العدد : ١٧٦٥١ - الثلاثاء ٢١ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٥١ - الثلاثاء ٢١ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

إلى أين يتجه الصراع على مضيق هرمز؟

بقلم: د. محمد الرميحي

الثلاثاء ٢١ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

مع‭ ‬عودة‭ ‬إيران‭ ‬لقصف‭ ‬ناقلات‭ ‬الغاز‭ ‬والنفط‭ ‬في‭ ‬وقرب‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬المبكر‭ ‬الاعتقاد‭ ‬أن‭ ‬الحرب‭ ‬الأخيرة‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإيران‭ ‬قد‭ ‬انتهت‭ ‬فعلاً،‭ ‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬المواجهة‭ ‬العسكرية‭ ‬الكبيرة‭ ‬والمباشرة‭ ‬توقفت‭ ‬بعض‭ ‬الوقت‭.‬

لكن‭ ‬يمكن‭ ‬ان‭ ‬نفترض‭ ‬ان‭ ‬جولات‭ ‬التفاوض‭ ‬تتواصل‭ ‬خلف‭ ‬أبواب‭ ‬مغلقة‭ ‬بحثاً‭ ‬عن‭ ‬تفاهمات‭ ‬جديدة،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬جوهر‭ ‬الصراع‭ ‬يبدو‭ ‬أنه‭ ‬انتقل‭ ‬من‭ ‬ساحة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى،‭ ‬فالمعركة‭ ‬اليوم‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تدور‭ ‬حول‭ ‬تبادل‭ ‬الضربات،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬أصبحت‭ ‬تدور‭ ‬حول‭ ‬رسم‭ ‬قواعد‭ ‬النفوذ‭ ‬في‭ ‬الخليج،‭ ‬ويأتي‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬هذه‭ ‬المعادلة‭.‬

ففي‭ ‬القراءة‭ ‬الإيرانية‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬هرمز‭ ‬مجرد‭ ‬ممر‭ ‬مائي‭ ‬تعبر‭ ‬منه‭ ‬ناقلات‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬والسفن‭ ‬التجارية،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬ورقة‭ ‬استراتيجية‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تعيد‭ ‬تعريف‭ ‬مكانة‭ ‬إيران‭ ‬الإقليمية،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬يبدو‭ ‬الإصرار‭ ‬الإيراني‭ ‬على‭ ‬منح‭ ‬نفسها‭ ‬دوراً‭ ‬استثنائياً‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬المضيق،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬تكريس‭ ‬تصور‭ ‬يجعل‭ ‬المرور‭ ‬فيه‭ ‬خاضعاً‭ ‬بصورة‭ ‬أو‭ ‬بأخرى‭ ‬لإرادتها‭ ‬السياسية‭.‬

لذلك‭ ‬تردد‭ ‬بإصرار‭ ‬بين‭ ‬حين‭ ‬وآخر،‭ ‬أفكاراً‭ ‬عن‭ ‬فرض‭ ‬رسوم‭ ‬عبور‭ ‬أو‭ ‬مقابل‭ ‬خدمات‭ ‬أو‭ ‬ترتيبات‭ ‬خاصة،‭ ‬وهي‭ ‬تبدو‭ ‬في‭ ‬ظاهرها‭ ‬إجراءات‭ ‬فنية،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬حقيقتها‭ ‬محاولة‭ ‬لإعادة‭ ‬تفسير‭ ‬قواعد‭ ‬مستقرة‭ ‬في‭ ‬القانون‭ ‬الدولي،‭ ‬بما‭ ‬يمنح‭ ‬دولة‭ ‬واحدة‭ ‬امتيازاً‭ ‬لا‭ ‬ينسجم‭ ‬مع‭ ‬الطبيعة‭ ‬القانونية‭ ‬للممرات‭ ‬البحرية‭ ‬الدولية‭.‬

ولا‭ ‬يمكن‭ ‬فصل‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬عن‭ ‬الحسابات‭ ‬الداخلية‭ ‬في‭ ‬طهران،‭ ‬فالنظام‭ ‬يواجه‭ ‬ضغوطاً‭ ‬اقتصادية‭ ‬متراكمة،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬مراكز‭ ‬القوى‭ ‬التي‭ ‬تمسك‭ ‬بالقرار‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تقديم‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬تسويقه‭ ‬للرأي‭ ‬العام‭ ‬الداخلي‭ ‬باعتباره‭ ‬إنجازاً‭ ‬سياسياً‭ ‬بعد‭ ‬مرحلة‭ ‬مكلفة‭ ‬من‭ ‬التصعيد،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فإن‭ ‬قضية‭ ‬هرمز‭ ‬تبدو‭ ‬المرشح‭ ‬الأبرز‭ ‬لتكون‭ ‬عنواناً‭ ‬لهذا‭ ‬‮«‬الانتصار‮»‬‭ ‬على‭ ‬القوى‭ ‬الأخرى،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬يتحقق‭ ‬تقدم‭ ‬مماثل‭ ‬في‭ ‬الملفات‭ ‬الأخرى‭.‬

ولعل‭ ‬ما‭ ‬يستحق‭ ‬التوقف‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬خطاب‭ ‬سياسي،‭ ‬بل‭ ‬ظهرت‭ ‬لها‭ ‬تطبيقات‭ ‬عملية،‭ ‬فقد‭ ‬سارعت‭ ‬إيران‭ ‬إلى‭ ‬التدخل‭ ‬وإرجاع‭ ‬سفن‭ ‬حاولت‭ ‬العبور‭ ‬عبر‭ ‬الممر‭ ‬العُماني‭ ‬من‭ ‬المضيق،‭ ‬وفي‭ ‬بعضها‭ ‬تم‭ ‬قصفها‭ ‬بالمسيّرات‭ ‬في‭ ‬تصرف‭ ‬يعكس‭ ‬تصورها‭ ‬لدورها‭ ‬في‭ ‬التحكم‭ ‬بحركة‭ ‬الملاحة‭.‬

أي‭ ‬انها‭ ‬محاولة‭ ‬لاحتكار‭ ‬النفوذ‭ ‬في‭ ‬الخليج،‭ ‬والمفارقة‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬حدث‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬الممر‭ ‬العماني،‭ ‬بينما‭ ‬كانت‭ ‬سلطنة‭ ‬عُمان‭ ‬تبذل‭ ‬جهداً‭ ‬دبلوماسياً‭ ‬مميزاً‭ ‬للتوسط‭ ‬بين‭ ‬الأطراف‭ ‬المتنازعة،‭ ‬واضعة‭ ‬جانباً‭ ‬من‭ ‬أمنها‭ ‬واستقرارها‭ ‬على‭ ‬المحك،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إبقاء‭ ‬باب‭ ‬الحوار‭ ‬مفتوحاً‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬مساس‭ ‬بحرية‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬لا‭ ‬يهدد‭ ‬المصالح‭ ‬الخليجية‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬يضع‭ ‬الأمن‭ ‬العُماني‭ ‬نفسه‭ ‬أمام‭ ‬تحديات‭ ‬إضافية،‭ ‬ويبعث‭ ‬برسائل‭ ‬مقلقة‭ ‬إلى‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬يقف‭ ‬متفرجاً‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬طموحاً‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬يصطدم‭ ‬بواقع‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬صلابة‭ ‬وهو‭ ‬نصوص‭ ‬القانون‭ ‬الدولي،‭ ‬فمضيق‭ ‬هرمز‭ ‬ليس‭ ‬شأناً‭ ‬إيرانياً،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬ممر‭ ‬دولي‭ ‬تعتمد‭ ‬عليه‭ ‬أسواق‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمية‭ ‬وسلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬والتجارة‭ ‬الدولية‭ ‬وخطوط‭ ‬الاتصالات‭ ‬الدولية‭.‬

ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬محاولة‭ ‬لتغيير‭ ‬قواعد‭ ‬المرور،‭ ‬أو‭ ‬فرض‭ ‬تفسير‭ ‬جديد‭ ‬للقانون‭ ‬البحري‭ ‬لن‭ ‬تقابل‭ ‬برفض‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬ستواجه‭ ‬اعتراضاً‭ ‬من‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬حرية‭ ‬الملاحة‭ ‬ركناً‭ ‬أساسياً‭ ‬من‭ ‬أركان‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬القائم‭.‬

ولهذا‭ ‬فمن‭ ‬المرجح‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬المرحلة‭ ‬المقبلة‭ ‬مرحلة‭ ‬صراع‭ ‬سياسي‭ ‬وقانوني‭ ‬طويل‭ ‬أكثر‭ ‬منها‭ ‬مواجهة‭ ‬عسكرية‭ ‬مباشرة،‭ ‬فالقضية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تخص‭ ‬اتفاقاً‭ ‬نووياً‭ ‬أو‭ ‬رفع‭ ‬عقوبات‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬تتعلق‭ ‬بإعادة‭ ‬رسم‭ ‬موازين‭ ‬النفوذ‭ ‬في‭ ‬الخليج‭.‬

وستحاول‭ ‬القوى‭ ‬المتنافسة‭ ‬داخل‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬تقديم‭ ‬أي‭ ‬مكسب‭ ‬في‭ ‬هرمز‭ ‬بوصفه‭ ‬دليلاً‭ ‬على‭ ‬نجاحها،‭ ‬بينما‭ ‬سيحرص‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬على‭ ‬منع‭ ‬تحويل‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬إلى‭ ‬أدوات‭ ‬نفوذ‭ ‬أو‭ ‬ابتزاز‭ ‬سياسي‭. ‬لقد‭ ‬انتقلت‭ ‬المعركة‭ ‬من‭ ‬السماء‭ ‬إلى‭ ‬البحر،‭ ‬ومن‭ ‬الصواريخ‭ ‬إلى‭ ‬القانون‭ ‬الدولي،‭ ‬وربما‭ ‬يكون‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬وأطول‭ ‬عمراً‭ ‬وأكثر‭ ‬كلفة،‭ ‬لأن‭ ‬الخلاف‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬على‭ ‬حدود‭ ‬الجغرافيا،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬يملك‭ ‬حق‭ ‬صياغة‭ ‬قواعد‭ ‬النفوذ‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

{ كاتب‭ ‬وأكاديمي‭ ‬كويتي‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا