العدد : ١٧٦٥١ - الثلاثاء ٢١ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٥١ - الثلاثاء ٢١ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

المشروع العلمي والتقني العربي.. وآفاق الفضاء المعرفي

بقلم: د. عودة الجيوسي

السبت ١٨ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬ظل‭ ‬تداعيات‭ ‬المشهد‭ ‬العربي‭ ‬خلال‭ ‬العقدين‭ ‬الماضيين،‭ ‬نلاحظ‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬إشكالية‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬المشروع‭ ‬العلمي‭ ‬والتقني‭. ‬ويظهر‭ ‬ذلك‭ ‬جليًا‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬الاستجابة‭ ‬لجائحة‭ ‬كورونا،‭ ‬وميزانيات‭ ‬استيراد‭ ‬التقنيات‭ ‬الناشئة‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي‭. ‬وإذا‭ ‬استقرأنا‭ ‬التاريخ،‭ ‬فإننا‭ ‬نرى‭ ‬أنه‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬قد‭ ‬شهد‭ ‬محاولة‭ ‬محمد‭ ‬علي‭ ‬بناء‭ ‬الدولة‭ ‬الحديثة‭ ‬عبر‭ ‬استيراد‭ ‬العلوم‭ ‬والتقنيات‭ ‬الأوروبية،‭ ‬فإن‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭ ‬يضع‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬أمام‭ ‬تحدٍ‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدًا،‭ ‬هو‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬بناء‭ ‬الدولة‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬المجتمع‭ ‬المعرفي،‭ ‬ومن‭ ‬امتلاك‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬إلى‭ ‬امتلاك‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬إنتاجها‭ ‬وتوجيهها‭.‬

وهنا‭ ‬تبرز‭ ‬مفارقة‭ ‬تاريخية‭ ‬عميقة؛‭ ‬فالمعضلة‭ ‬العربية‭ ‬ليست‭ ‬نقصًا‭ ‬في‭ ‬الموارد‭ ‬أو‭ ‬الكفاءات‭ ‬البشرية،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬أزمة‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬المؤسسية‭ ‬والمعرفية‭ ‬التي‭ ‬تنظم‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬العلم‭ ‬والدولة‭ ‬والمجتمع‭.‬

عند‭ ‬تأمل‭ ‬تجربة‭ ‬التحديث‭ ‬ونقل‭ ‬التقنية‭ ‬في‭ ‬تجربة‭ ‬محمد‭ ‬علي،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬مشروعه‭ ‬قد‭ ‬نجح‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬مؤسسات‭ ‬حديثة‭ ‬للدولة،‭ ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬ينجح‭ ‬في‭ ‬تأسيس‭ ‬فضاء‭ ‬اجتماعي‭ ‬مستقل‭ ‬لإنتاج‭ ‬المعرفة‭. ‬وهذا‭ ‬يشكل‭ ‬معضلة‭ ‬في‭ ‬تأصيل‭ ‬مشروع‭ ‬الحداثة‭ ‬العربية،‭ ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬ثقافة‭ ‬العلم‭ ‬والتقنية‭ ‬والابتكار‭ ‬لم‭ ‬تنشأ‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬العام‭. ‬فيما‭ ‬يلي‭ ‬تصورٌ‭ ‬وتحليلٌ‭ ‬نقديٌّ‭ ‬للمشروع‭ ‬العلمي‭ ‬والتقني‭ ‬العربي‭.‬

وفقًا‭ ‬للنظرية‭ ‬النقدية،‭ ‬لا‭ ‬تتحقق‭ ‬النهضة‭ ‬العلمية‭ ‬بمجرد‭ ‬إنشاء‭ ‬المؤسسات،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬بناء‭ ‬فضاء‭ ‬تواصلي‭ ‬حر‭ ‬يسمح‭ ‬بتداول‭ ‬المعرفة‭ ‬ونقدها‭ ‬وإنتاجها‭ ‬بصورة‭ ‬مستقلة‭. ‬وقد‭ ‬بيّن‭ ‬الفيلسوف‭ ‬يورجان‭ ‬هابرماس‭ ‬أن‭ ‬المجال‭ ‬العمومي‭ ‬يشكل‭ ‬شرطًا‭ ‬أساسيًا‭ ‬للعقلانية‭ ‬الحديثة‭. ‬وفي‭ ‬معظم‭ ‬الدول‭ ‬العربية،‭ ‬بقيت‭ ‬الجامعات‭ ‬ومراكز‭ ‬البحث‭ ‬مرتبطة‭ ‬بصورة‭ ‬وثيقة‭ ‬بالدولة‭ ‬البيروقراطية‭.‬

ونتيجة‭ ‬لذلك،‭ ‬تحولت‭ ‬المعرفة،‭ ‬في‭ ‬أحيان‭ ‬كثيرة،‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬إدارية‭ ‬أكثر‭ ‬منها‭ ‬قوة‭ ‬اجتماعية‭ ‬مستقلة‭. ‬ويمكن‭ ‬ملاحظة‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬ضعف‭ ‬مساهمة‭ ‬الجامعات‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬السياسات‭ ‬العامة،‭ ‬ومحدودية‭ ‬تأثير‭ ‬مراكز‭ ‬التفكير،‭ ‬وهشاشة‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬البحث‭ ‬العلمي‭ ‬والقطاع‭ ‬الإنتاجي‭.‬

تاريخيًا،‭ ‬نشأت‭ ‬الدولة‭ ‬العربية‭ ‬الحديثة‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الاستعمار،‭ ‬وكانت‭ ‬الأولوية‭ ‬هي‭ ‬بناء‭ ‬السيادة‭ ‬الوطنية‭. ‬لكن‭ ‬الثورة‭ ‬الرقمية‭ ‬أعادت‭ ‬تعريف‭ ‬مفهوم‭ ‬السيادة؛‭ ‬فالبيانات‭ ‬تتدفق‭ ‬عبر‭ ‬الحدود،‭ ‬والمنصات‭ ‬الرقمية‭ ‬تتجاوز‭ ‬السلطات‭ ‬الوطنية،‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬يُبنى‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬شبكات‭ ‬عالمية‭ ‬من‭ ‬الباحثين‭ ‬والخوادم‭ ‬والبيانات‭. ‬وهنا‭ ‬تواجه‭ ‬الدولة‭ ‬القطرية‭ ‬معضلة‭ ‬بنيوية؛‭ ‬فهي‭ ‬تحاول‭ ‬إدارة‭ ‬اقتصاد‭ ‬معرفي‭ ‬عالمي‭ ‬بأدوات‭ ‬سياسية‭ ‬صُممت‭ ‬لعصر‭ ‬الدولة‭ ‬الصناعية‭. ‬إن‭ ‬معظم‭ ‬الدول‭ ‬العربية،‭ ‬حتى‭ ‬الأكثر‭ ‬تقدمًا‭ ‬تقنيًا،‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬بمفردها‭ ‬بناء‭ ‬منظومات‭ ‬متكاملة‭ ‬للذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬أو‭ ‬الحوسبة‭ ‬الكمية‭ ‬أو‭ ‬صناعة‭ ‬أشباه‭ ‬الموصلات؛‭ ‬فهذه‭ ‬المجالات‭ ‬تتطلب‭ ‬كتلًا‭ ‬معرفية‭ ‬وسوقية‭ ‬وتمويلية‭ ‬تتجاوز‭ ‬القدرات‭ ‬القطرية‭.‬

من‭ ‬المتوقع‭ ‬أننا‭ ‬سنشهد‭ ‬خلال‭ ‬المستقبل‭ ‬القريب‭ ‬انتقال‭ ‬مراكز‭ ‬إنتاج‭ ‬المعرفة‭ ‬عالميًا‭ ‬من‭ ‬المؤسسات‭ ‬المغلقة‭ ‬إلى‭ ‬الشبكات‭ ‬المفتوحة‭ ‬المدعومة‭ ‬بالذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬والحوسبة‭ ‬السحابية‭. ‬ولن‭ ‬يكون‭ ‬السؤال‭: ‬كم‭ ‬جامعة‭ ‬تمتلك‭ ‬الدولة؟‭ ‬بل‭: ‬ما‭ ‬مدى‭ ‬اندماج‭ ‬الباحثين‭ ‬في‭ ‬شبكات‭ ‬المعرفة‭ ‬العالمية؟‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فإن‭ ‬الإصلاح‭ ‬الحقيقي‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬الجامعات‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬مؤسسات‭ ‬إدارية‭ ‬إلى‭ ‬منصات‭ ‬معرفية‭ ‬متصلة‭ ‬عالميًا،‭ ‬وقادرة‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬ضمن‭ ‬شبكات‭ ‬إقليمية‭ ‬وعابرة‭ ‬للحدود‭.‬

لذا،‭ ‬سيشهد‭ ‬العالم‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬القادمة‭ ‬انتقالًا‭ ‬من‭ ‬التنافس‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬إلى‭ ‬التنافس‭ ‬بين‭ ‬المنظومات‭ ‬الإقليمية‭ ‬للابتكار‭. ‬ولذلك،‭ ‬فإن‭ ‬غياب‭ ‬المشروع‭ ‬العربي‭ ‬فوق‭ ‬القطري‭ ‬سيؤدي‭ ‬إلى‭ ‬اتساع‭ ‬الفجوة‭ ‬التقنية‭. ‬والبديل‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬إنشاء‭ ‬شبكة‭ ‬عربية‭ ‬موحدة‭ ‬للبحث‭ ‬العلمي،‭ ‬وبنية‭ ‬تحتية‭ ‬عربية‭ ‬للبيانات‭ ‬المفتوحة،‭ ‬وصناديق‭ ‬استثمار‭ ‬مشتركة‭ ‬للتقنيات‭ ‬العميقة‭. ‬إن‭ ‬التحدي‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬فضاء‭ ‬علمي‭ ‬عربي‭ ‬كي‭ ‬نتمكن‭ ‬من‭ ‬تجاوز‭ ‬التبعية‭ ‬الرقمية‭ ‬الجديدة؛‭ ‬لأن‭ ‬عصر‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬أوجد‭ ‬شكلًا‭ ‬جديدًا‭ ‬من‭ ‬التبعية‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬البيانات‭ ‬والخوارزميات‭ ‬والبنى‭ ‬السحابية‭ ‬وسلاسل‭ ‬التزويد‭.‬

ومن‭ ‬منظور‭ ‬النظرية‭ ‬النقدية،‭ ‬فإن‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬ليست‭ ‬محايدة،‭ ‬بل‭ ‬تحمل‭ ‬في‭ ‬داخلها‭ ‬أنماطًا‭ ‬من‭ ‬السلطة‭ ‬والقيم‭ ‬والمصالح‭. ‬ولذلك،‭ ‬فإن‭ ‬عدم‭ ‬الاعتماد‭ ‬الذاتي‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬التقنية،‭ ‬وتكريس‭ ‬ثقافة‭ ‬استيراد‭ ‬التقنية،‭ ‬يعني‭ ‬الخضوع‭ ‬لقواعد‭ ‬معرفية‭ ‬تُصاغ‭ ‬خارج‭ ‬المجال‭ ‬العربي‭. ‬ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬المشروع‭ ‬العربي‭ ‬المستقبلي‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مراكز‭ ‬حوسبة‭ ‬عربية‭ ‬فائقة‭ ‬الأداء،‭ ‬ونماذج‭ ‬ذكاء‭ ‬اصطناعي‭ ‬عربية‭ ‬متعددة‭ ‬اللغات،‭ ‬وتشريعات‭ ‬للسيادة‭ ‬الرقمية،‭ ‬وتحالفات‭ ‬جنوب‭-‬جنوب‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬المتقدمة‭.‬

ولتشخيص‭ ‬المشكلة‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬أوسع،‭ ‬نرى‭ ‬أن‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭ ‬لا‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬نقص‭ ‬الكفاءات،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬ضعف‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بها‭ ‬واستثمارها‭. ‬فالعقول‭ ‬العربية‭ ‬أصبحت‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المعرفي‭ ‬العالمي،‭ ‬لكنها‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬تنتج‭ ‬المعرفة‭ ‬خارج‭ ‬أوطانها‭. ‬ومن‭ ‬منظور‭ ‬نقدي،‭ ‬يمكن‭ ‬تفسير‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬بوجود‭ ‬فجوة‭ ‬بين‭ ‬الطموح‭ ‬العلمي‭ ‬للباحثين‭ ‬والبنية‭ ‬المؤسسية‭ ‬المحلية‭. ‬

لكننا،‭ ‬في‭ ‬المستقبل،‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬استرجاع‭ ‬العقول‭ ‬هو‭ ‬الهدف‭ ‬الأساسي،‭ ‬بل‭ ‬بناء‭ ‬شبكات‭ ‬معرفية‭ ‬عابرة‭ ‬للحدود‭ ‬تربط‭ ‬العلماء‭ ‬العرب‭ ‬أينما‭ ‬كانوا‭. ‬وهذا‭ ‬يتطلب‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬هجرة‭ ‬العقول‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬دبلوماسية‭ ‬المعرفة‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬تتحول‭ ‬الجاليات‭ ‬العلمية‭ ‬العربية‭ ‬إلى‭ ‬امتداد‭ ‬استراتيجي‭ ‬للمشروع‭ ‬العلمي‭ ‬العربي‭. ‬وأحد‭ ‬أهم‭ ‬دروس‭ ‬مشاريع‭ ‬النهضة‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬التقنية‭ ‬ليست‭ ‬غاية‭ ‬في‭ ‬ذاتها‭. ‬فالمجتمعات‭ ‬التي‭ ‬تختزل‭ ‬التنمية‭ ‬في‭ ‬المؤشرات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬قد‭ ‬تحقق‭ ‬نموًا‭ ‬ماديًا‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تحقق‭ ‬نهضة‭ ‬مستدامة‭.‬

وفي‭ ‬السياق‭ ‬العربي،‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬التحول‭ ‬الرقمي‭ ‬المرتبط‭ ‬بمشروع‭ ‬ثقافي‭ ‬وإنساني‭. ‬لذا،‭ ‬فالمطلوب‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬استراتيجية‭ ‬للذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬بل‭ ‬استراتيجية‭ ‬حضارية‭ ‬للمعرفة‭ ‬تجعل‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬وسيلة‭ ‬لتحقيق‭ ‬العدالة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬والتنمية‭ ‬المستدامة،‭ ‬والأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬والمائي،‭ ‬وتمكين‭ ‬الشباب،‭ ‬وتعزيز‭ ‬الهوية‭ ‬الثقافية،‭ ‬والانفتاح‭ ‬الحضاري‭. ‬وربما‭ ‬تكون‭ ‬الفكرة‭ ‬الأكثر‭ ‬أهمية‭ ‬للمستقبل‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬نجاح‭ ‬الدولة‭ ‬العربية‭ ‬لن‭ ‬يُقاس‭ ‬فقط‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬الأرض‭ ‬والسكان،‭ ‬بل‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬تدفقات‭ ‬المعرفة‭ ‬والابتكار‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬الابتكار‭ ‬الإقليمي‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬الأفق،‭ ‬يصبح‭ ‬المشروع‭ ‬العلمي‭ ‬والتقني‭ ‬العربي‭ ‬مشروعًا‭ ‬حضاريًا‭ ‬جديدًا‭ ‬يتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬الدولة‭ ‬القطرية،‭ ‬ويستفيد‭ ‬من‭ ‬منجزات‭ ‬التحديث‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬مع‭ ‬محمد‭ ‬علي،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬أسيرًا‭ ‬لمنطقها‭. ‬فالتحدي‭ ‬الحقيقي‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬ليس‭ ‬بناء‭ ‬مؤسسات‭ ‬أكثر،‭ ‬بل‭ ‬بناء‭ ‬منظومة‭ ‬معرفية‭ ‬عربية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬العلم‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬تحرر‭ ‬وتنمية‭ ‬وإبداع،‭ ‬وإلى‭ ‬أساس‭ ‬لنهضة‭ ‬حضارية‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬تتحدد‭ ‬فيه‭ ‬المكانة‭ ‬الدولية‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تمتلك‭ ‬الأمم‭ ‬من‭ ‬معرفة‭ ‬وقدرة‭ ‬على‭ ‬الابتكار‭.‬

إذا‭ ‬أردنا‭ ‬الانتقال‭ ‬بالتحليل‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬أعمق‭ ‬فإن‭ ‬الإشكالية‭ ‬الأساسية‭ ‬للمشروع‭ ‬العلمي‭ ‬والتقني‭ ‬العربي‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬ضعف‭ ‬التمويل،‭ ‬أو‭ ‬هشاشة‭ ‬المؤسسات،‭ ‬أو‭ ‬التبعية‭ ‬التقنية،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬ما‭ ‬يسميه‭ ‬منظرو‭ ‬سياسات‭ ‬العلوم‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬‮«‬المهمات‭ ‬الوطنية‭ ‬الكبرى‮»‬‭. ‬لقد‭ ‬أدركت‭ ‬الدول‭ ‬الصناعية‭ ‬أن‭ ‬العلم‭ ‬لا‭ ‬يتقدم‭ ‬في‭ ‬الفراغ،‭ ‬بل‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬سردية‭ ‬مستقبلية‮»‬‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تعبئة‭ ‬الموارد‭ ‬والخيال‭ ‬الجماعي‭. ‬فعندما‭ ‬أعلن‭ ‬جون‭ ‬ف‭. ‬كينيدي،‭ ‬عام‭ ‬1961،‭ ‬هدف‭ ‬إرسال‭ ‬إنسان‭ ‬إلى‭ ‬القمر‭ ‬وإعادته‭ ‬سالمًا‭ ‬قبل‭ ‬نهاية‭ ‬العقد،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ذلك‭ ‬مجرد‭ ‬مشروع‭ ‬فضائي،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬مشروعًا‭ ‬حضاريًا‭ ‬واستراتيجيًا‭ ‬أعاد‭ ‬هيكلة‭ ‬الجامعات‭ ‬والصناعة‭ ‬والبحث‭ ‬العلمي‭ ‬والتعليم‭ ‬والابتكار‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬والنتيجة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬فقط‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬القمر،‭ ‬بل‭ ‬ظهور‭ ‬منظومات‭ ‬تقنية‭ ‬كاملة‭ ‬في‭ ‬الحوسبة،‭ ‬والمواد‭ ‬المتقدمة،‭ ‬والاتصالات،‭ ‬والإلكترونيات‭. ‬ومن‭ ‬منظور‭ ‬استشرافي،‭ ‬فإن‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬لا‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬نقص‭ ‬في‭ ‬الاستراتيجيات،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬غياب‭ ‬‮«‬المهمة‭ ‬التاريخية‭ ‬الجامعة‮»‬‭. ‬لدينا‭ ‬خطط‭ ‬رقمية،‭ ‬واستراتيجيات‭ ‬للذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬ورؤى‭ ‬وطنية‭ ‬متعددة،‭ ‬لكن‭ ‬معظمها‭ ‬يظل‭ ‬مجزأً‭ ‬ومحصورًا‭ ‬داخل‭ ‬الأطر‭ ‬القطرية‭. ‬أما‭ ‬المهمات‭ ‬الكبرى،‭ ‬فتمتلك‭ ‬قدرة‭ ‬مختلفة؛‭ ‬فهي‭ ‬تصنع‭ ‬اتجاهًا‭ ‬حضاريًا‭ ‬طويل‭ ‬الأمد،‭ ‬وتتجاوز‭ ‬الدورات‭ ‬السياسية‭ ‬القصيرة‭.‬

لقد‭ ‬شهد‭ ‬القرن‭ ‬العشرون‭ ‬نموذج‭ ‬‮«‬الدولة‭ ‬التنموية‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬ركز‭ ‬على‭ ‬التصنيع،‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية،‭ ‬والتعليم‭. ‬أما‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرون،‭ ‬فيشهد‭ ‬صعود‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬الدولة‭ ‬الموجهة‭ ‬بالمهمات‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬ارتبط‭ ‬بأعمال‭ ‬الباحثة‭ ‬ماريانا‭ ‬مازوكاتو،‭ ‬وتقوم‭ ‬الفكرة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬لا‭ ‬تكتفي‭ ‬بتصحيح‭ ‬إخفاقات‭ ‬السوق،‭ ‬بل‭ ‬تحدد‭ ‬أهدافًا‭ ‬كبرى‭ ‬ذات‭ ‬طبيعة‭ ‬مجتمعية،‭ ‬وتحشد‭ ‬الفاعلين‭ ‬حولها‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنظور،‭ ‬فإن‭ ‬السؤال‭ ‬العربي‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭: ‬كيف‭ ‬نرفع‭ ‬الإنفاق‭ ‬على‭ ‬البحث‭ ‬العلمي؟‭ ‬بل‭: ‬ما‭ ‬المهمة‭ ‬الحضارية‭ ‬التي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يخدمها‭ ‬هذا‭ ‬الإنفاق؟‭ ‬لأن‭ ‬الإنفاق،‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬مهمة‭ ‬كبرى،‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬مؤشرات‭ ‬كمية،‭ ‬بينما‭ ‬يتحول،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬مهمة‭ ‬واضحة،‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬تحول‭ ‬تاريخي‭.‬

لعل‭ ‬أحد‭ ‬أعمق‭ ‬أوجه‭ ‬الأزمة‭ ‬العربية‭ ‬هو‭ ‬ضعف‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تخيل‭ ‬المستقبل‭. ‬فالنقاشات‭ ‬العامة‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬تدور‭ ‬حول‭ ‬إدارة‭ ‬الأزمات‭ ‬الراهنة،‭ ‬بينما‭ ‬تتحدد‭ ‬موازين‭ ‬القوة‭ ‬العالمية‭ ‬اليوم‭ ‬وفق‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تشكيل‭ ‬المستقبل‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬التحدي‭ ‬العربي‭ ‬ليس‭ ‬تقنيًا‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬استشرافيّا‭ ‬وحضاريا‭ ‬أيضًا؛‭ ‬فالدول‭ ‬التي‭ ‬تقود‭ ‬العالم‭ ‬اليوم‭ ‬لا‭ ‬تمتلك‭ ‬فقط‭ ‬مختبرات‭ ‬متقدمة،‭ ‬بل‭ ‬تمتلك‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬استشراف‭ ‬المستقبل،‭ ‬مثل‭ ‬بناء‭ ‬اقتصاد‭ ‬خالٍ‭ ‬من‭ ‬الكربون،‭ ‬ومدن‭ ‬ذكية‭ ‬ومستدامة،‭ ‬وتحقيق‭ ‬ثورات‭ ‬في‭ ‬الطب‭ ‬الجيني‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي‭.‬

لذا،‭ ‬فإن‭ ‬السؤال‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬يصبح‭: ‬ما‭ ‬المشروع‭ ‬القادر‭ ‬على‭ ‬توحيد‭ ‬الموارد‭ ‬العربية‭ ‬العلمية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والسياسية‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الثلاثة‭ ‬القادمة؟‭ ‬يمكن‭ ‬تصور‭ ‬عدة‭ ‬مهمات‭ ‬حضارية‭ ‬كبرى،‭ ‬مثل‭: ‬مهمة‭ ‬الأمن‭ ‬المائي‭ ‬والغذائي‭ ‬العربي،‭ ‬ومهمة‭ ‬الطاقة‭ ‬المتجددة‭ ‬والهيدروجين‭ ‬الأخضر‭. ‬وفي‭ ‬عصر‭ ‬البيانات،‭ ‬يصبح‭ ‬السؤال‭ ‬الثقافي‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬السيادة‭ ‬الحضارية‭. ‬ولذلك،‭ ‬يمكن‭ ‬تصور‭ ‬مشروع‭ ‬عربي‭ ‬ضخم‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬منظومات‭ ‬ذكاء‭ ‬اصطناعي‭ ‬متقدمة‭ ‬باللغة‭ ‬العربية،‭ ‬وتطوير‭ ‬بنية‭ ‬بيانات‭ ‬عربية‭ ‬مشتركة،‭ ‬ونماذج‭ ‬معرفية‭ ‬تستوعب‭ ‬التراث‭ ‬والثقافة‭ ‬العربية‭. ‬وهذا‭ ‬المشروع‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬باللغة‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬بموقع‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المعرفي‭ ‬العالمي‭. ‬وهناك‭ ‬ضرورة‭ ‬للتحول‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬التعاون‭ ‬العربي‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬شبكات‭ ‬الجنوب‭ ‬العالمية‭. ‬فالعالم‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬منقسمًا‭ ‬فقط‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬منفردة،‭ ‬بل‭ ‬بين‭ ‬شبكات‭ ‬إنتاج‭ ‬معرفة‭ ‬عالمية‭. ‬ومن‭ ‬منظور‭ ‬استشرافي،‭ ‬فإن‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭ ‬يشهد‭ ‬صعود‭ ‬مراكز‭ ‬علمية؛‭ ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬المشروع‭ ‬العربي‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬منطق‭ ‬‮«‬نقل‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬من‭ ‬الشمال‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬منطق‭ ‬‮«‬بناء‭ ‬شبكات‭ ‬ابتكار‭ ‬جنوبية‮»‬‭.‬

إذا‭ ‬كان‭ ‬مشروع‭ ‬محمد‭ ‬علي‭ ‬قد‭ ‬سعى‭ ‬إلى‭ ‬استيراد‭ ‬المعرفة‭ ‬من‭ ‬الخارج،‭ ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬الدولة‭ ‬العربية‭ ‬الحديثة‭ ‬قد‭ ‬حاولت‭ ‬احتضان‭ ‬العلم‭ ‬داخل‭ ‬مؤسساتها‭ ‬الوطنية،‭ ‬فإن‭ ‬التحدي‭ ‬الجديد‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬منظومة‭ ‬معرفية‭ ‬شبكية‭ ‬تتجاوز‭ ‬الحدود‭ ‬الجغرافية‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬يصبح‭ ‬المهجر‭ ‬العربي‭ ‬موردًا‭ ‬استراتيجيًا‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬الموارد‭ ‬الطبيعية،‭ ‬ويصبح‭ ‬‮«‬بيت‭ ‬الحكمة‭ ‬للقرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‮»‬‭ ‬منصة‭ ‬حضارية‭ ‬للابتكار‭ ‬المفتوح،‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬جمع‭ ‬العقول‭ ‬العربية‭ ‬الموزعة‭ ‬عالميًا‭ ‬في‭ ‬مشروع‭ ‬علمي‭ ‬وتقني‭ ‬مشترك‭.‬

فالمستقبل‭ ‬لن‭ ‬تصنعه‭ ‬الدول‭ ‬الأكثر‭ ‬امتلاكًا‭ ‬للموارد‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬المجتمعات‭ ‬الأكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬ربط‭ ‬العقول،‭ ‬والشبكات،‭ ‬والمعرفة‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬ابتكار‭ ‬مفتوحة‭ ‬وعابرة‭ ‬للحدود‭.‬

 

{ أستاذ‭ ‬سياسات‭ ‬الابتكار‭ ‬

‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا