العدد : ١٧٦٥٧ - الاثنين ٢٧ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٣ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٥٧ - الاثنين ٢٧ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٣ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

استهداف الطمأنينة العامة.. قراءة جنائية في الغايات الإرهابية للاعتداءات الإيرانية

بقلم: د. باسم الشرجي

الاثنين ٢٧ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

منذ‭ ‬حوالي‭ ‬خمسة‭ ‬أشهر‭ ‬ودول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية،‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين،‭ ‬تواجه‭ ‬نمطًا‭ ‬ممنهجاً‭ ‬ومتكررًا‭ ‬من‭ ‬الاعتداءات‭ ‬الإيرانية‭ ‬بالصواريخ‭ ‬والمسيّرات،‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬والأسلوب‭ ‬من‭ ‬العدوان‭ ‬لا‭ ‬يبدأ‭ ‬مسرح‭ ‬الجريمة‭ ‬من‭ ‬لحظة‭ ‬التصدي‭ ‬للمقذوف‭ ‬أو‭ ‬الانفجار،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬لحظة‭ ‬التخطيط‭ ‬واتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬بتوجيه‭ ‬الأداة‭ ‬العدوانية‭ ‬نحو‭ ‬الحياة‭ ‬المدنية‭.‬

وبالنظر‭ ‬إلى‭ ‬مسار‭ ‬الصواريخ‭ ‬والمسيرات‭ ‬يتضح‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬خطورة‭ ‬هذه‭ ‬الاعتداءات‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تقاس‭ ‬بما‭ ‬تنطوي‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬غاية‭ ‬إرهابية‭ ‬قوامها‭ ‬محاولة‭ ‬نقل‭ ‬أثر‭ ‬العدوان‭ ‬من‭ ‬المكان‭ ‬إلى‭ ‬الإنسان،‭ ‬ومن‭ ‬إحداث‭ ‬الأضرار‭ ‬المادية‭ ‬إلى‭ ‬المساس‭ ‬بالطمأنينة‭ ‬العامة‭.‬

ومن‭ ‬هذه‭ ‬الزاوية،‭ ‬يتضح‭ ‬لنا‭ ‬جليا‭ ‬أن‭ ‬الاعتداءات‭ ‬الإيرانية،‭ ‬طوال‭ ‬الفترة‭ ‬الماضية‭ ‬حتى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا،‭ ‬تمثل‭ ‬سلوكًا‭ ‬إجراميًا‭ ‬ذا‭ ‬طبيعة‭ ‬إرهابية‭ ‬ممنهجة؛‭ ‬كونها‭ ‬تستهدف‭ ‬في‭ ‬المقام‭ ‬الأول‭ ‬الطمأنينة‭ ‬العامة‭ ‬ذاتها،‭ ‬باعتبارها‭ ‬إحدى‭ ‬ركائز‭ ‬الاستقرار‭ ‬في‭ ‬الدولة‭ ‬والمجتمع‭. ‬وهذا‭ ‬في‭ ‬تقديري‭ ‬هو‭ ‬المعنى‭ ‬الحقيقي‭ ‬للإرهاب؛‭ ‬فهو‭ ‬في‭ ‬جوهره‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬عنفٍ‭ ‬يقع،‭ ‬بل‭ ‬عنفا‭ ‬يُراد‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يتجاوز‭ ‬موضع‭ ‬وقوعه‭ ‬ليقاس‭ ‬بما‭ ‬يحمله‭ ‬من‭ ‬رسالة‭ ‬ترويع،‭ ‬وبما‭ ‬يراد‭ ‬منه‭ ‬من‭ ‬اضطراب‭ ‬في‭ ‬الشعور‭ ‬بالأمن‭ ‬والاستقرار‭.‬

ولهذا‭ ‬نرى‭ ‬أن‭ ‬الفلسفة‭ ‬في‭ ‬تجريم‭ ‬الأفعال‭ ‬الإرهابية‭ ‬تختلف‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬عن‭ ‬الجرائم‭ ‬العادية؛‭ ‬والسبب‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الخطر‭ ‬فيها‭ ‬لا‭ ‬ينحصر‭ ‬في‭ ‬النتيجة‭ ‬الإجرامية،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬أيضاً‭ ‬إلى‭ ‬الغاية‭ ‬التي‭ ‬يسعى‭ ‬الجاني‭ ‬إلى‭ ‬تحقيقها‭ ‬وذلك‭ ‬بإرباك‭ ‬المجتمع‭ ‬وتهديد‭ ‬الحياة‭ ‬المدنية‭ ‬وإشعار‭ ‬الناس‭ ‬بأن‭ ‬أمنهم‭ ‬اليومي‭ ‬قابل‭ ‬للمساس‭. ‬لذلك‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬القانون‭ ‬حين‭ ‬يجرّم‭ ‬الإرهاب‭ ‬لا‭ ‬يحمي‭ ‬الأشخاص‭ ‬والمنشآت‭ ‬وحدهم،‭ ‬بل‭ ‬يحمي‭ ‬قبل‭ ‬ذلك‭ ‬معنى‭ ‬الحياة‭ ‬الآمنة‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬عليها‭ ‬الدولة‭ ‬والمجتمع‭.‬

وهنا‭ ‬تظهر‭ ‬لنا‭ ‬دلالة‭ ‬استهداف‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬والمرافق‭ ‬الحيوية؛‭ ‬فالمطار‭ ‬ليس‭ ‬بناءً‭ ‬أو‭ ‬مدرجًا‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬حركة‭ ‬سفر‭ ‬وعودة‭ ‬واتصال‭ ‬بالعالم‭ ‬الخارجي،‭ ‬ومرافق‭ ‬الطاقة‭ ‬ليست‭ ‬منشآت‭ ‬مجردة،‭ ‬بل‭ ‬امتدادا‭ ‬لحياة‭ ‬البيوت‭ ‬والمستشفيات‭ ‬والمدارس،‭ ‬والموانئ‭ ‬والمرافق‭ ‬السياحية‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬نقاط‭ ‬عبور‭ ‬ومواقع‭ ‬خدمية،‭ ‬بل‭ ‬شرايين‭ ‬للاقتصاد‭ ‬وحركة‭ ‬التجارة‭ ‬والزوار‭ ‬والثقة‭ ‬في‭ ‬البيئة‭ ‬الآمنة،‭ ‬والشركات‭ ‬التجارية‭ ‬ليست‭ ‬كيانات‭ ‬اقتصادية‭ ‬منعزلة،‭ ‬بل‭ ‬دورة‭ ‬عمل‭ ‬وإنتاج‭ ‬وفرص‭ ‬للرزق‭ ‬وثقة‭ ‬المستثمرين‭. ‬لذلك،‭ ‬فإن‭ ‬الاعتداء‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬المرافق‭ ‬هو‭ ‬سلوك‭ ‬إرهابي‭ ‬لترويع‭ ‬الآمنين‭ ‬ولإرباك‭ ‬الحياة‭ ‬المدنية‭ ‬وجعل‭ ‬تفاصيلها‭ ‬العادية‭ ‬موضوعًا‭ ‬للتهديد‭. ‬

ولكن‭ ‬كالعادة‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يحسبه‭ ‬العدو‭ ‬الإيراني‭ ‬ويضعه‭ ‬بعين‭ ‬الاعتبار‭ ‬أن‭ ‬الغاية‭ ‬الإرهابية‭ ‬لا‭ ‬تتحقق‭ ‬بمجرد‭ ‬إطلاق‭ ‬الصاروخ‭ ‬أو‭ ‬الطائرة‭ ‬المسيّرة؛‭ ‬فبين‭ ‬إرادة‭ ‬الترويع‭ ‬ووقوع‭ ‬أثرها‭ ‬تقف‭ ‬يقظة‭ ‬الدولة‭ ‬وجاهزية‭ ‬قواتها‭ ‬ووعي‭ ‬مجتمعها‭. ‬وقد‭ ‬أثبت‭ ‬الواقع‭ ‬أن‭ ‬قوات‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين،‭ ‬بما‭ ‬تملكه‭ ‬من‭ ‬حنكة‭ ‬واستعداد،‭ ‬أفشلت‭ ‬هذه‭ ‬المقاصد‭ ‬العدوانية‭ ‬وكشفت‭ ‬عجز‭ ‬العدو‭ ‬الإيراني‭.‬

وهذا‭ ‬ما‭ ‬يدفعنا‭ ‬إلى‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬حماية‭ ‬الطمأنينة‭ ‬العامة‭ ‬باتت‭ ‬تمثل‭ ‬جزءًا‭ ‬أصيلًا‭ ‬من‭ ‬مفهوم‭ ‬الأمن‭ ‬الوطني‭ ‬والردع‭ ‬الشامل،‭ ‬بما‭ ‬تقتضيه‭ ‬من‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬انتظام‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬واستمرارية‭ ‬خدماتها،‭ ‬وضمان‭ ‬دقة‭ ‬المعلومات‭ ‬وسرعة‭ ‬إيصالها،‭ ‬والتصدي‭ ‬للشائعات‭ ‬والخطاب‭ ‬المضلل،‭ ‬وتعزيز‭ ‬قدرة‭ ‬المجتمع‭ ‬على‭ ‬مواصلة‭ ‬حياته‭ ‬الطبيعية‭. ‬فنجاح‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬الحياة‭ ‬المدنية‭ ‬وصون‭ ‬الثقة‭ ‬العامة‭ ‬يمثل‭ ‬في‭ ‬ذاته‭ ‬صورة‭ ‬من‭ ‬صور‭ ‬إفشال‭ ‬الاعتداء،‭ ‬ويؤكد‭ ‬أن‭ ‬القوة‭ ‬لا‭ ‬تقاس‭ ‬فقط‭ ‬بالقدرة‭ ‬على‭ ‬صد‭ ‬الصواريخ‭ ‬والمسيرات،‭ ‬بل‭ ‬كذلك‭ ‬بالقدرة‭ ‬على‭ ‬منعها‭ ‬من‭ ‬النفاذ‭ ‬إلى‭ ‬وعي‭ ‬المجتمع‭ ‬وإرادته‭.‬

ختاماً‭ ‬نؤكد‭ ‬أن‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬أثبتت،‭ ‬قيادةً‭ ‬وحكومةً‭ ‬وشعبًا،‭ ‬أن‭ ‬الطمأنينة‭ ‬العامة‭ ‬ليست‭ ‬حالة‭ ‬تنال‭ ‬منها‭ ‬الصواريخ‭ ‬أو‭ ‬المسيّرات،‭ ‬بل‭ ‬قيمة‭ ‬وطنية‭ ‬راسخة‭ ‬تحرسها‭ ‬يقظة‭ ‬الدولة،‭ ‬وتحصّنها‭ ‬ثقة‭ ‬الناس،‭ ‬ويثبتها‭ ‬الالتفاف‭ ‬الصادق‭ ‬حول‭ ‬القيادة‭ ‬الرشيدة‭. ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فإن‭ ‬ملحمة‭ ‬الصمود‭ ‬التي‭ ‬سطرتها‭ ‬البحرين‭ ‬أكدت‭ ‬ألا‭ ‬شيء‭ ‬يملك‭ ‬أن‭ ‬يكسر‭ ‬إرادة‭ ‬وطن‭ ‬آمن،‭ ‬ولا‭ ‬أن‭ ‬يهز‭ ‬ثقة‭ ‬شعبٍ‭ ‬بدولته‭ ‬وقيادته‭.‬

{‭ ‬أستاذ‭ ‬القانون‭ ‬الجنائي‭ ‬المساعد‭ ‬بجامعة‭ ‬البحرين‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا