يروي جدي وفي أوراقه المكدسة في صندوقه الحديدي هذه الحكاية؛ أنه في مساءٍ هادئٍ، وعلى حافة عالمٍ لا يُرى إلا بعين التأمل، جلس (الوقت) وحيدًا فوق مقعدٍ من عقارب الساعات. كان مهيبًا، وقورًا، لا يتقدم بخطوة ولا يتراجع بأخرى، بل يمضي بثباتٍ لا يعرف التوقف. وبينما كان يتأمل رحلة البشر معه، لمح من بعيد شخصًا يتثاقل في السير، يتوقف عند كل منعطف، ويؤجل الوصول إلى كل وجهة.
ابتسم الوقت ابتسامة العارف، وقال: أراك من جديد يا صديقي القديم.
اقترب الرجل ببطء، وجلس إلى جواره وقال: بل أنا الذي أراك في كل مكان، فأنا التسويف، أسير على مهل وخطواتي هادئة، لماذا العجلة؟
ساد صمت قصير، قطعه الوقت قائلاً: عجيب أمرك، فأنا أُمنح لكل إنسان بالتساوي، ومع ذلك يحمّلني الناس مسؤولية إخفاقاتهم بسببك.
ضحك التسويف وقال: لا تظلمني. أنا لا أسرق أحدًا، ولا أختطف الأحلام. كل ما أفعله أنني أهمس في آذانهم: «ليس الآن، غدًا أفضل».
رفع الوقت حاجبيه وقال: تلك الهمسة الصغيرة هي التي تبدد أعوامًا كاملة. كم مشروعًا أجهضته؟ وكم حلمًا أخرته؟ وكم رسالة علمية بقيت في الأدراج لأنك أقنعت أصحابها أن البداية يمكن أن تنتظر؟
تنهد التسويف وأجاب: أنت تنظر إلى الأمور بصرامة المعتاد على السير. أما أنا فأعرف ما بداخل البشر؛ أعرف خوفهم من الفشل، وقلقهم من التقييم، وحيرتهم أمام المهام الكبيرة. لستُ مجرد تأجيل، بل انعكاسا لصراعاتهم الداخلية.
هنا هزّ الوقت رأسه مفكرًا، ثم قال: ربما تحمل شيئًا من الحقيقة. فكثير من الناس يظنون أنك كسول، بينما أنت في أحيان كثيرة خوفٌ متنكر، أو ترددٌ يرتدي ثوب الراحة.
ابتسم التسويف للمرة الأولى وقال: أخيرًا فهمتني. أنا لا أعيش في الجداول الزمنية، بل في النفوس. أزدهر عندما تغيب الأهداف الواضحة، وأقوى عندما يختلط المهم بالعاجل، وأتمدد عندما يعتقد الإنسان أن المستقبل يملك من الوقت أكثر مما أملك أنا اليوم.
أجاب الوقت بنبرة عميقة: لكن المستقبل ليس إلا جزءًا مني. وما يؤجلونه إلى الغد يعود إليهم أثقل مما كان اليوم.
سكت الاثنان طويلًا، ثم مرّ أمامهما شاب يحمل بين يديه خطة لمستقبله. كان ينظر إليها بحماسة واضحة، لكن خطواته بدت مترددة. أشار التسويف نحوه وقال: هذا أحد أصدقائي.
فرد الوقت بسرعة: بل أحد أبنائي أيضًا.
اقترب الشاب منهما من دون أن يراهما، سمع همسة التسويف: انتظر قليلًا، ابدأ بعد أن تصبح الظروف مثالية. وفي اللحظة نفسها سمع صوت الوقت: ابدأ الآن، فالظروف المثالية لا تأتي، بل تُصنع.
وقف الشاب حائرًا بين الصوتين. وبعد لحظة التفت التسويف إلى الوقت وسأله: لماذا يختار بعضهم صوتك ويترك صوتي؟
أجاب الوقت: لأنهم أدركوا أن الإنجاز لا يولد من الكمال، بل من البداية. وأن الخطوة الصغيرة اليوم أثمن من الخطة العظيمة المؤجلة إلى الغد.
سأل التسويف: ولماذا يختارني آخرون؟
قال الوقت: لأن الإنسان بطبيعته يبحث عن الراحة القريبة أكثر من المكافأة البعيدة، وهنا تبدأ قصتك.
ثم نهض الوقت من مكانه، وأخذ يمضي كما يفعل دائمًا. ناداه التسويف: إلى أين تذهب؟
ابتسم الوقت وقال: إلى الأمام، فأنا لا أعرف طريقًا آخر.
فبقي التسويف جالسًا يراقب البشر، بعضهم لحق بالوقت، فحقق أحلامه على الرغم من العثرات، وبعضهم جلس إلى جواره، يؤجل خطوة بعد أخرى حتى اكتشف أن السنوات قد سبقتْه.
تنتهي حكاية جدي عند هذا الحد، ولكن منذ ذلك اليوم استمر اللقاء بين الوقت والتسويف في حياة كل إنسان؛ لقاءٌ يتجدد كل صباح، حين يستيقظ المرء أمام مهمة تنتظر الإنجاز، فيجد نفسه أمام سؤال واحد: هل أصغي إلى الوقت الذي يدعوني إلى البدء، أم إلى التسويف الذي يعدني بأن الغد سيكون أفضل؟
ومن قلب هذا السؤال تولد الإشكالية العلمية لهذه الحكاية؛ إذ إن فهم العلاقة بين الوقت والتسويف ليس مجرد بحث في إدارة الساعات، بل هو بحث في كيفية اتخاذ الإنسان قراراته، وفي العوامل النفسية والمعرفية التي تجعله يختار بين الفعل والتأجيل، وبين الإنجاز والانتظار. وهنا تبدأ رحلة البحث العلمي لفهم ما يحدث حقا عندما يلتقي الوقت والتسويف.
ومن الناحية المنهجية فإن الوقت يُعد أحد أكثر الموارد الإنسانية قيمةً وتأثيرًا في حياة الأفراد والمجتمعات، فهو الوعاء الذي تُنجز فيه الأعمال، وتُبنى من خلاله الخبرات، وتتحقق عبره الأهداف الشخصية والمهنية والأكاديمية. وعلى الرغم من ثبات الزمن بوصفه موردًا متساوي التوزيع بين البشر، فإن الاختلاف الجوهري يكمن في كيفية إدراكه وإدارته واستثماره.
وفي مقابل مفهوم الوقت بوصفه موردًا استراتيجيًا، يبرز التسويف كأحد السلوكيات النفسية والتنظيمية التي تقف عائقًا أمام الاستفادة المثلى من هذا المورد، حيث يتم تأجيل المهام المقصودة على الرغم من الوعي بالآثار السلبية المترتبة على ذلك التأجيل.
لقد شهدت العقود الأخيرة اهتمامًا متزايدًا بدراسة ظاهرة التسويف، وخصوصًا في البيئات الأكاديمية والمهنية، نظرًا إلى ارتباطها بانخفاض الإنتاجية، وتراجع الأداء، وارتفاع مستويات القلق والتوتر، وضعف الرضا عن الذات. ولم يعد التسويف يُنظر إليه بوصفه مجرد سلوك ناتج عن الكسل أو ضعف الإرادة، بل أصبح يُفهم باعتباره ظاهرة متعددة الأبعاد تتداخل فيها العوامل المعرفية والانفعالية والسلوكية والاجتماعية.
ومن هذا المنطلق، فإن العلاقة بين الوقت والتسويف تمثل إشكالية علمية تستحق الدراسة المتعمقة، لأن التسويف في جوهره ليس سوى استجابة معينة للوقت؛ فهو إعادة تشكيل للعلاقة بين الفرد والزمن، وإعادة ترتيب للأولويات بطريقة قد تُفقد الوقت قيمته الوظيفية والتنموية.
وعندما يلتقي الوقت بالتسويف -كما هي في حكاية جدي- تنشأ جدلية معقدة بين مورد محدود وسلوك يؤدي إلى استنزافه؛ فالوقت يمضي بصورة خطية لا يمكن استرجاعها، بينما يقوم التسويف على تأجيل الفعل إلى مستقبل غير مضمون، ما يخلق فجوة بين النية والسلوك، وبين التخطيط والتنفيذ. وتتجلى هذه الجدلية بصورة خاصة في السياقات الأكاديمية؛ حيث تتطلب مهام البحث العلمي والتعلم الذاتي مستويات عالية من إدارة الوقت والانضباط الذاتي، في حين يُعد التسويف من أكثر العوامل التي تؤثر سلبًا في جودة الإنجاز الأكاديمي، وكذلك في الأعمال المؤسسية، حينئذ حدث ولا حرج.
وفي حكاية جدي رحلة علمية، يعود المشهد إلى ذلك اللقاء الرمزي بين الوقت والتسويف؛ لقاءٌ لم يكن حوارًا بين مفهومين مجردين، بل كان تجسيدًا لصراعٍ يعيشه الإنسان في كل مرحلة من مراحل حياته. لقد كشف هذا الحوار أن الوقت ليس مجرد ساعاتٍ تمضي، وإنما هو رأسمال الوجود الإنساني، وأن التسويف ليس مجرد تأجيلٍ للمهام، بل منظومة معقدة من الأفكار والانفعالات والقرارات التي تؤثر في علاقة الإنسان بمستقبله.
Zkhunji@hotmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك