في ساعات الظهيرة، مع تجاوز الحرارة الأربعين درجة، يختلف موقع الإنسان من الشمس باختلاف قربه من الحماية. من يملك مكتباً مكيفاً يشتكي من الطقس بوصفه إزعاجاً عابراً، ومن يعمل على الأرصفة وورش البناء يواجه الحر بوصفه خطراً يومياً على حياته.
الحياة العامة تمضي وكأن الحرارة واحدة للجميع، بينما يتفاوت الجسد البشري في قدرته على تحملها بقدر اختلاف ظروف من يحمله. من يستطيع الانتقال من مكيف السيارة إلى مكيف المكتب لا يعرف عن الظهيرة سوى ومضة سريعة يقطعها بخطوات معدودة، بينما يقضي غيره ساعات طويلة في مواجهتها المباشرة من دون وسيط.
القانون البحريني يدرك هذا التفاوت، ولهذا فرض حظراً على العمل تحت الشمس المباشرة في ساعات محددة من الصيف. غير أن بين نص القانون وواقع التنفيذ مسافة تستحق أن نسائلها، فالحماية تكتمل بوصولها الفعلي إلى من كُتبت من أجله أساساً.
القرار الذي ينظّم حظر العمل وقت الظهيرة ليس وليد هذا العام، فهو يُطبَّق في البحرين منذ عام 2013، وتجدده وزارة العمل صيفاً بعد صيف منذ أكثر من عقد.
هذا العام صدر قرار جديد يحل محل القرار الأصلي، يحمل رقم (5) لسنة 2026، ويضيف التزامات أوضح على أصحاب العمل، من بينها نشر جدول ساعات العمل في الموقع ليطّلع عليه العمال ومفتشو الوزارة على حد سواء. طول عمر هذا القرار قد يوحي بأن الأمر استقر وحُسم، غير أنه يترك تساؤلاً مشروعاً: بعد أكثر من عقد من الحماية المكتوبة، هل نطمئن إلى أن كل عامل تحت الشمس يعرف حقه ويناله فعلاً؟
التشريع لم يترك المخالفة بلا ثمن، فالعقوبة المنصوص عليها حبس أقصاه ثلاثة أشهر أو غرامة بين خمسمائة وألف دينار أو كلتاهما، وهي عقوبة تبدو رادعة في ظاهرها. الجولات الرقابية قائمة فعلاً طوال فترة الحظر، لكن اتساع المواقع المتناثرة يجعل رقابة كاملة في كل لحظة تحدياً صعباً بطبيعته. خصصت الوزارة رقماً للتبليغ يستقبل الاتصالات ورسائل الواتساب على حد سواء، فيسند هذا الجهد ولا يعوّض عنه.
يبقى أن العامل الذي يرتبط رزقه كله بصاحب عمل واحد نادراً ما يجرؤ على استخدام هذا الرقم، فخوفه من فقدان مصدر عيشه أقوى من أي حماية قانونية مكتوبة. من يتردد في طلب حقه خشية أن يخسر قوت يومه يحمل عبئاً مضاعفاً، عبء الحر في النهار، وكتماناً له في كل الأوقات. هل يحمي قانون العمل هذا العامل تحديداً من الفصل إذا أبلغ عن مخالفة صاحب عمله لقرار حظر الظهيرة؟ الإجابة الواضحة عن هذا هي ما يمنح رقم التبليغ قوته الفعلية.
الحماية مرتبطة بتقويم إداري ثابت، بينما الحرارة ظاهرة متغيرة تمتد أحياناً في أوائل سبتمبر بالقوة نفسها التي تحملها منتصف أغسطس. هذا التفاوت بين الزمن الإداري والزمن المناخي يدفعني إلى التساؤل، ماذا لو ارتبطت مدة الحماية بحالة الطقس الفعلية عوضاً عن موعد يتكرر كل عام بالتاريخ نفسه؟ موجات الحر في السنوات الأخيرة صارت تكسر التوقعات التقليدية، فتمتد أياماً إضافية أو تبدأ مبكرة، وكأن الطبيعة نفسها تطالب بمراجعة ما رسمه الإنسان لها. حماية ترتبط بحالة الطقس الفعلية، لا بموعد ثابت في التقويم، تقترب أكثر من هدف القانون الأصلي: صون جسد الإنسان أياً كان التاريخ.
في إحدى المناطق، رأيت عاملاً يستريح في ظل جدار نصف مكتمل، يمسح عرقه بكم قميصه، وبجانبه زجاجة ماء فارغة. كانت ملامحه تحمل إرهاق ساعات طويلة تحت الشمس، وبدا أن الظهيرة الممتدة أثقل من أن يقاومها. لم أعرف ظروف عمله ولا نوع عقده، لكن صورته لم تفارقني كلما كتبت عن هذا الملف بعدها.
مشهد كهذا يتكرر كل صيف في زوايا بعيدة عن عدسة الكاميرا وجولة المفتش، فورش البناء الصغيرة المتناثرة بين المباني يصعب على أي جهاز رقابي، مهما اتسعت إمكاناته، أن يحيط بها جميعاً في وقت واحد. هنا تحديداً تكمن قيمة رقم التبليغ: مد أعين الرقابة إلى حيث لا تصل الجولات الميدانية وحدها.
الشمس تحرق رأس العامل في الظهيرة على اختلاف جنسيته ونوع عقده، وإنصاف القانون له لا يكتمل بنص الحظر وحده، وإنما بإجابة واضحة عن السؤال الذي يحدد إن كان سيجرؤ على المطالبة به.
ذلك العامل الذي رأيته يستريح في ظل جدار نصف مكتمل لم يكن يفكر في نصوص القوانين ولا في أرقام موادها، كان يفكر فقط في إنهاء ساعته من دون أن يفقد يوم عمله. ما أُنجز حتى اليوم ملموس ويستحق التقدير، ويبقى الطريق مفتوحاً ما دام هناك عامل واحد لا يعرف إن كان القانون سيحميه إذا تكلّم، وما دامت إجابة هذا السؤال معلّقة بين نص لم يُختبر بعد وعامل لا يملك رفاهية اختباره.
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك