في ذكرى ثورة 23 يوليو، لا يمكن أن نغفل دور القوى الناعمة المصرية المختلفة، التي أظهرت روح العروبة وعززتها حتى من قبل ثورة 1952، وإعلاء النزعة إلى القومية العربية وزعامة الوطن العربي بقيادة جمال عبدالناصر.
في بدايات السينما في العشرينيات، وهي مازالت صامتة، كانت باكورة الإنتاج أفلامًا أطلق عليها النقاد والمؤرخون اسم رومانسيات الصحراء؛ وذلك لأنها مستوحاة من التراث العربي، وخاصة البدوي. عندما أراد صناع السينما في ذلك الوقت إحياء التراث وتصويره على الشاشة الفضية -هذا الفن الوليد الساحر- مثل الأخوين إبراهيم وبدر لاما، والرائدة المنتجة والممثلة والمخرجة عزيزة أمير، قاموا باختيار التراث العربي، فكان فيلم ليلى عام 1927، وقبلة في الصحراء عام 1928.
ثم شهدت السينما المصرية خلال ثلاثينيات القرن العشرين حدثًا مهمًا كان له أثر عظيم على صناعة السينما في مصر، هو تأسيس استوديو مصر على يد طلعت حرب باشا، رائد الاقتصاد المصري الحديث. لم تقتصر رؤيته على إضفاء الطابع المصري على صناعة السينما فحسب، بل شملت أيضًا الحفاظ عليها للأجيال القادمة عن طريق حفظ كل الإنتاج المصري في أرشيف خاص به.
أراد طلعت حرب باشا من المخرجين إبراز عظمة التاريخ العربي، وكان أول إنتاج عام 1936 فيلمًا من التراث العربي بعنوان وداد، وهو فيلم موسيقى مقتبس من قصة رومانسية كتبها عمر الخيام من كتاب ألف ليلة وليلة. كان إنتاجًا ضخمًا في ذلك الوقت، وقامت ببطولته المطربة الآنسة أم كلثوم. وبفضل نجاح هذا الفيلم بشكل منقطع النظير أصبح استوديو مصر الكيان الرائد في مصر خلال أربعينيات القرن العشرين. واستمر إنتاج أفلام التراث العربي، وأنتج استوديو مصر العديد من الأفلام، أهمها فيلم دنانير، الذي أُنتج عام 1940، وقامت ببطولته أيضًا كوكب الشرق.
وما لا يعلمه الكثيرون أنه في عام 1941 أنتج الأخوان لاما فيلمًا مهمًا عن السلطان الأيوبي الناصر صلاح الدين، موحد العرب وقاهر الصليبيين، وللأسف ضاعت نسخة الفيلم، قبل الفيلم المشهور الذي أخرجه يوسف شاهين بحوالي 22 عامًا، عام 1963. وقد قام ببطولة فيلم 1941 بدر لاما مع زوجته بدرية رفعت.
واستمرت في الأربعينيات الرغبة في إنتاج أفلام التراث العربي، فقام نيازي مصطفي بإخراج سلسلة أفلام، مثل فيلم ابن الصحراء عام 1942، وفيلم رابحة عام 1943، بطولة زوجته كوكا، التي اشتهرت بأدوارها في هذه النوعية من الأفلام. ثم كان فيلم البدوية الحسناء آخر أفلام بدر لاما، الذي أخرجه عام 1947 قبل وفاته بعام واحد.
وأخيرًا، وليس آخرًا، كيف ننسى كلمات يوسف وهبي الشهيرة في فيلم غرام وانتقام عام 1944، وهو يتحدث إلى أسمهان، التي لعبت دور مغنية مشهورة في هذا الفيلم، وهو ينصحها بعمل أوبريت عن مصر العربية بدلًا من رغبتها في عمل أوبريت عن مصر الفرعونية، ويقول لها: مصر الآن هي عربية الثقافة.
إذا أردنا تحليل الأسباب وراء هذه العروبة السينمائية في فترة ما قبل ثورة 1952، فهي ترجع إلى أسباب عدة؛ منها أسباب شخصية لأصحاب الأفلام، ولكن الأهم أسباب اجتماعية وسياسية حقيقية عاشتها الشعوب العربية.
بالنسبة إلى السبب الأول، فهو يرجع إلى رؤى صانعي الأفلام أنفسهم. فعلى سبيل المثال، قدم الأخوان لاما إلى مصر من تشيلي، بعد إقامة فترة في الولايات المتحدة الأمريكية. وقد تأثرا بالنجاح الباهر لسلسلة أفلام الشيخ، التي قام ببطولتها الممثل الأمريكي الوسيم الشهير رودولف فالنتينو خلال أوائل عشرينيات القرن الماضي. وقد تشابهت المشاهد في الإطار والأزياء والهيئة الجسدية للأبطال بين الأفلام الأمريكية والمصرية على حد سواء.
أما السبب الثاني لاختيار موضوع التراث العربي فهو سبب اجتماعي، ألا وهو شغف المصريين بقصص البدو والقصص العربية. ويعود هذا الشغف إلى فن رواية القصص الشعبية القديم في مصر، الذي يؤديه الراوي. وقد اشتهر هذا الفن منذ القرن الرابع عشر، وكان موضوعه الرئيسي ملحمة السيرة الهلالية.
وقد رواها الشعراء، الذين كانوا يُنشدون الأبيات مصحوبة بموسيقى تُعزف على آلة الربابة. وكانت هذه الرواية تُقام في الريف خلال الاحتفالات الاجتماعية، كالأعراس وحفلات الختان والتجمعات العائلية. أما في المدن، فكانت المصدر الرئيسي للترفيه قبل اختراع الراديو والسينما، حيث كانت تُعرض في المقاهي الشعبية ومنازل الأثرياء. وإلى جانب ملحمة السيرة الهلالية، كانت هناك ملحمة عربية أخرى من التاريخ العربي لاقت استحسانًا كبيرًا من الجمهور، هي عنترة بن شداد.
لذا، كان من المنطقي مواصلة هذا التراث العربي بعد ظهور السينما، التي تُعتبر شكلا آخر من أشكال سرد القصص، ولكن بتقنيات بصرية حديثة.
أما السبب الثالث لاختيار موضوع التراث العربي فكان سببًا تقنيًا، هو سهولة خلق بيئة بدوية صحراوية في صناعة الفيلم، وتقليل ميزانية الفيلم، وخاصة مع وجود معدات ثقيلة في عصر بدايات السينما. فعلى سبيل المثال، لا يزال البدو المعاصرون يرتدون الأزياء والأنماط التقليدية، كما أن استخدام الجمال -وهي وسيلة النقل نفسها في الصحراء- كان شائعًا منذ مئات السنين حتى يومنا هذا. وأخيرًا، سهولة الوصول إلى مواقع التصوير الصحراوية، التي لا تبعد سوى بضعة كيلومترات عن الاستوديوهات والمدينة على حد سواء.
أخيرًا، كان السبب الرابع والأهم سياسيًا هو النزعة السياسية المصرية نحو القومية العربية. وقد برزت هذه القومية بشكل عفوي عشية انهيار الإمبراطورية العثمانية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. وكانت بمثابة رد فعل على تتريك كمال أتاتورك في تركيا والبلاد التابعة لها من جهة -أي تغيير اللغة من العربية إلى التركية- وحركات التبشير والاستعمار الجديد من جهة أخرى. فقد احتل الإنجليز مصر عام 1882، ثم السودان، كما احتلت فرنسا الجزائر عام 1830، وتونس عام 1881، وفرضت الحماية على مراكش عام 1912، كما احتلت إيطاليا ليبيا عام 1911.
كان حكام مصر أول من دعموا بقوة الاتجاه إلى القومية العربية في تلك الأثناء، مثل الملك فؤاد (1917-1936)، ومن بعده ابنه الملك فاروق (1936-1952). والحقيقة أنهم تمنوا -كما يقال- أن يضربوا عصفورين بحجر واحد؛ فمن ناحية أرادوا التخلص من السلطة الإنجليزية، ومن ناحية أخرى إعلان أنفسهم، وخاصة الملك فاروق، سلطانًا جديدًا للعرب.
ولكن، مع الأسف، واجهت القومية بعد الحرب العالمية الأولى أحداثًا خطيرة وكبيرة فرضها الاستعمار الأوروبي، مثل اتفاقية سايكس-بيكو، التي تمت عام 1916، والبدء في تنفيذ وعد بلفور عام 1917، الذى كان يهدف إلى منح اليهود وطنًا قوميًا في دولة عربية على أرض فلسطين. وقد تمثل رد الفعل العربي في تمجيد العروبة، والتمسك باللغة العربية، ورفض هيمنة السلطات الأجنبية، والاعتزاز بالتاريخ والفن والأدب العربي، أو بمعنى آخر التراث العربي. ومن ثم كانت السينما، هذا الفن الناشئ حديثًا، أحد تجليات هذا الاتجاه السياسي.
وهكذا، ونحن نتطلع إلى إحياء الحلم العربي، كان لا بد من هذه الإشارة لما فعلته السينما في النصف الأول من القرن العشرين، بما يؤكد أن مصر ستظل دائمًا وأبدًا قلب العروبة النابض بالحياة والثقافة والفن.
{ باحثة في الثقافة والتراث.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك