العدد : ١٧٦٥٧ - الاثنين ٢٧ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٣ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٥٧ - الاثنين ٢٧ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٣ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

التعليم الجامعي العربي وتحديات جودة وتأهيل الخريجين

بقلم: د. جاسم بونوفل

الاثنين ٢٧ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

نبارك‭ ‬لأولياء‭ ‬الأمور،‭ ‬ونشاركهم‭ ‬فرحتهم‭ ‬بالاحتفاء‭ ‬بتخرج‭ ‬أبنائهم‭ ‬في‭ ‬الجامعات‭ ‬في‭ ‬داخل‭ ‬البحرين‭ ‬وخارجها،‭ ‬ونشارك‭ ‬الأبناء‭ ‬فرحتهم،‭ ‬ووصولهم‭ ‬إلى‭ ‬منصة‭ ‬التتويج‭ ‬لتسلم‭ ‬شهاداتهم،‭ ‬ليقطفوا‭ ‬ثمار‭ ‬جدهم‭ ‬واجتهادهم‭ ‬بعد‭ ‬قضاء‭ ‬أربع‭ ‬سنوات‭ ‬أو‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أعمارهم‭ ‬على‭ ‬مقاعد‭ ‬الدراسة،‭ ‬ينهلون‭ ‬العلم‭ ‬من‭ ‬أساتذتهم‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬التخصصات‭ ‬الجامعية،‭ ‬ونتمنى‭ ‬لهم‭ ‬كل‭ ‬التوفيق‭ ‬والسُّؤْددُ‭ ‬في‭ ‬حياتهم‭ ‬العملية‭ ‬القادمة‭.‬

لكن،‭ ‬ونحن‭ ‬في‭ ‬نشوة‭ ‬الاحتفال‭ ‬بأفواج‭ ‬الخريجين‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬الجامعات،‭ ‬علينا‭ ‬التذكير‭ ‬بمسألة‭ ‬مهمة،‭ ‬وجديرة‭ ‬بالاهتمام،‭ ‬ويجب‭ ‬التوقف‭ ‬عندها‭ ‬بتمعن؛‭ ‬لأنها‭ ‬تمثل‭ ‬إحدى‭ ‬الإشكاليات‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬التعليم‭ ‬العالي‭ ‬في‭ ‬بلداننا‭ ‬العربية،‭ ‬وتتجسد‭ ‬هذه‭ ‬الإشكالية‭ ‬في‭ ‬عدم‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬الكم‭ ‬والكيف‭ ‬في‭ ‬مخرجات‭ ‬التعليم‭ ‬العالي؛‭ ‬حيث‭ ‬يغلب‭ ‬الكم‭ ‬على‭ ‬الكيف؛‭ ‬فهناك‭ ‬زيادة‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬أعداد‭ ‬الخريجين‭ ‬مقابل‭ ‬قصور‭ ‬واضح‭ ‬في‭ ‬الجانب‭ ‬النوعي،‭ ‬ويكمن‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬امتلاك‭ ‬الخريجين‭ ‬المعلومات‭ ‬والمهارات‭ ‬التي‭ ‬تُمكنهم‭ ‬من‭ ‬المساهمة‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬مجتمعاتهم‭ ‬وبلدانهم،‭ ‬والارتقاء‭ ‬بها‭  ‬لتواكب‭ ‬مصاف‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أثبتته‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدراسات‭ ‬الحديثة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال،‭ ‬حيث‭ ‬أشارت‭ ‬إحداها‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬معظم‭ ‬الخريجين‭ ‬لا‭ ‬يمتلكون‭ ‬المعلومات‭ ‬والمهارات‭ ‬الكافية‭ ‬واللازمة‭ ‬التي‭ ‬تؤهلهم‭ ‬لرسم‭ ‬صورة‭ ‬جديدة‭ ‬لمجتمعاتهم،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬النظام‭ ‬الجامعي‭ ‬العربي‭ ‬متوقفاً‭ ‬عند‭ ‬هدف‭  ‬تخريج‭ ‬موظفين‭ ‬للعمل‭ ‬في‭ ‬القطاعين‭ ‬العام‭ ‬والخاص‭.‬

ولذلك،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬هذه‭ ‬الإشكالية‭ ‬تثير‭ ‬جدلاً‭ ‬واسعاً‭ ‬في‭ ‬الأوساط‭ ‬العلمية‭ ‬والتربوية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والسياسية‭. ‬ولما‭ ‬كانت‭ ‬المسألة‭ ‬مهمة،‭ ‬فلم‭ ‬تعد‭ ‬تشغل‭ ‬بال‭ ‬المشتغلين‭ ‬بالتعليم‭ ‬الجامعي‭ ‬وحدهم،‭ ‬وإنما‭ ‬باتت‭ ‬حديث‭ ‬المفكرين‭ ‬وعلماء‭ ‬الاجتماع‭ ‬والاقتصاد،‭ ‬وكل‭ ‬المهتمين‭ ‬بالتنمية‭.‬

وبدأ‭ ‬الجميع‭ ‬يتساءل‭ ‬عن‭ ‬نوع‭ ‬التعليم‭ ‬الذي‭ ‬يحتاج‭ ‬إليه‭ ‬الشباب‭ ‬العربي،‭ ‬الذي‭ ‬يختلف‭ ‬بالتأكيد‭ ‬عن‭ ‬التعليم‭ ‬القائم‭ ‬حالياً‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬جامعتنا،‭ ‬ووصل‭ ‬بعضهم‭ ‬إلى‭ ‬نتيجة‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬الفجوة‭ ‬المعرفية‭ ‬ببن‭ ‬الجامعات‭ ‬المتقدمة‭ ‬ونظيراتها‭ ‬العربية‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬عميقة‭ ‬بحسب‭ ‬الدراسات‭ ‬الأكاديمية،‭ ‬وتقارير‭ ‬التنمية؛‭ ‬مثل‭ ‬مؤشرات‭ ‬برنامج‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬الإنمائي‭ ‬التي‭ ‬أشارت‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المناهج‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬الجامعات‭ ‬العربية‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تميل‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬التلقين‭ ‬النظري‮»‬‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬التعليم‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬المهارات‭.‬

كذلك‭ ‬أشار‭ ‬إعلان‭ ‬عمان‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الشباب‭ ‬العربي‭ ‬بحاجة‭ ‬ماسة‭ ‬إلى‭ ‬برامج‭ ‬تركز‭ ‬على‭ ‬ريادة‭ ‬الأعمال،‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬والثقافة‭ ‬الرقمية،‭ ‬والتفكير‭ ‬النقدي‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬تفتقر‭ ‬إليه‭ ‬الخطط‭ ‬الدراسية‭ ‬التقليدية‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬جامعاتنا‭. ‬إن‭ ‬التعليم‭ ‬المطلوب‭ ‬لشبابنا‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يركز‭ ‬على‭ ‬تدريب‭ ‬الشباب‭ ‬على‭ ‬الابتكار،‭ ‬والتفكير‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬المستقبل‭ ‬بصورة‭ ‬مختلفة‭ ‬عن‭ ‬الحاضر‭. ‬

وبناء‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬سبق،‭ ‬فإن‭ ‬تحقيق‭ ‬قفزة‭ ‬نوعية‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬العالي‭ ‬أصبح‭ ‬حاجة‭ ‬ضرورية‭ ‬وليس‭ ‬ترفاً،‭ ‬وهذا‭ ‬يتطلب‭ ‬ثورة‭ ‬في‭ ‬مناهج‭ ‬وطرائق‭ ‬التعليم؛‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تسير‭ ‬العملية‭ ‬التعليمية‭ ‬في‭ ‬جامعاتنا‭ ‬كسابق‭ ‬عهدها‭ ‬بنفس‭ ‬الطرائق‭ ‬التقليدية،‭ ‬لأن‭ ‬السير‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الاتجاه‭ ‬لن‭ ‬يوصلنا‭ ‬إلى‭ ‬الغاية‭ ‬المنشودة‭ ‬من‭ ‬التعليم‭ ‬العالي‭. ‬ولذلك‭ ‬فنحن‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬تغيير‭ ‬في‭ ‬مناهج‭ ‬وطرائق‭ ‬التعليم،‭ ‬ولا‭ ‬ضير‭ ‬من‭ ‬دراسة‭ ‬التجارب‭ ‬الناجحة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬والاسترشاد‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬أنظمتنا‭ ‬الجامعية،‭ ‬فإن‭ ‬سر‭ ‬نجاح‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬سيرها‭ ‬على‭ ‬طريق‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬المختلف‭ ‬عن‭ ‬الحاضر‭ ‬كلياً‭.‬

إذاً،‭ ‬نحن‭ ‬بحاجة‭ ‬بالفعل‭ ‬إلى‭ ‬تغيير‭ ‬حقيقي‭ ‬في‭ ‬طرائق‭ ‬التدريس‭ ‬الجامعي،‭ ‬والانتقال‭ ‬إلى‭ ‬استراتيجيات‭ ‬حديثة‭ ‬تسمح‭ ‬للطالب‭ ‬بالسباحة‭ ‬في‭ ‬محيط‭ ‬عالم‭ ‬الخيال‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يمنعه‭ ‬أستاذ‭ ‬المقرر‭ ‬في‭ ‬قاعات‭ ‬المحاضرات‭ ‬من‭ ‬العوم‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المحيط،‭ ‬ويُفترض‭ ‬أن‭ ‬يطلق‭ ‬له‭ ‬العنان‭ ‬للتفكير‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬حلول‭ ‬غير‭ ‬عادية‭ ‬لإشكالية‭ ‬ما،‭ ‬لم‭ ‬يتطرق‭ ‬إليها‭ ‬الأستاذ‭ ‬في‭ ‬محاضراته،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬كتبه‭. ‬وأن‭ ‬يتاح‭ ‬للطالب‭ ‬الخروج‭ ‬عن‭ ‬المذاهب‭ ‬النقدية‭ ‬المتعارف‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬النقد‭ ‬الأدبي‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬مناقشة‭ ‬رواية‭ ‬ما،‭ ‬مع‭ ‬إفساح‭ ‬المجال‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬نقد‭ ‬النظريات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬آراء‭ ‬الاقتصاديين‭ ‬التقليديين‭. ‬ومن‭ ‬الضروري‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬قاعات‭ ‬المحاضرات‭ ‬إلى‭ ‬جلسات‭ ‬للعصف‭ ‬الذهني‭ ‬يتاح‭ ‬للمتعلم‭ ‬أن‭ ‬يدلي‭ ‬فيها‭ ‬بآرائه،‭ ‬ويطرح‭ ‬فيها‭ ‬أفكاره‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬خوف‭ ‬أو‭ ‬تردد‭ ‬أو‭ ‬خطوط‭ ‬حمراء‭.‬

في‭ ‬اعتقادي،‭ ‬إن‭ ‬تحسين‭ ‬مخرجات‭ ‬التعليم‭ ‬العالي‭ ‬ينطلق‭ ‬أولاً‭ ‬من‭ ‬تغيير‭ ‬طرائق‭ ‬التدريس،‭ ‬لكنها‭ ‬بالتأكيد‭ ‬ليست‭ ‬العامل‭ ‬الوحيد‭ -‬وإن‭ ‬كنت‭ ‬أميل‭ ‬إلى‭ ‬ترجيح‭ ‬كفتها‭- ‬وهذا‭ ‬يقودنا‭ ‬إلى‭ ‬تأكيد‭ ‬عامل‭ ‬آخر‭ ‬نرى‭ ‬أن‭ ‬له‭ ‬تأثيراً‭ ‬بالغاً،‭ ‬هو‭ ‬تحسين‭ ‬أساليب‭ ‬التقويم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إدخال‭ ‬أدوات‭ ‬حديثة‭ ‬عليها؛‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الامتحانات‭ ‬كوسيلة‭ ‬وحيدة‭ ‬للتقويم‭ ‬تستحوذ‭ ‬على‭ ‬النسبة‭ ‬الكبرى‭ ‬من‭ ‬تقييم‭ ‬أداء‭ ‬الطالب،‭ ‬بل‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬إدخال‭ ‬أساليب‭ ‬أخرى‭ ‬بنسب‭ ‬معقولة‭ ‬ومقبولة‭. ‬وهنا‭ ‬يأتي‭ ‬البحث‭ ‬العلمي‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬هذه‭ ‬الأساليب؛‭ ‬فهو‭ ‬ركن‭ ‬أساسي‭ ‬في‭ ‬تقييم‭ ‬الطلبة‭ ‬الجامعيين،‭ ‬ولكن‭ ‬بشرط‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬وسيلة‭ ‬حقيقية،‭ ‬وأن‭ ‬يكون‭ ‬الأستاذ‭ ‬جاداً‭ ‬في‭ ‬استخدامها‭ ‬ليشعر‭ ‬الطالب‭ ‬أنه‭ ‬أمام‭ ‬تحد‭ ‬حقيقي‭ ‬يجب‭ ‬تجاوزه،‭ ‬وأن‭ ‬تكون‭ ‬درجته‭ ‬مكافئة‭ ‬تماماً‭ ‬للجهد‭ ‬الذي‭ ‬بذله،‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬متغيرات‭ ‬العصر‭ ‬التي‭ ‬سمحت‭ ‬للطالب‭ ‬بالاستفادة‭ ‬من‭ ‬الذكاء‭ ‬الصناعي‭ ‬بصورة‭ ‬إيجابية،‭ ‬بحيث‭ ‬يكون‭ ‬داعماً‭ ‬لا‭ ‬بديلاً‭ ‬عن‭ ‬جهد‭ ‬الطالب‭.‬

ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬الزيادة‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬الخريجين‭ ‬ليست‭ ‬المؤشر‭ ‬الوحيد‭ ‬على‭ ‬صحة‭ ‬نظام‭ ‬التعليم‭ ‬العالي‭ ‬وعافيته،‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يُقابِلْهُ‭ ‬تقدم‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬النوعي‭. ‬فإذا‭ ‬كانت‭ ‬الزيادة‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬الخريجين‭ ‬مطلوبة،‭ ‬ومقبولةً‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬زمنية‭ ‬سابقة‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬مبررة‭ ‬بسبب‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬التعليم‭ ‬كان‭ ‬محدوداً‭ ‬في‭ ‬بداياته،‭ ‬فإن‭ ‬المرحلة‭ ‬الحالية‭ ‬وقد‭ ‬اتسعت‭ ‬رقعته‭ ‬وزاد‭ ‬انتشارُه‭ ‬تجعل‭ ‬هذه‭ ‬المعادلة‭ ‬غير‭ ‬مقبولة؛‭ ‬بمعنى‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬توازن‭ ‬بين‭ ‬التزايد‭ ‬الكمي‭ ‬والتزايد‭ ‬النوعي‭ ‬في‭ ‬مخرجات‭ ‬التعليم‭ ‬العالي‭. ‬ولا‭ ‬نغالي‭ ‬إذا‭ ‬أكدنا‭ ‬أهمية‭ ‬الجانب‭ ‬النوعي،‭ ‬أي‭ ‬جودة‭ ‬مخرجات‭ ‬التعليم‭ ‬والتركيز‭ ‬عليها؛‭ ‬لأنها‭ ‬هي‭ ‬الغاية‭ ‬النهائية‭ ‬من‭ ‬التعليم،‭ ‬وخاصةً‭ ‬لدولنا‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬أمس‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬الكفاءات‭ ‬البشرية‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬النهوض‭ ‬بالمجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬والارتقاء‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬لا‭ ‬يعترف‭ ‬إلا‭ ‬بالقوة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬المعرفة‭. ‬

الخلاصة‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬العبرة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬كثرة‭ ‬عدد‭ ‬الجامعات،‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬تضخم‭ ‬عدد‭ ‬الخريجين‭ ‬والشهادات،‭ ‬بل‭ ‬بمدى‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬أهداف‭ ‬التعليم‭ ‬العالي‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬جيل‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬يمتلك‭ ‬المعلومات،‭ ‬والمهارات،‭ ‬والاتجاهات،‭ ‬ويستطيع‭ ‬توظيفها‭ ‬بإتقان‭ ‬في‭ ‬مؤسسات‭ ‬العمل‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يذهب‭ ‬عالم‭ ‬الاجتماع‭ ‬الأمريكي‭ (‬راندل‭ ‬كولينز‭ ‬Randall‭ ‬Collins‭) ‬في‭ ‬مقاربته‭ ‬للتعليم‭ ‬العالي‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬الشهير‭ ‬‮«‬مجتمع‭ ‬الشهادات‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬الشهادات‭ ‬الجامعية‭ ‬لا‭ ‬تعكس‭ ‬بالضرورة‭ ‬كفاءة‭ ‬الخريجين‭ ‬أو‭ ‬مهاراتهم‭ ‬التقنية،‭ ‬ويرى‭ ‬أن‭ ‬التعليم‭ ‬وثيق‭ ‬الصلة‭ ‬بالتضخم‭ ‬الحاصل‭ ‬في‭ ‬متطلبات‭ ‬الوظائف،‭ ‬وهو‭ ‬أداة‭ ‬لترسيخ‭ ‬الطبقة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والهيمنة‭ ‬الثقافية،‭ ‬لا‭ ‬معياراً‭ ‬موضوعياً‭ ‬للأداء‭. ‬

ومن‭ ‬جملة‭ ‬ما‭ ‬تطرق‭ ‬إليه‭ ‬أيضاً‭ ‬مسألة‭ ‬في‭ ‬غاية‭ ‬الأهمية،‭ ‬هي‭: ‬‮«‬إن‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬العالي‭ ‬لم‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬زيادة‭ ‬الحراك‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الحقيقي‭ ‬أو‭ ‬العدالة،‭ ‬بل‭ ‬زاد‭ ‬من‭ ‬تكاليف‭ ‬التعليم‭ ‬وأعبائه‭ ‬المالية‭ ‬على‭ ‬الفئات‭ ‬الضعيفة‮»‬‭.‬

كلمة‭ ‬أخيرة،‭ ‬إن‭ ‬المسألة‭ ‬بحاجة‭ ‬ماسة‭ ‬إلى‭ ‬وقفة‭ ‬جادة،‭ ‬وإعادة‭ ‬نظر‭ ‬في‭ ‬أنظمة‭ ‬التعليم‭ ‬العالي‭ ‬في‭ ‬البلدان‭ ‬العربية‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتفاقم‭ ‬المشكلة،‭ ‬وتتحول‭ ‬مجتمعاتنا‭ ‬العربية‭ ‬إلى‭ ‬مجتمعات‭ ‬شهادات‭ ‬فارغة‭ ‬من‭ ‬المضمون‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا