العدد : ١٧٦٥٦ - الأحد ٢٦ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٢ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٥٦ - الأحد ٢٦ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٢ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

الالتفاف حول القيادة في زمن التحديات..
مسؤولية وطنية وركيزة دستورية

بقلم: د. بدر محمد عادل

السبت ٢٥ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬اللحظات‭ ‬الفاصلة‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬الدول،‭ ‬لا‭ ‬تقاس‭ ‬قوتها‭ ‬بحجم‭ ‬إمكاناتها‭ ‬العسكرية‭ ‬أو‭ ‬الاقتصادية‭ ‬فحسب،‭ ‬وإنما‭ ‬بمدى‭ ‬تماسك‭ ‬جبهتها‭ ‬الداخلية،‭ ‬ووحدة‭ ‬صفها‭ ‬الوطني،‭ ‬وثقة‭ ‬شعبها‭ ‬بقيادتها‭ ‬ومؤسساتها‭ ‬الدستورية‭. ‬فالأزمات‭ ‬والتهديدات‭ ‬الكبرى‭ ‬لا‭ ‬تختبر‭ ‬قدرات‭ ‬الحكومات‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬تختبر‭ ‬أيضاً‭ ‬وعي‭ ‬الشعوب‭ ‬وإدراكها‭ ‬أن‭ ‬أمن‭ ‬الوطن‭ ‬واستقراره‭ ‬وسيادته‭ ‬تمثل‭ ‬أولوية‭ ‬تتقدم‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬اعتبار‭ ‬آخر،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬يصبح‭ ‬الالتفاف‭ ‬حول‭ ‬القيادة‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬التحديات‭ ‬مسؤولية‭ ‬وطنية‭ ‬وركيزة‭ ‬دستورية،‭ ‬وصمام‭ ‬أمان‭ ‬يحفظ‭ ‬الدولة‭ ‬ويصون‭ ‬مكتسباتها‭.‬

إذ‭ ‬تشهد‭ ‬المنطقة‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الراهنة‭ ‬تصاعداً‭ ‬في‭ ‬التوترات‭ ‬الإقليمية‭ ‬وتزايداً‭ ‬في‭ ‬التهديدات‭ ‬الأمنية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬بروز‭ ‬أنماط‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬الصراعات‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬المواجهات‭ ‬العسكرية‭ ‬التقليدية،‭ ‬بل‭ ‬امتدت‭ ‬إلى‭ ‬الحروب‭ ‬السيبرانية،‭ ‬وحملات‭ ‬التضليل‭ ‬الإعلامي،‭ ‬واستهداف‭ ‬الوعي‭ ‬المجتمعي،‭ ‬ومحاولات‭ ‬بث‭ ‬الفرقة‭ ‬وإضعاف‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬المواطن‭ ‬ومؤسسات‭ ‬دولته‭.‬

وفي‭ ‬ظل‭ ‬هذه‭ ‬المتغيرات،‭ ‬تتعاظم‭ ‬أهمية‭ ‬تماسك‭ ‬الجبهة‭ ‬الداخلية‭ ‬باعتبارها‭ ‬خط‭ ‬الدفاع‭ ‬الأول‭ ‬عن‭ ‬أمن‭ ‬الدولة‭ ‬واستقرارها،‭ ‬ويغدو‭ ‬الالتفاف‭ ‬حول‭ ‬القيادة‭ ‬الوطنية‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬عوامل‭ ‬تعزيز‭ ‬مناعة‭ ‬المجتمع‭ ‬وقدرته‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬مختلف‭ ‬التحديات،‭ ‬وفي‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬تتجسد‭ ‬هذه‭ ‬الحقيقة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬العلاقة‭ ‬الراسخة‭ ‬بين‭ ‬القيادة‭ ‬والشعب،‭ ‬وهي‭ ‬علاقة‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬الشرعية‭ ‬الدستورية،‭ ‬وإلى‭ ‬تاريخ‭ ‬طويل‭ ‬من‭ ‬التعاون‭ ‬والتلاحم‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الأزمات،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬الاستقرار‭ ‬والمحافظة‭ ‬على‭ ‬مسيرة‭ ‬التنمية‭.‬

فقد‭ ‬أثبتت‭ ‬القيادة‭ ‬البحرينية،‭ ‬بقيادة‭ ‬حضرة‭ ‬صاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬وبدعم‭ ‬من‭ ‬صاحب‭ ‬السمو‭ ‬الملكي‭ ‬الأمير‭ ‬سلمان‭ ‬بن‭ ‬حمد‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الوزراء،‭ ‬قدرة‭ ‬واضحة‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬التحديات‭ ‬برؤية‭ ‬استراتيجية‭ ‬متوازنة‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬حماية‭ ‬الأمن‭ ‬الوطني،‭ ‬وترسيخ‭ ‬دولة‭ ‬القانون،‭ ‬وتعزيز‭ ‬التنمية‭ ‬المستدامة،‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬السلم‭ ‬الأهلي‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬فإن‭ ‬الالتفاف‭ ‬حول‭ ‬القيادة‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬مجرد‭ ‬موقف‭ ‬سياسي‭ ‬تمليه‭ ‬الظروف،‭ ‬وإنما‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬ممارسة‭ ‬مسؤولة‭ ‬للمواطنة،‭ ‬وتجسيد‭ ‬حقيقي‭ ‬للانتماء‭ ‬الوطني،‭ ‬وإدراك‭ ‬بأن‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الدولة‭ ‬هو‭ ‬الأساس‭ ‬الذي‭ ‬تصان‭ ‬في‭ ‬ظله‭ ‬الحقوق‭ ‬والحريات،‭ ‬وتحمى‭ ‬المؤسسات،‭ ‬وتستمر‭ ‬مسيرة‭ ‬التنمية‭.‬

كما‭ ‬يبعث‭ ‬هذا‭ ‬التلاحم‭ ‬برسالة‭ ‬واضحة‭ ‬إلى‭ ‬الداخل‭ ‬والخارج‭ ‬بأن‭ ‬البحرين‭ ‬تقف‭ ‬موحدة‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يمس‭ ‬أمنها‭ ‬أو‭ ‬سيادتها‭ ‬أو‭ ‬وحدتها‭ ‬الوطنية،‭ ‬وقد‭ ‬أكدت‭ ‬التجارب‭ ‬الدولية‭ ‬أن‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬تجاوز‭ ‬الأزمات‭ ‬الكبرى‭ ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬حافظت‭ ‬على‭ ‬وحدة‭ ‬جبهتها‭ ‬الداخلية‭ ‬وأفشلت‭ ‬محاولات‭ ‬استغلال‭ ‬الانقسامات‭ ‬لتحقيق‭ ‬أهداف‭ ‬خارجية،‭ ‬فكلما‭ ‬ازدادت‭ ‬قوة‭ ‬التلاحم‭ ‬بين‭ ‬القيادة‭ ‬والشعب،‭ ‬تراجعت‭ ‬قدرة‭ ‬الأطراف‭ ‬المعادية‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬استقرار‭ ‬الدولة‭ ‬أو‭ ‬النيل‭ ‬من‭ ‬أمنها‭ ‬الوطني،‭ ‬لأن‭ ‬وحدة‭ ‬المجتمع‭ ‬تمثل‭ ‬الركيزة‭ ‬الأساسية‭ ‬لاستمرار‭ ‬الدولة‭ ‬وتعزيز‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬المخاطر‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬دعم‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة،‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬الأجهزة‭ ‬الأمنية‭ ‬والعسكرية،‭ ‬يعد‭ ‬دعماً‭ ‬لسيادة‭ ‬القانون‭ ‬ولمبدأ‭ ‬حماية‭ ‬المجتمع،‭ ‬فهذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬تؤدي‭ ‬واجبها‭ ‬الوطني‭ ‬وفق‭ ‬أحكام‭ ‬الدستور‭ ‬والقانون،‭ ‬وتسهم‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬الأرواح‭ ‬والممتلكات‭ ‬وصون‭ ‬الأمن‭ ‬والاستقرار،‭ ‬بما‭ ‬يوفر‭ ‬بيئة‭ ‬آمنة‭ ‬لاستمرار‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬ويعزز‭ ‬ثقة‭ ‬المواطنين‭ ‬والمقيمين‭ ‬في‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭.‬

وفي‭ ‬المقابل‭ ‬تفرض‭ ‬المرحلة‭ ‬الراهنة‭ ‬مسؤولية‭ ‬مضاعفة‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬أفراد‭ ‬المجتمع‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬الواعي‭ ‬مع‭ ‬المعلومات‭ ‬والأخبار،‭ ‬وعدم‭ ‬الانسياق‭ ‬وراء‭ ‬الشائعات‭ ‬أو‭ ‬حملات‭ ‬التحريض‭ ‬والتضليل،‭ ‬والتحقق‭ ‬من‭ ‬مصادر‭ ‬المعلومات‭ ‬قبل‭ ‬تداولها،‭ ‬لأن‭ ‬الحرب‭ ‬الإعلامية‭ ‬أصبحت‭ ‬من‭ ‬أخطر‭ ‬أدوات‭ ‬استهداف‭ ‬الدول‭ ‬وتقويض‭ ‬تماسكها‭ ‬الداخلي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬الوعي‭ ‬المجتمعي‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬مرتكزات‭ ‬الأمن‭ ‬الوطني‭.‬

إن‭ ‬الالتفاف‭ ‬حول‭ ‬القيادة‭ ‬البحرينية‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬ليس‭ ‬موقفاً‭ ‬موجهاً‭ ‬ضد‭ ‬أحد،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬تعبير‭ ‬عن‭ ‬إرادة‭ ‬وطنية‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬حماية‭ ‬الدولة‭ ‬وصون‭ ‬سيادتها‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬أمنها‭ ‬واستقرارها،‭ ‬مع‭ ‬التمسك‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬بمبادئ‭ ‬القانون‭ ‬الدولي،‭ ‬واحترام‭ ‬حسن‭ ‬الجوار،‭ ‬وتغليب‭ ‬الحلول‭ ‬السلمية‭ ‬التي‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬الأمن‭ ‬والاستقرار‭ ‬الإقليمي،‭ ‬فإن‭ ‬الالتفاف‭ ‬حول‭ ‬القيادة‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬التحديات‭ ‬ليس‭ ‬خياراً‭ ‬عابراً،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬واجب‭ ‬وطني،‭ ‬وركيزة‭ ‬دستورية،‭ ‬وضمانة‭ ‬أساسية‭ ‬لحفظ‭ ‬الأمن‭ ‬والاستقرار،‭ ‬وترسيخ‭ ‬أسس‭ ‬التنمية،‭ ‬وبناء‭ ‬مستقبل‭ ‬أكثر‭ ‬أمناً‭ ‬وازدهاراً‭ ‬للأجيال‭ ‬القادمة‭.‬

{ أستاذ‭ ‬القانون‭ ‬المشارك‭ -‬

‭ ‬رئيس‭ ‬قسم‭ ‬القانون‭ ‬العام

‭ -‬جامعة‭ ‬البحرين‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا