الدعوة إلى الناس بأن يتحروا الحلال الطيب من الطعام والشراب، وأن يتجنبوا الخبيث منهما، هو الخطوة الأولى المجانبة لخطوات الشيطان، والاختيار الصائب، بل هو الأصوب لاستقامة الإدراك، والوجدان، والنزوع، وذلك لحماية المسلم من الضلال، ولتفتح نوافذ الخير، وتيسير سبل الهداية له، وهذا ليس وقفًا على المؤمنين بالإسلام، الملتزمين بأوامره ونواهيه، بل هو عام للناس جميعًا؛ لأن الخطاب في هذه الآية الجليلة (168) من سورة البقرة، يقول تعالى: «يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبًا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين». إذًا، فهذا هو الالتزام الأول الذي يلزم الإسلام أتباعه به وأخذ الله تعالى العهد والميثاق منهما بالاستقامة في مسلكهم، لأنه ما نبت من حرام فالنار أولى به.
ولقد حذر الرسول (صلى الله عليه وسلم) المسلمين من تحري الحرام في المأكل والمشرب ما دامت سبل الحلال كثيرة وميسرة، ولأن الله تعالى قد أباح عند الضرورات أكل شيء من الحرام عند الاضطرار إليه دفعًا للموت، وهو ما يطلق عليه طعام المضطر! يقول تعالى: «يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبًا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين» (168) إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون (169) وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون (170)» سورة البقرة .
إذًا، فإذا تعسر عليهم الحلال الطيب من الطعام والشراب، ولم يجدوا بدًّا من أن يضطروا إلى أكل شيء من الحرام، أباح الشرع الحكيم ذلك، قال تعالى: «إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهلّ به لغير الله فمن اضطرّ غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم (173)». وهذا ما يعرف بطعام المضطر، وإنما أباح الله تعالى له ذلك رحمة به ورفعًا للحرج عنه. إذًا، فلا عذر لمن يبيح لنفسه ما حرم الله تعالى إلا ما أذن به.
إذًا، فلا عذر لارتكاب الحرام، واتباع خطوات الشيطان حين يأمرهم بالسوء والفحشاء مادام الله تعالى قد غفر لهم من الحرام ما اضطرّوا إلى تناوله رحمة بهم.
ولقد أمر الله تعالى المؤمنين أن يدخلوا في السلم كافة، وأن يتجنبوا أسباب الخلاف، وطرقه ومسالكه، وألا يستمعوا إلى غمزات الشياطين، وأن يسارعوا إلى الاستعانة بالله تعالى الذي أمرهم به وحضهم عليه، قال سبحانه: «وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم» (فصلت: 36).
ولقد أشار رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى أن الاستعانة بالله تعالى عنصر فاعل من عناصر قوة المسلم، يقول صلوات ربي وسلامه عليه: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا.. وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان). صحيح مسلم.
إن الشيطان للإنسان عدو مبين لا يريد الخير للمؤمنين، ولقد أخفى عداوته لآدم وبنيه وتوعدهم بالضلال في أنفسهم والإضلال لغيرهم من الناس، قال تعالى على لسانه: «قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم (16) ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين (17)» الأعراف.
وفي ختام هذه التوجيهات الربانية في الاستجابة لأوامر الله تعالى ونواهيه، ولأنه سبحانه لا يأمر بالفحشاء والمنكر، بل غايته سبحانه تزكية نفوسكم، وإصلاح ظاهركم وباطنكم، وأنه من فضل الله وحسن رعايته سبحانه للمؤمنين الذين يريد الخير لهم، وبهذا تكاملت منظومة القيم التي يدعو إليها الإسلام، ويفتح للمؤمنين آفاق المعرفة التي تسعى إليها الأمم التي صنعها الإسلام على عينه.
إذًا، فالإسلام يبدأ من القمة في علاقة المسلم بمولاه سبحانه ثم إلى أدنى مرتبة وهي إماطة الأذى عن الطريق، فذلك من شعب الإيمان، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون، شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان. (رواه مسلم).

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك