نبارك لأولياء الأمور، ونشاركهم فرحتهم بالاحتفاء بتخرج أبنائهم في الجامعات في داخل البحرين وخارجها، ونشارك الأبناء فرحتهم، ووصولهم إلى منصة التتويج لتسلم شهاداتهم، ليقطفوا ثمار جدهم واجتهادهم بعد قضاء أربع سنوات أو أكثر من أعمارهم على مقاعد الدراسة، ينهلون العلم من أساتذتهم في مختلف التخصصات الجامعية، ونتمنى لهم كل التوفيق والسُّؤْددُ في حياتهم العملية القادمة.
لكن، ونحن في نشوة الاحتفال بأفواج الخريجين من مختلف الجامعات، علينا التذكير بمسألة مهمة، وجديرة بالاهتمام، ويجب التوقف عندها بتمعن؛ لأنها تمثل إحدى الإشكاليات التي تواجه التعليم العالي في بلداننا العربية، وتتجسد هذه الإشكالية في عدم التوازن بين الكم والكيف في مخرجات التعليم العالي؛ حيث يغلب الكم على الكيف؛ فهناك زيادة كبيرة في أعداد الخريجين مقابل قصور واضح في الجانب النوعي، ويكمن ذلك في امتلاك الخريجين المعلومات والمهارات التي تُمكنهم من المساهمة في تطوير مجتمعاتهم وبلدانهم، والارتقاء بها لتواكب مصاف الدول المتقدمة، وهو ما أثبتته العديد من الدراسات الحديثة في هذا المجال، حيث أشارت إحداها إلى أن معظم الخريجين لا يمتلكون المعلومات والمهارات الكافية واللازمة التي تؤهلهم لرسم صورة جديدة لمجتمعاتهم، حيث لا يزال النظام الجامعي العربي متوقفاً عند هدف تخريج موظفين للعمل في القطاعين العام والخاص.
ولذلك، لا تزال هذه الإشكالية تثير جدلاً واسعاً في الأوساط العلمية والتربوية والاقتصادية والسياسية. ولما كانت المسألة مهمة، فلم تعد تشغل بال المشتغلين بالتعليم الجامعي وحدهم، وإنما باتت حديث المفكرين وعلماء الاجتماع والاقتصاد، وكل المهتمين بالتنمية.
وبدأ الجميع يتساءل عن نوع التعليم الذي يحتاج إليه الشباب العربي، الذي يختلف بالتأكيد عن التعليم القائم حالياً في معظم جامعتنا، ووصل بعضهم إلى نتيجة مفادها أن الفجوة المعرفية ببن الجامعات المتقدمة ونظيراتها العربية لا تزال عميقة بحسب الدراسات الأكاديمية، وتقارير التنمية؛ مثل مؤشرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي التي أشارت إلى أن المناهج في معظم الجامعات العربية لا تزال تميل إلى «التلقين النظري» بدلاً من التعليم القائم على المهارات.
كذلك أشار إعلان عمان إلى أن الشباب العربي بحاجة ماسة إلى برامج تركز على ريادة الأعمال، والذكاء الاصطناعي، والثقافة الرقمية، والتفكير النقدي وهو ما تفتقر إليه الخطط الدراسية التقليدية في معظم جامعاتنا. إن التعليم المطلوب لشبابنا هو الذي يركز على تدريب الشباب على الابتكار، والتفكير في صناعة المستقبل بصورة مختلفة عن الحاضر.
وبناء على ما سبق، فإن تحقيق قفزة نوعية في التعليم العالي أصبح حاجة ضرورية وليس ترفاً، وهذا يتطلب ثورة في مناهج وطرائق التعليم؛ إذ لا يمكن أن تسير العملية التعليمية في جامعاتنا كسابق عهدها بنفس الطرائق التقليدية، لأن السير في هذا الاتجاه لن يوصلنا إلى الغاية المنشودة من التعليم العالي. ولذلك فنحن بحاجة إلى تغيير في مناهج وطرائق التعليم، ولا ضير من دراسة التجارب الناجحة في العالم والاسترشاد بها في تطوير أنظمتنا الجامعية، فإن سر نجاح هذه الدول يكمن في سيرها على طريق التفكير في المستقبل المختلف عن الحاضر كلياً.
إذاً، نحن بحاجة بالفعل إلى تغيير حقيقي في طرائق التدريس الجامعي، والانتقال إلى استراتيجيات حديثة تسمح للطالب بالسباحة في محيط عالم الخيال من دون أن يمنعه أستاذ المقرر في قاعات المحاضرات من العوم في هذا المحيط، ويُفترض أن يطلق له العنان للتفكير والبحث عن حلول غير عادية لإشكالية ما، لم يتطرق إليها الأستاذ في محاضراته، أو في كتبه. وأن يتاح للطالب الخروج عن المذاهب النقدية المتعارف عليها في النقد الأدبي في حال مناقشة رواية ما، مع إفساح المجال له في نقد النظريات الاقتصادية بعيداً عن آراء الاقتصاديين التقليديين. ومن الضروري أن تتحول قاعات المحاضرات إلى جلسات للعصف الذهني يتاح للمتعلم أن يدلي فيها بآرائه، ويطرح فيها أفكاره من دون خوف أو تردد أو خطوط حمراء.
في اعتقادي، إن تحسين مخرجات التعليم العالي ينطلق أولاً من تغيير طرائق التدريس، لكنها بالتأكيد ليست العامل الوحيد -وإن كنت أميل إلى ترجيح كفتها- وهذا يقودنا إلى تأكيد عامل آخر نرى أن له تأثيراً بالغاً، هو تحسين أساليب التقويم من خلال إدخال أدوات حديثة عليها؛ إذ لا يمكن الاعتماد على الامتحانات كوسيلة وحيدة للتقويم تستحوذ على النسبة الكبرى من تقييم أداء الطالب، بل لا بد من إدخال أساليب أخرى بنسب معقولة ومقبولة. وهنا يأتي البحث العلمي على رأس هذه الأساليب؛ فهو ركن أساسي في تقييم الطلبة الجامعيين، ولكن بشرط أن يتحول إلى وسيلة حقيقية، وأن يكون الأستاذ جاداً في استخدامها ليشعر الطالب أنه أمام تحد حقيقي يجب تجاوزه، وأن تكون درجته مكافئة تماماً للجهد الذي بذله، وخاصة في ظل متغيرات العصر التي سمحت للطالب بالاستفادة من الذكاء الصناعي بصورة إيجابية، بحيث يكون داعماً لا بديلاً عن جهد الطالب.
ومن هنا، فإن الزيادة في عدد الخريجين ليست المؤشر الوحيد على صحة نظام التعليم العالي وعافيته، ما لم يُقابِلْهُ تقدم على المستوى النوعي. فإذا كانت الزيادة في عدد الخريجين مطلوبة، ومقبولةً في مرحلة زمنية سابقة قد تكون مبررة بسبب أن هذا النوع من التعليم كان محدوداً في بداياته، فإن المرحلة الحالية وقد اتسعت رقعته وزاد انتشارُه تجعل هذه المعادلة غير مقبولة؛ بمعنى أنه لا بد أن يكون هناك توازن بين التزايد الكمي والتزايد النوعي في مخرجات التعليم العالي. ولا نغالي إذا أكدنا أهمية الجانب النوعي، أي جودة مخرجات التعليم والتركيز عليها؛ لأنها هي الغاية النهائية من التعليم، وخاصةً لدولنا التي هي في أمس الحاجة إلى الكفاءات البشرية القادرة على النهوض بالمجتمعات العربية والارتقاء بها في زمن لا يعترف إلا بالقوة في كل شيء، في مقدمتها المعرفة.
الخلاصة هي أن العبرة ليست في كثرة عدد الجامعات، ولا في تضخم عدد الخريجين والشهادات، بل بمدى قدرتها على تحقيق أهداف التعليم العالي في صناعة جيل من الشباب يمتلك المعلومات، والمهارات، والاتجاهات، ويستطيع توظيفها بإتقان في مؤسسات العمل. وفي هذا السياق، يذهب عالم الاجتماع الأمريكي (راندل كولينز Randall Collins) في مقاربته للتعليم العالي في كتابه الشهير «مجتمع الشهادات» إلى القول إن الشهادات الجامعية لا تعكس بالضرورة كفاءة الخريجين أو مهاراتهم التقنية، ويرى أن التعليم وثيق الصلة بالتضخم الحاصل في متطلبات الوظائف، وهو أداة لترسيخ الطبقة الاجتماعية والهيمنة الثقافية، لا معياراً موضوعياً للأداء.
ومن جملة ما تطرق إليه أيضاً مسألة في غاية الأهمية، هي: «إن التوسع في التعليم العالي لم يسهم في زيادة الحراك الاجتماعي الحقيقي أو العدالة، بل زاد من تكاليف التعليم وأعبائه المالية على الفئات الضعيفة».
كلمة أخيرة، إن المسألة بحاجة ماسة إلى وقفة جادة، وإعادة نظر في أنظمة التعليم العالي في البلدان العربية قبل أن تتفاقم المشكلة، وتتحول مجتمعاتنا العربية إلى مجتمعات شهادات فارغة من المضمون.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك