قرر رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو تأجيل زيارته التي أرادها أن تكون في وداع السيناتور ليندسي جراهام، ويدعي نتنياهو أنه أراد أن يشارك شخصياً في تشييع «البطل الإسرائيلي» حامل الجنسية الأمريكية السيناتور جراهام، الذي توفي خلال فترة قصيرة وبسرعة في ظل تكهنات بأنه تعرض للاغتيال.
يكذب نتنياهو كما تعود أن يفعل دائماً، في محاولة لحفظ ماء الوجه، بينما تشير الوقائع إلى أن سبب التأجيل، وربما إلغاء الزيارة من الأساس، يعود إلى خشية نتنياهو من أن يجد نفسه في مكان زيلينسكي عندما تعرض للإهانة والتوبيخ من قبل الرئيس ترامب.
الأوضاع في الولايات المتحدة تجاه إسرائيل وليس فقط تجاه نتنياهو تشهد تطورات تتسع وتتعمق كل يوم، نحو تغيير مهم في طبيعة العلاقات الأمريكية الإسرائيلية للمرة الأولى في تاريخ العلاقات بين الطرفين.
كان رئيس الحكومة الأسبق أيهود باراك قد قال: إن نتنياهو يقود سفينة التايتانيك إلى الغرق، وها هي بعض المؤشرات على مصداقية ما قاله باراك، لأن إسرائيل تخسر يوماً بعد آخر، آخر حلفائها الرئيس ترامب، وآخر الدول التي حملتها على ظهرها ومن دونها لا تستطيع إسرائيل العيش طويلا.
أما أسباب تأجيل نتنياهو زيارته للولايات المتحدة فتعود إلى المناخات السلبية التي تنتظره، من دون أن يتمكن اللوبي الصهيوني من النجاح في تحسين تلك المناخات، رغم أنه وظف الكثير من الأموال لوقف هذا التدهور في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية.
لقد عاد عمدة نيويورك زهير ممداني وأكد ما كان تعهد به بعد فوزه بالمنصب، من أنه سيقوم باعتقال نتنياهو إذا زار نيويورك، وأنه ملتزم بالقانون الدولي، وقرارات المحكمة الجنائية الدولية، التي أصدرت مذكرة توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي.
في ردّها عبرت الصحافة الإسرائيلية عن غضبها من ممداني الذي تقول:
إن عليه أن يهتم بأوضاع المدينة بدلاً من الاهتمام بالتحريض على إسرائيل، وكأنه مهمل تجاه مواطني وأوضاع مدينته.
لعل الأهم من ذلك، يتعلق بالحرب الباردة التي اشتعلت بين نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، وبين إسرائيل وليس فقط نتنياهو، فانس اتهم إسرائيل بمحاولة التأثير على الإدارة الأمريكية وصناع القرار في الولايات المتحدة، واتهمها من خلال «الموساد» بالعلاقة مع إبستين، وأنها أيضاً تعمل على تخريب المساعي الدبلوماسية، التي تفضلها الولايات المتحدة لإقفال صفحة الصراع في الخليج.
استشاطت إسرائيل غضباً، وراحت وسائل الإعلام على نحو واسع تتهم نائب الرئيس الأمريكي، في محاولة لتحريض الرئيس ترامب على نائبه، غير أن الناطقة باسم البيت الأبيض، أجابت بنعم حين سئلت عما إذا كان الرئيس ترامب يدعم تصريحات نائبه فانس.
هكذا يكون الوضع في البيت الأبيض متوتراً تجاه إسرائيل، إلا من فريق يشكل ماركو روبيو وزير الخارجية عنوانه، الذي ظل على عهد الدفاع عن إسرائيل وتبني سياساتها.
الرئيس ترامب غاضب بصمت من نتنياهو، الذي رفض الانسحاب من جنوب سورية، في سياق رؤية أمريكية لكيفية التعامل مع ملف «حزب الله» ولبنان، ورفض نتنياهو حتى الآن الانسحاب من المناطق التي تم تحديدها كمناطق تجريبية في جنوب لبنان، ما يفسد على ترامب حساباته تجاه لبنان أيضاً.
بالعكس من طلبات ترامب تعمّد نتنياهو التصعيد في جنوب سورية وجنوب لبنان، فيما يبدو أنه اعتراض على قرار ترامب تزويد تركيا بطائرات إف-35، بالمواصفات التي تتمتع بها الطائرات التي تقدم لإسرائيل.
صفقة الطائرات الأمريكية لتركيا تشكل صدمة لإسرائيل التي تدعي أنها تقوّض الهيمنة الجوية الإسرائيلية، ولصالح دولة تتحدث إسرائيل عن أنها إيران المقبلة، التي تقوم بإعادة بناء الجيش السوري وتسليحه، ما يهدد الأمن القومي الإسرائيلي.
وخلال الأيام القليلة التي سبقت الموعد المفترض الذي تم تأجيله للزيارة، كان مائة وثلاثة أعضاء ديمقراطيين في الكونغرس قد صوتوا لصالح وقف الدعم العسكري لإسرائيل.
هذا التصويت، رغم أنه لم ينجح في الحصول على موافقة الكونغرس، فإنه يشكل سابقة خطيرة، وقعت كالصاعقة على رأس نتنياهو وكل من يتحدث بالسياسة في إسرائيل؛ لكونه مؤشراً قوياً على ما تتجه إليه الولايات المتحدة، وخصوصاً أنها مقبلة على انتخابات نصفية قد تطيح بالأغلبية الجمهورية في الكونغرس، فضلاً عن أنها مؤشر على تغييرات متزايدة نحو سياسة جديدة مختلفة عن السياسات التقليدية للحزب الديمقراطي، تتماشى مع التطور السلبي تجاه إسرائيل في الرأي العام الأمريكي.
أما تاكر كارلسون، الاعلامي الأمريكي المؤثر المهم على صعيد منصات التواصل الاجتماعي، الذي كان من الداعمين بقوة للرئيس ترامب والمدافعين عن إسرائيل، فقد خرج بلقاء عاصف، غير مسبوق من حيث ما تضمنه.
البداية بالنسبة إلى كارلسون كانت بعد أن واجه معاملة غير لائقة حين زار إسرائيل، ثم أخذت مواقفه تزداد وضوحاً وعداءً لإسرائيل.
كارلسون، اتهم الرئيس ترامب بخيانة الولايات المتحدة، وبأنه خائن لوعوده خلال الحملة الانتخابية، وخائن لقاعدة (ماجا) التي انقسمت على نفسها، واتهمه بالخنوع لمصالح وتأثير دولة صغيرة هي إسرائيل.
كارلسون أعلن دعمه لنائب الرئيس جي دي فانس، ولما صدر عنه من تصريحات ضد إسرائيل، وقال: لو أن جي دي فانس هو الذي كان الرئيس لما وقعت الحرب مع إيران، الأخطر حين قال: إن خضوع الرئيس ترامب للتدخلات الإسرائيلية يشكل سبباً لحدوث ثورة حقيقية في الشارع الأمريكي، إذا كانت هذه هي الأسباب التي تقف خلف تأجيل نتنياهو لزيارته، فإن الحاوي الإسرائيلي لم يملك ما يساعده على تجاوز هذه التغييرات الخطيرة، إذ لم يعد أمامه سوى أن يخضع، أو أن يرحل تاركاً خلفه حطاماً كبيراً في إسرائيل.
{ كاتب من فلسطين.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك