العدد : ١٧٦٥٢ - الأربعاء ٢٢ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٨ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٥٢ - الأربعاء ٢٢ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٨ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

دقائق مانديلا السبع والستون.. بصمة بحرينية

بقلم: نبيلة رجب

الأربعاء ٢٢ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

العطاء‭ ‬لدينا‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬وفي‭ ‬الخليج‭ ‬بصورة‭ ‬عامة‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬اسم،‭ ‬كان‭ ‬يحدث‭ ‬بهدوء،‭ ‬كما‭ ‬تحدث‭ ‬أشياء‭ ‬كثيرة‭ ‬جميلة،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ضجة‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬انتظار‭ ‬شكر‭. ‬لم‭ ‬نسمّه‭ ‬تطوعاً،‭ ‬ولم‭ ‬نضعه‭ ‬في‭ ‬خانة‭. ‬كان‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬النفس،‭ ‬مثل‭ ‬الصلاة‭ ‬ومثل‭ ‬الضيافة‭ ‬ومثل‭ ‬السؤال‭ ‬عن‭ ‬الجار‭.‬

مطلع‭ ‬هذا‭ ‬العام،‭ ‬حين‭ ‬كانت‭ ‬مملكتنا‭ ‬الحبيبة‭ ‬تمر‭ ‬بظروف‭ ‬استثنائية،‭ ‬فتحت‭ ‬باب‭ ‬التطوع‭ ‬لأبنائها‭. ‬سارع‭ ‬الناس‭ ‬للتسجيل‭ ‬وكأنهم‭ ‬كانوا‭ ‬مستعدين‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تأتي‭ ‬الدعوة‭. ‬سجّلت‭ ‬مع‭ ‬أسرتي،‭ ‬وحتى‭ ‬مع‭ ‬تعطّل‭ ‬النظام‭ ‬مع‭ ‬ابنتي،‭ ‬سهرت‭ ‬تلك‭ ‬الليلة‭ ‬حتى‭ ‬تُتم‭ ‬تسجيلها‭. ‬هذا‭ ‬وحده‭ ‬كان‭ ‬كافياً‭ ‬ليقول‭ ‬إن‭ ‬الرغبة‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬عائق‭.‬

وهذا‭ ‬الإصرار،‭ ‬بمختلف‭ ‬صوره،‭ ‬هو‭ ‬بالضبط‭ ‬ما‭ ‬فعله‭ ‬المناضل‭ ‬الجنوب‭ ‬إفريقي‭ ‬الشهير‭ ‬نيلسون‭ ‬مانديلا‭ ‬طوال‭ ‬حياته‭. ‬رجل‭ ‬قضى‭ ‬سبعة‭ ‬وعشرين‭ ‬عاماً‭ ‬في‭ ‬السجن،‭ ‬وخرج‭ ‬يسأل‭ ‬ماذا‭ ‬يهب‭. ‬قررت‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬أن‭ ‬تكرم‭ ‬روحه‭ ‬بدعوة‭ ‬كل‭ ‬إنسان‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الأرض‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يمنح‭ ‬سبعا‭ ‬وستين‭ ‬دقيقة‭ ‬من‭ ‬وقته‭ ‬لخدمة‭ ‬الآخرين‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬ميلاده،‭ ‬الثامن‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬يوليو‭. ‬السبع‭ ‬وستون‭ ‬دقيقة‭ ‬ليست‭ ‬عشوائية،‭ ‬هي‭ ‬عدد‭ ‬السنوات‭ ‬التي‭ ‬أمضاها‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬قضيته‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬نضاله‭ ‬عام‭ ‬1942‭.‬

سبع‭ ‬وستون‭ ‬دقيقة‭.. ‬لو‭ ‬سألت‭ ‬نفسك‭ ‬الآن‭ ‬أين‭ ‬تذهب‭ ‬هذه‭ ‬الدقائق‭ ‬من‭ ‬يومك،‭ ‬ماذا‭ ‬ستجيب؟‭ ‬نحن‭ ‬لا‭ ‬نشكو‭ ‬من‭ ‬قصر‭ ‬الوقت‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬نشكو‭ ‬من‭ ‬كثرة‭ ‬ما‭ ‬يشغلنا‭. ‬الهاتف،‭ ‬والمواعيد،‭ ‬وضجيج‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭. ‬كلها‭ ‬تستهلك‭ ‬وقتنا‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تُرجع‭ ‬لنا‭ ‬شيئاً‭. ‬الوقت‭ ‬موجود،‭ ‬لكننا‭ ‬أحياناً‭ ‬لا‭ ‬نعرف‭ ‬أين‭ ‬نضعه‭.‬

التطوع‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬الانتساب‭ ‬إلى‭ ‬جمعية‭ ‬أو‭ ‬حمل‭ ‬بطاقة‭. ‬أحياناً‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬افتقاد‭ ‬جار‭ ‬والاطمئنان‭ ‬عليه،‭ ‬أو‭ ‬مساعدة‭ ‬طالب‭ ‬يعاني‭ ‬في‭ ‬دراسته‭. ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬نظرة‭ ‬تلتفت‭ ‬لمن‭ ‬حولها،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬فعل‭.‬

في‭ ‬زنزانته‭ ‬الضيقة‭ ‬في‭ ‬جزيرة‭ ‬روبن،‭ ‬كان‭ ‬مانديلا‭ ‬يعلّم‭ ‬زملاءه‭ ‬المعتقلين‭ ‬ويرفع‭ ‬معنوياتهم‭ ‬ويزرع‭ ‬فيهم‭ ‬الأمل‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬لا‭ ‬يتخيلها‭ ‬عقل‭. ‬سبعة‭ ‬وعشرون‭ ‬عاماً‭ ‬وعطاؤه‭ ‬لم‭ ‬يتوقف‭. ‬السجن‭ ‬أخذ‭ ‬حريته‭ ‬وأبقى‭ ‬روحه‭.‬

كثيرون‭ ‬يتطوعون‭ ‬استجابة‭ ‬لدعوة‭ ‬رسمية،‭ ‬أو‭ ‬مجاراة‭ ‬لمناسبة‭ ‬تستحق‭ ‬التوثيق‭ ‬بصورة‭.. ‬وهذا‭ ‬له‭ ‬قيمته‭. ‬لكن‭ ‬ثمة‭ ‬نوع‭ ‬آخر،‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬صمت،‭ ‬تجد‭ ‬نفسك‭ ‬تعطي‭ ‬لأن‭ ‬في‭ ‬داخلك‭ ‬شيئاً‭ ‬يدفعك‭.‬

‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يغير‭ ‬صاحبه‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يغيّر‭ ‬من‭ ‬حوله‭. ‬من‭ ‬جرّب‭ ‬أن‭ ‬يمد‭ ‬يده‭ ‬يعرف‭ ‬كيف‭ ‬تتغيّر‭ ‬نظرته‭ ‬للناس،‭ ‬يبدأ‭ ‬يرى‭ ‬من‭ ‬حوله‭ ‬بعيون‭ ‬مختلفة،‭ ‬يكتشف‭ ‬قصصاً‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يعرفها،‭ ‬ويدرك‭ ‬أن‭ ‬وراء‭ ‬كل‭ ‬وجه‭ ‬عالماً‭ ‬كاملاً‭.‬

ما‭ ‬يقوله‭ ‬العلم‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشأن‭ ‬يستحق‭ ‬التوقف‭. ‬الدراسات‭ ‬تثبت‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬يتطوع‭ ‬بانتظام‭ ‬يعاني‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬القلق‭ ‬والاكتئاب،‭ ‬ويشعر‭ ‬بمعنى‭ ‬أعمق‭ ‬لحياته‭. ‬في‭ ‬عالم‭ ‬باتت‭ ‬فيه‭ ‬الضغوط‭ ‬النفسية‭ ‬تطرق‭ ‬أبواباً‭ ‬كثيرة،‭ ‬ربما‭ ‬كان‭ ‬التطوع‭ ‬من‭ ‬الأجوبة‭ ‬التي‭ ‬تستحق‭ ‬مزيداً‭ ‬من‭ ‬التفكير‭. ‬من‭ ‬يتجاوز‭ ‬همومه‭ ‬ليهتم‭ ‬بغيره،‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬نفسه‭ ‬أخف‭ ‬وأهدأ‭ ‬وأكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬ما‭ ‬ينتظره‭.‬

وهذا‭ ‬يصبح‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحاً‭ ‬في‭ ‬اللحظات‭ ‬الصعبة‭. ‬من‭ ‬يسهم‭ ‬وهو‭ ‬مثقل‭ ‬بهمومه،‭ ‬يشعر‭ ‬بهذا‭ ‬الأثر‭ ‬أكثر‭ ‬ممن‭ ‬يعطي‭ ‬وهو‭ ‬مرتاح‭ ‬البال‭. ‬لمد‭ ‬اليد‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الأزمات‭ ‬طعم‭ ‬مختلف‭. ‬الذي‭ ‬يقدم‭ ‬في‭ ‬الرخاء‭ ‬والأمان‭ ‬يفعل‭ ‬شيئاً‭ ‬جميلاً‭. ‬لكن‭ ‬الذي‭ ‬يقدم‭ ‬وهو‭ ‬يحمل‭ ‬همه‭ ‬الخاص،‭ ‬وقلبه‭ ‬مشغول،‭ ‬وأمامه‭ ‬ما‭ ‬يكفيه‭ ‬من‭ ‬تحديات،‭ ‬فهذا‭ ‬فعل‭ ‬من‭ ‬مستوى‭ ‬آخر‭. ‬ما‭ ‬رأيناه‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭. ‬ناس‭ ‬أعطوا‭ ‬وهم‭ ‬يعرفون‭ ‬أن‭ ‬البلد‭ ‬يمر‭ ‬بلحظة‭ ‬صعبة‭.‬

على‭ ‬مستوى‭ ‬المجتمع،‭ ‬يعرف‭ ‬المتطوعون‭ ‬حقاً‭ ‬من‭ ‬يسكن‭ ‬بجانبهم،‭ ‬ومن‭ ‬يحتاج،‭ ‬ومن‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يمد‭ ‬يده‭. ‬هذه‭ ‬المعرفة‭ ‬تصنع‭ ‬شيئاً‭ ‬لا‭ ‬تصنعه‭ ‬القوانين‭ ‬ولا‭ ‬المؤسسات،‭ ‬تصنع‭ ‬الثقة‭. ‬والمجتمع‭ ‬الذي‭ ‬يثق‭ ‬بنفسه‭ ‬يصمد‭ ‬في‭ ‬أصعب‭ ‬اللحظات،‭ ‬ويبني‭ ‬في‭ ‬أهدئها‭. ‬المجتمعات‭ ‬التي‭ ‬تتطوع‭ ‬لا‭ ‬تنهار‭ ‬بسهولة‭.‬

الشباب‭ ‬البحريني‭ ‬أثبت‭ ‬في‭ ‬مواقف‭ ‬كثيرة‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يتأخر‭. ‬ما‭ ‬رأيناه‭ ‬في‭ ‬حملة‭ ‬التطوع‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬كان‭ ‬دليلاً‭ ‬على‭ ‬جيل‭ ‬يحمل‭ ‬في‭ ‬داخله‭ ‬قيماً‭ ‬راسخة‭ ‬ورثها‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يُعلمها‭ ‬في‭ ‬فصل‭ ‬دراسي‭. ‬شباب‭ ‬سارع‭ ‬للتسجيل‭ ‬بدوافع‭ ‬نابعة‭ ‬من‭ ‬القلب‭. ‬وهذا‭ ‬وحده‭ ‬يكفي‭ ‬ليقول‭ ‬للعالم‭ ‬من‭ ‬نحن‭.‬

الخير‭ ‬كان‭ ‬دائماً‭ ‬حاضراً‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬زمن‭ ‬ومناسبة‭. ‬هو‭ ‬في‭ ‬طبيعتنا،‭ ‬في‭ ‬تربيتنا،‭ ‬في‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬تعلمنا‭ ‬بها‭ ‬أن‭ ‬نرى‭ ‬بعضنا‭. ‬ما‭ ‬رأيناه‭ ‬خلال‭ ‬المحنة‭ ‬برهانٌ‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬نحن‭. ‬شعب‭ ‬يلبّي‭ ‬النداء،‭ ‬ويسارع‭ ‬في‭ ‬اللحظات‭ ‬التي‭ ‬تستدعيه‭. ‬هذا‭ ‬العام،‭ ‬امتدت‭ ‬أيدي‭ ‬أبناء‭ ‬مملكتنا‭ ‬رغم‭ ‬أثقالها‭. ‬وهذا‭ ‬يكفي‭.‬

rajabnabeela@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا