ‬عالمية‭ ‬واضحة؛‭ ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬انتشرت‭ ‬في‭ ‬الآونة‭ ‬الأخيرة‭ ‬ظاهرة‭ ‬‮«‬أغاني‭ ‬القرآن‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تصدت‭ ‬لها‭ ‬هيئات‭ ‬الأزهر‭ ‬الشريف‭. ‬هذه‭ ‬‮«‬الأغاني‮»‬‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬تلاوة‭ ‬لآيات‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬مع‭ ‬خلفية‭ ‬من‭ ‬الموسيقى‭ ‬مصاحبة‭ ‬للتلاوة‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ (‬ومن‭ ‬هم‭ ‬وراء‭ ‬برمجته‭ ‬كذلك‭) ‬قد‭ ‬قدم‭ ‬نمطًا‭ ‬من‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬النص‭ ‬المقدس‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬تفهم‭ ‬للحساسيات‭ ‬الدينية‭ ‬أو‭ ‬الثقافية‭ ‬أو‭ ‬الأخلاقية‭. ‬وهنا‭ ‬يجب‭ ‬التنويه‭ ‬إلى‭ ‬وثيقة‭ ‬مهمة‭ ‬جدا‭ ‬خرجت‭ ‬من‭ ‬الفاتيكان‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬تحذر‭ ‬من‭ ‬استخدامات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬التي‭ ‬تهدد‭ ‬المفاهيم‭ ‬والمعتقدات‭ ‬الدينية،‭ ‬بل‭ ‬تهدد‭ ‬كرامة‭ ‬الإنسان‭ ‬والعلاقة‭ ‬المباشرة‭ ‬بينه‭ ‬وبين‭ ‬الخالق‭. ‬تصدى‭ ‬الأزهر‭ ‬بشدة‭ ‬لاستخدام‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬كمفتٍ‭ ‬آلي‭ ‬وحذر‭ ‬بشدة‭ ‬من‭ ‬الهلوسة‭ ‬الإلكترونية‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تشوه‭ ‬الحقائق‭. ‬في‭ ‬الحقيقة،‭ ‬لقد‭ ‬اتفقت‭ ‬الجهات‭ ‬الدينية‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬مساعدا‭ ‬للإنسان،‭ ‬لا‭ ‬بديلا‭ ‬له،‭ ‬ويلعب‭ ‬دور‭ ‬الخادم‭ ‬للإنسان‭ ‬وليس‭ ‬السيد‭ ‬له‭.‬

3-‭ ‬من‭ ‬استخدامات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬الحديثة‭ ‬عالميا‭ ‬استخدامه‭ ‬كصديق،‭ ‬فيلجأ‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬البشر‭ ‬إلى‭ ‬الرجوع‭ ‬للذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬لطلب‭ ‬النصح‭ ‬أو‭ ‬لمناقشة‭ ‬مشكلة‭ ‬ما‭. ‬وبالطبع‭ ‬لأننا‭ ‬نعتقد‭ ‬أن‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬‮«‬يعرف‭ ‬كل‭ ‬شيء‮»‬‭ ‬وأنه‭ ‬‮«‬يكتم‭ ‬السر‮»‬‭ ‬وأنه‭ ‬يقدم‭ ‬الحلول‭ ‬أو‭ ‬النصائح‭ ‬بشكل‭ ‬‮«‬موضوعي‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬لأنه‭ ‬ليس‭ ‬ضيفًا‭ ‬ثقيلًا‭ ‬فبإمكاننا‭ ‬أن‭ ‬نتركه‭ ‬وقتما‭ ‬نشاء‭ (‬أو‭ ‬هكذا‭ ‬ما‭ ‬نعتقده‭)‬،‭ ‬وأننا‭ ‬وقتما‭ ‬نستدعيه‭ ‬فهو‭ ‬معنا‭ ‬يقول‭ ‬لنا‭ ‬شبيك‭ ‬لبيك‭. ‬لكل‭ ‬هذه‭ ‬الأسباب،‭ ‬بدأ‭ ‬الكثيرون‭ ‬في‭ ‬مصادقة‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬إعطاء‭ ‬اسم‭ ‬له‭ (‬أو‭ ‬لها‭)‬،‭ ‬واختيار‭ ‬الصوت‭ ‬واللغة‭ ‬ليكون‭ ‬هذا‭ ‬الصديق‭ ‬مناسبا‭ ‬لذوقنا‭ ‬ورغبتنا‭.‬

المشكلة‭ ‬أنه‭ ‬رغم‭ ‬تقديم‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬استجابات‭ ‬فورية‭ ‬وتفاعلات‭ ‬تبدو‭ ‬خالية‭ ‬من‭ ‬الأحكام‭ ‬فإن‭ ‬الاعتماد‭ ‬عليه‭ ‬كعلاج‭ ‬للوحدة‭ ‬ينطوي‭ ‬على‭ ‬مخاطر‭ ‬نفسية‭ ‬واجتماعية‭ ‬جسيمة‭. ‬فهو‭ ‬يعزز‭ ‬العزلة‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد،‭ ‬ويضعف‭ ‬مهارات‭ ‬التعاطف،‭ ‬ويخلق‭ ‬ارتباطاً‭ ‬عاطفياً‭ ‬زائفاً‭ ‬بكيانات‭ ‬مبرمجة‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬المشاعر‭ ‬الحقيقية،‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬من‭ ‬تفاقم‭ ‬أزمة‭ ‬الوحدة‭ ‬الأصلية‭. ‬فيعطى‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬شعوراً‭ ‬مضللاً‭ ‬بالصحبة،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬الانخراط‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬أكثر‭ ‬صعوبة‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭. ‬فالتفاعل‭ ‬المستمر‭ ‬مع‭ ‬الآلات‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬بنا‭ ‬إلى‭ ‬ضعف‭ ‬قدرة‭ ‬الفرد‭ ‬على‭ ‬التواصل‭ ‬البشرى‭ ‬الطبيعي،‭ ‬ويقلل‭ ‬من‭ ‬مهاراته‭ ‬في‭ ‬حل‭ ‬المشكلات‭. ‬لماذا؟‭ ‬لأن‭ ‬التعاطف‭ ‬الذي‭ ‬يقدمه‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬يفتقر‭ ‬إلى‭ ‬المشاركة‭ ‬الوجدانية‭ ‬النابعة‭ ‬من‭ ‬تجربة‭ ‬بشرية‭ ‬مشتركة،‭ ‬التي‭ ‬تعتبر‭ ‬جوهر‭ ‬التواصل‭ ‬الإنساني‭. ‬وبالفعل‭ ‬حذرت‭ ‬بعض‭ ‬الدراسات‭ ‬والأبحاث‭ ‬النفسية‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬التطبيقات‭ ‬قد‭ ‬يؤدى‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬الشعور‭ ‬بالاغتراب‭ ‬والوحدة‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬علاجها‭.‬

وهناك‭ ‬أسئلة‭ ‬عديدة‭ ‬أخرى‭: ‬ما‭ ‬هو‭ ‬المصير‭ ‬المتوقع‭ ‬لصفاتنا‭ ‬الإنسانية‭ ‬والشخصية‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬استمررنا‭ ‬في‭ ‬الاعتماد‭ ‬علـى‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬دراستنا؟‭ ‬إذا‭ ‬أصبح‭ ‬جميع‭ ‬الطلاب‭ ‬مثلا‭ ‬يلجؤون‭ ‬إلى‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬للقيام‭ ‬بعملية‭ ‬البحث‭ ‬الأكاديمي،‭ ‬وتحليل‭ ‬النصوص‭ ‬أو‭ ‬استنباط‭ ‬النتائج،‭ ‬بمعنى‭ ‬أن‭ ‬يحل‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬محل‭ ‬عقولنا،‭ ‬وتحل‭ ‬قدراته‭ ‬محل‭ ‬قدرتنا‭ ‬على‭ ‬الإنتاج‭ ‬والإبداع‭!! ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬حياة‭ ‬الإنسان‭ ‬حين‭ ‬يغيب‭ ‬التميز‭ ‬كخاصية‭ ‬شخصية‭ ‬تفرق‭ ‬بين‭ ‬الأفراد،‭ ‬ويصبح‭ ‬الإنجاز‭ ‬مرتبطا‭ ‬فقط‭ ‬باختلاف‭ ‬قدرة‭ ‬الشخص‭ ‬على‭ ‬تطويع‭ ‬قدرات‭ ‬آلية‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬المعلومات؟‭ ‬وحين‭ ‬يزداد‭ ‬اعتمادنا‭ ‬على‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬كطبيب‭ ‬ومفتٍ‭ ‬ومحلل‭ ‬نفسي‭ ‬ومحامٍ،‭ ‬هل‭ ‬ستخيم‭ ‬الضبابية‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬القيم‭ ‬الأخلاقية‭ ‬والثقافية؟‭ ‬وهل‭ ‬يستبدل‭ ‬الإنسان‭ ‬الأصدقاء‭ ‬بماكينات‭ ‬تولد‭ ‬صورًا‭ ‬وأصواتًا،‭ ‬بل‭ ‬مشاعر‭ ‬تفوق‭ ‬ما‭ ‬يتمناه‭ ‬الخيال‭ ‬في‭ ‬صديق‭ ‬أو‭ ‬شريك‭ ‬للحياة؟‭ ‬هل‭ ‬سننفصل‭ ‬عن‭ ‬الواقع‭ ‬ونفقد‭ ‬قدراتنا‭ ‬الإنسانية‭ ‬فنصبح‭ ‬نسخًا‭ ‬ممسوخة‭ ‬من‭ ‬بعضنا‭ ‬بعضا؟‭ ‬وأي‭ ‬حياة‭ ‬هذه‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الآلة‭ ‬هي‭ ‬المسيطرة‭ ‬على‭ ‬الإنسان‭ ‬والإنسانية؟‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬ننجو‭ ‬بأنفسنا،‭ ‬بل‭ ‬بداية‭ ‬كيف‭ ‬نوقف‭ ‬هذا‭ ‬الغول‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يهدد‭ ‬الإنسانية‭ ‬كلها؟

هناك‭ ‬هيئات‭ ‬بالرغم‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تملك‭ ‬جيوشًا‭ ‬أو‭ ‬سلطة‭ ‬فرض‭ ‬غرامات،‭ ‬فإنها‭ ‬تشكل‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬العالمي‭ ‬وتضغط‭ ‬على‭ ‬الحكومات،‭ ‬أولها‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬والمعاهدات‭ ‬الدولية‭ ‬التي‭ ‬تحاول‭ ‬إنقاذ‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬الفناء،‭ ‬فهي‭ ‬تسعى‭ ‬لتأسيس‭ ‬مجالس‭ ‬دولية‭ (‬شبه‭ ‬عسكرية‭ ‬أو‭ ‬علمية‭) ‬تشبه‭ ‬الوكالة‭ ‬الدولية‭ ‬للطاقة‭ ‬الذرية،‭ ‬بهدف‭ ‬مراقبة‭ ‬انتشار‭ ‬‮«‬الأسلحة‭ ‬الفتاكة‭ ‬ذاتية‭ ‬التشغيل‮»‬‭ ‬ومنع‭ ‬سباق‭ ‬التسلح‭ ‬بالذكاء‭ ‬الاصطناعي‭. ‬وهناك‭ ‬المؤسسات‭ ‬الدينية‭ ‬والأكاديمية‭ ‬مثل‭ ‬الأزهر‭ ‬والفاتيكان‭ ‬والجامعات‭ ‬الكبرى،‭ ‬وتملك‭ ‬سلطة‭ ‬التوجيه‭ ‬الأخلاقي‭ ‬التي‭ ‬تحرج‭ ‬الشركات‭ ‬دوليًا‭ ‬وتجبرها‭ ‬على‭ ‬توقيع‭ ‬معاهدات‭ ‬لضمان‭ ‬عدم‭ ‬المساس‭ ‬بالكرامة‭ ‬الإنسانية‭. ‬وهناك‭ ‬بالطبع‭ ‬الأسر‭ ‬التي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تضع‭ ‬حدا‭ ‬لاستخدام‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬بلا‭ ‬ضوابط‭ ‬في‭ ‬محيط‭ ‬العائلة‭. ‬ولكن‭ ‬الخطر‭ ‬يأتي‭ ‬من‭ ‬قوة‭ ‬تلك‭ ‬الشركات‭ ‬العملاقة‭ ‬التي‭ ‬تتحكم‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬بل‭ ‬تطوير‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يطور‭ ‬نفسه‭!!‬

باختصار‭: ‬الحكومات‭ ‬تملك‭ ‬القوانين،‭ ‬والشركات‭ ‬تملك‭ ‬مفاتيح‭ ‬انتشار‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬والمجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬يملك‭ ‬الضغط‭ ‬الأخلاقي‭. ‬وإيقاف‭ ‬السيطرة‭ ‬يتطلب‭ ‬اتفاقًا‭ ‬جماعيًا‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬الأطراف‭ ‬الثلاثة،‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬التحدي‭ ‬الأكبر‭ ‬حاليًا‭.‬

‭ ‬{‭ ‬‭ ‬أستاذة‭ ‬اللغويات‭ ‬بالجامعة

‭ ‬الأمريكية‭ ‬بالقاهرة‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا