منذ حوالي خمسة أشهر ودول الخليج العربية، في مقدمتها مملكة البحرين، تواجه نمطًا ممنهجاً ومتكررًا من الاعتداءات الإيرانية بالصواريخ والمسيّرات، وفي هذا النوع والأسلوب من العدوان لا يبدأ مسرح الجريمة من لحظة التصدي للمقذوف أو الانفجار، بل من لحظة التخطيط واتخاذ القرار بتوجيه الأداة العدوانية نحو الحياة المدنية.
وبالنظر إلى مسار الصواريخ والمسيرات يتضح لنا أن خطورة هذه الاعتداءات ينبغي أن تقاس بما تنطوي عليه من غاية إرهابية قوامها محاولة نقل أثر العدوان من المكان إلى الإنسان، ومن إحداث الأضرار المادية إلى المساس بالطمأنينة العامة.
ومن هذه الزاوية، يتضح لنا جليا أن الاعتداءات الإيرانية، طوال الفترة الماضية حتى يومنا هذا، تمثل سلوكًا إجراميًا ذا طبيعة إرهابية ممنهجة؛ كونها تستهدف في المقام الأول الطمأنينة العامة ذاتها، باعتبارها إحدى ركائز الاستقرار في الدولة والمجتمع. وهذا في تقديري هو المعنى الحقيقي للإرهاب؛ فهو في جوهره ليس مجرد عنفٍ يقع، بل عنفا يُراد له أن يتجاوز موضع وقوعه ليقاس بما يحمله من رسالة ترويع، وبما يراد منه من اضطراب في الشعور بالأمن والاستقرار.
ولهذا نرى أن الفلسفة في تجريم الأفعال الإرهابية تختلف بشكل كبير عن الجرائم العادية؛ والسبب في ذلك أن الخطر فيها لا ينحصر في النتيجة الإجرامية، بل يمتد أيضاً إلى الغاية التي يسعى الجاني إلى تحقيقها وذلك بإرباك المجتمع وتهديد الحياة المدنية وإشعار الناس بأن أمنهم اليومي قابل للمساس. لذلك نجد أن القانون حين يجرّم الإرهاب لا يحمي الأشخاص والمنشآت وحدهم، بل يحمي قبل ذلك معنى الحياة الآمنة التي تقوم عليها الدولة والمجتمع.
وهنا تظهر لنا دلالة استهداف البنية التحتية والمرافق الحيوية؛ فالمطار ليس بناءً أو مدرجًا فحسب، بل حركة سفر وعودة واتصال بالعالم الخارجي، ومرافق الطاقة ليست منشآت مجردة، بل امتدادا لحياة البيوت والمستشفيات والمدارس، والموانئ والمرافق السياحية ليست مجرد نقاط عبور ومواقع خدمية، بل شرايين للاقتصاد وحركة التجارة والزوار والثقة في البيئة الآمنة، والشركات التجارية ليست كيانات اقتصادية منعزلة، بل دورة عمل وإنتاج وفرص للرزق وثقة المستثمرين. لذلك، فإن الاعتداء على هذه المرافق هو سلوك إرهابي لترويع الآمنين ولإرباك الحياة المدنية وجعل تفاصيلها العادية موضوعًا للتهديد.
ولكن كالعادة ما لم يحسبه العدو الإيراني ويضعه بعين الاعتبار أن الغاية الإرهابية لا تتحقق بمجرد إطلاق الصاروخ أو الطائرة المسيّرة؛ فبين إرادة الترويع ووقوع أثرها تقف يقظة الدولة وجاهزية قواتها ووعي مجتمعها. وقد أثبت الواقع أن قوات مملكة البحرين، بما تملكه من حنكة واستعداد، أفشلت هذه المقاصد العدوانية وكشفت عجز العدو الإيراني.
وهذا ما يدفعنا إلى القول إن حماية الطمأنينة العامة باتت تمثل جزءًا أصيلًا من مفهوم الأمن الوطني والردع الشامل، بما تقتضيه من المحافظة على انتظام مؤسسات الدولة واستمرارية خدماتها، وضمان دقة المعلومات وسرعة إيصالها، والتصدي للشائعات والخطاب المضلل، وتعزيز قدرة المجتمع على مواصلة حياته الطبيعية. فنجاح الدولة في حماية الحياة المدنية وصون الثقة العامة يمثل في ذاته صورة من صور إفشال الاعتداء، ويؤكد أن القوة لا تقاس فقط بالقدرة على صد الصواريخ والمسيرات، بل كذلك بالقدرة على منعها من النفاذ إلى وعي المجتمع وإرادته.
ختاماً نؤكد أن مملكة البحرين أثبتت، قيادةً وحكومةً وشعبًا، أن الطمأنينة العامة ليست حالة تنال منها الصواريخ أو المسيّرات، بل قيمة وطنية راسخة تحرسها يقظة الدولة، وتحصّنها ثقة الناس، ويثبتها الالتفاف الصادق حول القيادة الرشيدة. ومن ثم فإن ملحمة الصمود التي سطرتها البحرين أكدت ألا شيء يملك أن يكسر إرادة وطن آمن، ولا أن يهز ثقة شعبٍ بدولته وقيادته.
{ أستاذ القانون الجنائي المساعد بجامعة البحرين.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك