في منطقة كالشرق الأوسط عليك أن تقلب الاحتمالات كل يوم مع قهوة الصباح، وغالبا ما تسقط رغباتك على احتمالاتك، فإما أن تنتصر أو تبرر للطرف الذي تميل اليه. أو تسقط عليها مزاجك فتكون الأمور قاتمة أو كشروق الشمس في يوم ربيعي.
والأكثر غرابة، وهو السائد أن تجعل الخبر اليومي يتحكم بعقلك صعودا وهبوطا كبورصة وول ستريت. المستشرقون والاستعماريون الذين جاءوا للمنطقة قبل الحرب العالمية الأولى، قبل سايكس بيكو، وصفوا الناس في منطقتنا بأوصاف فوقية استعلائية هدفها زرع الإحباط في نفوسنا ومن بين هؤلاء الاستعماريين سايكس نفسه، أما من جاء منهم بعد التجزئة وصفوا الناس بأنهم متقلبون ولا يستقرون على رأي وتتحكم بهم عواطفهم، ولم يتحدث المستشرقون عن الانقلاب والزلزال الكبير الذي أصاب المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى وجعل سكانها هكذا.
هل مازال أغلب المواطنين العرب في مربع البحث عن الهوية؟ لقد اعتقد العرب انهم بعد نكبة فلسطين عام 1948 قد استعادوا هويتهم، أو أن هناك هوية توحدهم، بعد أن أصابت الهزيمة المدوية المشاريع القطرية الوطنية الناشئة، وأصابت فكرة الجامعة العربية، التي كانت تأسست لتقود العرب تدريجيا نحو الوحدة. الاعتقاد بأننا استعدنا الهوية، تعزز مع ثورة الضباط الأحرار في مصر في 23 يوليو 1952، وصعود المشروع القومي الوحدوي مع الزعيم جمال عبد الناصر.
ولكن مع الهزائم المتكررة، عدنا إلى النقطة صفر، نقطة البحث عن هوية، لذلك نحن في لحظة نأمل فيها ان يأتي المنقذ من خارجنا. لحظة نسقط فيها أكثر رغباتنا، لحظة من عدم اليقين، لذلك نحن في الغالب لا نصلح لقراءة فنجان الاحتمالات الصباحي، غير قادرين على امتلاك منهج لتوقع الاحتمالات، وغالبا ما نكمل يومنا ونحن نردد مقولة إننا في منطقة متقلبة، منطقة الرمال فيها متحركة.
البداية لفهم الواقع علينا ان نجري استطلاعا للرأي في فلسطين مثلا، للإجابة عن سؤال هل انت فلسطيني أولا؟ أم عربي أو مسلم أو مسيحي أولا؟ والسؤال نفسه في سوريا والأردن ولبنان ومصر وغيرها من الدول. وبهدف تقريب الفكرة، لو توجهنا بالسؤال إلى اللبنانيين لكانت الإجابات على الأغلب أنا ماروني أولا أو أنا شيعي، أو أنا مسلم سني، أو مسيحي أرثوذكسي، وتأتي الهوية الوطنية ثانيا، أما الهوية العربية فهي إشكالية أخرى.
هناك من يعتقد أننا في فلسطين لا نعيش المشكلة ذاتها، ولكن إذا سألت فلسطينيا عضوا في حركة «حماس» أو «الجهاد» وحتى مواطنين عاديين، فعلى الأغلب ستكون إجابته عقائدية إلى حد كبير، المقصود هنا ليس ان نقرر أي الهويات هي الاهم، إنما أن نلاحظ ان الاحتمالات تلد في المنطقة من الرغبات أكثر منها انطلاقا من منهج تفكير علمي.
وربما بشكل أدق، إن عدم القدرة على فهم الاحتمالات ناجم من غياب تحديد الهوية، وهذا لا يعني ان الهوية وحدها تكفي لجعل صاحبها قارئا جيدا للاحتمالات، فالاحتمالات مسألة موضوعية لا يمكن قراءتها بالعواطف والغرائز، لذلك يشعر العقلانيون في المجتمعات العربية بالعزلة.
لنعد إلى الحدث الراهن الذي يشغل كل الاهتمامات، وهو الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، وما نجم عنها من اتفاق مؤقت وغالبا ما تسقط رغباتنا كلمة مؤقت. وتعطيه صفة الإطلاق، ونقرر المنتصر والمهزوم، لكن كلمة مؤقت تعني وجود الاحتمالات المفتوحة. هناك مشكلة، هي اننا نبحث بين الاخبار والآراء عمّا يعزز رغباتنا، وليس ان نقرأ بطريقة موضوعية، ومن ثم تتعزز فينا الغريزة.
في الحالة الفلسطينية، هناك نقطة مركزية أن يبدأ الشخص من تحديد هويته بدقة ويقول «أنا فلسطيني»، فإذا حدد هويته بهذه الطريقة يمكنه ان يحدد بشكل معقول أكثر ماذا يريد، وأن يحدد اهدافه بدقة، ومصالحه، وكذلك يحدد سياساته، ورؤاه، وأي مسلك سياسي يخدم أكثر مصالحه بدقة، ومن ثم تأتي الهوية القومية العربية التي يجب التمسك بها بقوة، لأن ما يربطك بالسوري أو اللبناني مهما كان دينه هو الهوية العربية.
{كاتب من فلسطين.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك