في الرابع من يوليو 1776 أي منذ 250 عاما، أعلنت ثلاث عشرة مستعمرة أمريكية على الساحل الشرقي استقلالها، فاندلعت حرب الاستقلال عن بريطانيا العظمى، لتنتهي الحرب، بعد سبع سنوات، بموجب معاهدة باريس، بإعلان جورج واشنطن قيام دولة الاتحاد الفيدرالي بين تلك الولايات، على أساس وثيقة الدستور، فيما انتخب واشنطن رئيساً للبلاد عام 1789.
ومن ثلاث عشرة ولاية بدأ بها الاتحاد الفيدرالي، تتابع ضم الولايات الأمريكية للاتحاد إلى أن بلغ خمسين ولاية حالياً، وذلك عبر محطات متتالية، بدأت بضم ولايات: لويزيانا، فلوريدا، ألاسكا، ما بين عامي 1803-1867، ثم تكساس، أوريجون، ثم ولايات كاليفورنيا، نيفادا ويوتا بعد الحرب مع المكسيك عام 1848، ثم هاواي عام 1900، وبذلك توسعت مساحة أمريكا من 2.3 مليون كم، بعدد سكان 2.5 مليون نسمة، حتى صارت ما يقارب 10 ملايين كم، بعدد سكان 350 مليون نسمة، أي بما يقارب مساحة وعدد سكان العالم العربي، تقريباً.
واختارت الولايات المتحدة نظاماً فيدرالياً، يضم حكومات محلية، لها صلاحيات خاصة داخل حدود الولايات، بقوانين تتعارض في كثير من الأحيان مع قوانين الولايات المجاورة، بينما كان النظام الفيدرالي رئاسياً جمهورياً، لا يتضمن رئيس حكومة، لأن الرئيس المنتخب مباشرة من الشعب هو الذي يشكلها وليس البرلمان (الكونجرس)، وينتخب الرئيس ونائبه معاً وفق نظام معقد، لا يعتمد نتيجة الانتخاب الشعبي المباشر، بل يتدرج بالتصويت في الولايات، ثم تقوم كل ولاية بناء على نتائج التصويت الشعبي فيها بتحديد مرشحها الذي يصوت له مندوبوها في المجمع الانتخابي، وكثيراً ما حدث وأن انتخب رئيس حاز أغلبية أصوات المجمع البالغة 538 صوتاً، بعد أن خسر في التصويت الشعبي.
المهم أن الولايات المتحدة الأمريكية شهدت منذ استقرارها الداخلي، بالتحديد منذ مائة وسبعين عاماً، تداولاً رئاسياً بين الحزبين الحاكمين الديمقراطي والجمهوري، وكان الجمهوري يتميز بكونه الحزب المحافظ والتقليدي، بينما كان الديمقراطي يظهر كحزب تقدمي أو حداثي، أقل تعصباً من الجمهوري، لذلك كان يعتبر قبل عقود حزباً للأقليات، من اليهود والسود، ثم العرب حالياً، وكان التباين بين الحزبين يظهر بشكل واضح فيما يخص القرارات والتشريعات الداخلية، تجاه قضايا الإجهاض، والمثلية، والضرائب، والهجرة، وما تقدمه الدولة الفدرالية من خدمات لمحدودي الدخل.
ولذلك فقد لاحظنا أن الحزب الديمقراطي سبق الجمهوري بتقديم الرؤساء الشباب، مثل جون كيندي وبيل كلينتون، والرؤساء الخلوقين مثل جيمي كارتر، فيما كثر الرؤساء الجمهوريون المسنون، مثل جيرالد فورد، ورونالد ريجان، وجورج بوش الأب، كذلك تقدم الديمقراطي ببادرة انتخاب رئيس «أسود» هو باراك أوباما، وتقدم مرتين بترشيح امرأة للرئاسة هيلاري كلينتون وكامالا هاريس.
أما فيما يخص السياسة الخارجية، فلا يلاحظ بأن هناك فرقاً بينهما، لا خلال الحرب الباردة، ولا بعدها، بالتحديد فيما يخص الموقف من الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، وإن كان الحزب الديمقراطي أبدى اهتماماً أكبر من خصمه الداخلي بمتابعة اتفاق أوسلو، وذلك خلال ولايتي بيل كلينتون وباراك أوباما، بينما لم يهتم بالاتفاق الجمهوري جورج بوش الابن، خلال ولايتيه بين الرئيسين الديمقراطيين، ولا دونالد ترامب بعد أوباما، ولا حالياً.
ولم تكن السياسة الخارجية للولايات المتحدة تهم العالم الخارجي كثيراً، حتى الحرب العالمية الثانية، لكنها بعد ذلك صارت قطباً عالمياً، يقود النظام العالمي خلال الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي السابق، ثم صارت تقوده منفردة منذ مطلع تسعينيات القرن العشرين الماضي، فصار رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، كما لو كان رئيساً للعالم، وصارت سياساتها الخارجية تحدد مصير دول وشعوب العالم إلى حد بعيد.
لذلك فإنه من الضروري دائماً قراءة ما يحدث من متغيرات داخل الولايات المتحدة، لأنها تنعكس على العالم بأسره، وربما يكون ضرورياً الانتباه إلى أن السياسة الأمريكية قد تأثرت بشكل عام، بظروف نشأة الدولة، وحتى بمكونها البشري، نقصد العنصر الغربي، أو الجنس الأبيض الذي استوطن الأمريكتين ومنها الولايات المتحدة منذ القرن الخامس عشر، بعد وصول قراصنة البحار والمغامرين إلى تلك البلاد قادمين من دول أوروبا الغربية بالذات.
باختصار تميزت السياسة الأمريكية الخارجية على نحو خاص «بالبراجماتية السياسية» التي تستند إلى نهج يهتم بالنتائج العملية والمنفعة الواقعية، بدلاً من الالتزام بالمبادئ والأيديولوجيات، وذلك في مواجهة ما كان ينادي به الغرب الأوروبي من تعميم لقيم حقوق الإنسان، وفي مواجهة دكتاتوريات العالم الثالث والمعسكر الاشتراكي، وفي مواجهة قيم العدالة الاجتماعية التي كانت تنادي بها الاشتراكية في مواجهة الاستغلال الطبقي الناجم عن المجتمعات الرأسمالية.
كذلك استندت السياسة الأمريكية إلى ما كان يعرف بـ«المكيافيلية»، وملخصها مقولة «الغاية تبرر الوسيلة»، بغض النظر عن طبيعة تلك الغاية، إن كانت أخلاقية أو غير ذلك، أو إن كانت عادلة أو ظالمة.
وإذا كانت أمريكا قد أنهت الحرب العالمية الثانية بحدث مرعب، تمثل في إطلاقها القنابل النووية على مدينتي هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين، فإنها تعاملت مع كل الجغرافيا الأمريكية، كما لو كانت تبعية خاصة لها، فالجار الوحيد لها في أمريكا الشمالية هو كندا، وهي حليف لها في الناتو، أما دول أمريكا الوسطى، فيثقل كاهلها «سطو» على ما يقارب نصف مساحة المكسيك، حيث تعود ولايات تكساس وكاليفورنيا بالأصل لسيادة دولة المكسيك، وتنمر على بنما ومعظم دول تلك المنطقة، كما أنها تعاملت مع أمريكا الجنوبية، كحديقة خلفية لها، مستغلة العزلة الجغرافية للأمريكتين عن العالم القديم خاصة، أي أوروبا وآسيا وإفريقيا، ووقفت في وجه إرادة شعوب القارتين، حيث حاولت أن تجهض ثورة كاسترو الكوبية، لولا الاتحاد السوفيتي، ودبرت العديد من الانقلابات العسكرية في العديد من الدول لإسقاط أنظمتها الثورية، وخير مثال هنا، نظام سلفادور الليندي في تشيلي.
أما في ظل نظامها العالمي الجديد الذي تلا الحرب الباردة، فسرعان ما قامت أمريكا بإعادة ترتيب الدول داخلياً، وخاصة تلك التي كانت ضمن المنظومة الاشتراكية، إلى درجة أنها شنت حروباً بشكل مباشر ضد صربيا وضد العراق، وها هي تصل ذروة براجماتيتها التي اشتهرت بها، في عهد ولاية ترامب الحالية، وذلك لأنها وجدت نظامها العالمي مهدداً من قبل منافس قوي، دخل سوق الاقتصاد العالمي، وتبلور على شكل اقتصاد متفوق عالمياً بما يقدمه من سلع للعالم كله، منتج بسواعد وعرق ملايين العمال الصينيين.
في مواجهة التحدي الاقتصادي الصيني، سارع ترامب لفرض تعرفة جمركية ضد كل دول العالم، ورافق تلك السياسة بمحاولة السطو على كل ثروة تخص أي دولة، من قناة بنما، إلى اقتصاد كندا والمكسيك، إلى جرين لاند، ثم نفط فنزويلا، إلى نفط إيران.
يبقى هذا هو المعيار الذي يحكم سياسة البيت الأبيض، وبالطبع هناك تفاصيل، ولأن علاقة أمريكا بإسرائيل هي أكثر مسارات السياسة الأمريكية الخارجية التي تهمنا، فإنه لا بد من ملاحظة أكثر من عامل حدد ومازال يحدد مسار تلك السياسة، أولها وأهمها هو التمويل اليهودي لحملات الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.
لكن يبدو أن لحظة فاصلة بين أيهما أولاً إسرائيل أم أمريكا بدأت تظهر في الأفق، بسبب ما يواجهه النظام العالمي الأمريكي من تهديد، وهذا يظهر حالياً في الحرب التي تشنها إسرائيل منذ ثلاث سنوات وتورطت بها أمريكا مؤخراً، في الشرق الأوسط، وهنا تظهر التباينات بين أركان البيت الأبيض، بين نائب الرئيس من جهة، ووزير الخارجية ووزير الدفاع من جهة أخرى، وذلك بدافع البحث عن ترشيح الحزب الجمهوري لانتخابات 2028.
وقد كان لافتاً أن يختار ترامب طاقم إدارته من ثالوث متباين لكنه شاب، ليغطي على تقدمه في السن، ذلك الأمر الذي كان يأخذه على بايدن، نقصد كلاً من فانس، روبيو، وهيجسيث، رغم انهم متباينون في أصولهم، وخاصة روبيو الكوبي الأصل، مع أن ترامب كثيراً ما عبر عن امتعاضه من المهاجرين إلى الولايات المتحدة، وكذلك في توجهاتهم البراجماتية، أي المتغيرة ارتباطاً باللحظة، وبما هي عليه حالة «السوق السياسي» الداخلي والعالمي.
ذلك أن جي دي فانس سبق له أن وصف ترامب بأنه هتلر أمريكا، ورغم ذلك نسي ترامب هذا واختاره لمنصب نائب الرئيس، وسبق له أن ظل يندد بنتنياهو مدة أربع سنوات أمضاها خارج البيت الأبيض بعد أن دخله أول مرة، لأن نتنياهو كان قد عمل بأصول البروتوكول بين الدول، وهنأ بايدن على فوزه عام 2020، ليعود و«يتغزل» فيه، ثم يبدأ بالتراجع، كل ذلك بناء على التحولات الداخلية والخارجية.
{ كاتب من فلسطين.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك