في اللحظات الفاصلة من تاريخ الدول، لا تقاس قوتها بحجم إمكاناتها العسكرية أو الاقتصادية فحسب، وإنما بمدى تماسك جبهتها الداخلية، ووحدة صفها الوطني، وثقة شعبها بقيادتها ومؤسساتها الدستورية. فالأزمات والتهديدات الكبرى لا تختبر قدرات الحكومات وحدها، بل تختبر أيضاً وعي الشعوب وإدراكها أن أمن الوطن واستقراره وسيادته تمثل أولوية تتقدم على كل اعتبار آخر، ومن هنا يصبح الالتفاف حول القيادة في أوقات التحديات مسؤولية وطنية وركيزة دستورية، وصمام أمان يحفظ الدولة ويصون مكتسباتها.
إذ تشهد المنطقة في المرحلة الراهنة تصاعداً في التوترات الإقليمية وتزايداً في التهديدات الأمنية، إلى جانب بروز أنماط جديدة من الصراعات لم تعد تقتصر على المواجهات العسكرية التقليدية، بل امتدت إلى الحروب السيبرانية، وحملات التضليل الإعلامي، واستهداف الوعي المجتمعي، ومحاولات بث الفرقة وإضعاف الثقة بين المواطن ومؤسسات دولته.
وفي ظل هذه المتغيرات، تتعاظم أهمية تماسك الجبهة الداخلية باعتبارها خط الدفاع الأول عن أمن الدولة واستقرارها، ويغدو الالتفاف حول القيادة الوطنية أحد أهم عوامل تعزيز مناعة المجتمع وقدرته على مواجهة مختلف التحديات، وفي مملكة البحرين تتجسد هذه الحقيقة من خلال العلاقة الراسخة بين القيادة والشعب، وهي علاقة تستند إلى الشرعية الدستورية، وإلى تاريخ طويل من التعاون والتلاحم في مواجهة الأزمات، الأمر الذي أسهم في ترسيخ الاستقرار والمحافظة على مسيرة التنمية.
فقد أثبتت القيادة البحرينية، بقيادة حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، وبدعم من صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، قدرة واضحة على إدارة التحديات برؤية استراتيجية متوازنة تجمع بين حماية الأمن الوطني، وترسيخ دولة القانون، وتعزيز التنمية المستدامة، والحفاظ على السلم الأهلي.
ومن هذا المنطلق، فإن الالتفاف حول القيادة لا يمثل مجرد موقف سياسي تمليه الظروف، وإنما يعبر عن ممارسة مسؤولة للمواطنة، وتجسيد حقيقي للانتماء الوطني، وإدراك بأن الحفاظ على الدولة هو الأساس الذي تصان في ظله الحقوق والحريات، وتحمى المؤسسات، وتستمر مسيرة التنمية.
كما يبعث هذا التلاحم برسالة واضحة إلى الداخل والخارج بأن البحرين تقف موحدة في مواجهة كل ما يمس أمنها أو سيادتها أو وحدتها الوطنية، وقد أكدت التجارب الدولية أن الدول التي نجحت في تجاوز الأزمات الكبرى كانت تلك التي حافظت على وحدة جبهتها الداخلية وأفشلت محاولات استغلال الانقسامات لتحقيق أهداف خارجية، فكلما ازدادت قوة التلاحم بين القيادة والشعب، تراجعت قدرة الأطراف المعادية على التأثير في استقرار الدولة أو النيل من أمنها الوطني، لأن وحدة المجتمع تمثل الركيزة الأساسية لاستمرار الدولة وتعزيز قدرتها على مواجهة المخاطر.
كما أن دعم مؤسسات الدولة، في مقدمتها الأجهزة الأمنية والعسكرية، يعد دعماً لسيادة القانون ولمبدأ حماية المجتمع، فهذه المؤسسات تؤدي واجبها الوطني وفق أحكام الدستور والقانون، وتسهم في حماية الأرواح والممتلكات وصون الأمن والاستقرار، بما يوفر بيئة آمنة لاستمرار النشاط الاقتصادي والاجتماعي ويعزز ثقة المواطنين والمقيمين في مؤسسات الدولة.
وفي المقابل تفرض المرحلة الراهنة مسؤولية مضاعفة على جميع أفراد المجتمع في التعامل الواعي مع المعلومات والأخبار، وعدم الانسياق وراء الشائعات أو حملات التحريض والتضليل، والتحقق من مصادر المعلومات قبل تداولها، لأن الحرب الإعلامية أصبحت من أخطر أدوات استهداف الدول وتقويض تماسكها الداخلي، وهو ما يجعل الوعي المجتمعي أحد أهم مرتكزات الأمن الوطني.
إن الالتفاف حول القيادة البحرينية في هذه المرحلة ليس موقفاً موجهاً ضد أحد، بل هو تعبير عن إرادة وطنية تسعى إلى حماية الدولة وصون سيادتها والحفاظ على أمنها واستقرارها، مع التمسك في الوقت ذاته بمبادئ القانون الدولي، واحترام حسن الجوار، وتغليب الحلول السلمية التي تسهم في ترسيخ الأمن والاستقرار الإقليمي، فإن الالتفاف حول القيادة في زمن التحديات ليس خياراً عابراً، بل هو واجب وطني، وركيزة دستورية، وضمانة أساسية لحفظ الأمن والاستقرار، وترسيخ أسس التنمية، وبناء مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً للأجيال القادمة.
{ أستاذ القانون المشارك -
رئيس قسم القانون العام
-جامعة البحرين.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك