العدد : ١٧٦٥٦ - الأحد ٢٦ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٢ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٥٦ - الأحد ٢٦ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٢ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

التمسك بالهوية العربية في ظل صراعات المنطقة

بقلم: باسم برهوم

السبت ٢٥ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬منطقة‭ ‬كالشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬عليك‭ ‬أن‭ ‬تقلب‭ ‬الاحتمالات‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬مع‭ ‬قهوة‭ ‬الصباح،‭ ‬وغالبا‭ ‬ما‭ ‬تسقط‭ ‬رغباتك‭ ‬على‭ ‬احتمالاتك،‭ ‬فإما‭ ‬أن‭ ‬تنتصر‭ ‬أو‭ ‬تبرر‭ ‬للطرف‭ ‬الذي‭ ‬تميل‭ ‬اليه‭. ‬أو‭ ‬تسقط‭ ‬عليها‭ ‬مزاجك‭ ‬فتكون‭ ‬الأمور‭ ‬قاتمة‭ ‬أو‭ ‬كشروق‭ ‬الشمس‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬ربيعي‭.‬

والأكثر‭ ‬غرابة،‭ ‬وهو‭ ‬السائد‭ ‬أن‭ ‬تجعل‭ ‬الخبر‭ ‬اليومي‭ ‬يتحكم‭ ‬بعقلك‭ ‬صعودا‭ ‬وهبوطا‭ ‬كبورصة‭ ‬وول‭ ‬ستريت‭. ‬المستشرقون‭ ‬والاستعماريون‭ ‬الذين‭ ‬جاءوا‭ ‬للمنطقة‭ ‬قبل‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى،‭ ‬قبل‭ ‬سايكس‭ ‬بيكو،‭ ‬وصفوا‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬منطقتنا‭ ‬بأوصاف‭ ‬فوقية‭ ‬استعلائية‭ ‬هدفها‭ ‬زرع‭ ‬الإحباط‭ ‬في‭ ‬نفوسنا‭ ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬هؤلاء‭ ‬الاستعماريين‭ ‬سايكس‭ ‬نفسه،‭ ‬أما‭ ‬من‭ ‬جاء‭ ‬منهم‭ ‬بعد‭ ‬التجزئة‭ ‬وصفوا‭ ‬الناس‭ ‬بأنهم‭ ‬متقلبون‭ ‬ولا‭ ‬يستقرون‭ ‬على‭ ‬رأي‭ ‬وتتحكم‭ ‬بهم‭ ‬عواطفهم،‭ ‬ولم‭ ‬يتحدث‭ ‬المستشرقون‭ ‬عن‭ ‬الانقلاب‭ ‬والزلزال‭ ‬الكبير‭ ‬الذي‭ ‬أصاب‭ ‬المنطقة‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى‭ ‬وجعل‭ ‬سكانها‭ ‬هكذا‭.‬

هل‭ ‬مازال‭ ‬أغلب‭ ‬المواطنين‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬مربع‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬الهوية؟‭ ‬لقد‭ ‬اعتقد‭ ‬العرب‭ ‬انهم‭ ‬بعد‭ ‬نكبة‭ ‬فلسطين‭ ‬عام‭ ‬1948‭ ‬قد‭ ‬استعادوا‭ ‬هويتهم،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬هوية‭ ‬توحدهم،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أصابت‭ ‬الهزيمة‭ ‬المدوية‭ ‬المشاريع‭ ‬القطرية‭ ‬الوطنية‭ ‬الناشئة،‭ ‬وأصابت‭ ‬فكرة‭ ‬الجامعة‭ ‬العربية،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تأسست‭ ‬لتقود‭ ‬العرب‭ ‬تدريجيا‭ ‬نحو‭ ‬الوحدة‭.  ‬الاعتقاد‭ ‬بأننا‭ ‬استعدنا‭ ‬الهوية،‭ ‬تعزز‭ ‬مع‭ ‬ثورة‭ ‬الضباط‭ ‬الأحرار‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬في‭ ‬23‭ ‬يوليو‭ ‬1952،‭ ‬وصعود‭ ‬المشروع‭ ‬القومي‭ ‬الوحدوي‭ ‬مع‭ ‬الزعيم‭ ‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭.‬

ولكن‭ ‬مع‭ ‬الهزائم‭ ‬المتكررة،‭ ‬عدنا‭ ‬إلى‭ ‬النقطة‭ ‬صفر،‭ ‬نقطة‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬هوية،‭ ‬لذلك‭ ‬نحن‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬نأمل‭ ‬فيها‭ ‬ان‭ ‬يأتي‭ ‬المنقذ‭ ‬من‭ ‬خارجنا‭. ‬لحظة‭ ‬نسقط‭ ‬فيها‭ ‬أكثر‭ ‬رغباتنا،‭ ‬لحظة‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬اليقين،‭ ‬لذلك‭ ‬نحن‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬لا‭ ‬نصلح‭ ‬لقراءة‭ ‬فنجان‭ ‬الاحتمالات‭ ‬الصباحي،‭ ‬غير‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬امتلاك‭ ‬منهج‭ ‬لتوقع‭ ‬الاحتمالات،‭ ‬وغالبا‭ ‬ما‭ ‬نكمل‭ ‬يومنا‭ ‬ونحن‭ ‬نردد‭ ‬مقولة‭ ‬إننا‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬متقلبة،‭ ‬منطقة‭ ‬الرمال‭ ‬فيها‭ ‬متحركة‭.‬

البداية‭ ‬لفهم‭ ‬الواقع‭ ‬علينا‭ ‬ان‭ ‬نجري‭ ‬استطلاعا‭ ‬للرأي‭ ‬في‭ ‬فلسطين‭ ‬مثلا،‭ ‬للإجابة‭ ‬عن‭ ‬سؤال‭ ‬هل‭ ‬انت‭ ‬فلسطيني‭ ‬أولا؟‭ ‬أم‭ ‬عربي‭ ‬أو‭ ‬مسلم‭ ‬أو‭ ‬مسيحي‭ ‬أولا؟‭ ‬والسؤال‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬والأردن‭ ‬ولبنان‭ ‬ومصر‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الدول‭. ‬وبهدف‭ ‬تقريب‭ ‬الفكرة،‭ ‬لو‭ ‬توجهنا‭ ‬بالسؤال‭ ‬إلى‭ ‬اللبنانيين‭ ‬لكانت‭ ‬الإجابات‭ ‬على‭ ‬الأغلب‭ ‬أنا‭ ‬ماروني‭ ‬أولا‭ ‬أو‭ ‬أنا‭ ‬شيعي،‭ ‬أو‭ ‬أنا‭ ‬مسلم‭ ‬سني،‭ ‬أو‭ ‬مسيحي‭ ‬أرثوذكسي،‭ ‬وتأتي‭ ‬الهوية‭ ‬الوطنية‭ ‬ثانيا،‭ ‬أما‭ ‬الهوية‭ ‬العربية‭ ‬فهي‭ ‬إشكالية‭ ‬أخرى‭.‬

هناك‭ ‬من‭ ‬يعتقد‭ ‬أننا‭ ‬في‭ ‬فلسطين‭ ‬لا‭ ‬نعيش‭ ‬المشكلة‭ ‬ذاتها،‭ ‬ولكن‭ ‬إذا‭ ‬سألت‭ ‬فلسطينيا‭ ‬عضوا‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬‮«‬حماس‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬الجهاد‮»‬‭ ‬وحتى‭ ‬مواطنين‭ ‬عاديين،‭ ‬فعلى‭ ‬الأغلب‭ ‬ستكون‭ ‬إجابته‭ ‬عقائدية‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير،‭ ‬المقصود‭ ‬هنا‭ ‬ليس‭ ‬ان‭ ‬نقرر‭ ‬أي‭ ‬الهويات‭ ‬هي‭ ‬الاهم،‭ ‬إنما‭ ‬أن‭ ‬نلاحظ‭ ‬ان‭ ‬الاحتمالات‭ ‬تلد‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬من‭ ‬الرغبات‭ ‬أكثر‭ ‬منها‭ ‬انطلاقا‭ ‬من‭ ‬منهج‭ ‬تفكير‭ ‬علمي‭.‬

‭ ‬وربما‭ ‬بشكل‭ ‬أدق،‭ ‬إن‭ ‬عدم‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬الاحتمالات‭ ‬ناجم‭ ‬من‭ ‬غياب‭ ‬تحديد‭ ‬الهوية،‭ ‬وهذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬ان‭ ‬الهوية‭ ‬وحدها‭ ‬تكفي‭ ‬لجعل‭ ‬صاحبها‭ ‬قارئا‭ ‬جيدا‭ ‬للاحتمالات،‭ ‬فالاحتمالات‭ ‬مسألة‭ ‬موضوعية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬قراءتها‭ ‬بالعواطف‭ ‬والغرائز،‭ ‬لذلك‭ ‬يشعر‭ ‬العقلانيون‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬بالعزلة‭.‬

لنعد‭ ‬إلى‭ ‬الحدث‭ ‬الراهن‭ ‬الذي‭ ‬يشغل‭ ‬كل‭ ‬الاهتمامات،‭ ‬وهو‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬مع‭ ‬إيران،‭ ‬وما‭ ‬نجم‭ ‬عنها‭ ‬من‭ ‬اتفاق‭ ‬مؤقت‭ ‬وغالبا‭ ‬ما‭ ‬تسقط‭ ‬رغباتنا‭ ‬كلمة‭ ‬مؤقت‭. ‬وتعطيه‭ ‬صفة‭ ‬الإطلاق،‭ ‬ونقرر‭ ‬المنتصر‭ ‬والمهزوم،‭ ‬لكن‭ ‬كلمة‭ ‬مؤقت‭ ‬تعني‭ ‬وجود‭ ‬الاحتمالات‭ ‬المفتوحة‭. ‬هناك‭ ‬مشكلة،‭ ‬هي‭ ‬اننا‭ ‬نبحث‭ ‬بين‭ ‬الاخبار‭ ‬والآراء‭ ‬عمّا‭ ‬يعزز‭ ‬رغباتنا،‭ ‬وليس‭ ‬ان‭ ‬نقرأ‭ ‬بطريقة‭ ‬موضوعية،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬تتعزز‭ ‬فينا‭ ‬الغريزة‭.‬

في‭ ‬الحالة‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬هناك‭ ‬نقطة‭ ‬مركزية‭ ‬أن‭ ‬يبدأ‭ ‬الشخص‭ ‬من‭ ‬تحديد‭ ‬هويته‭ ‬بدقة‭ ‬ويقول‭ ‬‮«‬أنا‭ ‬فلسطيني‮»‬،‭ ‬فإذا‭ ‬حدد‭ ‬هويته‭ ‬بهذه‭ ‬الطريقة‭ ‬يمكنه‭ ‬ان‭ ‬يحدد‭ ‬بشكل‭ ‬معقول‭ ‬أكثر‭ ‬ماذا‭ ‬يريد،‭ ‬وأن‭ ‬يحدد‭ ‬اهدافه‭ ‬بدقة،‭ ‬ومصالحه،‭ ‬وكذلك‭ ‬يحدد‭ ‬سياساته،‭ ‬ورؤاه،‭ ‬وأي‭ ‬مسلك‭ ‬سياسي‭ ‬يخدم‭ ‬أكثر‭ ‬مصالحه‭ ‬بدقة،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬تأتي‭ ‬الهوية‭ ‬القومية‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬يجب‭ ‬التمسك‭ ‬بها‭ ‬بقوة،‭ ‬لأن‭ ‬ما‭ ‬يربطك‭ ‬بالسوري‭ ‬أو‭ ‬اللبناني‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬دينه‭ ‬هو‭ ‬الهوية‭ ‬العربية‭.‬

{كاتب‭ ‬من‭ ‬فلسطين‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا