العدد : ١٧٦٥٦ - الأحد ٢٦ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٢ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٥٦ - الأحد ٢٦ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٢ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

صفحات من أوراق جدي القديمة..
لقاء عاصف بين الوقت والتسويف

بقلم: د. زكريا الخنجي

الأحد ٢٦ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

يروي‭ ‬جدي‭ ‬وفي‭ ‬أوراقه‭ ‬المكدسة‭ ‬في‭ ‬صندوقه‭ ‬الحديدي‭ ‬هذه‭ ‬الحكاية؛‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬مساءٍ‭ ‬هادئٍ،‭ ‬وعلى‭ ‬حافة‭ ‬عالمٍ‭ ‬لا‭ ‬يُرى‭ ‬إلا‭ ‬بعين‭ ‬التأمل،‭ ‬جلس‭ (‬الوقت‭) ‬وحيدًا‭ ‬فوق‭ ‬مقعدٍ‭ ‬من‭ ‬عقارب‭ ‬الساعات‭. ‬كان‭ ‬مهيبًا،‭ ‬وقورًا،‭ ‬لا‭ ‬يتقدم‭ ‬بخطوة‭ ‬ولا‭ ‬يتراجع‭ ‬بأخرى،‭ ‬بل‭ ‬يمضي‭ ‬بثباتٍ‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬التوقف‭. ‬وبينما‭ ‬كان‭ ‬يتأمل‭ ‬رحلة‭ ‬البشر‭ ‬معه،‭ ‬لمح‭ ‬من‭ ‬بعيد‭ ‬شخصًا‭ ‬يتثاقل‭ ‬في‭ ‬السير،‭ ‬يتوقف‭ ‬عند‭ ‬كل‭ ‬منعطف،‭ ‬ويؤجل‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬وجهة‭.‬

ابتسم‭ ‬الوقت‭ ‬ابتسامة‭ ‬العارف،‭ ‬وقال‭: ‬أراك‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬يا‭ ‬صديقي‭ ‬القديم‭.‬

اقترب‭ ‬الرجل‭ ‬ببطء،‭ ‬وجلس‭ ‬إلى‭ ‬جواره‭ ‬وقال‭: ‬بل‭ ‬أنا‭ ‬الذي‭ ‬أراك‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان،‭ ‬فأنا‭ ‬التسويف،‭ ‬أسير‭ ‬على‭ ‬مهل‭ ‬وخطواتي‭ ‬هادئة،‭ ‬لماذا‭ ‬العجلة؟

ساد‭ ‬صمت‭ ‬قصير،‭ ‬قطعه‭ ‬الوقت‭ ‬قائلاً‭: ‬عجيب‭ ‬أمرك،‭ ‬فأنا‭ ‬أُمنح‭ ‬لكل‭ ‬إنسان‭ ‬بالتساوي،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬يحمّلني‭ ‬الناس‭ ‬مسؤولية‭ ‬إخفاقاتهم‭ ‬بسببك‭.‬

ضحك‭ ‬التسويف‭ ‬وقال‭: ‬لا‭ ‬تظلمني‭. ‬أنا‭ ‬لا‭ ‬أسرق‭ ‬أحدًا،‭ ‬ولا‭ ‬أختطف‭ ‬الأحلام‭. ‬كل‭ ‬ما‭ ‬أفعله‭ ‬أنني‭ ‬أهمس‭ ‬في‭ ‬آذانهم‭: ‬‮«‬ليس‭ ‬الآن،‭ ‬غدًا‭ ‬أفضل‮»‬‭.‬

رفع‭ ‬الوقت‭ ‬حاجبيه‭ ‬وقال‭: ‬تلك‭ ‬الهمسة‭ ‬الصغيرة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تبدد‭ ‬أعوامًا‭ ‬كاملة‭. ‬كم‭ ‬مشروعًا‭ ‬أجهضته؟‭ ‬وكم‭ ‬حلمًا‭ ‬أخرته؟‭ ‬وكم‭ ‬رسالة‭ ‬علمية‭ ‬بقيت‭ ‬في‭ ‬الأدراج‭ ‬لأنك‭ ‬أقنعت‭ ‬أصحابها‭ ‬أن‭ ‬البداية‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تنتظر؟

تنهد‭ ‬التسويف‭ ‬وأجاب‭: ‬أنت‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬الأمور‭ ‬بصرامة‭ ‬المعتاد‭ ‬على‭ ‬السير‭. ‬أما‭ ‬أنا‭ ‬فأعرف‭ ‬ما‭ ‬بداخل‭ ‬البشر؛‭ ‬أعرف‭ ‬خوفهم‭ ‬من‭ ‬الفشل،‭ ‬وقلقهم‭ ‬من‭ ‬التقييم،‭ ‬وحيرتهم‭ ‬أمام‭ ‬المهام‭ ‬الكبيرة‭. ‬لستُ‭ ‬مجرد‭ ‬تأجيل،‭ ‬بل‭ ‬انعكاسا‭ ‬لصراعاتهم‭ ‬الداخلية‭.‬

هنا‭ ‬هزّ‭ ‬الوقت‭ ‬رأسه‭ ‬مفكرًا،‭ ‬ثم‭ ‬قال‭: ‬ربما‭ ‬تحمل‭ ‬شيئًا‭ ‬من‭ ‬الحقيقة‭. ‬فكثير‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬يظنون‭ ‬أنك‭ ‬كسول،‭ ‬بينما‭ ‬أنت‭ ‬في‭ ‬أحيان‭ ‬كثيرة‭ ‬خوفٌ‭ ‬متنكر،‭ ‬أو‭ ‬ترددٌ‭ ‬يرتدي‭ ‬ثوب‭ ‬الراحة‭.‬

ابتسم‭ ‬التسويف‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى‭ ‬وقال‭: ‬أخيرًا‭ ‬فهمتني‭. ‬أنا‭ ‬لا‭ ‬أعيش‭ ‬في‭ ‬الجداول‭ ‬الزمنية،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬النفوس‭. ‬أزدهر‭ ‬عندما‭ ‬تغيب‭ ‬الأهداف‭ ‬الواضحة،‭ ‬وأقوى‭ ‬عندما‭ ‬يختلط‭ ‬المهم‭ ‬بالعاجل،‭ ‬وأتمدد‭ ‬عندما‭ ‬يعتقد‭ ‬الإنسان‭ ‬أن‭ ‬المستقبل‭ ‬يملك‭ ‬من‭ ‬الوقت‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬أملك‭ ‬أنا‭ ‬اليوم‭.‬

أجاب‭ ‬الوقت‭ ‬بنبرة‭ ‬عميقة‭: ‬لكن‭ ‬المستقبل‭ ‬ليس‭ ‬إلا‭ ‬جزءًا‭ ‬مني‭. ‬وما‭ ‬يؤجلونه‭ ‬إلى‭ ‬الغد‭ ‬يعود‭ ‬إليهم‭ ‬أثقل‭ ‬مما‭ ‬كان‭ ‬اليوم‭.‬

سكت‭ ‬الاثنان‭ ‬طويلًا،‭ ‬ثم‭ ‬مرّ‭ ‬أمامهما‭ ‬شاب‭ ‬يحمل‭ ‬بين‭ ‬يديه‭ ‬خطة‭ ‬لمستقبله‭. ‬كان‭ ‬ينظر‭ ‬إليها‭ ‬بحماسة‭ ‬واضحة،‭ ‬لكن‭ ‬خطواته‭ ‬بدت‭ ‬مترددة‭. ‬أشار‭ ‬التسويف‭ ‬نحوه‭ ‬وقال‭: ‬هذا‭ ‬أحد‭ ‬أصدقائي‭.‬

فرد‭ ‬الوقت‭ ‬بسرعة‭: ‬بل‭ ‬أحد‭ ‬أبنائي‭ ‬أيضًا‭.‬

اقترب‭ ‬الشاب‭ ‬منهما‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يراهما،‭ ‬سمع‭ ‬همسة‭ ‬التسويف‭: ‬انتظر‭ ‬قليلًا،‭ ‬ابدأ‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬الظروف‭ ‬مثالية‭. ‬وفي‭ ‬اللحظة‭ ‬نفسها‭ ‬سمع‭ ‬صوت‭ ‬الوقت‭: ‬ابدأ‭ ‬الآن،‭ ‬فالظروف‭ ‬المثالية‭ ‬لا‭ ‬تأتي،‭ ‬بل‭ ‬تُصنع‭.‬

وقف‭ ‬الشاب‭ ‬حائرًا‭ ‬بين‭ ‬الصوتين‭. ‬وبعد‭ ‬لحظة‭ ‬التفت‭ ‬التسويف‭ ‬إلى‭ ‬الوقت‭ ‬وسأله‭: ‬لماذا‭ ‬يختار‭ ‬بعضهم‭ ‬صوتك‭ ‬ويترك‭ ‬صوتي؟

أجاب‭ ‬الوقت‭: ‬لأنهم‭ ‬أدركوا‭ ‬أن‭ ‬الإنجاز‭ ‬لا‭ ‬يولد‭ ‬من‭ ‬الكمال،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬البداية‭. ‬وأن‭ ‬الخطوة‭ ‬الصغيرة‭ ‬اليوم‭ ‬أثمن‭ ‬من‭ ‬الخطة‭ ‬العظيمة‭ ‬المؤجلة‭ ‬إلى‭ ‬الغد‭.‬

سأل‭ ‬التسويف‭: ‬ولماذا‭ ‬يختارني‭ ‬آخرون؟

قال‭ ‬الوقت‭: ‬لأن‭ ‬الإنسان‭ ‬بطبيعته‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬الراحة‭ ‬القريبة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬المكافأة‭ ‬البعيدة،‭ ‬وهنا‭ ‬تبدأ‭ ‬قصتك‭.‬

ثم‭ ‬نهض‭ ‬الوقت‭ ‬من‭ ‬مكانه،‭ ‬وأخذ‭ ‬يمضي‭ ‬كما‭ ‬يفعل‭ ‬دائمًا‭. ‬ناداه‭ ‬التسويف‭: ‬إلى‭ ‬أين‭ ‬تذهب؟

ابتسم‭ ‬الوقت‭ ‬وقال‭: ‬إلى‭ ‬الأمام،‭ ‬فأنا‭ ‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬طريقًا‭ ‬آخر‭.‬

فبقي‭ ‬التسويف‭ ‬جالسًا‭ ‬يراقب‭ ‬البشر،‭ ‬بعضهم‭ ‬لحق‭ ‬بالوقت،‭ ‬فحقق‭ ‬أحلامه‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬العثرات،‭ ‬وبعضهم‭ ‬جلس‭ ‬إلى‭ ‬جواره،‭ ‬يؤجل‭ ‬خطوة‭ ‬بعد‭ ‬أخرى‭ ‬حتى‭ ‬اكتشف‭ ‬أن‭ ‬السنوات‭ ‬قد‭ ‬سبقتْه‭.‬

تنتهي‭ ‬حكاية‭ ‬جدي‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬الحد،‭ ‬ولكن‭ ‬منذ‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬استمر‭ ‬اللقاء‭ ‬بين‭ ‬الوقت‭ ‬والتسويف‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬كل‭ ‬إنسان؛‭ ‬لقاءٌ‭ ‬يتجدد‭ ‬كل‭ ‬صباح،‭ ‬حين‭ ‬يستيقظ‭ ‬المرء‭ ‬أمام‭ ‬مهمة‭ ‬تنتظر‭ ‬الإنجاز،‭ ‬فيجد‭ ‬نفسه‭ ‬أمام‭ ‬سؤال‭ ‬واحد‭: ‬هل‭ ‬أصغي‭ ‬إلى‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬يدعوني‭ ‬إلى‭ ‬البدء،‭ ‬أم‭ ‬إلى‭ ‬التسويف‭ ‬الذي‭ ‬يعدني‭ ‬بأن‭ ‬الغد‭ ‬سيكون‭ ‬أفضل؟

ومن‭ ‬قلب‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬تولد‭ ‬الإشكالية‭ ‬العلمية‭ ‬لهذه‭ ‬الحكاية؛‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬فهم‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الوقت‭ ‬والتسويف‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬بحث‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الساعات،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬بحث‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬اتخاذ‭ ‬الإنسان‭ ‬قراراته،‭ ‬وفي‭ ‬العوامل‭ ‬النفسية‭ ‬والمعرفية‭ ‬التي‭ ‬تجعله‭ ‬يختار‭ ‬بين‭ ‬الفعل‭ ‬والتأجيل،‭ ‬وبين‭ ‬الإنجاز‭ ‬والانتظار‭.‬‭ ‬وهنا‭ ‬تبدأ‭ ‬رحلة‭ ‬البحث‭ ‬العلمي‭ ‬لفهم‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬حقا‭ ‬عندما‭ ‬يلتقي‭ ‬الوقت‭ ‬والتسويف‭.‬

ومن‭ ‬الناحية‭ ‬المنهجية‭ ‬فإن‭ ‬الوقت‭ ‬يُعد‭ ‬أحد‭ ‬أكثر‭ ‬الموارد‭ ‬الإنسانية‭ ‬قيمةً‭ ‬وتأثيرًا‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الأفراد‭ ‬والمجتمعات،‭ ‬فهو‭ ‬الوعاء‭ ‬الذي‭ ‬تُنجز‭ ‬فيه‭ ‬الأعمال،‭ ‬وتُبنى‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬الخبرات،‭ ‬وتتحقق‭ ‬عبره‭ ‬الأهداف‭ ‬الشخصية‭ ‬والمهنية‭ ‬والأكاديمية‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬ثبات‭ ‬الزمن‭ ‬بوصفه‭ ‬موردًا‭ ‬متساوي‭ ‬التوزيع‭ ‬بين‭ ‬البشر،‭ ‬فإن‭ ‬الاختلاف‭ ‬الجوهري‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬إدراكه‭ ‬وإدارته‭ ‬واستثماره‭. ‬

وفي‭ ‬مقابل‭ ‬مفهوم‭ ‬الوقت‭ ‬بوصفه‭ ‬موردًا‭ ‬استراتيجيًا،‭ ‬يبرز‭ ‬التسويف‭ ‬كأحد‭ ‬السلوكيات‭ ‬النفسية‭ ‬والتنظيمية‭ ‬التي‭ ‬تقف‭ ‬عائقًا‭ ‬أمام‭ ‬الاستفادة‭ ‬المثلى‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المورد،‭ ‬حيث‭ ‬يتم‭ ‬تأجيل‭ ‬المهام‭ ‬المقصودة‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬الوعي‭ ‬بالآثار‭ ‬السلبية‭ ‬المترتبة‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬التأجيل‭.‬

لقد‭ ‬شهدت‭ ‬العقود‭ ‬الأخيرة‭ ‬اهتمامًا‭ ‬متزايدًا‭ ‬بدراسة‭ ‬ظاهرة‭ ‬التسويف،‭ ‬وخصوصًا‭ ‬في‭ ‬البيئات‭ ‬الأكاديمية‭ ‬والمهنية،‭ ‬نظرًا‭ ‬إلى‭ ‬ارتباطها‭ ‬بانخفاض‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬وتراجع‭ ‬الأداء،‭ ‬وارتفاع‭ ‬مستويات‭ ‬القلق‭ ‬والتوتر،‭ ‬وضعف‭ ‬الرضا‭ ‬عن‭ ‬الذات‭. ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬التسويف‭ ‬يُنظر‭ ‬إليه‭ ‬بوصفه‭ ‬مجرد‭ ‬سلوك‭ ‬ناتج‭ ‬عن‭ ‬الكسل‭ ‬أو‭ ‬ضعف‭ ‬الإرادة،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬يُفهم‭ ‬باعتباره‭ ‬ظاهرة‭ ‬متعددة‭ ‬الأبعاد‭ ‬تتداخل‭ ‬فيها‭ ‬العوامل‭ ‬المعرفية‭ ‬والانفعالية‭ ‬والسلوكية‭ ‬والاجتماعية‭.‬

‭ ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬فإن‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الوقت‭ ‬والتسويف‭ ‬تمثل‭ ‬إشكالية‭ ‬علمية‭ ‬تستحق‭ ‬الدراسة‭ ‬المتعمقة،‭ ‬لأن‭ ‬التسويف‭ ‬في‭ ‬جوهره‭ ‬ليس‭ ‬سوى‭ ‬استجابة‭ ‬معينة‭ ‬للوقت؛‭ ‬فهو‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬للعلاقة‭ ‬بين‭ ‬الفرد‭ ‬والزمن،‭ ‬وإعادة‭ ‬ترتيب‭ ‬للأولويات‭ ‬بطريقة‭ ‬قد‭ ‬تُفقد‭ ‬الوقت‭ ‬قيمته‭ ‬الوظيفية‭ ‬والتنموية‭.‬

وعندما‭ ‬يلتقي‭ ‬الوقت‭ ‬بالتسويف‭ -‬كما‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬حكاية‭ ‬جدي‭- ‬تنشأ‭ ‬جدلية‭ ‬معقدة‭ ‬بين‭ ‬مورد‭ ‬محدود‭ ‬وسلوك‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬استنزافه؛‭ ‬فالوقت‭ ‬يمضي‭ ‬بصورة‭ ‬خطية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬استرجاعها،‭ ‬بينما‭ ‬يقوم‭ ‬التسويف‭ ‬على‭ ‬تأجيل‭ ‬الفعل‭ ‬إلى‭ ‬مستقبل‭ ‬غير‭ ‬مضمون،‭ ‬ما‭ ‬يخلق‭ ‬فجوة‭ ‬بين‭ ‬النية‭ ‬والسلوك،‭ ‬وبين‭ ‬التخطيط‭ ‬والتنفيذ‭. ‬وتتجلى‭ ‬هذه‭ ‬الجدلية‭ ‬بصورة‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬السياقات‭ ‬الأكاديمية؛‭ ‬حيث‭ ‬تتطلب‭ ‬مهام‭ ‬البحث‭ ‬العلمي‭ ‬والتعلم‭ ‬الذاتي‭ ‬مستويات‭ ‬عالية‭ ‬من‭ ‬إدارة‭ ‬الوقت‭ ‬والانضباط‭ ‬الذاتي،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يُعد‭ ‬التسويف‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬العوامل‭ ‬التي‭ ‬تؤثر‭ ‬سلبًا‭ ‬في‭ ‬جودة‭ ‬الإنجاز‭ ‬الأكاديمي،‭ ‬وكذلك‭ ‬في‭ ‬الأعمال‭ ‬المؤسسية،‭ ‬حينئذ‭ ‬حدث‭ ‬ولا‭ ‬حرج‭.‬

وفي‭ ‬حكاية‭ ‬جدي‭ ‬رحلة‭ ‬علمية،‭ ‬يعود‭ ‬المشهد‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬اللقاء‭ ‬الرمزي‭ ‬بين‭ ‬الوقت‭ ‬والتسويف؛‭ ‬لقاءٌ‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬حوارًا‭ ‬بين‭ ‬مفهومين‭ ‬مجردين،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬تجسيدًا‭ ‬لصراعٍ‭ ‬يعيشه‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرحلة‭ ‬من‭ ‬مراحل‭ ‬حياته‭. ‬لقد‭ ‬كشف‭ ‬هذا‭ ‬الحوار‭ ‬أن‭ ‬الوقت‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬ساعاتٍ‭ ‬تمضي،‭ ‬وإنما‭ ‬هو‭ ‬رأسمال‭ ‬الوجود‭ ‬الإنساني،‭ ‬وأن‭ ‬التسويف‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬تأجيلٍ‭ ‬للمهام،‭ ‬بل‭ ‬منظومة‭ ‬معقدة‭ ‬من‭ ‬الأفكار‭ ‬والانفعالات‭ ‬والقرارات‭ ‬التي‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬علاقة‭ ‬الإنسان‭ ‬بمستقبله‭.‬

Zkhunji@hotmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا