في ظل تداعيات المشهد العربي خلال العقدين الماضيين، نلاحظ أن هناك إشكالية تتمثل في غياب المشروع العلمي والتقني. ويظهر ذلك جليًا في مستوى الاستجابة لجائحة كورونا، وميزانيات استيراد التقنيات الناشئة والذكاء الاصطناعي. وإذا استقرأنا التاريخ، فإننا نرى أنه إذا كان القرن التاسع عشر قد شهد محاولة محمد علي بناء الدولة الحديثة عبر استيراد العلوم والتقنيات الأوروبية، فإن القرن الحادي والعشرين يضع العالم العربي أمام تحدٍ أكثر تعقيدًا، هو الانتقال من بناء الدولة إلى بناء المجتمع المعرفي، ومن امتلاك التكنولوجيا إلى امتلاك القدرة على إنتاجها وتوجيهها.
وهنا تبرز مفارقة تاريخية عميقة؛ فالمعضلة العربية ليست نقصًا في الموارد أو الكفاءات البشرية، بقدر ما هي أزمة في البنية المؤسسية والمعرفية التي تنظم العلاقة بين العلم والدولة والمجتمع.
عند تأمل تجربة التحديث ونقل التقنية في تجربة محمد علي، نجد أن مشروعه قد نجح في بناء مؤسسات حديثة للدولة، لكنه لم ينجح في تأسيس فضاء اجتماعي مستقل لإنتاج المعرفة. وهذا يشكل معضلة في تأصيل مشروع الحداثة العربية، حيث إن ثقافة العلم والتقنية والابتكار لم تنشأ في الفضاء العام. فيما يلي تصورٌ وتحليلٌ نقديٌّ للمشروع العلمي والتقني العربي.
وفقًا للنظرية النقدية، لا تتحقق النهضة العلمية بمجرد إنشاء المؤسسات، بل من خلال بناء فضاء تواصلي حر يسمح بتداول المعرفة ونقدها وإنتاجها بصورة مستقلة. وقد بيّن الفيلسوف يورجان هابرماس أن المجال العمومي يشكل شرطًا أساسيًا للعقلانية الحديثة. وفي معظم الدول العربية، بقيت الجامعات ومراكز البحث مرتبطة بصورة وثيقة بالدولة البيروقراطية.
ونتيجة لذلك، تحولت المعرفة، في أحيان كثيرة، إلى أداة إدارية أكثر منها قوة اجتماعية مستقلة. ويمكن ملاحظة ذلك في ضعف مساهمة الجامعات في صياغة السياسات العامة، ومحدودية تأثير مراكز التفكير، وهشاشة العلاقة بين البحث العلمي والقطاع الإنتاجي.
تاريخيًا، نشأت الدولة العربية الحديثة في سياق ما بعد الاستعمار، وكانت الأولوية هي بناء السيادة الوطنية. لكن الثورة الرقمية أعادت تعريف مفهوم السيادة؛ فالبيانات تتدفق عبر الحدود، والمنصات الرقمية تتجاوز السلطات الوطنية، والذكاء الاصطناعي يُبنى من خلال شبكات عالمية من الباحثين والخوادم والبيانات. وهنا تواجه الدولة القطرية معضلة بنيوية؛ فهي تحاول إدارة اقتصاد معرفي عالمي بأدوات سياسية صُممت لعصر الدولة الصناعية. إن معظم الدول العربية، حتى الأكثر تقدمًا تقنيًا، لا تستطيع بمفردها بناء منظومات متكاملة للذكاء الاصطناعي أو الحوسبة الكمية أو صناعة أشباه الموصلات؛ فهذه المجالات تتطلب كتلًا معرفية وسوقية وتمويلية تتجاوز القدرات القطرية.
من المتوقع أننا سنشهد خلال المستقبل القريب انتقال مراكز إنتاج المعرفة عالميًا من المؤسسات المغلقة إلى الشبكات المفتوحة المدعومة بالذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية. ولن يكون السؤال: كم جامعة تمتلك الدولة؟ بل: ما مدى اندماج الباحثين في شبكات المعرفة العالمية؟ ومن ثم فإن الإصلاح الحقيقي يتمثل في تحويل الجامعات العربية من مؤسسات إدارية إلى منصات معرفية متصلة عالميًا، وقادرة على العمل ضمن شبكات إقليمية وعابرة للحدود.
لذا، سيشهد العالم خلال العقود القادمة انتقالًا من التنافس بين الدول إلى التنافس بين المنظومات الإقليمية للابتكار. ولذلك، فإن غياب المشروع العربي فوق القطري سيؤدي إلى اتساع الفجوة التقنية. والبديل يتمثل في إنشاء شبكة عربية موحدة للبحث العلمي، وبنية تحتية عربية للبيانات المفتوحة، وصناديق استثمار مشتركة للتقنيات العميقة. إن التحدي يكمن في بناء فضاء علمي عربي كي نتمكن من تجاوز التبعية الرقمية الجديدة؛ لأن عصر الذكاء الاصطناعي أوجد شكلًا جديدًا من التبعية يتمثل في السيطرة على البيانات والخوارزميات والبنى السحابية وسلاسل التزويد.
ومن منظور النظرية النقدية، فإن التكنولوجيا ليست محايدة، بل تحمل في داخلها أنماطًا من السلطة والقيم والمصالح. ولذلك، فإن عدم الاعتماد الذاتي على إنتاج التقنية، وتكريس ثقافة استيراد التقنية، يعني الخضوع لقواعد معرفية تُصاغ خارج المجال العربي. ولهذا فإن المشروع العربي المستقبلي يحتاج إلى مراكز حوسبة عربية فائقة الأداء، ونماذج ذكاء اصطناعي عربية متعددة اللغات، وتشريعات للسيادة الرقمية، وتحالفات جنوب-جنوب في مجالات التكنولوجيا المتقدمة.
ولتشخيص المشكلة في إطار أوسع، نرى أن المنطقة العربية لا تعاني من نقص الكفاءات، بل من ضعف قدرتها على الاحتفاظ بها واستثمارها. فالعقول العربية أصبحت جزءًا من الاقتصاد المعرفي العالمي، لكنها غالبًا ما تنتج المعرفة خارج أوطانها. ومن منظور نقدي، يمكن تفسير هذه الظاهرة بوجود فجوة بين الطموح العلمي للباحثين والبنية المؤسسية المحلية.
لكننا، في المستقبل، لن يكون استرجاع العقول هو الهدف الأساسي، بل بناء شبكات معرفية عابرة للحدود تربط العلماء العرب أينما كانوا. وهذا يتطلب الانتقال من مفهوم «هجرة العقول» إلى مفهوم «دبلوماسية المعرفة»، حيث تتحول الجاليات العلمية العربية إلى امتداد استراتيجي للمشروع العلمي العربي. وأحد أهم دروس مشاريع النهضة هو أن التقنية ليست غاية في ذاتها. فالمجتمعات التي تختزل التنمية في المؤشرات الاقتصادية قد تحقق نموًا ماديًا من دون أن تحقق نهضة مستدامة.
وفي السياق العربي، تبرز أهمية التحول الرقمي المرتبط بمشروع ثقافي وإنساني. لذا، فالمطلوب ليس فقط استراتيجية للذكاء الاصطناعي، بل استراتيجية حضارية للمعرفة تجعل التكنولوجيا وسيلة لتحقيق العدالة الاجتماعية، والتنمية المستدامة، والأمن الغذائي والمائي، وتمكين الشباب، وتعزيز الهوية الثقافية، والانفتاح الحضاري. وربما تكون الفكرة الأكثر أهمية للمستقبل هي أن نجاح الدولة العربية لن يُقاس فقط بقدرتها على إدارة الأرض والسكان، بل بقدرتها على إدارة تدفقات المعرفة والابتكار في منظومة الابتكار الإقليمي.
في هذا الأفق، يصبح المشروع العلمي والتقني العربي مشروعًا حضاريًا جديدًا يتجاوز حدود الدولة القطرية، ويستفيد من منجزات التحديث التي بدأت مع محمد علي، من دون أن يبقى أسيرًا لمنطقها. فالتحدي الحقيقي في عصر الذكاء الاصطناعي ليس بناء مؤسسات أكثر، بل بناء منظومة معرفية عربية قادرة على تحويل العلم إلى قوة تحرر وتنمية وإبداع، وإلى أساس لنهضة حضارية جديدة في عالم تتحدد فيه المكانة الدولية بقدر ما تمتلك الأمم من معرفة وقدرة على الابتكار.
إذا أردنا الانتقال بالتحليل إلى مستوى أعمق فإن الإشكالية الأساسية للمشروع العلمي والتقني العربي لا تكمن فقط في ضعف التمويل، أو هشاشة المؤسسات، أو التبعية التقنية، بل في غياب ما يسميه منظرو سياسات العلوم والتكنولوجيا «المهمات الوطنية الكبرى». لقد أدركت الدول الصناعية أن العلم لا يتقدم في الفراغ، بل يحتاج إلى «سردية مستقبلية» قادرة على تعبئة الموارد والخيال الجماعي. فعندما أعلن جون ف. كينيدي، عام 1961، هدف إرسال إنسان إلى القمر وإعادته سالمًا قبل نهاية العقد، لم يكن ذلك مجرد مشروع فضائي، بل كان مشروعًا حضاريًا واستراتيجيًا أعاد هيكلة الجامعات والصناعة والبحث العلمي والتعليم والابتكار في الولايات المتحدة. والنتيجة لم تكن فقط الوصول إلى القمر، بل ظهور منظومات تقنية كاملة في الحوسبة، والمواد المتقدمة، والاتصالات، والإلكترونيات. ومن منظور استشرافي، فإن العالم العربي لا يعاني من نقص في الاستراتيجيات، بل من غياب «المهمة التاريخية الجامعة». لدينا خطط رقمية، واستراتيجيات للذكاء الاصطناعي، ورؤى وطنية متعددة، لكن معظمها يظل مجزأً ومحصورًا داخل الأطر القطرية. أما المهمات الكبرى، فتمتلك قدرة مختلفة؛ فهي تصنع اتجاهًا حضاريًا طويل الأمد، وتتجاوز الدورات السياسية القصيرة.
لقد شهد القرن العشرون نموذج «الدولة التنموية» الذي ركز على التصنيع، والبنية التحتية، والتعليم. أما القرن الحادي والعشرون، فيشهد صعود مفهوم «الدولة الموجهة بالمهمات»، الذي ارتبط بأعمال الباحثة ماريانا مازوكاتو، وتقوم الفكرة على أن الدولة لا تكتفي بتصحيح إخفاقات السوق، بل تحدد أهدافًا كبرى ذات طبيعة مجتمعية، وتحشد الفاعلين حولها.
ومن هذا المنظور، فإن السؤال العربي لا ينبغي أن يكون: كيف نرفع الإنفاق على البحث العلمي؟ بل: ما المهمة الحضارية التي ينبغي أن يخدمها هذا الإنفاق؟ لأن الإنفاق، في غياب مهمة كبرى، يتحول إلى مؤشرات كمية، بينما يتحول، في ظل مهمة واضحة، إلى قوة تحول تاريخي.
لعل أحد أعمق أوجه الأزمة العربية هو ضعف القدرة على تخيل المستقبل. فالنقاشات العامة غالبًا ما تدور حول إدارة الأزمات الراهنة، بينما تتحدد موازين القوة العالمية اليوم وفق القدرة على تشكيل المستقبل. ومن هنا، فإن التحدي العربي ليس تقنيًا فقط، بل استشرافيّا وحضاريا أيضًا؛ فالدول التي تقود العالم اليوم لا تمتلك فقط مختبرات متقدمة، بل تمتلك قدرة على استشراف المستقبل، مثل بناء اقتصاد خالٍ من الكربون، ومدن ذكية ومستدامة، وتحقيق ثورات في الطب الجيني والذكاء الاصطناعي.
لذا، فإن السؤال الاستراتيجي يصبح: ما المشروع القادر على توحيد الموارد العربية العلمية والاقتصادية والسياسية خلال العقود الثلاثة القادمة؟ يمكن تصور عدة مهمات حضارية كبرى، مثل: مهمة الأمن المائي والغذائي العربي، ومهمة الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر. وفي عصر البيانات، يصبح السؤال الثقافي جزءًا من السيادة الحضارية. ولذلك، يمكن تصور مشروع عربي ضخم يهدف إلى بناء منظومات ذكاء اصطناعي متقدمة باللغة العربية، وتطوير بنية بيانات عربية مشتركة، ونماذج معرفية تستوعب التراث والثقافة العربية. وهذا المشروع لا يتعلق باللغة فقط، بل بموقع العرب في الاقتصاد المعرفي العالمي. وهناك ضرورة للتحول من مجرد التعاون العربي إلى تعزيز شبكات الجنوب العالمية. فالعالم لم يعد منقسمًا فقط بين دول منفردة، بل بين شبكات إنتاج معرفة عالمية. ومن منظور استشرافي، فإن القرن الحادي والعشرين يشهد صعود مراكز علمية؛ ولذلك فإن المشروع العربي يحتاج إلى الانتقال من منطق «نقل التكنولوجيا من الشمال» إلى منطق «بناء شبكات ابتكار جنوبية».
إذا كان مشروع محمد علي قد سعى إلى استيراد المعرفة من الخارج، وإذا كانت الدولة العربية الحديثة قد حاولت احتضان العلم داخل مؤسساتها الوطنية، فإن التحدي الجديد يتمثل في بناء منظومة معرفية شبكية تتجاوز الحدود الجغرافية. وفي هذا الإطار، يصبح المهجر العربي موردًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن الموارد الطبيعية، ويصبح «بيت الحكمة للقرن الحادي والعشرين» منصة حضارية للابتكار المفتوح، قادرة على جمع العقول العربية الموزعة عالميًا في مشروع علمي وتقني مشترك.
فالمستقبل لن تصنعه الدول الأكثر امتلاكًا للموارد فحسب، بل المجتمعات الأكثر قدرة على ربط العقول، والشبكات، والمعرفة في منظومة ابتكار مفتوحة وعابرة للحدود.
{ أستاذ سياسات الابتكار
في جامعة الخليج العربي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك