العدد : ١٧٦٥٠ - الاثنين ٢٠ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٥٠ - الاثنين ٢٠ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

خبايا الاستراتيجية الإسرائيلية في قطاع غزة

بقلم: د. رمزي بارود

الاثنين ٢٠ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

لا‭ ‬توجد‭ ‬لدى‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو‭ ‬أي‭ ‬نية‭ ‬للانسحاب‭ ‬من‭ ‬قطاع‭ ‬غزة،‭ ‬سواء‭ ‬قبل‭ ‬الانتخابات‭ ‬العامة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬التي‭ ‬يُرجح‭ ‬إجراؤها‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬أكتوبر‭ ‬القادم‭ ‬أو‭ ‬بعدها،‭ ‬تلك‭ ‬هي‭ ‬خلاصة‭ ‬القول‭.‬

فالتنازل‭ ‬ولو‭ ‬عن‭ ‬شبر‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬الأراضي‭ ‬التي‭ ‬يحتلها‭ ‬جيشه‭ ‬حالياً‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬التي‭ ‬تشكل‭ ‬نحو‭ ‬70‭% ‬من‭ ‬مساحة‭ ‬القطاع،‭ ‬سيُعتبر‭ ‬علامة‭ ‬ضعف‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬غالبية‭ ‬الناخبين‭ ‬الإسرائيليين،‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬سيؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تمرد‭ ‬علني‭ ‬داخل‭ ‬ائتلافه‭ ‬المتطرف‭.‬

لقد‭ ‬أوضح‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو‭ ‬نواياه‭ ‬مراراً‭ ‬وتكراراً،‭ ‬وقد‭ ‬عززت‭ ‬التصريحات‭ ‬الأخيرة‭ ‬للقيادة‭ ‬السياسية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬هذه‭ ‬الحقيقة،‭ ‬إذ‭ ‬يصر‭ ‬المسؤولون‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬احتفاظ‭ ‬إسرائيل‭ ‬بهيمنة‭ ‬عسكرية‭ ‬غير‭ ‬محددة‭ ‬المدة‭ ‬على‭ ‬القطاع،‭ ‬ويرفضون‭ ‬صراحةً‭ ‬أي‭ ‬إطار‭ ‬عمل‭ ‬يستلزم‭ ‬انسحاباً‭ ‬كاملاً‭ ‬للقوات‭. ‬فبالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬نتنياهو،‭ ‬يُعد‭ ‬الوجود‭ ‬العسكري‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬عنصراً‭ ‬ثابتاً‭ ‬ودائماً،‭ ‬وليس‭ ‬ورقة‭ ‬مساومة‭ ‬مؤقتة‭.‬

قد‭ ‬يجادل‭ ‬البعض‭ ‬ويعتبرون‭ ‬أن‭ ‬تصريحات‭ ‬نتنياهو‭ ‬ليست‭ ‬سوى‭ ‬ورقة‭ ‬سياسية‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬إطالة‭ ‬أمد‭ ‬مسيرته‭ ‬المهنية‭ ‬والسياسية‭ ‬وتجنب‭ ‬العواقب‭ ‬الكارثية‭ ‬التي‭ ‬تنتظره‭ -‬من‭ ‬تحقيقات‭ ‬رسمية‭ ‬ومحاكمات‭ ‬قضائية‭- ‬في‭ ‬حال‭ ‬أُقصي‭ ‬عن‭ ‬السلطة‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬سياساته‭ ‬المتطرفة‭ ‬طوال‭ ‬مسيرته‭ ‬السياسية‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬عكس‭ ‬ذلك؛‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬تشهد‭ ‬مسيرة‭ ‬نتنياهو‭ ‬أي‭ ‬مرحلة‭ ‬أبدى‭ ‬فيها‭ ‬استعداداً‭ ‬حقيقياً‭ ‬لتقديم‭ ‬تنازلات‭ ‬أو‭ ‬الانخراط‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬سياسية‭ ‬فعلية‭ ‬مع‭ ‬الفلسطينيين‭.‬

ولا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬أن‭ ‬يُفقد‭ ‬‮«‬مجلس‭ ‬السلام‮»‬‭ -‬الذي‭ ‬تقوده‭ ‬واشنطن‭- ‬وهيئاتِه‭ ‬الإدارية‭ ‬اللاحقةَ،‭ ‬جدواها‭ ‬وأهميتها‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير،‭ ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬المفترض‭ ‬أن‭ ‬تُشكَّل‭ ‬هذه‭ ‬الكيانات‭ -‬بما‭ ‬فيها‭ ‬‮«‬اللجنة‭ ‬الوطنية‭ ‬لإدارة‭ ‬غزة‮»‬‭ ‬و«قوة‭ ‬دولية‭ ‬متعددة‭ ‬الجنسيات‭ ‬لتحقيق‭ ‬الاستقرار‮»‬‭- ‬بهدف‭ ‬وحيد‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬مرحلة‭ ‬انتقالية،‭ ‬وإيصال‭ ‬المساعدات‭ ‬الإنسانية،‭ ‬ونشر‭ ‬قوة‭ ‬عازلة‭ ‬لحفظ‭ ‬السلام‭ ‬لتسهيل‭ ‬انسحاب‭ ‬عسكري‭ ‬إسرائيلي‭ ‬تدريجي‭.‬

يبدو‭ ‬أن‭ ‬مسارين‭ ‬منفصلين‭ ‬ومتعارضين‭ ‬آخذان‭ ‬في‭ ‬التشكل‭: ‬أحدهما‭ ‬المسار‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬استمرار‭ ‬الحرب،‭ ‬والاحتلال‭ ‬العسكري‭ ‬الراسخ،‭ ‬والإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬الممتدة؛‭ ‬والآخر‭ ‬مسار‭ ‬دولي‭ ‬تسيطر‭ ‬عليه‭ ‬واشنطن‭ ‬بقوة،‭ ‬ويهدف‭ ‬في‭ ‬معظمه‭ ‬إلى‭ ‬إيجاد‭ ‬سبل‭ ‬بديلة‭ ‬لإدارة‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬نيابةً‭ ‬عن‭ ‬إسرائيل‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬ورغم‭ ‬أوجه‭ ‬القصور‭ ‬الواضحة‭ ‬فيها،‭ ‬فإن‭ ‬المرحلة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬خطة‭ ‬غزة‭ ‬تَعِدُ‭ -‬من‭ ‬الناحية‭ ‬النظرية‭- ‬بإعادة‭ ‬تموضع‭ ‬عسكري‭ ‬إسرائيلي‭ ‬تدريجي،‭ ‬ووقف‭ ‬دائم‭ ‬لإطلاق‭ ‬النار،‭ ‬وتدفق‭ ‬هائل‭ ‬لمساعدات‭ ‬إعادة‭ ‬الإعمار،‭ ‬ونقل‭ ‬تدريجي‭ ‬للإدارة‭ ‬المدنية‭ ‬إلى‭ ‬سلطة‭ ‬فلسطينية‭ ‬غير‭ ‬فصائلية‭.‬

وفي‭ ‬الحقيقة،‭ ‬فإنه‭ ‬لم‭ ‬يتحقق‭ ‬سوى‭ ‬القليل‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬فعلياً؛‭ ‬ففي‭ ‬حين‭ ‬تؤكد‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬والمبعوثون‭ ‬الدوليون‭ ‬أن‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬مرهون‭ ‬بنزع‭ ‬السلاح،‭ ‬استغلت‭ ‬إسرائيل‭ ‬الجمود‭ ‬الدبلوماسي‭ ‬لتوغل‭ ‬قواتها‭ ‬أكثر‭ ‬داخل‭ ‬القطاع‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬سحبها‭.‬

لا‭ ‬تزال‭ ‬المساعدات‭ ‬عالقة‭ ‬عند‭ ‬الحدود،‭ ‬ولم‭ ‬تبدأ‭ ‬حتى‭ ‬عمليات‭ ‬إعادة‭ ‬الإعمار‭ ‬الموعودة،‭ ‬فيما‭ ‬تجري‭ ‬حالياً‭ ‬محادثات‭ ‬غير‭ ‬مباشرة‭ ‬في‭ ‬القاهرة،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬وحدهم‭ ‬هم‭ ‬من‭ ‬يُحاسَبون‭ ‬أو‭ ‬يُتوقع‭ ‬منهم‭ ‬تقديم‭ ‬تنازلات‭ ‬كبيرة‭.‬

علاوة‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬وبعد‭ ‬مرور‭ ‬19‭ ‬عاماً‭ ‬من‭ ‬حكم‭ ‬حركة‭ ‬حماس‭ ‬لقطاع‭ ‬غزة،‭ ‬أعلنت‭ ‬الحركة‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬6‭ ‬يوليو‭ ‬2026‭ ‬أنها‭ ‬قامت‭ ‬رسمياً‭ ‬بحل‭ ‬‮«‬لجنة‭ ‬الطوارئ‮»‬‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تتولى‭ ‬إدارة‭ ‬القطاع‭.‬

كما‭ ‬أعلنت‭ ‬الحركة‭ ‬أيضا‭ ‬استعدادها‭ ‬التام‭ ‬لنقل‭ ‬الحكم‭ ‬إلى‭ ‬اللجنة‭ ‬الوطنية،‭ ‬التي‭ ‬يُفترض‭ ‬أن‭ ‬تُدير‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬الخطة‭ ‬التي‭ ‬توسطت‭ ‬فيها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭.‬

قد‭ ‬يوحي‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬ظاهريًا‭ ‬أن‭ ‬انتقالًا‭ ‬سياسيًا‭ ‬قد‭ ‬بدأ‭ ‬أخيرًا،‭ ‬لكن‭ ‬في‭ ‬الواقع،‭ ‬لا‭ ‬يحدث‭ ‬أي‭ ‬انتقال‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬القبيل،‭ ‬إذ‭ ‬تعمل‭ ‬إسرائيل‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬وسعها‭ ‬على‭ ‬منع‭ ‬هذه‭ ‬الحكومة‭ ‬التكنوقراطية‭ ‬من‭ ‬تولي‭ ‬أي‭ ‬مهام‭ ‬حقيقية‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭.‬

وبدلاً‭ ‬من‭ ‬تسهيل‭ ‬عملية‭ ‬تسليم‭ ‬مدني‭ ‬للسلطة،‭ ‬استبعد‭ ‬المجلس‭ ‬الوزاري‭ ‬الأمني‭ ‬والسياسي‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬فكرة‭ ‬الانتقال‭ ‬هذه‭ ‬تماماً؛‭ ‬إذ‭ ‬وصفها‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬جدعون‭ ‬ساعر‭ ‬علناً‭ ‬بأنها‭ ‬‮«‬خدعة‮»‬،‭ ‬معتبراً‭ ‬أن‭ ‬إدارة‭ ‬تكنوقراطية‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬مسؤولة‭ ‬إلا‭ ‬عن‭ ‬مهام‭ ‬بلدية‭ -‬مثل‭ ‬جمع‭ ‬القمامة‭- ‬مع‭ ‬السماح‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬باستمرار‭ ‬شبكات‭ ‬المقاومة‭.‬

وبدلاً‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬تواصل‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬العسكرية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬تأجيج‭ ‬الأوضاع‭ ‬التي‭ ‬تقوّض‭ ‬أي‭ ‬إمكانية‭ ‬لتحقيق‭ ‬الاستقرار‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬المدمّر؛‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬هدفها‭ ‬على‭ ‬رفض‭ ‬وجود‭ ‬إدارة‭ ‬فلسطينية‭ ‬بديلة‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يتجاوز‭ ‬ذلك‭ ‬لضمان‭ ‬عدم‭ ‬نشوء‭ ‬أي‭ ‬سلطة‭ ‬حكم‭ ‬فلسطينية‭ ‬فاعلة‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭. ‬

ومن‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬النهج‭ ‬تسعى‭ ‬سلطات‭ ‬تل‭ ‬أبيب‭ ‬إلى‭ ‬خلق‭ ‬حالة‭ ‬فراغ‭ ‬دائم‭ ‬في‭ ‬الحكم،‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬الفوضى‭ ‬والتشرذم‭ ‬بين‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭.‬

وإذا‭ ‬لم‭ ‬يُسمح‭ ‬لأي‭ ‬كيان‭ ‬سياسي‭ ‬فلسطيني‭ ‬بديل‭ ‬بتحقيق‭ ‬الاستقرار‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬فإن‭ ‬الانهيار‭ ‬الحتمي‭ ‬سيجبر‭ ‬الفصائل‭ ‬المحلية‭ ‬على‭ ‬استعادة‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬شؤون‭ ‬البقاء‭ ‬اليومي،‭ ‬ما‭ ‬يمنح‭ ‬إسرائيل‭ ‬مزيداً‭ ‬من‭ ‬الذرائع‭ ‬لفرض‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬العقوبات‭ ‬على‭ ‬سكان‭ ‬عاجزين‭.‬

وعقب‭ ‬الخطوة‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬اتخذتها‭ ‬حركة‭ ‬حماس،‭ ‬جاء‭ ‬رد‭ ‬إسرائيل‭ ‬المعتاد‭ ‬والمباشر‭ ‬متمثلاً‭ ‬في‭ ‬العنف‭ ‬الفوري‭. ‬وقد‭ ‬تجلى‭ ‬ذلك‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬9‭ ‬يوليو‭ ‬2026،‭ ‬حين‭ ‬شنت‭ ‬القوات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬غارة‭ ‬جوية‭ ‬استهدفت‭ ‬مركبة‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬غزة،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬فاشلة‭ ‬لاغتيال‭ ‬المتحدث‭ ‬باسم‭ ‬حماس،‭ ‬حازم‭ ‬قاسم‭.‬

‭ ‬ورغم‭ ‬فشل‭ ‬محاولة‭ ‬الاغتيال‭ ‬تلك‭ ‬فإن‭ ‬الغارة‭ ‬وجهت‭ ‬رسالة‭ ‬واضحة‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬إسرائيل‭ ‬لا‭ ‬تنوي‭ ‬احترام‭ ‬التحولات‭ ‬السياسية‭ ‬أو‭ ‬أي‭ ‬اتفاقيات‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭.‬

وفي‭ ‬ظل‭ ‬غياب‭ ‬أي‭ ‬عمليات‭ ‬لبناء‭ ‬المنازل‭ ‬أو‭ ‬تشييد‭ ‬المدارس‭ ‬أو‭ ‬إعادة‭ ‬تأهيل‭ ‬المستشفيات،‭ ‬تظل‭ ‬الأرقام‭ ‬الوحيدة‭ ‬التي‭ ‬تتزايد‭ ‬باستمرار‭ ‬هي‭ ‬أعداد‭ ‬القتلى‭ ‬والجرحى‭.‬

لقد‭ ‬بلغت‭ ‬الكلفة‭ ‬البشرية‭ ‬مستويات‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تصورها؛‭ ‬إذ‭ ‬تجاوزت‭ ‬حصيلة‭ ‬القتلى‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬73‭ ‬ألفاً،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬فاق‭ ‬عدد‭ ‬الجرحى‭ ‬173200‭ ‬شخص‭.‬

ومن‭ ‬المؤسف‭ ‬حقا‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الأعداد‭ ‬تواصل‭ ‬الارتفاع‭ ‬يوماً‭ ‬بعد‭ ‬يوم؛‭ ‬فقد‭ ‬قُتل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬1098‭ ‬فلسطينياً‭ ‬منذ‭ ‬الاتفاق‭ ‬المبدئي‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يُسمى‭ ‬إطار‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار،‭ ‬ما‭ ‬يثبت‭ ‬أن‭ ‬الهدنة‭ ‬موجودة‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬الخطاب‭ ‬الإعلامي،‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭.‬

وهذا‭ ‬يوصلنا‭ ‬إلى‭ ‬استنتاج‭ ‬واحد‭ ‬لا‭ ‬مفر‭ ‬منه‭: ‬وهو‭ ‬أن‭ ‬المسار‭ ‬السياسي‭ -‬الذي‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬إعمار‭ ‬غزة‭ ‬وإنهاء‭ ‬الوجود‭ ‬العسكري‭ ‬الإسرائيلي‭- ‬لا‭ ‬يكاد‭ ‬يكون‭ ‬له‭ ‬أي‭ ‬تأثير‭ ‬على‭ ‬الواقع‭ ‬القاتم‭ ‬الذي‭ ‬يتكشف‭ ‬على‭ ‬الأرض‭.‬

إن‭ ‬السبيل‭ ‬الوحيد‭ ‬للخروج‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬وجود‭ ‬إرادة‭ ‬دولية‭ ‬قوية‭ ‬ومستقلة‭ ‬تنتزع‭ ‬مستقبل‭ ‬غزة‭ ‬من‭ ‬قبضة‭ ‬نتنياهو،‭ ‬وتحوّل‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬السياسية‭ ‬إلى‭ ‬نتائج‭ ‬إنسانية‭ ‬ملموسة‭ ‬وفورية،‭ ‬وتضع‭ ‬حداً‭ ‬نهائياً‭ ‬للاحتلال‭ ‬الإسرائيلي‭.‬

وما‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬إجبار‭ ‬إسرائيل‭ ‬على‭ ‬التخلي‭ ‬عن‭ ‬سيطرتها‭ ‬العسكرية‭ ‬على‭ ‬قطاع‭ ‬غزة،‭ ‬فإن‭ ‬مصير‭ ‬أي‭ ‬لجنة‭ ‬جديدة‭ ‬أو‭ ‬آلية‭ ‬لإعادة‭ ‬الإعمار‭ ‬أو‭ ‬مبادرة‭ ‬دبلوماسية‭ ‬سيكون‭ -‬على‭ ‬الأرجح‭- ‬مجرد‭ ‬مسرحية‭ ‬سياسية‭ ‬لا‭ ‬أكثر‭.‬

{ أكاديمي‭ ‬وكاتب‭ ‬فلسطيني‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا