العدد : ١٧٦٥١ - الثلاثاء ٢١ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٥١ - الثلاثاء ٢١ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية ومتطلبات الشرعية الدولية

بقلم: يقظان التقي

الثلاثاء ٢١ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

تُظهر‭ ‬المحادثات‭ ‬اللبنانية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬تقدّماً‭ ‬بطيئاً‭ ‬في‭ ‬جولتها‭ ‬السادسة‭ ‬في‭ ‬روما،‭ ‬حيث‭ ‬اتُّفق‭ ‬على‭ ‬هيكلية‭ ‬ومبادئ‭ ‬توجيهية‭ ‬لتنفيذ‭ ‬‮«‬مناطق‭ ‬أمنية‭ ‬تجريبية‮»‬‭ ‬تتولّى‭ ‬فيها‭ ‬وحدات‭ ‬الجيش‭ ‬اللبناني‭ ‬مسؤولية‭ ‬السيطرة‭ ‬في‭ ‬الجنوب‭. ‬ويعوّل‭ ‬لبنان‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تشكّل‭ ‬زيارة‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬جوزاف‭ ‬عون‭ ‬لواشنطن،‭ ‬ولقاؤه‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب،‭ ‬دفعةً‭ ‬إضافيةً‭ ‬لمسار‭ ‬اتّفاق‭ ‬الإطار‭ ‬الذي‭ ‬أُنجز‭ ‬في‭ ‬26‭ ‬الشهر‭ ‬الماضي‭ (‬يونيو‭)‬،‭ ‬بما‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬تنفيذ‭ ‬خطّة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬انسحاب‭ ‬القوات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬مقابل‭ ‬معالجة‭ ‬ملفّ‭ ‬سلاح‭ ‬حزب‭ ‬الله،‭ ‬مع‭ ‬السعي‭ ‬إلى‭ ‬فصل‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬عن‭ ‬المفاوضات‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإيرانية‭ ‬المتعثّرة،‭ ‬وعدم‭ ‬إبقاء‭ ‬مستقبل‭ ‬لبنان‭ ‬رهينة‭ ‬نتائجها‭.‬

وتأمل‭ ‬الحكومة‭ ‬اللبنانية‭ ‬في‭ ‬استثمار‭ ‬الزخم‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬توفّره‭ ‬الزيارة‭ ‬للبيت‭ ‬الأبيض‭ ‬لإقناع‭ ‬واشنطن‭ ‬بممارسة‭ ‬ضغط‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬حكومة‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو،‭ ‬وعدم‭ ‬تكرار‭ ‬الفرصة‭ ‬الضائعة‭ ‬التي‭ ‬أعقبت‭ ‬اتفاق‭ ‬27‭ ‬نوفمبر‭ (‬2024‭)‬،‭ ‬عندما‭ ‬بقيت‭ ‬التفاهمات‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تنفيذ‭ ‬فعلي‭. ‬فالرهان‭ ‬اللبناني‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬اتّفاق‭ ‬الإطار‭ ‬إلى‭ ‬مسار‭ ‬تنفيذي‭ ‬يؤدّي‭ ‬إلى‭ ‬انسحاب‭ ‬القوّات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الفعلي،‭ ‬ووقف‭ ‬القصف‭ ‬والقتل‭ ‬والدمار،‭ ‬إلّا‭ ‬أنّ‭ ‬نجاحه‭ ‬يبقى‭ ‬رهناً‭ ‬بمدى‭ ‬التزام‭ ‬أطراف‭ ‬الحرب،‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬الدولة‭ ‬جزءاً‭ ‬منها،‭ ‬وبالتوازنات‭ ‬الإقليمية‭ ‬التي‭ ‬مازالت‭ ‬تتحكّم‭ ‬في‭ ‬مصير‭ ‬المنطقة‭.‬

ويعيش‭ ‬لبنان‭ ‬مرحلة‭ ‬انتظار‭ ‬طويلة‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬حرب‭ ‬إقليمية‭ ‬مفتوحة،‭ ‬وأزمة‭ ‬داخلية،‭ ‬سياسية‭ ‬واقتصادية‭ ‬واجتماعية،‭ ‬خانقة،‭ ‬تعمّقها‭ ‬الانقسامات‭ ‬الطائفية‭ ‬والمذهبية‭. ‬لذلك،‭ ‬تبدو‭ ‬المرحلة‭ ‬الحالية‭ ‬مفصليةً،‭ ‬ليس‭ ‬شط‭ ‬قد‭ ‬تؤسّس‭ ‬لوقف‭ ‬الحرب‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬لأنّها‭ ‬قد‭ ‬ترسم‭ ‬شكل‭ ‬العلاقة‭ ‬المستقبلية‭ ‬بين‭ ‬بلدَين‭ ‬عدوَّين‭ ‬لا‭ ‬يزالان،‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬القانونية،‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬حرب‭ ‬منذ‭ ‬نحو‭ ‬ثمانية‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬عمر‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭.‬

غير‭ ‬أنّ‭ ‬إسرائيل‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تشترط‭ ‬استكمال‭ ‬الترتيبات‭ ‬الأمنية‭ ‬قبل‭ ‬أيّ‭ ‬انسحاب،‭ ‬فيما‭ ‬يُعلن‭ ‬مسؤولون‭ ‬فيها‭ ‬صراحةً‭ ‬نيّتهم‭ ‬الإبقاء‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬عسكري‭ ‬طويل‭ ‬الأمد‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬لبنان،‭ ‬مع‭ ‬رفض‭ ‬أيّ‭ ‬انسحاب‭ ‬تدريجي‭ ‬أو‭ ‬ترتيبات‭ ‬تسمح‭ ‬ببقاء‭ ‬‮«‬حزب‭ ‬الله‮»‬‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬التجريبية‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬يرفض‭ ‬الحزب‭ ‬المفاوضات‭ ‬المباشرة،‭ ‬ويؤكّد‭ ‬أنّه‭ ‬غير‭ ‬معني‭ ‬بأيّ‭ ‬التزام‭ ‬يقود‭ ‬إلى‭ ‬نزع‭ ‬سلاحه‭. ‬وهكذا،‭ ‬يبدو‭ ‬المشهد‭ ‬اللبناني،‭ ‬كما‭ ‬المشهد‭ ‬الإقليمي،‭ ‬وكأنّه‭ ‬يعيش‭ ‬مرحلة‭ ‬‮«‬اللعب‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الضائع‮»‬،‭ ‬بانتظار‭ ‬إعادة‭ ‬رسم‭ ‬موازين‭ ‬القوى‭ ‬وحدود‭ ‬النفوذ‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

لا‭ ‬يملك‭ ‬لبنان‭ ‬ترف‭ ‬اختيار‭ ‬التسوية‭ ‬المثالية،‭ ‬بل‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬الخيار‭ ‬الأقلّ‭ ‬كلفةً‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬موازين‭ ‬قوى‭ ‬تُرسم‭ ‬خارج‭ ‬حدوده‭. ‬وتواجه‭ ‬المفاوضات‭ ‬عقبات‭ ‬جوهرية،‭ ‬أبرزها‭ ‬طبيعة‭ ‬العلاقة‭ ‬المستقبلية‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل،‭ ‬إذ‭ ‬يفضّل‭ ‬لبنان‭ ‬اتّفاق‭ ‬عدم‭ ‬اعتداء‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬اتفاق‭ ‬التطبيع‭ ‬الكامل،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الخلاف‭ ‬حول‭ ‬مستقبل‭ ‬سلاح‭ ‬‮«‬حزب‭ ‬الله‮»‬‭ ‬ودور‭ ‬إيران‭. ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬تبقى‭ ‬الأولوية‭ ‬الإنسانية‭ ‬والوطنية‭ ‬متمثّلةً‭ ‬في‭ ‬عودة‭ ‬النازحين‭ ‬إلى‭ ‬قراهم،‭ ‬خشية‭ ‬أن‭ ‬يؤدّي‭ ‬استمرار‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬إلى‭ ‬فرض‭ ‬وقائع‭ ‬ديمغرافية‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬الجنوب،‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬ما‭ ‬شهدته‭ ‬غزّة‭.‬

ومن‭ ‬هنا،‭ ‬يصبح‭ ‬المدخل‭ ‬الحقيقي‭ ‬لأيّ‭ ‬استقرار‭ ‬استعادة‭ ‬الدولة‭ ‬سلطتها‭ ‬الكاملة‭ ‬على‭ ‬أراضيها،‭ ‬بعدّها‭ ‬المرجعيتَين‭ ‬الوحيدتَين‭ ‬القادرتَين‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬لبنان‭ ‬وصون‭ ‬سيادته‭. ‬فالرئيس‭ ‬عون‭ ‬ورئيس‭ ‬الحكومة‭ ‬نواف‭ ‬سلام‭ ‬لا‭ ‬يملكان‭ ‬عملياً‭ ‬سوى‭ ‬خيار‭ ‬تعزيز‭ ‬الدولة‭ ‬والجيش،‭ ‬باعتبارهما‭ ‬المرجعية‭ ‬الوحيدة‭ ‬لاستعادة‭ ‬الأراضي‭ ‬وبسط‭ ‬السيادة،‭ ‬انسجاماً‭ ‬مع‭ ‬مبدأ‭ ‬‮«‬الأرض‭ ‬مقابل‭ ‬السلام‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬شكّل‭ ‬عقوداً‭ ‬أساس‭ ‬المقاربة‭ ‬العربية‭ ‬للنزاع‭ ‬العربي‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬وبما‭ ‬يمنح‭ ‬لبنان‭ ‬فرصةً‭ ‬لفصل‭ ‬مصالحه‭ ‬الوطنية‭ ‬عن‭ ‬الصراعات‭ ‬الإقليمية‭.‬

ورغم‭ ‬الكلفة‭ ‬السياسية‭ ‬المرتفعة‭ ‬للتفاوض،‭ ‬تبدو‭ ‬كلفة‭ ‬استمرار‭ ‬الحرب‭ ‬أكبر‭ ‬بكثير‭. ‬فلبنان‭ ‬يحتاج‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭ ‬استعادة‭ ‬الدعمَين‭ ‬العربي‭ ‬والدولي،‭ ‬وإطلاق‭ ‬عملية‭ ‬إعادة‭ ‬إعمار‭ ‬واسعة‭ ‬بمليارات‭ ‬الدولارات،‭ ‬بعدما‭ ‬أثبتت‭ ‬المواجهة‭ ‬العسكرية‭ ‬أنّها‭ ‬لم‭ ‬تنتج‭ ‬إلّا‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الدمار‭ ‬والخسائر‭ ‬البشرية‭ ‬والانهيار‭ ‬الاقتصادي‭. ‬أمّا‭ ‬الفشل،‭ ‬فقد‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬جولة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬الحرب،‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬تراجع‭ ‬الحماية‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬وإسرائيل‭ ‬التي‭ ‬تبدو‭ ‬أكثر‭ ‬استعداداً‭ ‬لاستخدام‭ ‬القوّة‭ ‬العسكرية‭ ‬التوسّعية‭.‬

غير‭ ‬أنّ‭ ‬نجاح‭ ‬أيّ‭ ‬تفاوض‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬اتفاق‭ ‬الإطار،‭ ‬بل‭ ‬يفترض‭ ‬ربطه‭ ‬بالمرجعية‭ ‬القانونية‭ ‬التي‭ ‬مازالت‭ ‬تنظم‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬لبنان‭ ‬وإسرائيل،‭ ‬وهي‭ ‬اتفاقية‭ ‬الهدنة‭ ‬لعام‭ ‬1949‭. ‬فهذه‭ ‬الاتفاقية‭ ‬ليست‭ ‬مجرّد‭ ‬وثيقة‭ ‬تاريخية،‭ ‬بل‭ ‬تمثّل‭ ‬الإطار‭ ‬القانوني‭ ‬الذي‭ ‬أقرّته‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬وعدّه‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬أساساً‭ ‬لتثبيت‭ ‬السلم‭ ‬والأمن‭ ‬الدوليَّين‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬ينبغي‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬إنهاء‭ ‬الحرب‭ ‬والتطبيع‭ ‬السياسي؛‭ ‬فالأول‭ ‬ضرورة‭ ‬وطنية،‭ ‬أمّا‭ ‬الثاني‭ ‬فيبقى‭ ‬خياراً‭ ‬سياسياً‭ ‬مختلفاً‭ ‬تحكمه‭ ‬اعتبارات‭ ‬عربية‭ ‬وإقليمية‭ ‬أوسع‭.‬

وتتميّز‭ ‬اتفاقية‭ ‬الهدنة‭ ‬بأنّها‭ ‬تنظم‭ ‬العلاقة‭ ‬الأمنية‭ ‬فقط،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تتضمّن‭ ‬اعترافاً‭ ‬سياسياً‭ ‬متبادلاً‭ ‬أو‭ ‬التزامات‭ ‬تتجاوز‭ ‬وقف‭ ‬الأعمال‭ ‬العدائية‭ ‬واحترام‭ ‬الحدود‭ ‬الدولية‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬تعديل‭ ‬أحكامها‭ ‬الأساسية‭ ‬المتعلّقة‭ ‬بمنع‭ ‬استخدام‭ ‬القوّة‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬موافقة‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن،‭ ‬ما‭ ‬يمنحها‭ ‬حصانةً‭ ‬قانونيةً‭ ‬تتجاوز‭ ‬إرادة‭ ‬الطرفَين‭. ‬والأهمّ‭ ‬أنّها‭ ‬تتضمّن‭ ‬اعترافاً‭ ‬إسرائيلياً‭ ‬صريحاً‭ ‬بسيادة‭ ‬لبنان‭ ‬على‭ ‬حدوده‭ ‬الدولية،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تفرض‭ ‬على‭ ‬لبنان‭ ‬التزاماً‭ ‬مماثلاً‭ ‬تجاه‭ ‬إسرائيل‭. ‬ولعلّ‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬يفسّر‭ ‬سعي‭ ‬إسرائيل،‭ ‬في‭ ‬اتفاق‭ ‬الإطار،‭ ‬إلى‭ ‬تقليص‭ ‬حضور‭ ‬المرجعية‭ ‬القانونية‭ ‬الدولية‭ ‬لمصلحة‭ ‬ترتيبات‭ ‬سياسية‭ ‬وأمنية‭ ‬تمنحها‭ ‬هامشاً‭ ‬أوسع‭ ‬على‭ ‬الأرض‭.‬

لذلك،‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الأجدى‭ ‬أن‭ ‬يتمسّك‭ ‬المفاوض‭ ‬اللبناني‭ ‬باتفاقية‭ ‬الهدنة‭ ‬بوصفها‭ ‬المرجعية‭ ‬القانونية‭ ‬الثابتة،‭ ‬فيأتي‭ ‬اتّفاق‭ ‬الإطار‭ ‬مكمّلاً‭ ‬لها‭ ‬لا‭ ‬بديلاً‭ ‬منها‭. ‬فالهدنة‭ ‬أرست‭ ‬القواعد‭ ‬القانونية‭ ‬لإدارة‭ ‬النزاع،‭ ‬فيما‭ ‬يوفّر‭ ‬اتّفاق‭ ‬الإطار‭ ‬آليات‭ ‬تنفيذية‭ ‬لمعالجة‭ ‬الوقائع‭ ‬التي‭ ‬أفرزتها‭ ‬الحرب‭ ‬أخيراً،‭ ‬من‭ ‬الانسحاب‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬وتثبيت‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬إلى‭ ‬معالجة‭ ‬النقاط‭ ‬الحدودية‭.‬

وينطبق‭ ‬الأمر‭ ‬نفسه‭ ‬على‭ ‬قرار‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬1701،‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يتعارض‭ ‬مع‭ ‬اتفاقية‭ ‬الهدنة،‭ ‬بل‭ ‬يوسّع‭ ‬إطارها‭ ‬الدولي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تعزيز‭ ‬انتشار‭ ‬الجيش‭ ‬اللبناني‭ ‬ودور‭ ‬‮«‬يونيفيل‮»‬،‭ ‬أو‭ ‬أيّ‭ ‬قوة‭ ‬دولية‭ ‬بديلة‭ ‬قد‭ ‬يُتّفق‭ ‬عليها‭. ‬وبناء‭ ‬عليه،‭ ‬فإنّ‭ ‬اتفاقية‭ ‬الهدنة‭ ‬واتّفاق‭ ‬الإطار‭ ‬والقرار‭ ‬1701‭ ‬ليست‭ ‬منظوماتٍ‭ ‬مستقلّةً،‭ ‬بل‭ ‬حلقات‭ ‬قانونية‭ ‬وسياسية‭ ‬متكاملة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تشكّل‭ ‬أساساً‭ ‬لتسوية‭ ‬أكثر‭ ‬صلابة‭. ‬لكن‭ ‬نجاح‭ ‬هذا‭ ‬التكامل‭ ‬لا‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬النصوص‭ ‬القانونية‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬يحتاج‭ ‬أيضاً‭ ‬إلى‭ ‬بيئة‭ ‬سياسية‭ ‬داخلية‭ ‬أكثر‭ ‬تماسكاً،‭ ‬وإدارة‭ ‬عقلانية‭ ‬للهواجس‭ ‬داخل‭ ‬البيئة‭ ‬الشيعية،‭ ‬بما‭ ‬يمنع‭ ‬إنتاج‭ ‬انقسام‭ ‬وطني‭ ‬جديد‭. ‬كما‭ ‬تتحمّل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬مسؤوليةً‭ ‬أساسيةً‭ ‬في‭ ‬ضمان‭ ‬توازن‭ ‬عملية‭ ‬التنفيذ،‭ ‬لأنّ‭ ‬أيّ‭ ‬انحياز‭ ‬واضح‭ ‬سيقوّض‭ ‬فرص‭ ‬نجاح‭ ‬الاتفاق‭ ‬ويعيد‭ ‬المنطقة‭ ‬إلى‭ ‬دوامة‭ ‬التصعيد‭.‬

في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف،‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬لبنان‭ ‬هامش‭ ‬المناورة‭ ‬بين‭ ‬المحاور‭. ‬فمصلحته‭ ‬الوطنية‭ ‬تقتضي‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬رؤية‭ ‬متكاملة‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬الشرعية‭ ‬الدولية‭ ‬والقدرة‭ ‬التنفيذية،‭ ‬بما‭ ‬يحفظ‭ ‬السيادة‭ ‬ويمنع‭ ‬تحويل‭ ‬الترتيبات‭ ‬الأمنية‭ ‬المؤقّتة‭ ‬إلى‭ ‬بديل‭ ‬من‭ ‬الحقوق‭ ‬القانونية‭ ‬الثابتة‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬أطماع‭ ‬الاحتلال،‭ ‬ومحاولاته‭ ‬فرض‭ ‬وقائع‭ ‬جديدة‭ ‬تتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬الحرب‭ ‬الراهنة‭.‬

قد‭ ‬تفتح‭ ‬واشنطن‭ ‬نافذةً‭ ‬للحلّ،‭ ‬لكن‭ ‬الضمانة‭ ‬الوحيدة‭ ‬التي‭ ‬تبقى‭ ‬للبنان‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬يستند‭ ‬أيّ‭ ‬اتّفاق‭ ‬إلى‭ ‬الشرعية‭ ‬الدولية،‭ ‬لا‭ ‬إلى‭ ‬موازين‭ ‬القوى‭ ‬المتبدّلة‭.‬

{ كاتب‭ ‬وصحفي‭ ‬لبناني‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا