العطاء لدينا في البحرين وفي الخليج بصورة عامة لم يكن يحتاج إلى اسم، كان يحدث بهدوء، كما تحدث أشياء كثيرة جميلة، من دون ضجة ومن دون انتظار شكر. لم نسمّه تطوعاً، ولم نضعه في خانة. كان جزءاً من النفس، مثل الصلاة ومثل الضيافة ومثل السؤال عن الجار.
مطلع هذا العام، حين كانت مملكتنا الحبيبة تمر بظروف استثنائية، فتحت باب التطوع لأبنائها. سارع الناس للتسجيل وكأنهم كانوا مستعدين قبل أن تأتي الدعوة. سجّلت مع أسرتي، وحتى مع تعطّل النظام مع ابنتي، سهرت تلك الليلة حتى تُتم تسجيلها. هذا وحده كان كافياً ليقول إن الرغبة أكبر من أي عائق.
وهذا الإصرار، بمختلف صوره، هو بالضبط ما فعله المناضل الجنوب إفريقي الشهير نيلسون مانديلا طوال حياته. رجل قضى سبعة وعشرين عاماً في السجن، وخرج يسأل ماذا يهب. قررت الأمم المتحدة أن تكرم روحه بدعوة كل إنسان على وجه الأرض إلى أن يمنح سبعا وستين دقيقة من وقته لخدمة الآخرين في يوم ميلاده، الثامن عشر من يوليو. السبع وستون دقيقة ليست عشوائية، هي عدد السنوات التي أمضاها في خدمة قضيته منذ بداية نضاله عام 1942.
سبع وستون دقيقة.. لو سألت نفسك الآن أين تذهب هذه الدقائق من يومك، ماذا ستجيب؟ نحن لا نشكو من قصر الوقت بقدر ما نشكو من كثرة ما يشغلنا. الهاتف، والمواعيد، وضجيج الحياة اليومية. كلها تستهلك وقتنا من دون أن تُرجع لنا شيئاً. الوقت موجود، لكننا أحياناً لا نعرف أين نضعه.
التطوع لا يعني بالضرورة الانتساب إلى جمعية أو حمل بطاقة. أحياناً قد يكون افتقاد جار والاطمئنان عليه، أو مساعدة طالب يعاني في دراسته. يبدأ من نظرة تلتفت لمن حولها، قبل أن يتحول إلى فعل.
في زنزانته الضيقة في جزيرة روبن، كان مانديلا يعلّم زملاءه المعتقلين ويرفع معنوياتهم ويزرع فيهم الأمل في ظروف لا يتخيلها عقل. سبعة وعشرون عاماً وعطاؤه لم يتوقف. السجن أخذ حريته وأبقى روحه.
كثيرون يتطوعون استجابة لدعوة رسمية، أو مجاراة لمناسبة تستحق التوثيق بصورة.. وهذا له قيمته. لكن ثمة نوع آخر، يحدث في صمت، تجد نفسك تعطي لأن في داخلك شيئاً يدفعك.
هذا النوع هو الذي يغير صاحبه قبل أن يغيّر من حوله. من جرّب أن يمد يده يعرف كيف تتغيّر نظرته للناس، يبدأ يرى من حوله بعيون مختلفة، يكتشف قصصاً لم يكن يعرفها، ويدرك أن وراء كل وجه عالماً كاملاً.
ما يقوله العلم في هذا الشأن يستحق التوقف. الدراسات تثبت أن من يتطوع بانتظام يعاني أقل من القلق والاكتئاب، ويشعر بمعنى أعمق لحياته. في عالم باتت فيه الضغوط النفسية تطرق أبواباً كثيرة، ربما كان التطوع من الأجوبة التي تستحق مزيداً من التفكير. من يتجاوز همومه ليهتم بغيره، يعود إلى نفسه أخف وأهدأ وأكثر قدرة على مواجهة ما ينتظره.
وهذا يصبح أكثر وضوحاً في اللحظات الصعبة. من يسهم وهو مثقل بهمومه، يشعر بهذا الأثر أكثر ممن يعطي وهو مرتاح البال. لمد اليد في زمن الأزمات طعم مختلف. الذي يقدم في الرخاء والأمان يفعل شيئاً جميلاً. لكن الذي يقدم وهو يحمل همه الخاص، وقلبه مشغول، وأمامه ما يكفيه من تحديات، فهذا فعل من مستوى آخر. ما رأيناه هذا العام كان من هذا النوع. ناس أعطوا وهم يعرفون أن البلد يمر بلحظة صعبة.
على مستوى المجتمع، يعرف المتطوعون حقاً من يسكن بجانبهم، ومن يحتاج، ومن يستطيع أن يمد يده. هذه المعرفة تصنع شيئاً لا تصنعه القوانين ولا المؤسسات، تصنع الثقة. والمجتمع الذي يثق بنفسه يصمد في أصعب اللحظات، ويبني في أهدئها. المجتمعات التي تتطوع لا تنهار بسهولة.
الشباب البحريني أثبت في مواقف كثيرة أنه لا يتأخر. ما رأيناه في حملة التطوع هذا العام كان دليلاً على جيل يحمل في داخله قيماً راسخة ورثها من دون أن يُعلمها في فصل دراسي. شباب سارع للتسجيل بدوافع نابعة من القلب. وهذا وحده يكفي ليقول للعالم من نحن.
الخير كان دائماً حاضراً في كل زمن ومناسبة. هو في طبيعتنا، في تربيتنا، في الطريقة التي تعلمنا بها أن نرى بعضنا. ما رأيناه خلال المحنة برهانٌ على من نحن. شعب يلبّي النداء، ويسارع في اللحظات التي تستدعيه. هذا العام، امتدت أيدي أبناء مملكتنا رغم أثقالها. وهذا يكفي.
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك