العدد : ١٧٦٧٢ - الثلاثاء ١١ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٧٢ - الثلاثاء ١١ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

بعد مرور 250 عاما.. إسرائيل أم أمريكا: أيهما أولا؟!

بقلم: رجب أبو سرية

الأربعاء ٢٩ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬الرابع‭ ‬من‭ ‬يوليو‭ ‬1776‭ ‬أي‭ ‬منذ‭ ‬250‭ ‬عاما،‭ ‬أعلنت‭ ‬ثلاث‭ ‬عشرة‭ ‬مستعمرة‭ ‬أمريكية‭ ‬على‭ ‬الساحل‭ ‬الشرقي‭ ‬استقلالها،‭ ‬فاندلعت‭ ‬حرب‭ ‬الاستقلال‭ ‬عن‭ ‬بريطانيا‭ ‬العظمى،‭ ‬لتنتهي‭ ‬الحرب،‭ ‬بعد‭ ‬سبع‭ ‬سنوات،‭ ‬بموجب‭ ‬معاهدة‭ ‬باريس،‭ ‬بإعلان‭ ‬جورج‭ ‬واشنطن‭ ‬قيام‭ ‬دولة‭ ‬الاتحاد‭ ‬الفيدرالي‭ ‬بين‭ ‬تلك‭ ‬الولايات،‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬وثيقة‭ ‬الدستور،‭ ‬فيما‭ ‬انتخب‭ ‬واشنطن‭ ‬رئيساً‭ ‬للبلاد‭ ‬عام‭ ‬1789‭.‬

ومن‭ ‬ثلاث‭ ‬عشرة‭ ‬ولاية‭ ‬بدأ‭ ‬بها‭ ‬الاتحاد‭ ‬الفيدرالي،‭ ‬تتابع‭ ‬ضم‭ ‬الولايات‭ ‬الأمريكية‭ ‬للاتحاد‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬بلغ‭ ‬خمسين‭ ‬ولاية‭ ‬حالياً،‭ ‬وذلك‭ ‬عبر‭ ‬محطات‭ ‬متتالية،‭ ‬بدأت‭ ‬بضم‭ ‬ولايات‭: ‬لويزيانا،‭ ‬فلوريدا،‭ ‬ألاسكا،‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬1803‭-‬1867،‭ ‬ثم‭ ‬تكساس،‭ ‬أوريجون،‭ ‬ثم‭ ‬ولايات‭ ‬كاليفورنيا،‭ ‬نيفادا‭ ‬ويوتا‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬مع‭ ‬المكسيك‭ ‬عام‭ ‬1848،‭ ‬ثم‭ ‬هاواي‭ ‬عام‭ ‬1900،‭ ‬وبذلك‭ ‬توسعت‭ ‬مساحة‭ ‬أمريكا‭ ‬من‭ ‬2‭.‬3‭ ‬مليون‭ ‬كم،‭ ‬بعدد‭ ‬سكان‭ ‬2‭.‬5‭ ‬مليون‭ ‬نسمة،‭ ‬حتى‭ ‬صارت‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬10‭ ‬ملايين‭ ‬كم،‭ ‬بعدد‭ ‬سكان‭ ‬350‭ ‬مليون‭ ‬نسمة،‭ ‬أي‭ ‬بما‭ ‬يقارب‭ ‬مساحة‭ ‬وعدد‭ ‬سكان‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬تقريباً‭.‬

واختارت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬نظاماً‭ ‬فيدرالياً،‭ ‬يضم‭ ‬حكومات‭ ‬محلية،‭ ‬لها‭ ‬صلاحيات‭ ‬خاصة‭ ‬داخل‭ ‬حدود‭ ‬الولايات،‭ ‬بقوانين‭ ‬تتعارض‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬مع‭ ‬قوانين‭ ‬الولايات‭ ‬المجاورة،‭ ‬بينما‭ ‬كان‭ ‬النظام‭ ‬الفيدرالي‭ ‬رئاسياً‭ ‬جمهورياً،‭ ‬لا‭ ‬يتضمن‭ ‬رئيس‭ ‬حكومة،‭ ‬لأن‭ ‬الرئيس‭ ‬المنتخب‭ ‬مباشرة‭ ‬من‭ ‬الشعب‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يشكلها‭ ‬وليس‭ ‬البرلمان‭ (‬الكونجرس‭)‬،‭ ‬وينتخب‭ ‬الرئيس‭ ‬ونائبه‭ ‬معاً‭ ‬وفق‭ ‬نظام‭ ‬معقد،‭ ‬لا‭ ‬يعتمد‭ ‬نتيجة‭ ‬الانتخاب‭ ‬الشعبي‭ ‬المباشر،‭ ‬بل‭ ‬يتدرج‭ ‬بالتصويت‭ ‬في‭ ‬الولايات،‭ ‬ثم‭ ‬تقوم‭ ‬كل‭ ‬ولاية‭ ‬بناء‭ ‬على‭ ‬نتائج‭ ‬التصويت‭ ‬الشعبي‭ ‬فيها‭ ‬بتحديد‭ ‬مرشحها‭ ‬الذي‭ ‬يصوت‭ ‬له‭ ‬مندوبوها‭ ‬في‭ ‬المجمع‭ ‬الانتخابي،‭ ‬وكثيراً‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬وأن‭ ‬انتخب‭ ‬رئيس‭ ‬حاز‭ ‬أغلبية‭ ‬أصوات‭ ‬المجمع‭ ‬البالغة‭ ‬538‭ ‬صوتاً،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬خسر‭ ‬في‭ ‬التصويت‭ ‬الشعبي‭.‬

المهم‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬شهدت‭ ‬منذ‭ ‬استقرارها‭ ‬الداخلي،‭ ‬بالتحديد‭ ‬منذ‭ ‬مائة‭ ‬وسبعين‭ ‬عاماً،‭ ‬تداولاً‭ ‬رئاسياً‭ ‬بين‭ ‬الحزبين‭ ‬الحاكمين‭ ‬الديمقراطي‭ ‬والجمهوري،‭ ‬وكان‭ ‬الجمهوري‭ ‬يتميز‭ ‬بكونه‭ ‬الحزب‭ ‬المحافظ‭ ‬والتقليدي،‭ ‬بينما‭ ‬كان‭ ‬الديمقراطي‭ ‬يظهر‭ ‬كحزب‭ ‬تقدمي‭ ‬أو‭ ‬حداثي،‭ ‬أقل‭ ‬تعصباً‭ ‬من‭ ‬الجمهوري،‭ ‬لذلك‭ ‬كان‭ ‬يعتبر‭ ‬قبل‭ ‬عقود‭ ‬حزباً‭ ‬للأقليات،‭ ‬من‭ ‬اليهود‭ ‬والسود،‭ ‬ثم‭ ‬العرب‭ ‬حالياً،‭ ‬وكان‭ ‬التباين‭ ‬بين‭ ‬الحزبين‭ ‬يظهر‭ ‬بشكل‭ ‬واضح‭ ‬فيما‭ ‬يخص‭ ‬القرارات‭ ‬والتشريعات‭ ‬الداخلية،‭ ‬تجاه‭ ‬قضايا‭ ‬الإجهاض،‭ ‬والمثلية،‭ ‬والضرائب،‭ ‬والهجرة،‭ ‬وما‭ ‬تقدمه‭ ‬الدولة‭ ‬الفدرالية‭ ‬من‭ ‬خدمات‭ ‬لمحدودي‭ ‬الدخل‭.‬

ولذلك‭ ‬فقد‭ ‬لاحظنا‭ ‬أن‭ ‬الحزب‭ ‬الديمقراطي‭ ‬سبق‭ ‬الجمهوري‭ ‬بتقديم‭ ‬الرؤساء‭ ‬الشباب،‭ ‬مثل‭ ‬جون‭ ‬كيندي‭ ‬وبيل‭ ‬كلينتون،‭ ‬والرؤساء‭ ‬الخلوقين‭ ‬مثل‭ ‬جيمي‭ ‬كارتر،‭ ‬فيما‭ ‬كثر‭ ‬الرؤساء‭ ‬الجمهوريون‭ ‬المسنون،‭ ‬مثل‭ ‬جيرالد‭ ‬فورد،‭ ‬ورونالد‭ ‬ريجان،‭ ‬وجورج‭ ‬بوش‭ ‬الأب،‭ ‬كذلك‭ ‬تقدم‭ ‬الديمقراطي‭ ‬ببادرة‭ ‬انتخاب‭ ‬رئيس‭ ‬‮«‬أسود‮»‬‭ ‬هو‭ ‬باراك‭ ‬أوباما،‭ ‬وتقدم‭ ‬مرتين‭ ‬بترشيح‭ ‬امرأة‭ ‬للرئاسة‭ ‬هيلاري‭ ‬كلينتون‭ ‬وكامالا‭ ‬هاريس‭.‬

أما‭ ‬فيما‭ ‬يخص‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية،‭ ‬فلا‭ ‬يلاحظ‭ ‬بأن‭ ‬هناك‭ ‬فرقاً‭ ‬بينهما،‭ ‬لا‭ ‬خلال‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة،‭ ‬ولا‭ ‬بعدها،‭ ‬بالتحديد‭ ‬فيما‭ ‬يخص‭ ‬الموقف‭ ‬من‭ ‬الصراع‭ ‬الفلسطيني‭ - ‬الإسرائيلي،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬الحزب‭ ‬الديمقراطي‭ ‬أبدى‭ ‬اهتماماً‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬خصمه‭ ‬الداخلي‭ ‬بمتابعة‭ ‬اتفاق‭ ‬أوسلو،‭ ‬وذلك‭ ‬خلال‭ ‬ولايتي‭ ‬بيل‭ ‬كلينتون‭ ‬وباراك‭ ‬أوباما،‭ ‬بينما‭ ‬لم‭ ‬يهتم‭ ‬بالاتفاق‭ ‬الجمهوري‭ ‬جورج‭ ‬بوش‭ ‬الابن،‭ ‬خلال‭ ‬ولايتيه‭ ‬بين‭ ‬الرئيسين‭ ‬الديمقراطيين،‭ ‬ولا‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬بعد‭ ‬أوباما،‭ ‬ولا‭ ‬حالياً‭.‬

ولم‭ ‬تكن‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تهم‭ ‬العالم‭ ‬الخارجي‭ ‬كثيراً،‭ ‬حتى‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬لكنها‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬صارت‭ ‬قطباً‭ ‬عالمياً،‭ ‬يقود‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭ ‬خلال‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭ ‬مع‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬السابق،‭ ‬ثم‭ ‬صارت‭ ‬تقوده‭ ‬منفردة‭ ‬منذ‭ ‬مطلع‭ ‬تسعينيات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬الماضي،‭ ‬فصار‭ ‬رئيس‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬رئيساً‭ ‬للعالم،‭ ‬وصارت‭ ‬سياساتها‭ ‬الخارجية‭ ‬تحدد‭ ‬مصير‭ ‬دول‭ ‬وشعوب‭ ‬العالم‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬بعيد‭.‬

لذلك‭ ‬فإنه‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬دائماً‭ ‬قراءة‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬من‭ ‬متغيرات‭ ‬داخل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬لأنها‭ ‬تنعكس‭ ‬على‭ ‬العالم‭ ‬بأسره،‭ ‬وربما‭ ‬يكون‭ ‬ضرورياً‭ ‬الانتباه‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬السياسة‭ ‬الأمريكية‭ ‬قد‭ ‬تأثرت‭ ‬بشكل‭ ‬عام،‭ ‬بظروف‭ ‬نشأة‭ ‬الدولة،‭ ‬وحتى‭ ‬بمكونها‭ ‬البشري،‭ ‬نقصد‭ ‬العنصر‭ ‬الغربي،‭ ‬أو‭ ‬الجنس‭ ‬الأبيض‭ ‬الذي‭ ‬استوطن‭ ‬الأمريكتين‭ ‬ومنها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬منذ‭ ‬القرن‭ ‬الخامس‭ ‬عشر،‭ ‬بعد‭ ‬وصول‭ ‬قراصنة‭ ‬البحار‭ ‬والمغامرين‭ ‬إلى‭ ‬تلك‭ ‬البلاد‭ ‬قادمين‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬أوروبا‭ ‬الغربية‭ ‬بالذات‭.‬

باختصار‭ ‬تميزت‭ ‬السياسة‭ ‬الأمريكية‭ ‬الخارجية‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬خاص‭ ‬‮«‬بالبراجماتية‭ ‬السياسية‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬نهج‭ ‬يهتم‭ ‬بالنتائج‭ ‬العملية‭ ‬والمنفعة‭ ‬الواقعية،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الالتزام‭ ‬بالمبادئ‭ ‬والأيديولوجيات،‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬ينادي‭ ‬به‭ ‬الغرب‭ ‬الأوروبي‭ ‬من‭ ‬تعميم‭ ‬لقيم‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬وفي‭ ‬مواجهة‭ ‬دكتاتوريات‭ ‬العالم‭ ‬الثالث‭ ‬والمعسكر‭ ‬الاشتراكي،‭ ‬وفي‭ ‬مواجهة‭ ‬قيم‭ ‬العدالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تنادي‭ ‬بها‭ ‬الاشتراكية‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الاستغلال‭ ‬الطبقي‭ ‬الناجم‭ ‬عن‭ ‬المجتمعات‭ ‬الرأسمالية‭.‬

كذلك‭ ‬استندت‭ ‬السياسة‭ ‬الأمريكية‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يعرف‭ ‬بـ«المكيافيلية‮»‬،‭ ‬وملخصها‭ ‬مقولة‭ ‬‮«‬الغاية‭ ‬تبرر‭ ‬الوسيلة‮»‬،‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬طبيعة‭ ‬تلك‭ ‬الغاية،‭ ‬إن‭ ‬كانت‭ ‬أخلاقية‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬ذلك،‭ ‬أو‭ ‬إن‭ ‬كانت‭ ‬عادلة‭ ‬أو‭ ‬ظالمة‭.‬

وإذا‭ ‬كانت‭ ‬أمريكا‭ ‬قد‭ ‬أنهت‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬بحدث‭ ‬مرعب،‭ ‬تمثل‭ ‬في‭ ‬إطلاقها‭ ‬القنابل‭ ‬النووية‭ ‬على‭ ‬مدينتي‭ ‬هيروشيما‭ ‬وناجازاكي‭ ‬اليابانيتين،‭ ‬فإنها‭ ‬تعاملت‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬الجغرافيا‭ ‬الأمريكية،‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬تبعية‭ ‬خاصة‭ ‬لها،‭ ‬فالجار‭ ‬الوحيد‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭ ‬الشمالية‭ ‬هو‭ ‬كندا،‭ ‬وهي‭ ‬حليف‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬الناتو،‭ ‬أما‭ ‬دول‭ ‬أمريكا‭ ‬الوسطى،‭ ‬فيثقل‭ ‬كاهلها‭ ‬‮«‬سطو‮»‬‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬نصف‭ ‬مساحة‭ ‬المكسيك،‭ ‬حيث‭ ‬تعود‭ ‬ولايات‭ ‬تكساس‭ ‬وكاليفورنيا‭ ‬بالأصل‭ ‬لسيادة‭ ‬دولة‭ ‬المكسيك،‭ ‬وتنمر‭ ‬على‭ ‬بنما‭ ‬ومعظم‭ ‬دول‭ ‬تلك‭ ‬المنطقة،‭ ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬تعاملت‭ ‬مع‭ ‬أمريكا‭ ‬الجنوبية،‭ ‬كحديقة‭ ‬خلفية‭ ‬لها،‭ ‬مستغلة‭ ‬العزلة‭ ‬الجغرافية‭ ‬للأمريكتين‭ ‬عن‭ ‬العالم‭ ‬القديم‭ ‬خاصة،‭ ‬أي‭ ‬أوروبا‭ ‬وآسيا‭ ‬وإفريقيا،‭ ‬ووقفت‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬إرادة‭ ‬شعوب‭ ‬القارتين،‭ ‬حيث‭ ‬حاولت‭ ‬أن‭ ‬تجهض‭ ‬ثورة‭ ‬كاسترو‭ ‬الكوبية،‭ ‬لولا‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي،‭ ‬ودبرت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الانقلابات‭ ‬العسكرية‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬لإسقاط‭ ‬أنظمتها‭ ‬الثورية،‭ ‬وخير‭ ‬مثال‭ ‬هنا،‭ ‬نظام‭ ‬سلفادور‭ ‬الليندي‭ ‬في‭ ‬تشيلي‭.‬

أما‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬نظامها‭ ‬العالمي‭ ‬الجديد‭ ‬الذي‭ ‬تلا‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة،‭ ‬فسرعان‭ ‬ما‭ ‬قامت‭ ‬أمريكا‭ ‬بإعادة‭ ‬ترتيب‭ ‬الدول‭ ‬داخلياً،‭ ‬وخاصة‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬ضمن‭ ‬المنظومة‭ ‬الاشتراكية،‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬أنها‭ ‬شنت‭ ‬حروباً‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬ضد‭ ‬صربيا‭ ‬وضد‭ ‬العراق،‭ ‬وها‭ ‬هي‭ ‬تصل‭ ‬ذروة‭ ‬براجماتيتها‭ ‬التي‭ ‬اشتهرت‭ ‬بها،‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬ولاية‭ ‬ترامب‭ ‬الحالية،‭ ‬وذلك‭ ‬لأنها‭ ‬وجدت‭ ‬نظامها‭ ‬العالمي‭ ‬مهدداً‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬منافس‭ ‬قوي،‭ ‬دخل‭ ‬سوق‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬وتبلور‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬اقتصاد‭ ‬متفوق‭ ‬عالمياً‭ ‬بما‭ ‬يقدمه‭ ‬من‭ ‬سلع‭ ‬للعالم‭ ‬كله،‭ ‬منتج‭ ‬بسواعد‭ ‬وعرق‭ ‬ملايين‭ ‬العمال‭ ‬الصينيين‭.‬

في‭ ‬مواجهة‭ ‬التحدي‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الصيني،‭ ‬سارع‭ ‬ترامب‭ ‬لفرض‭ ‬تعرفة‭ ‬جمركية‭ ‬ضد‭ ‬كل‭ ‬دول‭ ‬العالم،‭ ‬ورافق‭ ‬تلك‭ ‬السياسة‭ ‬بمحاولة‭ ‬السطو‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬ثروة‭ ‬تخص‭ ‬أي‭ ‬دولة،‭ ‬من‭ ‬قناة‭ ‬بنما،‭ ‬إلى‭ ‬اقتصاد‭ ‬كندا‭ ‬والمكسيك،‭ ‬إلى‭ ‬جرين‭ ‬لاند،‭ ‬ثم‭ ‬نفط‭ ‬فنزويلا،‭ ‬إلى‭ ‬نفط‭ ‬إيران‭.‬

يبقى‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬المعيار‭ ‬الذي‭ ‬يحكم‭ ‬سياسة‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض،‭ ‬وبالطبع‭ ‬هناك‭ ‬تفاصيل،‭ ‬ولأن‭ ‬علاقة‭ ‬أمريكا‭ ‬بإسرائيل‭ ‬هي‭ ‬أكثر‭ ‬مسارات‭ ‬السياسة‭ ‬الأمريكية‭ ‬الخارجية‭ ‬التي‭ ‬تهمنا،‭ ‬فإنه‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬ملاحظة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عامل‭ ‬حدد‭ ‬ومازال‭ ‬يحدد‭ ‬مسار‭ ‬تلك‭ ‬السياسة،‭ ‬أولها‭ ‬وأهمها‭ ‬هو‭ ‬التمويل‭ ‬اليهودي‭ ‬لحملات‭ ‬الانتخابات‭ ‬الرئاسية‭ ‬والبرلمانية‭.‬

لكن‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬لحظة‭ ‬فاصلة‭ ‬بين‭ ‬أيهما‭ ‬أولاً‭ ‬إسرائيل‭ ‬أم‭ ‬أمريكا‭ ‬بدأت‭ ‬تظهر‭ ‬في‭ ‬الأفق،‭ ‬بسبب‭ ‬ما‭ ‬يواجهه‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭ ‬الأمريكي‭ ‬من‭ ‬تهديد،‭ ‬وهذا‭ ‬يظهر‭ ‬حالياً‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬تشنها‭ ‬إسرائيل‭ ‬منذ‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات‭ ‬وتورطت‭ ‬بها‭ ‬أمريكا‭ ‬مؤخراً،‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬وهنا‭ ‬تظهر‭ ‬التباينات‭ ‬بين‭ ‬أركان‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض،‭ ‬بين‭ ‬نائب‭ ‬الرئيس‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬ووزير‭ ‬الخارجية‭ ‬ووزير‭ ‬الدفاع‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬وذلك‭ ‬بدافع‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬ترشيح‭ ‬الحزب‭ ‬الجمهوري‭ ‬لانتخابات‭ ‬2028‭.‬

وقد‭ ‬كان‭ ‬لافتاً‭ ‬أن‭ ‬يختار‭ ‬ترامب‭ ‬طاقم‭ ‬إدارته‭ ‬من‭ ‬ثالوث‭ ‬متباين‭ ‬لكنه‭ ‬شاب،‭ ‬ليغطي‭ ‬على‭ ‬تقدمه‭ ‬في‭ ‬السن،‭ ‬ذلك‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يأخذه‭ ‬على‭ ‬بايدن،‭ ‬نقصد‭ ‬كلاً‭ ‬من‭ ‬فانس،‭ ‬روبيو،‭ ‬وهيجسيث،‭ ‬رغم‭ ‬انهم‭ ‬متباينون‭ ‬في‭ ‬أصولهم،‭ ‬وخاصة‭ ‬روبيو‭ ‬الكوبي‭ ‬الأصل،‭ ‬مع‭ ‬أن‭ ‬ترامب‭ ‬كثيراً‭ ‬ما‭ ‬عبر‭ ‬عن‭ ‬امتعاضه‭ ‬من‭ ‬المهاجرين‭ ‬إلى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬وكذلك‭ ‬في‭ ‬توجهاتهم‭ ‬البراجماتية،‭ ‬أي‭ ‬المتغيرة‭ ‬ارتباطاً‭ ‬باللحظة،‭ ‬وبما‭ ‬هي‭ ‬عليه‭ ‬حالة‭ ‬‮«‬السوق‭ ‬السياسي‮»‬‭ ‬الداخلي‭ ‬والعالمي‭.‬

ذلك‭ ‬أن‭ ‬جي‭ ‬دي‭ ‬فانس‭ ‬سبق‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬وصف‭ ‬ترامب‭ ‬بأنه‭ ‬هتلر‭ ‬أمريكا،‭ ‬ورغم‭ ‬ذلك‭ ‬نسي‭ ‬ترامب‭ ‬هذا‭ ‬واختاره‭ ‬لمنصب‭ ‬نائب‭ ‬الرئيس،‭ ‬وسبق‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬ظل‭ ‬يندد‭ ‬بنتنياهو‭ ‬مدة‭ ‬أربع‭ ‬سنوات‭ ‬أمضاها‭ ‬خارج‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬دخله‭ ‬أول‭ ‬مرة،‭ ‬لأن‭ ‬نتنياهو‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬عمل‭ ‬بأصول‭ ‬البروتوكول‭ ‬بين‭ ‬الدول،‭ ‬وهنأ‭ ‬بايدن‭ ‬على‭ ‬فوزه‭ ‬عام‭ ‬2020،‭ ‬ليعود‭ ‬و‮«‬يتغزل‮»‬‭ ‬فيه،‭ ‬ثم‭ ‬يبدأ‭ ‬بالتراجع،‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬بناء‭ ‬على‭ ‬التحولات‭ ‬الداخلية‭ ‬والخارجية‭.‬

{‭ ‬كاتب‭ ‬من‭ ‬فلسطين‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا