لقد سبق لنا الحديث عن الإسلام في تعريف قوته وتمكنه من أنه «قوة في غير عنف»، وها نحن نواصل الحديث عن جوانب اللين والرفق التي ما دخلت في شيء إلا زانته، ولا نزعت من شيء إلا شانته، هذا التوازن العجيب في النظر إلى الإسلام بشقيه القوة واللين، فهو «قوي في غير عنف، ولين في غير ضعف».
هذا التوازن يجعلنا نتحمل الكثير من المتاعب والمشاق التي تدفعنا إلى بلوغ هذه الغاية، وتحقيق هذه الأمنية المرجوة، فالإسلام يجمع الوسائل والغايات، ولا يفرق بين عنصري المعادلة، فلا يختار نبل الغاية على حساب شرف الوسيلة، بل لقد بالغ في الاهتمام بشرف الوسيلة، ونبل الغاية وهذا ما يعارض المبدأ الاستعماري الذي ينادي ويلح في النداء بأن الغاية تبرر الوسيلة، وإنه إذا كانت الغاية شريفة، فللإنسان أن يتخذ أي وسيلة حتى وإن كانت غير شريفة، وهذا أمر يرفضه الإسلام، ولا يقبله بأي حال من الأحوال، ولا ينبغي لشريعة وصفها الله تعالى بالكمال، ولنعمة أتمّها الله تعالى أن يخالطهما شيء من الحرام.
إذاً، فقد رأيت أنه من الواجب عليَّ بعد أن تحدثت عن قوة الإسلام بأنها قوة في غير عنف أن أتحدث عن الإسلام بأنه لين في غير ضعف.
إذًا، فقوة الإسلام ولينه يدوران مع الحق حيثما دار، وهذا ما وعاه سيدنا أبو بكر (رضي الله عنه) عندما أعد نفسه لتولي الخلافة حين قال : (أيها الناس إني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم القوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له). إنه منهاج رباني يعلنه الخليفة الراشد أبو بكر الصديق حتى يعلم القاصي والداني أنه رضي الله تعالى عنه لن يتوانى، ولن يتهاون في المحافظة على الحقوق، وأن من يحاول التعدي على الحقوق والخروج على الشريعة سوف ينال عقابه الرادع.
ومن أمثلة تعامل الرسول (صلى الله عليه وسلم) ما روته السيدة عائشة (رضي الله عنها) مع اليهود أنه (جاء رهط منهم، فقالوا.. السام عليك فقالت بل عليكم السام رواه واللعنة: فقال: يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، قلت: أولم تسمع ما قالوا؟ قال: قلت وعليكم) رواه البخاري.
ومن المبادئ التي قررها الإسلام وأقر المسلمين عليها أن (من حرم الرفق حرم الخير، أو من يحرم الرفق يحرم الخير)، حديث صحيح.
إذًا، فالإسلام شديد الحرص على ما ينفع الناس، وينمي فيهم جوانب الخير، وهذا يتحقق من دون ريب في مجال قوة من دون عنف، وفي اللين من دون ضعف.
ومن العجيب في الأمر أن الإسلام بهذا الوصف يجمع بين القوة واللين في إهاب واحد، وفي الوقت ذاته ينفر من العنف والضعف، لأنه كما ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو إني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن (لو) تفتح عمل الشيطان)، حديث صححه مسلم.
فالإسلام لا يتهاون في أمر العقيدة، قال تعالى: «وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم» لقمان: 13، أما فيما دون ذلك من التكاليف فتقوم على اليسر، وعلى قاعدة «عند الضرورات تباح المحظورات».
فالإسلام قوي في أمر العقيدة، وهو لين رفيق في جوانب التكاليف التي يكلفنا الله تعالى بها.
هذا هو الإسلام في قوته.. وهذا هو الإسلام في لينه، بل وهذا هو الإسلام في صفائه ونقاء عقيدته.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك