هنالك شبه إجماع اليوم حول تشتت القيادة الإيرانية وضياع وحدة الموقف ووحدة الرؤية السياسية، سواء بشأن الحرب أو بشأن المفاوضات المتعثرة مع الولايات المتحدة الأمريكية برعاية باكستانية.
وهنالك مؤشرات عديدة تؤكد تآكل مركزية القرار السياسي الإيراني، وهي مؤشر على أن الدولة الإيرانية قد بلغت مرحلة صعبة من الصراعات، وهذا في الغالب مؤشر على بداية النهاية لهذا النظام المتطرف الذي جلب الدمار والخراب للشعوب الإيرانية.
آخر مظاهر هذه الصراعات الداخلية إقدام التلفزيون الرسمي الإيراني على قطع بث كلمة للرئيس مسعود بزشكيان، وحذف أجزاء منها إثر انتقادات وجهها للقناة وسجال داخلي بشأن السياسات الإعلامية الإيرانية التي تستعدي العالم عليه. ولا شك أن وقف بث كلمة الرئيس المتلفزة بصورة مفاجئة بعد دقائق من انتقاد بزشكيان لأداء هيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمي هو تصرف غريب آخر يقدم عليه التلفزيون يوحي بأن رئيس الجمهورية لا وزن له في هذا المجال، مع أنه رئيس السلطة التنفيذية نظريا على الأقل.
أثار تصرف هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيراني الغريب تساؤلات واسعة بين المتابعين للشأن الإيراني حول حساسية العلاقة بين مؤسسة الرئاسة والإعلام الرسمي المحسوب على الدوائر العليا في النظام، ومن الواضح أن حوادث قطع وحذف خطابات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف عبر التلفزيون الإيراني ليست جديدة، وتعود في الغالب إلى صراع حاد حول السرديات المرتبطة بالمفاوضات مع واشنطن، وتتحكم فيها مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الخاضعة للمرشد الأعلى، أو من ينوب عنه من الأسماء التي لا أحد يعرفها حاليا، ما يعكس انقسامات عميقة بين التيار الإصلاحي الحكومي والحرس الثوري الإيراني والتيارات المتشددة الرافضة للتسوية. ومن الواضح أن فرض الرقابة العليا المشار إليها أظهر محاولة منع تسويق مكاسب دبلوماسية تخص التفاوض عبر الشاشة الرسمية، وذلك في إطار تحريض المجتمع وإقناعه بفكرة الصمود والمقاومة والصبر ورفض المفاوضات والحلول الوسطية.
والغريب أن هيئة الإذاعة والتلفزيون في إيران تتبع مباشرة للمرشد الأعلى ولا تخضع لسلطة الحكومة أو رئاسة الجمهورية. وهذا يعني أن المرشد رغم عدم ظهوره هو من يرفض التفاوض والحلول الدبلوماسية وتدخله فيما يبث وما لا يبث في التلفزيون، وهذا مؤشر واضح على موقف متطرف.
وتشير العديد من التقارير الدولية إلى أن المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني الذي يتبع مباشرة المرشد يصدر توجيهات سرية لتقييد أولويات تغطية ملفات التفاوض وخدمة خط تيار صقور نظام الملالي.
إن اقتطاع حديث قاليباف وبزشكيان أثار خلافات حول تفاصيل مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة الأمريكية والرقابة النووية على المشروع النووي الإيراني الذي يعتبر أساس الخلاف وجوهره. وهذا ما يفسر التناقض في المواقف وعدم الثبات على رأي واحد، ما يجعل السلطة التنفيذية في إيران غير ذات مصداقية في عين المجتمع الدولي.
وحتى الحكومة التي يقودها بزشكيان في مازق في ضوء ذلك؛ لأنه هو الداعي إلى الانفتاح الاقتصادي ومعالجة ضغوط المعيشة عبر الحوار، والداعي إلى الحوار والقبول بالحلول الوسطية والتوقف عن الاعتداء على دول الجوار ووقف استعداء المجتمعات الخليجية التي تحولت إلى عدو لإيران وفقدت الثقة فيها وفي قيادتها.
إنَّ من يحكم إيران حاليا هي قوى التطرف وقوى الشر المؤلفة من جبهة المحافظين والمتشددين والحرس الثوري والعصابات المسلحة التابعة لها في العراق ولبنان واليمن، التي تتمسك بالخطاب الراديكالي المتطرف وترفض تقديم أي تنازلات أو تسويات سياسية خارجية أو التوقف عن العدوان على دول الجوار من دون أي مبرر.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك