العدد : ١٧٦٥٧ - الاثنين ٢٧ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٣ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٥٧ - الاثنين ٢٧ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٣ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

القرآن الكريم.. وخطوات الشيطان!

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ٢٦ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬الناس‭ ‬بأن‭ ‬يتحروا‭ ‬الحلال‭ ‬الطيب‭ ‬من‭ ‬الطعام‭ ‬والشراب،‭ ‬وأن‭ ‬يتجنبوا‭ ‬الخبيث‭ ‬منهما،‭ ‬هو‭ ‬الخطوة‭ ‬الأولى‭ ‬المجانبة‭ ‬لخطوات‭ ‬الشيطان،‭ ‬والاختيار‭ ‬الصائب،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬الأصوب‭ ‬لاستقامة‭ ‬الإدراك،‭ ‬والوجدان،‭ ‬والنزوع،‭ ‬وذلك‭ ‬لحماية‭ ‬المسلم‭ ‬من‭ ‬الضلال،‭ ‬ولتفتح‭ ‬نوافذ‭ ‬الخير،‭ ‬وتيسير‭ ‬سبل‭ ‬الهداية‭ ‬له،‭ ‬وهذا‭ ‬ليس‭ ‬وقفًا‭ ‬على‭ ‬المؤمنين‭ ‬بالإسلام،‭ ‬الملتزمين‭ ‬بأوامره‭ ‬ونواهيه،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬عام‭ ‬للناس‭ ‬جميعًا؛‭ ‬لأن‭ ‬الخطاب‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الآية‭ ‬الجليلة‭ (‬168‭) ‬من‭ ‬سورة‭ ‬البقرة،‭ ‬يقول‭ ‬تعالى‭: ‬‮«‬يا‭ ‬أيها‭ ‬الناس‭ ‬كلوا‭ ‬مما‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬حلالا‭ ‬طيبًا‭ ‬ولا‭ ‬تتبعوا‭ ‬خطوات‭ ‬الشيطان‭ ‬إنه‭ ‬لكم‭ ‬عدو‭ ‬مبين‮»‬‭.‬‭ ‬إذًا،‭ ‬فهذا‭ ‬هو‭ ‬الالتزام‭ ‬الأول‭ ‬الذي‭ ‬يلزم‭ ‬الإسلام‭ ‬أتباعه‭ ‬به‭ ‬وأخذ‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬العهد‭ ‬والميثاق‭ ‬منهما‭ ‬بالاستقامة‭ ‬في‭ ‬مسلكهم،‭ ‬لأنه‭ ‬ما‭ ‬نبت‭ ‬من‭ ‬حرام‭ ‬فالنار‭ ‬أولى‭ ‬به‭.‬

ولقد‭ ‬حذر‭ ‬الرسول‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬المسلمين‭ ‬من‭ ‬تحري‭ ‬الحرام‭ ‬في‭ ‬المأكل‭ ‬والمشرب‭ ‬ما‭ ‬دامت‭ ‬سبل‭ ‬الحلال‭ ‬كثيرة‭ ‬وميسرة،‭ ‬ولأن‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬قد‭ ‬أباح‭ ‬عند‭ ‬الضرورات‭ ‬أكل‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬الحرام‭ ‬عند‭ ‬الاضطرار‭ ‬إليه‭ ‬دفعًا‭ ‬للموت،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يطلق‭ ‬عليه‭ ‬طعام‭ ‬المضطر‭! ‬يقول‭ ‬تعالى‭: ‬‮«‬يا‭ ‬أيها‭ ‬الناس‭ ‬كلوا‭ ‬مما‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬حلالا‭ ‬طيبًا‭ ‬ولا‭ ‬تتبعوا‭ ‬خطوات‭ ‬الشيطان‭ ‬إنه‭ ‬لكم‭ ‬عدو‭ ‬مبين‮»‬‭ (‬168‭) ‬إنما‭ ‬يأمركم‭ ‬بالسوء‭ ‬والفحشاء‭ ‬وأن‭ ‬تقولوا‭ ‬على‭ ‬الله‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬تعلمون‭ (‬169‭) ‬وإذا‭ ‬قيل‭ ‬لهم‭ ‬اتبعوا‭ ‬ما‭ ‬أنزل‭ ‬الله‭ ‬قالوا‭ ‬بل‭ ‬نتبع‭ ‬ما‭ ‬ألفينا‭ ‬عليه‭ ‬آباءنا‭ ‬أولو‭ ‬كان‭ ‬آباؤهم‭ ‬لا‭ ‬يعقلون‭ ‬شيئًا‭ ‬ولا‭ ‬يهتدون‭ (‬170‭)‬‮»‬‭ ‬سورة‭ ‬البقرة‭ .‬

إذًا،‭ ‬فإذا‭ ‬تعسر‭ ‬عليهم‭ ‬الحلال‭ ‬الطيب‭ ‬من‭ ‬الطعام‭ ‬والشراب،‭ ‬ولم‭ ‬يجدوا‭ ‬بدًّا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يضطروا‭ ‬إلى‭ ‬أكل‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬الحرام،‭ ‬أباح‭ ‬الشرع‭ ‬الحكيم‭ ‬ذلك،‭ ‬قال‭ ‬تعالى‭: ‬‮«‬إنما‭ ‬حرم‭ ‬عليكم‭ ‬الميتة‭ ‬والدم‭ ‬ولحم‭ ‬الخنزير‭ ‬وما‭ ‬أهلّ‭ ‬به‭ ‬لغير‭ ‬الله‭ ‬فمن‭ ‬اضطرّ‭ ‬غير‭ ‬باغٍ‭ ‬ولا‭ ‬عادٍ‭ ‬فلا‭ ‬إثم‭ ‬عليه‭ ‬إن‭ ‬الله‭ ‬غفور‭ ‬رحيم‭ (‬173‭)‬‮»‬‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بطعام‭ ‬المضطر،‭ ‬وإنما‭ ‬أباح‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬له‭ ‬ذلك‭ ‬رحمة‭ ‬به‭ ‬ورفعًا‭ ‬للحرج‭ ‬عنه‭. ‬إذًا،‭ ‬فلا‭ ‬عذر‭ ‬لمن‭ ‬يبيح‭ ‬لنفسه‭ ‬ما‭ ‬حرم‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬إلا‭ ‬ما‭ ‬أذن‭ ‬به‭.‬

إذًا،‭ ‬فلا‭ ‬عذر‭ ‬لارتكاب‭ ‬الحرام،‭ ‬واتباع‭ ‬خطوات‭ ‬الشيطان‭ ‬حين‭ ‬يأمرهم‭ ‬بالسوء‭ ‬والفحشاء‭ ‬مادام‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬قد‭ ‬غفر‭ ‬لهم‭ ‬من‭ ‬الحرام‭ ‬ما‭ ‬اضطرّوا‭ ‬إلى‭ ‬تناوله‭ ‬رحمة‭ ‬بهم‭.‬

ولقد‭ ‬أمر‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬المؤمنين‭ ‬أن‭ ‬يدخلوا‭ ‬في‭ ‬السلم‭ ‬كافة،‭ ‬وأن‭ ‬يتجنبوا‭ ‬أسباب‭ ‬الخلاف،‭ ‬وطرقه‭ ‬ومسالكه،‭ ‬وألا‭ ‬يستمعوا‭ ‬إلى‭ ‬غمزات‭ ‬الشياطين،‭ ‬وأن‭ ‬يسارعوا‭ ‬إلى‭ ‬الاستعانة‭ ‬بالله‭ ‬تعالى‭ ‬الذي‭ ‬أمرهم‭ ‬به‭ ‬وحضهم‭ ‬عليه،‭ ‬قال‭ ‬سبحانه‭: ‬‮«‬وإما‭ ‬ينزغنك‭ ‬من‭ ‬الشيطان‭ ‬نزغ‭ ‬فاستعذ‭ ‬بالله‭ ‬إنه‭ ‬هو‭ ‬السميع‭ ‬العليم‮»‬‭ (‬فصلت‭: ‬36‭). ‬

ولقد‭ ‬أشار‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الاستعانة‭ ‬بالله‭ ‬تعالى‭ ‬عنصر‭ ‬فاعل‭ ‬من‭ ‬عناصر‭ ‬قوة‭ ‬المسلم،‭ ‬يقول‭ ‬صلوات‭ ‬ربي‭ ‬وسلامه‭ ‬عليه‭:‬‭ (‬المؤمن‭ ‬القوي‭ ‬خير‭ ‬وأحب‭ ‬إلى‭ ‬الله‭ ‬من‭ ‬المؤمن‭ ‬الضعيف،‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬خير،‭ ‬احرص‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬ينفعك‭ ‬واستعن‭ ‬بالله‭ ‬ولا‭ ‬تعجز،‭ ‬وإن‭ ‬أصابك‭ ‬شيء‭ ‬فلا‭ ‬تقل‭ ‬لو‭ ‬أني‭ ‬فعلت‭ ‬كان‭ ‬كذا‭.. ‬وكذا،‭ ‬ولكن‭ ‬قل‭: ‬قدر‭ ‬الله‭ ‬وما‭ ‬شاء‭ ‬فعل،‭ ‬فإن‭ ‬لو‭ ‬تفتح‭ ‬عمل‭ ‬الشيطان‭). ‬صحيح‭ ‬مسلم‭.‬

إن‭ ‬الشيطان‭ ‬للإنسان‭ ‬عدو‭ ‬مبين‭ ‬لا‭ ‬يريد‭ ‬الخير‭ ‬للمؤمنين،‭ ‬ولقد‭ ‬أخفى‭ ‬عداوته‭ ‬لآدم‭ ‬وبنيه‭ ‬وتوعدهم‭ ‬بالضلال‭ ‬في‭ ‬أنفسهم‭ ‬والإضلال‭ ‬لغيرهم‭ ‬من‭ ‬الناس،‭ ‬قال‭ ‬تعالى‭ ‬على‭ ‬لسانه‭: ‬‮«‬قال‭ ‬فبما‭ ‬أغويتني‭ ‬لأقعدن‭ ‬لهم‭ ‬صراطك‭ ‬المستقيم‭ (‬16‭) ‬ثم‭ ‬لآتينهم‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬أيديهم‭ ‬ومن‭ ‬خلفهم‭ ‬وعن‭ ‬أيمانهم‭ ‬وعن‭ ‬شمائلهم‭ ‬ولا‭ ‬تجد‭ ‬أكثرهم‭ ‬شاكرين‭ (‬17‭)‬‮»‬‭ ‬الأعراف‭.‬

وفي‭ ‬ختام‭ ‬هذه‭ ‬التوجيهات‭ ‬الربانية‭ ‬في‭ ‬الاستجابة‭ ‬لأوامر‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬ونواهيه،‭ ‬ولأنه‭ ‬سبحانه‭ ‬لا‭ ‬يأمر‭ ‬بالفحشاء‭ ‬والمنكر،‭ ‬بل‭ ‬غايته‭ ‬سبحانه‭ ‬تزكية‭ ‬نفوسكم،‭ ‬وإصلاح‭ ‬ظاهركم‭ ‬وباطنكم،‭ ‬وأنه‭ ‬من‭ ‬فضل‭ ‬الله‭ ‬وحسن‭ ‬رعايته‭ ‬سبحانه‭ ‬للمؤمنين‭ ‬الذين‭ ‬يريد‭ ‬الخير‭ ‬لهم،‭ ‬وبهذا‭ ‬تكاملت‭ ‬منظومة‭ ‬القيم‭ ‬التي‭ ‬يدعو‭ ‬إليها‭ ‬الإسلام،‭ ‬ويفتح‭ ‬للمؤمنين‭ ‬آفاق‭ ‬المعرفة‭ ‬التي‭ ‬تسعى‭ ‬إليها‭ ‬الأمم‭ ‬التي‭ ‬صنعها‭ ‬الإسلام‭ ‬على‭ ‬عينه‭.‬

إذًا،‭ ‬فالإسلام‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬القمة‭ ‬في‭ ‬علاقة‭ ‬المسلم‭ ‬بمولاه‭ ‬سبحانه‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬أدنى‭ ‬مرتبة‭ ‬وهي‭ ‬إماطة‭ ‬الأذى‭ ‬عن‭ ‬الطريق،‭ ‬فذلك‭ ‬من‭ ‬شعب‭ ‬الإيمان،‭ ‬يقول‭ ‬الرسول‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭: ‬الإيمان‭ ‬بضع‭ ‬وسبعون‭ ‬أو‭ ‬بضع‭ ‬وستون،‭ ‬شعبة،‭ ‬أعلاها‭ ‬قول‭ ‬لا‭ ‬إله‭ ‬إلا‭ ‬الله،‭ ‬وأدناها‭ ‬إماطة‭ ‬الأذى‭ ‬عن‭ ‬الطريق،‭ ‬والحياء‭ ‬شعبة‭ ‬من‭ ‬الإيمان‭. (‬رواه‭ ‬مسلم‭).‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا