العدد : ١٧٦٥٣ - الخميس ٢٣ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٥٣ - الخميس ٢٣ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

هل يقترب عهد نتنياهو من نهايته؟

بقلم: د. مروان المعشّر

الأربعاء ٢٢ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

من‭ ‬المنتظر‭ ‬أن‭ ‬تُعقد‭ ‬الانتخابات‭ ‬البرلمانية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬المقبلة‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬أكتوبر‭ ‬المقبل‭. ‬ويكاد‭ ‬يكون‭ ‬ثمّة‭ ‬إجماع‭ ‬دولي‭ ‬على‭ ‬الأمل‭ ‬بأن‭ ‬يخسر‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الحالي‭ ‬هذه‭ ‬الانتخابات،‭ ‬لتأتي‭ ‬حكومة‭ ‬أخرى‭ ‬‮«‬أكثر‭ ‬اعتدالاً‭ ‬وأقل‭ ‬عنجهية‮»‬‭. ‬لكن‭ ‬ثمّة‭ ‬سؤالان‭ ‬لا‭ ‬بدّ‭ ‬من‭ ‬الإجابة‭ ‬عنهما‭ ‬بواقعية‭: ‬هل‭ ‬سيغادر‭ ‬نتنياهو‭ ‬الحكم‭ ‬فعلًا‭ ‬بعد‭ ‬شهر‭ ‬أكتوبر؟‭ ‬وهل‭ ‬سيؤدّي‭ ‬رحيله،‭ ‬إن‭ ‬حدث،‭ ‬إلى‭ ‬قيام‭ ‬حكومة‭ ‬أكثر‭ ‬اعتدالاً؟

تشير‭ ‬استطلاعات‭ ‬الرأي‭ ‬الحالية‭ ‬إلى‭ ‬أمور‭ ‬عدّة،‭ ‬أولها‭ ‬أن‭ ‬المعسكر‭ ‬المناوئ‭ ‬لنتنياهو‭ ‬سيحصل‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬58‭ ‬مقعدًا‭ ‬في‭ ‬الكنيست‭ ‬المقبل،‭ ‬مقابل‭ ‬52‭ ‬مقعدًا‭ ‬لمعسكر‭ ‬نتنياهو،‭ ‬فيما‭ ‬ستحصل‭ ‬الأحزاب‭ ‬العربية‭ ‬مجتمعةً‭ ‬على‭ ‬عشرة‭ ‬مقاعد‭. ‬ويعني‭ ‬ذلك،‭ ‬وفق‭ ‬الأرقام‭ ‬الحالية،‭ ‬أنّ‭ ‬أيًّا‭ ‬من‭ ‬المعسكرين‭ ‬لن‭ ‬يتمكّنا‭ ‬من‭ ‬تشكيل‭ ‬حكومة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬دعم‭ ‬الأحزاب‭ ‬العربية،‭ ‬إذ‭ ‬تحتاج‭ ‬أيّ‭ ‬حكومة‭ ‬إلى‭ ‬تأييد‭ ‬61‭ ‬عضوًا‭ ‬في‭ ‬الكنيست‭ ‬على‭ ‬الأقل‭.‬

نلاحظ‭ ‬أولًا‭ ‬أن‭ ‬الانقسام‭ ‬القائم‭ ‬في‭ ‬إسرائيل‭ ‬هو‭ ‬بين‭ ‬المعسكرين‭ ‬المؤيد‭ ‬لنتنياهو‭ ‬والمناوئ‭ ‬له،‭ ‬وليس‭ ‬انقسامًا‭ ‬حول‭ ‬السلام‭. ‬فالمجتمع‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬اليوم‭ ‬يكاد‭ ‬يُجمع‭ ‬على‭ ‬رفض‭ ‬إقامة‭ ‬دولة‭ ‬فلسطينية،‭ ‬بل‭ ‬يذهب‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬برفض‭ ‬إشراك‭ ‬الأحزاب‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬حكومة‭ ‬مقبلة‭. ‬

يتصدّر‭ ‬المعسكر‭ ‬المناوئ‭ ‬لنتنياهو‭ ‬شخصان؛‭ ‬أولهما‭ ‬نفتالي‭ ‬بينيت،‭ ‬الذي‭ ‬خسر‭ ‬ستة‭ ‬أو‭ ‬سبعة‭ ‬مقاعد‭ ‬في‭ ‬الاستطلاعات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬بعد‭ ‬تحالفه‭ ‬مع‭ ‬‮«‬المعتدل‮»‬‭ ‬يائير‭ ‬لابيد،‭ ‬بما‭ ‬يعني‭ ‬أنّ‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬مؤيّدي‭ ‬هذا‭ ‬المعسكر‭ ‬يرفضون‭ ‬هذا‭ ‬‮«‬الاعتدال‮»‬‭. ‬أما‭ ‬بينيت‭ ‬نفسه‭ ‬فقد‭ ‬ترأس‭ ‬مجلس‭ ‬المستوطنات‭ (‬Yesha‭) ‬بين‭ ‬عامَي‭ ‬2010‭ ‬و2012‭.‬

أما‭ ‬الشخصية‭ ‬الثانية‭ ‬فهي‭ ‬غادي‭ ‬آيزنكوت‭ ‬رئيس‭ ‬الأركان‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬السابق‭ ‬بين‭ ‬عامَي‭ ‬2015‭ ‬و2019،‭ ‬الذي‭ ‬تظهر‭ ‬الاستطلاعات‭ ‬الأخيرة‭ ‬تقدّمه‭ ‬السريع‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬تفوّقه‭ ‬على‭ ‬الليكود‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬المقاعد‭ ‬المتوقعة‭ ‬في‭ ‬الكنيست‭ ‬المقبل‭. ‬ولا‭ ‬يؤيّد‭ ‬آيزنكوت‭ ‬إشراك‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬الحكومة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬المقبلة،‭ ‬كما‭ ‬لا‭ ‬يؤيد‭ ‬إقامة‭ ‬دولة‭ ‬فلسطينية،‭ ‬بل‭ ‬سبق‭ ‬أن‭ ‬انتقد‭ ‬نتنياهو‭ ‬لأنه‭ ‬رأى‭ ‬في‭ ‬مواقفه‭ ‬قبولًا،‭ ‬ولو‭ ‬مشروطًا،‭ ‬بفكرة‭ ‬الدولة‭ ‬الفلسطينية‭.‬

نأتي‭ ‬إلى‭ ‬الأحزاب‭ ‬العربية‭ ‬الرئيسة‭ ‬الأربعة‭. ‬تتفق‭ ‬ثلاثة‭ ‬منها‭ ‬جبهة‭ ‬السلام‭ ‬والمساواة‭ ‬‮«‬حداش‮»‬،‭ ‬والحركة‭ ‬العربية‭ ‬للتغيير‭ ‬بقيادة‭ ‬أحمد‭ ‬الطيبي،‭ ‬والتجمع‭ ‬الوطني‭ ‬الديمقراطي‭ ‬برئاسة‭ ‬سامي‭ ‬أبو‭ ‬شحادة‭ ‬على‭ ‬برنامج‭ ‬سياسي‭ ‬متشابه،‭ ‬يرفض‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬حكومة‭ ‬إسرائيلية،‭ ‬باعتبار‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬يضفي‭ ‬عليها‭ ‬شرعية‭ ‬أمام‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي،‭ ‬بينما‭ ‬يُتوقع‭ ‬أن‭ ‬تواصل‭ ‬سياساتها‭ ‬الاستعمارية‭ ‬والتمييزية‭ ‬تجاه‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭.‬

‭ ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬يصرّ‭ ‬رئيس‭ ‬القائمة‭ ‬العربية‭ ‬الموحّدة‭ ‬منصور‭ ‬عباس‭ ‬على‭ ‬أهمية‭ ‬انخراط‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬السياسية‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬والقبول‭ ‬بدولة‭ ‬إسرائيل‭ ‬كواقع،‭ ‬والمشاركة‭ ‬في‭ ‬الحكومات‭ ‬الإسرائيلية‭. ‬ويعتقد‭ ‬عباس‭ ‬أن‭ ‬بينيت‭ ‬مستعد‭ ‬لإشراك‭ ‬قائمته‭ ‬في‭ ‬الحكومة،‭ ‬خلافاً‭ ‬لموقفه‭ ‬العلني‭ ‬الحالي‭.‬

وفي‭ ‬ظل‭ ‬هذه‭ ‬التباينات،‭ ‬واستجابةً‭ ‬لرغبة‭ ‬الشارع‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬خوض‭ ‬الانتخابات‭ ‬ضمن‭ ‬قائمة‭ ‬موحّدة،‭ ‬اتفقت‭ ‬الأحزاب‭ ‬العربية‭ ‬على‭ ‬قائمة‭ ‬‮«‬تقنية‮»‬‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬خوض‭ ‬الانتخابات‭ ‬بقائمة‭ ‬واحدة،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬الالتزام‭ ‬ببرنامج‭ ‬سياسي‭ ‬مشترك،‭ ‬مع‭ ‬ترك‭ ‬المجال‭ ‬بعد‭ ‬الانتخابات‭ ‬أمام‭ ‬قائمة‭ ‬منصور‭ ‬عباس‭ ‬للتحرك‭ ‬خارج‭ ‬الإطار‭ ‬السياسي‭ ‬لبقية‭ ‬الأحزاب‭ ‬العربية‭.‬

‭ ‬ومع‭ ‬أن‭ ‬الاستطلاعات‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬إمكانية‭ ‬حصول‭ ‬فلسطينيي‭ ‬الداخل‭ ‬على‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬15‭ ‬مقعدًا‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬توحّدهم،‭ ‬فإن‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬الموقفين‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬واسعة،‭ ‬ما‭ ‬يرجّح‭ ‬استمرار‭ ‬الانقسام‭ ‬وحصول‭ ‬القوائم‭ ‬العربية‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬عشرة‭ ‬مقاعد‭ ‬فقط،‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تحدث‭ ‬مفاجأة‭.‬

ماذا‭ ‬يعني‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬للحكومة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬المقبلة؟‭ ‬ثمّة‭ ‬احتمال‭ ‬لتوصّل‭ ‬معسكر‭ ‬آيزنكوت‭/‬بينيت‭ ‬إلى‭ ‬اتفاق‭ ‬مع‭ ‬قائمة‭ ‬منصور‭ ‬عباس،‭ ‬لتشكيل‭ ‬حكومة‭ ‬ذات‭ ‬أغلبية‭ ‬ضئيلة،‭ ‬أو‭ ‬لانسحاب‭ ‬عددٍ‭ ‬من‭ ‬أعضاء‭ ‬الليكود‭ ‬وانضمامهم‭ ‬إلى‭ ‬المعسكر‭ ‬المناوئ‭. ‬لكنّ‭ ‬هذَين‭ ‬الاحتمالَين‭ ‬يبقيان‭ ‬ضعيفَين،‭ ‬أولاً‭ ‬لأن‭ ‬الأحزاب‭ ‬اليهودية‭ ‬لا‭ ‬ترغب‭ ‬في‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الأصوات‭ ‬العربية،‭ ‬وثانيًا‭ ‬لأن‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الانسحاب‭ ‬يظل‭ ‬مستبعدًا،‭ ‬وثالثًا‭ ‬لأن‭ ‬القائمة‭ ‬العربية‭ ‬الموحّدة‭ ‬ستُتّهم‭ ‬بتجميل‭ ‬حكومة‭ ‬ستواصل‭ ‬النهج‭ ‬المعادي‭ ‬للفلسطينيين‭.‬

ويبقى‭ ‬السيناريو‭ ‬الأكثر‭ ‬ترجيحًا‭ ‬هو‭ ‬تشكيل‭ ‬حكومة‭ ‬وحدة‭ ‬وطنية‭ ‬تضم‭ ‬الليكود‭ ‬والأحزاب‭ ‬الأخرى،‭ ‬باستثناء‭ ‬الأحزاب‭ ‬العربية،‭ ‬وربما‭ ‬أيضًا‭ ‬حزبا‭ ‬بن‭ ‬غفير‭ ‬وسموتريتش‭. ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬الحالة،‭ ‬من‭ ‬المرجّح‭ ‬أن‭ ‬يصرّ‭ ‬نتنياهو‭ ‬على‭ ‬تولّي‭ ‬رئاسة‭ ‬الوزراء‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الأولى،‭ ‬إذا‭ ‬جرى‭ ‬الاتفاق‭ ‬على‭ ‬صيغة‭ ‬للتناوب‭.‬

‭ ‬بعبارة‭ ‬أخرى،‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬أن‭ ‬يغادر‭ ‬نتنياهو‭ ‬الحكم،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬فشل‭ ‬حزبه‭ ‬في‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬أغلبية‭ ‬في‭ ‬الكنيست‭ ‬المقبل‭. ‬وتنسب‭ ‬غالبية‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬التعنّت‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬إلى‭ ‬نتنياهو‭ ‬وشريكيه‭ ‬بن‭ ‬غفير‭ ‬وسموتريتش،‭ ‬وتعتقد‭ ‬أن‭ ‬رحيله‭ ‬سيأتي‭ ‬بحكومة‭ ‬أكثر‭ ‬اعتدالًا‭ ‬ومرونة‭ ‬تجاه‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭. ‬لكن‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬سيكتشف‭ ‬أن‭ ‬المشكلة‭ ‬تتجاوز‭ ‬شخص‭ ‬نتنياهو،‭ ‬وأنها‭ ‬أصبحت‭ ‬معضلة‭ ‬مجتمع‭ ‬إسرائيلي‭ ‬بأكمله،‭ ‬لا‭ ‬يريد‭ ‬السلام،‭ ‬ولا‭ ‬الانسحاب،‭ ‬ولا‭ ‬إقامة‭ ‬دولة‭ ‬فلسطينية‭.‬

إن‭ ‬ما‭ ‬يطرحه‭ ‬المجتمع‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬أمام‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬خياران‭ ‬لا‭ ‬ثالث‭ ‬لهما‭: ‬الإبادة‭ ‬أو‭ ‬التمييز‭ ‬العنصري‭ (‬Genocide‭ ‬or‭ ‬Apartheid‭). ‬أما‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬حكومة‭ ‬إسرائيلية،‭ ‬أيًّا‭ ‬كان‭ ‬شكلها،‭ ‬تتبنّى‭ ‬خيار‭ ‬السلام،‭ ‬فهو‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬الوهم‭. ‬

لذلك،‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬أنّ‭ ‬ثمّة‭ ‬حلًّا‭ ‬قريبًا‭ ‬للصراع‭ ‬الفلسطيني‭ ‬الإسرائيلي‭. ‬وما‭ ‬نحتاج‭ ‬إليه‭ ‬هو‭ ‬مقاربة‭ ‬تدرك‭ ‬هذه‭ ‬الحقيقة،‭ ‬وتعمل‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬صمود‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬على‭ ‬أرضهم‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يفرض‭ ‬العامل‭ ‬الديمغرافي‭ ‬نفسه‭.‬

{ وزير‭ ‬خارجية‭ ‬الأردن‭ ‬الأسبق‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا