العدد : ١٧٦٥٦ - الأحد ٢٦ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٢ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٥٦ - الأحد ٢٦ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٢ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

اتجاهات العروبة والقومية العربية في السينما المصرية

بقلم: مايسة مصطفي

السبت ٢٥ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

‭ ‬في‭ ‬ذكرى‭ ‬ثورة‭ ‬23‭ ‬يوليو،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نغفل‭ ‬دور‭ ‬القوى‭ ‬الناعمة‭ ‬المصرية‭ ‬المختلفة،‭ ‬التي‭ ‬أظهرت‭ ‬روح‭ ‬العروبة‭ ‬وعززتها‭ ‬حتى‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬ثورة‭ ‬1952،‭ ‬وإعلاء‭ ‬النزعة‭ ‬إلى‭ ‬القومية‭ ‬العربية‭ ‬وزعامة‭ ‬الوطن‭ ‬العربي‭ ‬بقيادة‭ ‬جمال‭ ‬عبدالناصر‭.‬

في‭ ‬بدايات‭ ‬السينما‭ ‬في‭ ‬العشرينيات،‭ ‬وهي‭ ‬مازالت‭ ‬صامتة،‭ ‬كانت‭ ‬باكورة‭ ‬الإنتاج‭ ‬أفلامًا‭ ‬أطلق‭ ‬عليها‭ ‬النقاد‭ ‬والمؤرخون‭ ‬اسم‭ ‬رومانسيات‭ ‬الصحراء؛‭ ‬وذلك‭ ‬لأنها‭ ‬مستوحاة‭ ‬من‭ ‬التراث‭ ‬العربي،‭ ‬وخاصة‭ ‬البدوي‭. ‬عندما‭ ‬أراد‭ ‬صناع‭ ‬السينما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬إحياء‭ ‬التراث‭ ‬وتصويره‭ ‬على‭ ‬الشاشة‭ ‬الفضية‭ -‬هذا‭ ‬الفن‭ ‬الوليد‭ ‬الساحر‭- ‬مثل‭ ‬الأخوين‭ ‬إبراهيم‭ ‬وبدر‭ ‬لاما،‭ ‬والرائدة‭ ‬المنتجة‭ ‬والممثلة‭ ‬والمخرجة‭ ‬عزيزة‭ ‬أمير،‭ ‬قاموا‭ ‬باختيار‭ ‬التراث‭ ‬العربي،‭ ‬فكان‭ ‬فيلم‭ ‬ليلى‭ ‬عام‭ ‬1927،‭ ‬وقبلة‭ ‬في‭ ‬الصحراء‭ ‬عام‭ ‬1928‭.‬

ثم‭ ‬شهدت‭ ‬السينما‭ ‬المصرية‭ ‬خلال‭ ‬ثلاثينيات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬حدثًا‭ ‬مهمًا‭ ‬كان‭ ‬له‭ ‬أثر‭ ‬عظيم‭ ‬على‭ ‬صناعة‭ ‬السينما‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬هو‭ ‬تأسيس‭ ‬استوديو‭ ‬مصر‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬طلعت‭ ‬حرب‭ ‬باشا،‭ ‬رائد‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المصري‭ ‬الحديث‭. ‬لم‭ ‬تقتصر‭ ‬رؤيته‭ ‬على‭ ‬إضفاء‭ ‬الطابع‭ ‬المصري‭ ‬على‭ ‬صناعة‭ ‬السينما‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬شملت‭ ‬أيضًا‭ ‬الحفاظ‭ ‬عليها‭ ‬للأجيال‭ ‬القادمة‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬حفظ‭ ‬كل‭ ‬الإنتاج‭ ‬المصري‭ ‬في‭ ‬أرشيف‭ ‬خاص‭ ‬به‭.‬

أراد‭ ‬طلعت‭ ‬حرب‭ ‬باشا‭ ‬من‭ ‬المخرجين‭ ‬إبراز‭ ‬عظمة‭ ‬التاريخ‭ ‬العربي،‭ ‬وكان‭ ‬أول‭ ‬إنتاج‭ ‬عام‭ ‬1936‭ ‬فيلمًا‭ ‬من‭ ‬التراث‭ ‬العربي‭ ‬بعنوان‭ ‬وداد،‭ ‬وهو‭ ‬فيلم‭ ‬موسيقى‭ ‬مقتبس‭ ‬من‭ ‬قصة‭ ‬رومانسية‭ ‬كتبها‭ ‬عمر‭ ‬الخيام‭ ‬من‭ ‬كتاب‭ ‬ألف‭ ‬ليلة‭ ‬وليلة‭. ‬كان‭ ‬إنتاجًا‭ ‬ضخمًا‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت،‭ ‬وقامت‭ ‬ببطولته‭ ‬المطربة‭ ‬الآنسة‭ ‬أم‭ ‬كلثوم‭. ‬وبفضل‭ ‬نجاح‭ ‬هذا‭ ‬الفيلم‭ ‬بشكل‭ ‬منقطع‭ ‬النظير‭ ‬أصبح‭ ‬استوديو‭ ‬مصر‭ ‬الكيان‭ ‬الرائد‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬خلال‭ ‬أربعينيات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭. ‬واستمر‭ ‬إنتاج‭ ‬أفلام‭ ‬التراث‭ ‬العربي،‭ ‬وأنتج‭ ‬استوديو‭ ‬مصر‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأفلام،‭ ‬أهمها‭ ‬فيلم‭ ‬دنانير،‭ ‬الذي‭ ‬أُنتج‭ ‬عام‭ ‬1940،‭ ‬وقامت‭ ‬ببطولته‭ ‬أيضًا‭ ‬كوكب‭ ‬الشرق‭.‬

وما‭ ‬لا‭ ‬يعلمه‭ ‬الكثيرون‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1941‭ ‬أنتج‭ ‬الأخوان‭ ‬لاما‭ ‬فيلمًا‭ ‬مهمًا‭ ‬عن‭ ‬السلطان‭ ‬الأيوبي‭ ‬الناصر‭ ‬صلاح‭ ‬الدين،‭ ‬موحد‭ ‬العرب‭ ‬وقاهر‭ ‬الصليبيين،‭ ‬وللأسف‭ ‬ضاعت‭ ‬نسخة‭ ‬الفيلم،‭ ‬قبل‭ ‬الفيلم‭ ‬المشهور‭ ‬الذي‭ ‬أخرجه‭ ‬يوسف‭ ‬شاهين‭ ‬بحوالي‭ ‬22‭ ‬عامًا،‭ ‬عام‭ ‬1963‭. ‬وقد‭ ‬قام‭ ‬ببطولة‭ ‬فيلم‭ ‬1941‭ ‬بدر‭ ‬لاما‭ ‬مع‭ ‬زوجته‭ ‬بدرية‭ ‬رفعت‭.‬

‭ ‬واستمرت‭ ‬في‭ ‬الأربعينيات‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬أفلام‭ ‬التراث‭ ‬العربي،‭ ‬فقام‭ ‬نيازي‭ ‬مصطفي‭ ‬بإخراج‭ ‬سلسلة‭ ‬أفلام،‭ ‬مثل‭ ‬فيلم‭ ‬ابن‭ ‬الصحراء‭ ‬عام‭ ‬1942،‭ ‬وفيلم‭ ‬رابحة‭ ‬عام‭ ‬1943،‭ ‬بطولة‭ ‬زوجته‭ ‬كوكا،‭ ‬التي‭ ‬اشتهرت‭ ‬بأدوارها‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬النوعية‭ ‬من‭ ‬الأفلام‭. ‬ثم‭ ‬كان‭ ‬فيلم‭ ‬البدوية‭ ‬الحسناء‭ ‬آخر‭ ‬أفلام‭ ‬بدر‭ ‬لاما،‭ ‬الذي‭ ‬أخرجه‭ ‬عام‭ ‬1947‭ ‬قبل‭ ‬وفاته‭ ‬بعام‭ ‬واحد‭.‬

وأخيرًا،‭ ‬وليس‭ ‬آخرًا،‭ ‬كيف‭ ‬ننسى‭ ‬كلمات‭ ‬يوسف‭ ‬وهبي‭ ‬الشهيرة‭ ‬في‭ ‬فيلم‭ ‬غرام‭ ‬وانتقام‭ ‬عام‭ ‬1944،‭ ‬وهو‭ ‬يتحدث‭ ‬إلى‭ ‬أسمهان،‭ ‬التي‭ ‬لعبت‭ ‬دور‭ ‬مغنية‭ ‬مشهورة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الفيلم،‭ ‬وهو‭ ‬ينصحها‭ ‬بعمل‭ ‬أوبريت‭ ‬عن‭ ‬مصر‭ ‬العربية‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬رغبتها‭ ‬في‭ ‬عمل‭ ‬أوبريت‭ ‬عن‭ ‬مصر‭ ‬الفرعونية،‭ ‬ويقول‭ ‬لها‭: ‬مصر‭ ‬الآن‭ ‬هي‭ ‬عربية‭ ‬الثقافة‭.‬

إذا‭ ‬أردنا‭ ‬تحليل‭ ‬الأسباب‭ ‬وراء‭ ‬هذه‭ ‬العروبة‭ ‬السينمائية‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬ثورة‭ ‬1952،‭ ‬فهي‭ ‬ترجع‭ ‬إلى‭ ‬أسباب‭ ‬عدة؛‭ ‬منها‭ ‬أسباب‭ ‬شخصية‭ ‬لأصحاب‭ ‬الأفلام،‭ ‬ولكن‭ ‬الأهم‭ ‬أسباب‭ ‬اجتماعية‭ ‬وسياسية‭ ‬حقيقية‭ ‬عاشتها‭ ‬الشعوب‭ ‬العربية‭. ‬

بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬السبب‭ ‬الأول،‭ ‬فهو‭ ‬يرجع‭ ‬إلى‭ ‬رؤى‭ ‬صانعي‭ ‬الأفلام‭ ‬أنفسهم‭. ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬قدم‭ ‬الأخوان‭ ‬لاما‭ ‬إلى‭ ‬مصر‭ ‬من‭ ‬تشيلي،‭ ‬بعد‭ ‬إقامة‭ ‬فترة‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭. ‬وقد‭ ‬تأثرا‭ ‬بالنجاح‭ ‬الباهر‭ ‬لسلسلة‭ ‬أفلام‭ ‬الشيخ،‭ ‬التي‭ ‬قام‭ ‬ببطولتها‭ ‬الممثل‭ ‬الأمريكي‭ ‬الوسيم‭ ‬الشهير‭ ‬رودولف‭ ‬فالنتينو‭ ‬خلال‭ ‬أوائل‭ ‬عشرينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭. ‬وقد‭ ‬تشابهت‭ ‬المشاهد‭ ‬في‭ ‬الإطار‭ ‬والأزياء‭ ‬والهيئة‭ ‬الجسدية‭ ‬للأبطال‭ ‬بين‭ ‬الأفلام‭ ‬الأمريكية‭ ‬والمصرية‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭.‬

أما‭ ‬السبب‭ ‬الثاني‭ ‬لاختيار‭ ‬موضوع‭ ‬التراث‭ ‬العربي‭ ‬فهو‭ ‬سبب‭ ‬اجتماعي،‭ ‬ألا‭ ‬وهو‭ ‬شغف‭ ‬المصريين‭ ‬بقصص‭ ‬البدو‭ ‬والقصص‭ ‬العربية‭. ‬ويعود‭ ‬هذا‭ ‬الشغف‭ ‬إلى‭ ‬فن‭ ‬رواية‭ ‬القصص‭ ‬الشعبية‭ ‬القديم‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬الذي‭ ‬يؤديه‭ ‬الراوي‭. ‬وقد‭ ‬اشتهر‭ ‬هذا‭ ‬الفن‭ ‬منذ‭ ‬القرن‭ ‬الرابع‭ ‬عشر،‭ ‬وكان‭ ‬موضوعه‭ ‬الرئيسي‭ ‬ملحمة‭ ‬السيرة‭ ‬الهلالية‭.‬

وقد‭ ‬رواها‭ ‬الشعراء،‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬يُنشدون‭ ‬الأبيات‭ ‬مصحوبة‭ ‬بموسيقى‭ ‬تُعزف‭ ‬على‭ ‬آلة‭ ‬الربابة‭. ‬وكانت‭ ‬هذه‭ ‬الرواية‭ ‬تُقام‭ ‬في‭ ‬الريف‭ ‬خلال‭ ‬الاحتفالات‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬كالأعراس‭ ‬وحفلات‭ ‬الختان‭ ‬والتجمعات‭ ‬العائلية‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬المدن،‭ ‬فكانت‭ ‬المصدر‭ ‬الرئيسي‭ ‬للترفيه‭ ‬قبل‭ ‬اختراع‭ ‬الراديو‭ ‬والسينما،‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬تُعرض‭ ‬في‭ ‬المقاهي‭ ‬الشعبية‭ ‬ومنازل‭ ‬الأثرياء‭. ‬وإلى‭ ‬جانب‭ ‬ملحمة‭ ‬السيرة‭ ‬الهلالية،‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬ملحمة‭ ‬عربية‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬التاريخ‭ ‬العربي‭ ‬لاقت‭ ‬استحسانًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬من‭ ‬الجمهور،‭ ‬هي‭ ‬عنترة‭ ‬بن‭ ‬شداد‭.‬

‭ ‬لذا،‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬المنطقي‭ ‬مواصلة‭ ‬هذا‭ ‬التراث‭ ‬العربي‭ ‬بعد‭ ‬ظهور‭ ‬السينما،‭ ‬التي‭ ‬تُعتبر‭ ‬شكلا‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬سرد‭ ‬القصص،‭ ‬ولكن‭ ‬بتقنيات‭ ‬بصرية‭ ‬حديثة‭.‬

أما‭ ‬السبب‭ ‬الثالث‭ ‬لاختيار‭ ‬موضوع‭ ‬التراث‭ ‬العربي‭ ‬فكان‭ ‬سببًا‭ ‬تقنيًا،‭ ‬هو‭ ‬سهولة‭ ‬خلق‭ ‬بيئة‭ ‬بدوية‭ ‬صحراوية‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬الفيلم،‭ ‬وتقليل‭ ‬ميزانية‭ ‬الفيلم،‭ ‬وخاصة‭ ‬مع‭ ‬وجود‭ ‬معدات‭ ‬ثقيلة‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬بدايات‭ ‬السينما‭. ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬البدو‭ ‬المعاصرون‭ ‬يرتدون‭ ‬الأزياء‭ ‬والأنماط‭ ‬التقليدية،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬استخدام‭ ‬الجمال‭ -‬وهي‭ ‬وسيلة‭ ‬النقل‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬الصحراء‭- ‬كان‭ ‬شائعًا‭ ‬منذ‭ ‬مئات‭ ‬السنين‭ ‬حتى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا‭. ‬وأخيرًا،‭ ‬سهولة‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬مواقع‭ ‬التصوير‭ ‬الصحراوية،‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تبعد‭ ‬سوى‭ ‬بضعة‭ ‬كيلومترات‭ ‬عن‭ ‬الاستوديوهات‭ ‬والمدينة‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭.‬

أخيرًا،‭ ‬كان‭ ‬السبب‭ ‬الرابع‭ ‬والأهم‭ ‬سياسيًا‭ ‬هو‭ ‬النزعة‭ ‬السياسية‭ ‬المصرية‭ ‬نحو‭ ‬القومية‭ ‬العربية‭. ‬وقد‭ ‬برزت‭ ‬هذه‭ ‬القومية‭ ‬بشكل‭ ‬عفوي‭ ‬عشية‭ ‬انهيار‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬العثمانية‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬وأوائل‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭. ‬وكانت‭ ‬بمثابة‭ ‬رد‭ ‬فعل‭ ‬على‭ ‬تتريك‭ ‬كمال‭ ‬أتاتورك‭ ‬في‭ ‬تركيا‭ ‬والبلاد‭ ‬التابعة‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬جهة‭ -‬أي‭ ‬تغيير‭ ‬اللغة‭ ‬من‭ ‬العربية‭ ‬إلى‭ ‬التركية‭- ‬وحركات‭ ‬التبشير‭ ‬والاستعمار‭ ‬الجديد‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭. ‬فقد‭ ‬احتل‭ ‬الإنجليز‭ ‬مصر‭ ‬عام‭ ‬1882،‭ ‬ثم‭ ‬السودان،‭ ‬كما‭ ‬احتلت‭ ‬فرنسا‭ ‬الجزائر‭ ‬عام‭ ‬1830،‭ ‬وتونس‭ ‬عام‭ ‬1881،‭ ‬وفرضت‭ ‬الحماية‭ ‬على‭ ‬مراكش‭ ‬عام‭ ‬1912،‭ ‬كما‭ ‬احتلت‭ ‬إيطاليا‭ ‬ليبيا‭ ‬عام‭ ‬1911‭.‬

كان‭ ‬حكام‭ ‬مصر‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬دعموا‭ ‬بقوة‭ ‬الاتجاه‭ ‬إلى‭ ‬القومية‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الأثناء،‭ ‬مثل‭ ‬الملك‭ ‬فؤاد‭ (‬1917-1936‭)‬،‭ ‬ومن‭ ‬بعده‭ ‬ابنه‭ ‬الملك‭ ‬فاروق‭ (‬1936-1952‭). ‬والحقيقة‭ ‬أنهم‭ ‬تمنوا‭ -‬كما‭ ‬يقال‭- ‬أن‭ ‬يضربوا‭ ‬عصفورين‭ ‬بحجر‭ ‬واحد؛‭ ‬فمن‭ ‬ناحية‭ ‬أرادوا‭ ‬التخلص‭ ‬من‭ ‬السلطة‭ ‬الإنجليزية،‭ ‬ومن‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى‭ ‬إعلان‭ ‬أنفسهم،‭ ‬وخاصة‭ ‬الملك‭ ‬فاروق،‭ ‬سلطانًا‭ ‬جديدًا‭ ‬للعرب‭.‬

ولكن،‭ ‬مع‭ ‬الأسف،‭ ‬واجهت‭ ‬القومية‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى‭ ‬أحداثًا‭ ‬خطيرة‭ ‬وكبيرة‭ ‬فرضها‭ ‬الاستعمار‭ ‬الأوروبي،‭ ‬مثل‭ ‬اتفاقية‭ ‬سايكس‭-‬بيكو،‭ ‬التي‭ ‬تمت‭ ‬عام‭ ‬1916،‭ ‬والبدء‭ ‬في‭ ‬تنفيذ‭ ‬وعد‭ ‬بلفور‭ ‬عام‭ ‬1917،‭ ‬الذى‭ ‬كان‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬منح‭ ‬اليهود‭ ‬وطنًا‭ ‬قوميًا‭ ‬في‭ ‬دولة‭ ‬عربية‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬فلسطين‭. ‬وقد‭ ‬تمثل‭ ‬رد‭ ‬الفعل‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬تمجيد‭ ‬العروبة،‭ ‬والتمسك‭ ‬باللغة‭ ‬العربية،‭ ‬ورفض‭ ‬هيمنة‭ ‬السلطات‭ ‬الأجنبية،‭ ‬والاعتزاز‭ ‬بالتاريخ‭ ‬والفن‭ ‬والأدب‭ ‬العربي،‭ ‬أو‭ ‬بمعنى‭ ‬آخر‭ ‬التراث‭ ‬العربي‭. ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬كانت‭ ‬السينما،‭ ‬هذا‭ ‬الفن‭ ‬الناشئ‭ ‬حديثًا،‭ ‬أحد‭ ‬تجليات‭ ‬هذا‭ ‬الاتجاه‭ ‬السياسي‭.‬

وهكذا،‭ ‬ونحن‭ ‬نتطلع‭ ‬إلى‭ ‬إحياء‭ ‬الحلم‭ ‬العربي،‭ ‬كان‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الإشارة‭ ‬لما‭ ‬فعلته‭ ‬السينما‭ ‬في‭ ‬النصف‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬بما‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬مصر‭ ‬ستظل‭ ‬دائمًا‭ ‬وأبدًا‭ ‬قلب‭ ‬العروبة‭ ‬النابض‭ ‬بالحياة‭ ‬والثقافة‭ ‬والفن‭.‬

{‭ ‬باحثة‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬والتراث‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا