بحضور وزير التربية والتعليم الدكتور محمد مبارك جمعة تم في 20 يوليو الحالي إطلاق تطبيق «النموذج العربي للجودة والتميز» في التعليم. نستعرض في هذا المقال فكرة النموذج بوصفه إطارًا يساعد المؤسسات التعليمية على تحسين أدائها ورفع جودة مخرجاتها، ليكون «إطارا عربيا لتحسين مخرجات التعليم وبناء متعلم ناقد ومبادر». ويركز المقال على أن نجاح النموذج لا يتحقق بمجرد إعداد الوثائق أو تبني المعايير، بل من خلال تحويل الجودة إلى ممارسة يومية تقوم على البيانات، والتحسين المستمر، وقياس النتائج وأثرها على الطالب والمجتمع والدولة. أي انه يوضح كيف يمكن للنموذج أن يسهم في بناء متعلم قادر على التفكير النقدي، والمبادرة، والابتكار، وريادة الأعمال، وخدمة المجتمع. ويختتم المقال بمقترح عملي يبين أوجه ومجالات القياس، ومؤشرات المتابعة، وآليات التحقق.
يمثل النموذج العربي للجودة والتميّز في التعليم إطارا تطويريا ذا طبيعة استراتيجية، يسعى إلى نقل المؤسسات التعليمية العربية من منطق الامتثال الشكلي للإجراءات إلى منطق الجودة القائمة على النتائج والأثر. فالقضية المركزية التي يطرحها النموذج لا تتوقف عند مدى التزام المؤسسة التعليمية باللوائح والمعايير، بل تمتد إلى قياس ما أحدثته من تحسن فعلي في تعلم الطلبة، وكفاءة المعلمين، وفاعلية القيادة، وقدرة التعليم على إنتاج معرفة ومهارات وقيم تسهم في التنمية وازدهار المجتمعات العربية. ومن ثم، فإن أهمية النموذج تكمن في كونه مرجعية عربية جامعة تربط بين القيادة، والسياسات، والموارد، وبيئات التعلم، ونتائج الأداء، وأثر ذلك على المتعلم والمجتمع.
تنطلق فلسفة النموذج من أن الجودة في التعليم ليست إجراء إداريا عابرا، ولا ملفا يُستكمل لأغراض الاعتماد، وإنما هي ثقافة مؤسسية مستمرة تنعكس في طريقة التفكير، ومنهج التخطيط، وأساليب التدريس، وآليات التقويم، وطبيعة العلاقة بين المؤسسة التعليمية والأسرة والمجتمع. ويقوم النموذج على دورة متكاملة للتحسين المستمر تبدأ بتشخيص الواقع، وتحديد الفجوات، وبناء مؤشرات أداء قابلة للقياس، ثم تنفيذ خطط تحسين قائمة على الأدلة، يعقبها قياس النتائج وإعادة توجيه السياسات والممارسات. وبهذا المعنى، لا ينظر النموذج إلى التعليم بوصفه خدمة منفصلة، بل بوصفه منظومة تنموية متكاملة لإعداد إنسان قادر على التعلم والعمل والإبداع والمشاركة الفاعلة في التنمية والاقتصاد وبناء المجتمع.
يتسم النموذج بخصائص تتمثل في الشمولية والتكامل من حيث تعامله مع المؤسسة التعليمية بوصفها منظومة مترابطة تشمل القيادة والحوكمة والسياسات والموارد وبيئات التعلم ونتائج الأداء وأثره المجتمعي. يرتكز هذا النموذج على مرجعية عربية تستفيد من الخبرات والمعايير الدولية، مع مراعاة الخصوصية الثقافية والتنموية للأنظمة التعليمية العربية. على أن يحرص القائمون على التقييم على ضرورة الاستناد على استخدام البيانات والمؤشرات أساسا للتشخيص واتخاذ القرار وتحديد أولويات التطوير، بدلًا من الاعتماد على الانطباعات أو التقارير الوصفية وحدها. كذلك من المهم متابعة نتائج العمل التربوي على المتعلم والمعلم وعلى المؤسسة والمجتمع مقارنة بالأهداف والمستهدفات الموضوعة تحقيقا للرؤية التربوية التعليمية؛ وعلى ان يكون النموذج قابلا للتطبيق على مختلف المستويات بدءا من المدرسة الى الجامعة الى الوزارة والهيئات الوطنية ذات العلاقة.
كذلك من المتوقع ان ينعكس التطبيق السليم لهذا النموذج على مخرجات التعليم في ثلاثة مستويات متكاملة؛ يتمثل المستوى الأول في تحسين التحصيل المعرفي من خلال وضوح نتائج التعلم، ورفع كفاءة التدريس، وتطوير أدوات التقويم. ويتمثل المستوى الثاني في تنمية المهارات العليا، ولا سيما التفكير النقدي، وحل المشكلات، والبحث، والتواصل، والعمل التعاوني. أما المستوى الثالث فيتعلق ببناء شخصية المتعلم القادر على المبادرة المستقلة؛ أي المتعلم الذي لا يكتفي بتلقي المعرفة، بل يمتلك القدرة على طرح الأسئلة، وتحليل الواقع، وبناء البدائل، وتحمل المسؤولية في اقتراح مسارات الإصلاح داخل محيطه التعليمي والاجتماعي.
اما القيمة الحقيقية للنموذج فإنها تتجلى حين تتحول الجودة من نظام رقابة على المؤسسة إلى نظام تمكين للمتعلم. حيث تتجه بيئات التعلم التي يستهدفها النموذج نحو التعلم النشط، والتعلم القائم على المشروعات، والحوار المنظم، والبحث، والتقويم المستند على نتائج الأداء. حينها يصبح الطالب مطالبًا بتبرير رأيه، واختبار الأدلة، والعمل ضمن فريق، وتقديم حلول لمشكلات واقعية، فينتقل بذلك من متلق إلى فاعل. عندها يصبح النموذج أداة لإعداد جيل لا يكتفي بالنجاح في الاختبارات، بل يمتلك عقلية نقدية، ومبادرة إصلاحية، وقدرة على التعلم الذاتي مدى الحياة.
لتحقيق الفائدة العملية من النموذج وإعداد جيل قادر على ارتياد مجالات الحياة المختلفة ومنها ريادة الأعمال، فإن ذلك لا يتم بمجرد إضافة مقرر دراسي مستقل عن الريادة؛ بل المطلوب هو بناء منظومة تعليمية تشجع التفكير المستقل والابتكاري، وتقبل المخاطرة المحسوبة، والاستعداد للتجريب، وفهم احتياجات السوق، وتحويل الأفكار إلى نماذج عمل قابلة للتطبيق. بذلك يمكن للنموذج العربي للجودة أن يدفع المؤسسات التعليمية إلى تعزيز الشراكات مع القطاع الخاص، وإدماج المشروعات الريادية في المناهج، وتوفير حاضنات مدرسية وجامعية، وقياس قدرة الطلبة على تصميم حلول ومنتجات وخدمات تستجيب لحاجات المجتمع. وبهذا المعنى، يصبح التعليم رافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، لا مجرد قناة لإعداد خريجين يبحثون عن وظائف تقليدية.
إن نجاح هذا النموذج يتطلب بناء منظومة متابعة ذات مستويين متكاملين: مستوى عربي مرجعي يتولى تطوير الأدلة والمعايير، وتبادل الخبرات، وبناء القدرات؛ ومستوى وطني تنفيذي تقوده وزارات التعليم أو هيئات الجودة الوطنية، ويختص بجمع البيانات، وتقييم المؤسسات، وإصدار التقارير، واتخاذ قرارات التصحيح والتحفيز. وتبدأ دورة المتابعة بتحديد أهداف قابلة للقياس، ثم قياس الأداء دوريًا، ومقارنة النتائج بنقطة البداية (خط الاساس) والمستهدفات، وتحليل أسباب الفجوات، وبناء خطط تحسين، ثم إعادة القياس للتحقق من الأثر الناتج عنه. وبذلك يصبح النموذج أداة تعلم مؤسسي مستمر، لا مجرد إطار وصفي أو احتفالي.
وختاما، فإن نجاح النموذج العربي للجودة والتميّز في التعليم ينبغي أن يقاس بمدى قدرته على إحداث تحول ملموس في ثقافة المؤسسة التعليمية وممارساتها ونتائجها لا بعدد المؤسسات التي تتبناه شكليًا. ولتحقيق ذلك، لا بد من البدء بتحديد الوضع الحالي كخط اساس واضح لأداء كل مؤسسة وبناء مؤشرات قابلة للقياس، وتدريب القيادات والمعلمين على استخدام البيانات في اتخاذ القرار، وربط خطط التحسين بنتائج التعلم لا بعدد الأنشطة المنفذة فقط. كما ينبغي إشراك الطلبة وأولياء الأمور والقطاع الخاص في تقييم النتائج وتأثيرها على المستويات الفعلية للتعليم وإعداد الطلبة لتأدية دورهم في المجتمع، وتخصيص حوافز للمؤسسات التي تحقق تقدمًا موثقًا ومستدامًا. وإذا أصبحت البيانات أساسًا لصناعة القرار، والتحسين المستمر ممارسة مؤسسية راسخة، والطالب محورًا فعليًا للتطوير، فإن النموذج يمكن أن يسهم في بناء جيل عربي أكثر قدرة على التفكير النقدي، وأكثر استعدادًا للمبادرة، وأكثر تأهيلًا لريادة الأعمال وصناعة المستقبل. أما إذا ظل النموذج في حدود الوثائق والتقارير، فسيفقد جوهره الإصلاحي؛ وبناء عليه فإن المعيار الحاسم للنجاح هو الانتقال من إعلان الجودة كرؤية إلى ممارسة الجودة كواقع فعلي، ومن قياس النشاط إلى قياس النتائج وتأثيرها المجتمعي والكلي.
mkuwaiti@batelco.com.bh

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك