العدد : ١٧٦٥١ - الثلاثاء ٢١ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٥١ - الثلاثاء ٢١ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

مخاطر تصعيد الحرب بين الولايات المتحدة وإيران

بقلم: د. عمرو حمزاوي

الاثنين ٢٠ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

إنّ‭ ‬عودة‭ ‬الحرب‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإيران‭ ‬لا‭ ‬تمثل‭ ‬مجرد‭ ‬مواجهة‭ ‬عسكرية‭ ‬جديدة‭ ‬بين‭ ‬قوتين‭ ‬متخاصمتين،‭ ‬وإنما‭ ‬تنذر‭ ‬بفتح‭ ‬فصل‭ ‬أكثر‭ ‬خطورة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬المعاصر،‭ ‬فصل‭ ‬قد‭ ‬يمتد‭ ‬أثره‭ ‬إلى‭ ‬أمن‭ ‬الخليج‭ ‬واستقرار‭ ‬المنطقة‭ ‬بأكملها،‭ ‬وإلى‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬وأسواق‭ ‬الطاقة،‭ ‬وحركة‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية‭. ‬فبعد‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬الأزمات‭ ‬المتلاحقة،‭ ‬والحروب‭ ‬بالوكالة،‭ ‬والاشتباكات‭ ‬المحدودة،‭ ‬والضربات‭ ‬العسكرية‭ ‬المتبادلة،‭ ‬أصبح‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬يفتقر‭ ‬إلى‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تحمل‭ ‬دورة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬التصعيد‭ ‬العسكري‭ ‬المفتوح‭. ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬جولات‭ ‬المواجهة‭ ‬السابقة‭ ‬قد‭ ‬انتهت‭ ‬عادة‭ ‬بوقف‭ ‬هش‭ ‬لإطلاق‭ ‬النار‭ ‬أو‭ ‬بعودة‭ ‬مؤقتة‭ ‬إلى‭ ‬التهدئة،‭ ‬فإن‭ ‬البيئة‭ ‬السياسية‭ ‬الحالية‭ ‬تجعل‭ ‬احتمالات‭ ‬الاحتواء‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدًا،‭ ‬وتزيد‭ ‬من‭ ‬مخاطر‭ ‬الانزلاق‭ ‬إلى‭ ‬صراع‭ ‬طويل‭ ‬يصعب‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬تداعياته‭.‬

وأول‭ ‬المتضررين‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬مواجهة‭ ‬أمريكية‭ ‬إيرانية‭ ‬جديدة‭ ‬ستكون‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية‭. ‬فهذه‭ ‬الدول‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬المسرح‭ ‬الجغرافي‭ ‬للصراع،‭ ‬وتحتضن‭ ‬أهم‭ ‬المنشآت‭ ‬النفطية‭ ‬والغازية‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬تقع‭ ‬على‭ ‬الضفة‭ ‬المقابلة‭ ‬مباشرة‭ ‬لإيران‭ ‬عبر‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭. ‬ولهذا،‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬مواجهة‭ ‬عسكرية‭ ‬واسعة‭ ‬لن‭ ‬تبقى‭ ‬محصورة‭ ‬بين‭ ‬الطرفين،‭ ‬بل‭ ‬ستنعكس‭ ‬فورًا‭ ‬على‭ ‬أمن‭ ‬الملاحة‭ ‬البحرية،‭ ‬وعلى‭ ‬صادرات‭ ‬الطاقة،‭ ‬وعلى‭ ‬الاستقرار‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاستثماري‭ ‬الذي‭ ‬عملت‭ ‬دول‭ ‬الخليج،‭ ‬خلال‭ ‬العقد‭ ‬الأخير،‭ ‬على‭ ‬ترسيخه‭ ‬باعتباره‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬مرتكزات‭ ‬رؤاها‭ ‬التنموية‭ ‬الطموحة‭.‬

وقد‭ ‬أثبتت‭ ‬التجارب‭ ‬السابقة‭ ‬أن‭ ‬الحروب‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬احتواؤها‭ ‬بسهولة؛‭ ‬فالضربات‭ ‬المحدودة‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬تتوسع،‭ ‬والردود‭ ‬العسكرية‭ ‬تجر‭ ‬ردودًا‭ ‬مضادة،‭ ‬وتصبح‭ ‬حسابات‭ ‬الردع‭ ‬أقل‭ ‬وضوحًا‭ ‬مع‭ ‬تصاعد‭ ‬الضغوط‭ ‬السياسية‭ ‬والعسكرية‭ ‬على‭ ‬الطرفين‭. ‬وفي‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الأوضاع‭ ‬تصبح‭ ‬المنشآت‭ ‬الحيوية،‭ ‬والممرات‭ ‬البحرية،‭ ‬وشبكات‭ ‬الطاقة،‭ ‬أهدافًا‭ ‬محتملة،‭ ‬حتى‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ذلك‭ ‬مقصودًا‭ ‬في‭ ‬البداية‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬مجرد‭ ‬ارتفاع‭ ‬مستوى‭ ‬التوتر‭ ‬يكفي‭ ‬لإحداث‭ ‬اضطرابات‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬النفط‭ ‬والغاز،‭ ‬ورفع‭ ‬تكاليف‭ ‬النقل‭ ‬والتأمين،‭ ‬وإضعاف‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الإقليمي‭.‬

ولا‭ ‬تقتصر‭ ‬المخاطر‭ ‬على‭ ‬الخليج‭ ‬وحده،‭ ‬وإنما‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬مجمل‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭. ‬فإيران‭ ‬تمتلك‭ ‬شبكة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬الحلفاء‭ ‬والقوى‭ ‬المسلحة‭ ‬غير‭ ‬النظامية‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الساحات‭ ‬الإقليمية،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تحتفظ‭ ‬بحضور‭ ‬عسكري‭ ‬وسياسي‭ ‬واسع‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬مواجهة‭ ‬مباشرة‭ ‬بينهما‭ ‬قد‭ ‬تدفع‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الساحات‭ ‬إلى‭ ‬الاشتعال‭ ‬بصورة‭ ‬متزامنة،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬أو‭ ‬سوريا‭ ‬أو‭ ‬لبنان‭ ‬أو‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر،‭ ‬بما‭ ‬يوسع‭ ‬دائرة‭ ‬الصراع‭ ‬ويزيد‭ ‬من‭ ‬صعوبة‭ ‬احتوائه‭. ‬وعندئذ‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬أزمة‭ ‬ثنائية،‭ ‬بل‭ ‬عن‭ ‬أزمة‭ ‬إقليمية‭ ‬شاملة‭ ‬تتداخل‭ ‬فيها‭ ‬الحسابات‭ ‬الأمنية‭ ‬والسياسية‭ ‬والاقتصادية‭.‬

من‭ ‬منظور‭ ‬الأمن‭ ‬الخليجي،‭ ‬فإن‭ ‬استمرار‭ ‬التصعيد‭ ‬العسكري‭ ‬يعمق‭ ‬أيضًا‭ ‬معضلة‭ ‬الثقة‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬السمة‭ ‬الغالبة‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الإقليمية‭. ‬فدول‭ ‬الخليج‭ ‬تدرك‭ ‬أن‭ ‬السياسات‭ ‬الإيرانية‭ ‬الإقليمية‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية‭ ‬قد‭ ‬أضعفت‭ ‬كثيرًا‭ ‬فرص‭ ‬بناء‭ ‬الثقة‭ ‬وحسن‭ ‬الجوار‭. ‬وفي‭ ‬ضوء‭ ‬ذلك‭ ‬تجد‭ ‬الدول‭ ‬الخليجية‭ ‬نفسها‭ ‬أمام‭ ‬معادلة‭ ‬شديدة‭ ‬الصعوبة؛‭ ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬ترغب‭ ‬في‭ ‬الانخراط‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬جديدة،‭ ‬لكنها،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته،‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬تجاهل‭ ‬المخاطر‭ ‬التي‭ ‬تفرضها‭ ‬سياسات‭ ‬إيران‭ ‬أو‭ ‬التقلبات‭ ‬التي‭ ‬تحدث‭ ‬في‭ ‬السياسات‭ ‬الأمريكية‭.‬

ويزيد‭ ‬من‭ ‬تعقيد‭ ‬المشهد‭ ‬أن‭ ‬الإدارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬الحالية‭ ‬تتصرف‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الملفات‭ ‬الخارجية‭ ‬بصورة‭ ‬غير‭ ‬معتادة‭ ‬مقارنة‭ ‬بما‭ ‬استقر‭ ‬عليه‭ ‬السلوك‭ ‬الأمريكي‭ ‬التقليدي‭. ‬فقد‭ ‬أصبحت‭ ‬القرارات‭ ‬تتسم‭ ‬بدرجة‭ ‬عالية‭ ‬من‭ ‬المفاجأة،‭ ‬ويتراجع‭ ‬فيها‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬المؤسسات‭ ‬التقليدية‭ ‬وآليات‭ ‬التنسيق‭ ‬مع‭ ‬الحلفاء،‭ ‬بينما‭ ‬تتقدم‭ ‬الحسابات‭ ‬السياسية‭ ‬الداخلية‭ ‬والشخصية،‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان،‭ ‬على‭ ‬الاعتبارات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬طويلة‭ ‬المدى‭. ‬

وهذا‭ ‬النمط‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬على‭ ‬الحلفاء‭ ‬والخصوم،‭ ‬على‭ ‬السواء،‭ ‬توقع‭ ‬اتجاهات‭ ‬السياسة‭ ‬الأمريكية‭ ‬أو‭ ‬بناء‭ ‬سياسات‭ ‬مستقرة‭ ‬على‭ ‬أساسها،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يضاعف‭ ‬من‭ ‬احتمالات‭ ‬سوء‭ ‬التقدير،‭ ‬ويزيد‭ ‬من‭ ‬مخاطر‭ ‬التصعيد‭ ‬غير‭ ‬المقصود‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬لا‭ ‬تبدو‭ ‬البيئة‭ ‬السياسية‭ ‬داخل‭ ‬إيران‭ ‬أكثر‭ ‬استعدادًا‭ ‬لتقديم‭ ‬تنازلات‭ ‬أو‭ ‬الانفتاح‭ ‬على‭ ‬تسويات‭ ‬وسط‭. ‬فالتطورات‭ ‬الأخيرة‭ ‬عززت‭ ‬نفوذ‭ ‬التيارات‭ ‬الأكثر‭ ‬تشددًا‭ ‬داخل‭ ‬النظام،‭ ‬وهي‭ ‬تيارات‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬المواجهة‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬باعتبارها‭ ‬دليلًا‭ ‬على‭ ‬صواب‭ ‬خياراتها،‭ ‬وترى‭ ‬في‭ ‬التفاوض‭ ‬تنازلًا‭ ‬لا‭ ‬مبرر‭ ‬له‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬جاء‭ ‬بعد‭ ‬إثبات‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الصمود‭. ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فإن‭ ‬ميزان‭ ‬القوى‭ ‬الداخلي‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬لا‭ ‬يشجع‭ ‬حاليًا‭ ‬على‭ ‬تبني‭ ‬سياسات‭ ‬أكثر‭ ‬مرونة،‭ ‬بل‭ ‬يدفع‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬التشدد‭ ‬والتمسك‭ ‬بالمواقف‭ ‬القصوى‭.‬

وهكذا‭ ‬يجد‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬نفسه‭ ‬أمام‭ ‬مفارقة‭ ‬شديدة‭ ‬الخطورة‭. ‬ففي‭ ‬واشنطن‭ ‬إدارة‭ ‬يصعب‭ ‬التنبؤ‭ ‬بسلوكها،‭ ‬وفي‭ ‬طهران‭ ‬تتزايد‭ ‬قوة‭ ‬الأطراف‭ ‬الرافضة‭ ‬للتسويات‭. ‬وبين‭ ‬هذين‭ ‬الطرفين‭ ‬تقف‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬مطالبة‭ ‬بإدارة‭ ‬تداعيات‭ ‬أزمة‭ ‬لا‭ ‬تملك‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬أسبابها‭ ‬المباشرة،‭ ‬لكنها‭ ‬ستكون‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬يتحمل‭ ‬نتائجها‭ ‬الأمنية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والسياسية‭.‬

رغم‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬التعقيدات،‭ ‬يبقى‭ ‬البديل‭ ‬الوحيد‭ ‬الواقعي‭ ‬هو‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬التفاوض‭ ‬والدبلوماسية‭. ‬وليس‭ ‬المقصود‭ ‬هنا‭ ‬التفاؤل‭ ‬غير‭ ‬المبرر‭ ‬بإمكانية‭ ‬التوصل‭ ‬سريعًا‭ ‬إلى‭ ‬اتفاق‭ ‬شامل،‭ ‬وإنما‭ ‬الإقرار‭ ‬بأن‭ ‬جميع‭ ‬البدائل‭ ‬الأخرى‭ ‬أكثر‭ ‬كلفة‭ ‬وأكثر‭ ‬خطورة‭. ‬فالتاريخ‭ ‬الحديث‭ ‬للعلاقات‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإيرانية‭ ‬يبين‭ ‬أن‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬قد‭ ‬تؤخر‭ ‬بعض‭ ‬البرامج‭ ‬أو‭ ‬تغير‭ ‬بعض‭ ‬الحسابات‭ ‬التكتيكية،‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تنجح‭ ‬في‭ ‬إنهاء‭ ‬الخلافات‭ ‬السياسية‭ ‬العميقة‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬نظام‭ ‬إقليمي‭ ‬أكثر‭ ‬استقرارًا‭. ‬

كما‭ ‬أن‭ ‬إيران،‭ ‬رغم‭ ‬الضغوط‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والعقوبات،‭ ‬لم‭ ‬تتخلَّ‭ ‬عن‭ ‬رؤيتها‭ ‬لدورها‭ ‬الإقليمي،‭ ‬بينما‭ ‬لم‭ ‬تتمكن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬من‭ ‬فرض‭ ‬ترتيبات‭ ‬أمنية‭ ‬مستقرة‭ ‬اعتمادًا‭ ‬على‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬وحدها‭.‬

والدبلوماسية‭ ‬المطلوبة‭ ‬اليوم‭ ‬ينبغي‭ ‬ألا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬الملف‭ ‬النووي‭ ‬وحده،‭ ‬على‭ ‬أهميته،‭ ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬مجمل‭ ‬القضايا‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالأمن‭ ‬الإقليمي‭. ‬فمن‭ ‬الضروري‭ ‬إطلاق‭ ‬حوار‭ ‬أوسع‭ ‬يشمل‭ ‬أمن‭ ‬الملاحة‭ ‬البحرية،‭ ‬وعدم‭ ‬استهداف‭ ‬المنشآت‭ ‬المدنية،‭ ‬واحترام‭ ‬سيادة‭ ‬الدول،‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬استخدام‭ ‬الوكلاء‭ ‬المسلحين،‭ ‬ووضع‭ ‬آليات‭ ‬لإدارة‭ ‬الأزمات‭ ‬ومنع‭ ‬سوء‭ ‬التقدير‭ ‬العسكري‭. ‬

كما‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬ومصر‭ ‬وتركيا‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬القوى‭ ‬الإقليمية‭ ‬دور‭ ‬فاعل‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المسار،‭ ‬لأنها‭ ‬صاحبة‭ ‬المصلحة‭ ‬المباشرة‭ ‬في‭ ‬نجاحه،‭ ‬ولأن‭ ‬استقرار‭ ‬المنطقة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يُبنى‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تفاهمات‭ ‬ثنائية‭ ‬بين‭ ‬واشنطن‭ ‬وطهران‭ ‬وحدهما‭.‬

إن‭ ‬القوى‭ ‬الإقليمية‭ ‬تمتلك‭ ‬اليوم‭ ‬من‭ ‬الخبرة‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬ومن‭ ‬المصالح‭ ‬المشتركة‭ ‬ما‭ ‬يؤهلها‭ ‬للقيام‭ ‬بدور‭ ‬الوسيط‭ ‬وصانع‭ ‬التوافقات،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬المتلقي‭ ‬لنتائج‭ ‬التفاهمات‭ ‬الدولية‭. ‬وقد‭ ‬أثبتت‭ ‬تجارب‭ ‬الوساطة‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬المنطقة‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬أن‭ ‬العمل‭ ‬الدبلوماسي‭ ‬الإقليمي،‭ ‬رغم‭ ‬محدوديته،‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يفتح‭ ‬نوافذ‭ ‬للحوار‭ ‬عندما‭ ‬تتعثر‭ ‬القنوات‭ ‬المباشرة‭ ‬بين‭ ‬الخصوم‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي،‭ ‬بدوره،‭ ‬مطالب‭ ‬بالانتقال‭ ‬من‭ ‬إدارة‭ ‬الأزمات‭ ‬إلى‭ ‬السعي‭ ‬لمعالجة‭ ‬جذورها‭. ‬فالتعامل‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬جولة‭ ‬تصعيد‭ ‬باعتبارها‭ ‬حدثًا‭ ‬منفصلًا‭ ‬لا‭ ‬يؤدى‭ ‬إلا‭ ‬إلى‭ ‬تأجيل‭ ‬الانفجار‭ ‬التالي‭. ‬أما‭ ‬المطلوب‭ ‬فهو‭ ‬بناء‭ ‬إطار‭ ‬أمنى‭ ‬إقليمي‭ ‬أكثر‭ ‬استدامة‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬قواعد‭ ‬واضحة‭ ‬لاحترام‭ ‬السيادة،‭ ‬وعدم‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭ ‬إلا‭ ‬وفق‭ ‬القانون‭ ‬الدولي،‭ ‬وآليات‭ ‬مؤسسية‭ ‬للتشاور‭ ‬وإدارة‭ ‬النزاعات‭.‬

ولا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬يبدو‭ ‬اليوم‭ ‬بعيد‭ ‬المنال،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬انعدام‭ ‬الثقة،‭ ‬وتراكم‭ ‬الصراعات،‭ ‬وتباعد‭ ‬المواقف‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬صعوبة‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬مبررًا‭ ‬للتخلي‭ ‬عنها‭. ‬فكل‭ ‬التجارب‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬أصعب‭ ‬المفاوضات‭ ‬هي‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تبدأ‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬الحروب‭ ‬والعداء،‭ ‬وأن‭ ‬البديل‭ ‬عنها‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬مزيدًا‭ ‬من‭ ‬الدمار‭ ‬وعدم‭ ‬الاستقرار‭.‬

إن‭ ‬أمن‭ ‬الخليج‭ ‬والشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحقق‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬جولات‭ ‬متكررة‭ ‬من‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية،‭ ‬ولا‭ ‬عبر‭ ‬سياسات‭ ‬الردع‭ ‬المتبادل‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬إرادة‭ ‬سياسية‭ ‬تعترف‭ ‬بأن‭ ‬الأمن‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬إضعاف‭ ‬الخصوم‭ ‬فقط،‭ ‬وإنما‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬قواعد‭ ‬مشتركة‭ ‬تمنع‭ ‬تحول‭ ‬الخلافات‭ ‬إلى‭ ‬حروب‭. ‬ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬التفاوض،‭ ‬مهما‭ ‬بدت‭ ‬شاقة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬إدارة‭ ‬أمريكية‭ ‬تتصرف‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬غير‭ ‬معتاد،‭ ‬ونظام‭ ‬إيراني‭ ‬تتصاعد‭ ‬داخله‭ ‬قوى‭ ‬التشدد،‭ ‬تظل‭ ‬الخيار‭ ‬الوحيد‭ ‬القادر‭ ‬على‭ ‬تجنيب‭ ‬المنطقة‭ ‬كارثة‭ ‬جديدة‭. ‬فالحرب‭ ‬قد‭ ‬تبدو،‭ ‬في‭ ‬لحظاتها‭ ‬الأولى،‭ ‬وسيلة‭ ‬لتحقيق‭ ‬مكاسب‭ ‬سياسية‭ ‬أو‭ ‬عسكرية،‭ ‬لكنها،‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف،‭ ‬لا‭ ‬تنتج‭ ‬سوى‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬انعدام‭ ‬الثقة،‭ ‬وتعميق‭ ‬الاستقطاب،‭ ‬وإضعاف‭ ‬فرص‭ ‬الاستقرار‭ ‬التي‭ ‬تحتاج‭ ‬إليها‭ ‬شعوب‭ ‬الخليج‭ ‬والشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى‭.‬

{ مدير‭ ‬برنامج‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬

في‭ ‬مؤسسة‭ ‬كارنيجي‭ ‬للسلام‭ ‬الدولي‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا