العدد : ١٧٦٥٠ - الاثنين ٢٠ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٥٠ - الاثنين ٢٠ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

الإسلام.. لين في غير ضعف!

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ١٩ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

لقد‭ ‬سبق‭ ‬لنا‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الإسلام‭ ‬في‭ ‬تعريف‭ ‬قوته‭ ‬وتمكنه‭ ‬من‭ ‬أنه‭ ‬‮«‬قوة‭ ‬في‭ ‬غير‭ ‬عنف‮»‬،‭ ‬وها‭ ‬نحن‭ ‬نواصل‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬جوانب‭ ‬اللين‭ ‬والرفق‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬دخلت‭ ‬في‭ ‬شيء‭ ‬إلا‭ ‬زانته،‭ ‬ولا‭ ‬نزعت‭ ‬من‭ ‬شيء‭ ‬إلا‭ ‬شانته،‭ ‬هذا‭ ‬التوازن‭ ‬العجيب‭ ‬في‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬الإسلام‭ ‬بشقيه‭ ‬القوة‭ ‬واللين،‭ ‬فهو‭ ‬‮«‬قوي‭ ‬في‭ ‬غير‭ ‬عنف،‭ ‬ولين‭ ‬في‭ ‬غير‭ ‬ضعف‮»‬‭.‬

هذا‭ ‬التوازن‭ ‬يجعلنا‭ ‬نتحمل‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المتاعب‭ ‬والمشاق‭ ‬التي‭ ‬تدفعنا‭ ‬إلى‭ ‬بلوغ‭ ‬هذه‭ ‬الغاية،‭ ‬وتحقيق‭ ‬هذه‭ ‬الأمنية‭ ‬المرجوة،‭ ‬فالإسلام‭ ‬يجمع‭ ‬الوسائل‭ ‬والغايات،‭ ‬ولا‭ ‬يفرق‭ ‬بين‭ ‬عنصري‭ ‬المعادلة،‭ ‬فلا‭ ‬يختار‭ ‬نبل‭ ‬الغاية‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬شرف‭ ‬الوسيلة،‭ ‬بل‭ ‬لقد‭ ‬بالغ‭ ‬في‭ ‬الاهتمام‭ ‬بشرف‭ ‬الوسيلة،‭ ‬ونبل‭ ‬الغاية‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يعارض‭ ‬المبدأ‭ ‬الاستعماري‭ ‬الذي‭ ‬ينادي‭ ‬ويلح‭ ‬في‭ ‬النداء‭ ‬بأن‭ ‬الغاية‭ ‬تبرر‭ ‬الوسيلة،‭ ‬وإنه‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬الغاية‭ ‬شريفة،‭ ‬فللإنسان‭ ‬أن‭ ‬يتخذ‭ ‬أي‭ ‬وسيلة‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬غير‭ ‬شريفة،‭ ‬وهذا‭ ‬أمر‭ ‬يرفضه‭ ‬الإسلام،‭ ‬ولا‭ ‬يقبله‭ ‬بأي‭ ‬حال‭ ‬من‭ ‬الأحوال،‭ ‬ولا‭ ‬ينبغي‭ ‬لشريعة‭ ‬وصفها‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬بالكمال،‭ ‬ولنعمة‭ ‬أتمّها‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬أن‭ ‬يخالطهما‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬الحرام‭.‬

إذاً،‭ ‬فقد‭ ‬رأيت‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬الواجب‭ ‬عليَّ‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تحدثت‭ ‬عن‭ ‬قوة‭ ‬الإسلام‭ ‬بأنها‭ ‬قوة‭ ‬في‭ ‬غير‭ ‬عنف‭ ‬أن‭ ‬أتحدث‭ ‬عن‭ ‬الإسلام‭ ‬بأنه‭ ‬لين‭ ‬في‭ ‬غير‭ ‬ضعف‭.‬

إذًا،‭ ‬فقوة‭ ‬الإسلام‭ ‬ولينه‭ ‬يدوران‭ ‬مع‭ ‬الحق‭ ‬حيثما‭ ‬دار،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬وعاه‭ ‬سيدنا‭ ‬أبو‭ ‬بكر‭ (‬رضي‭ ‬الله‭ ‬عنه‭) ‬عندما‭ ‬أعد‭ ‬نفسه‭ ‬لتولي‭ ‬الخلافة‭ ‬حين‭ ‬قال‭ : (‬أيها‭ ‬الناس‭ ‬إني‭ ‬قد‭ ‬وليت‭ ‬عليكم‭ ‬ولست‭ ‬بخيركم،‭ ‬فإن‭ ‬أحسنت‭ ‬فأعينوني،‭ ‬وإن‭ ‬أسأت‭ ‬فقوموني،‭ ‬أطيعوني‭ ‬ما‭ ‬أطعت‭ ‬الله‭ ‬فيكم،‭ ‬فإن‭ ‬عصيته‭ ‬فلا‭ ‬طاعة‭ ‬لي‭ ‬عليكم‭ ‬القوي‭ ‬فيكم‭ ‬ضعيف‭ ‬عندي‭ ‬حتى‭ ‬آخذ‭ ‬الحق‭ ‬منه،‭ ‬والضعيف‭ ‬فيكم‭ ‬قوي‭ ‬عندي‭ ‬حتى‭ ‬آخذ‭ ‬الحق‭ ‬له‭). ‬إنه‭ ‬منهاج‭ ‬رباني‭ ‬يعلنه‭ ‬الخليفة‭ ‬الراشد‭ ‬أبو‭ ‬بكر‭ ‬الصديق‭ ‬حتى‭ ‬يعلم‭ ‬القاصي‭ ‬والداني‭ ‬أنه‭ ‬رضي‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬عنه‭ ‬لن‭ ‬يتوانى،‭ ‬ولن‭ ‬يتهاون‭ ‬في‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬الحقوق،‭ ‬وأن‭ ‬من‭ ‬يحاول‭ ‬التعدي‭ ‬على‭ ‬الحقوق‭ ‬والخروج‭ ‬على‭ ‬الشريعة‭ ‬سوف‭ ‬ينال‭ ‬عقابه‭ ‬الرادع‭.‬

ومن‭ ‬أمثلة‭ ‬تعامل‭ ‬الرسول‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬ما‭ ‬روته‭ ‬السيدة‭ ‬عائشة‭ (‬رضي‭ ‬الله‭ ‬عنها‭) ‬مع‭ ‬اليهود‭ ‬أنه‭ (‬جاء‭ ‬رهط‭ ‬منهم،‭ ‬فقالوا‭.. ‬السام‭ ‬عليك‭ ‬فقالت‭ ‬بل‭ ‬عليكم‭ ‬السام‭ ‬رواه‭ ‬واللعنة‭: ‬فقال‭: ‬يا‭ ‬عائشة‭ ‬إن‭ ‬الله‭ ‬رفيق‭ ‬يحب‭ ‬الرفق‭ ‬في‭ ‬الأمر‭ ‬كله،‭ ‬قلت‭: ‬أولم‭ ‬تسمع‭ ‬ما‭ ‬قالوا؟‭ ‬قال‭: ‬قلت‭ ‬وعليكم‭) ‬رواه‭ ‬البخاري‭.‬

ومن‭ ‬المبادئ‭ ‬التي‭ ‬قررها‭ ‬الإسلام‭ ‬وأقر‭ ‬المسلمين‭ ‬عليها‭ ‬أن‭ (‬من‭ ‬حرم‭ ‬الرفق‭ ‬حرم‭ ‬الخير،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬يحرم‭ ‬الرفق‭ ‬يحرم‭ ‬الخير‭)‬،‭ ‬حديث‭ ‬صحيح‭.‬

إذًا،‭ ‬فالإسلام‭ ‬شديد‭ ‬الحرص‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬ينفع‭ ‬الناس،‭ ‬وينمي‭ ‬فيهم‭ ‬جوانب‭ ‬الخير،‭ ‬وهذا‭ ‬يتحقق‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ريب‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬قوة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬عنف،‭ ‬وفي‭ ‬اللين‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ضعف‭.‬

ومن‭ ‬العجيب‭ ‬في‭ ‬الأمر‭ ‬أن‭ ‬الإسلام‭ ‬بهذا‭ ‬الوصف‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬القوة‭ ‬واللين‭ ‬في‭ ‬إهاب‭ ‬واحد،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬ينفر‭ ‬من‭ ‬العنف‭ ‬والضعف،‭ ‬لأنه‭ ‬كما‭ ‬ورد‭ ‬عن‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭): (‬المؤمن‭ ‬القوي‭ ‬خير‭ ‬وأحب‭ ‬إلى‭ ‬الله‭ ‬من‭ ‬المؤمن‭ ‬الضعيف‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬خير،‭ ‬احرص‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬ينفعك،‭ ‬واستعن‭ ‬بالله،‭ ‬ولا‭ ‬تعجز،‭ ‬وإن‭ ‬أصابك‭ ‬شيء‭ ‬فلا‭ ‬تقل‭ ‬لو‭ ‬إني‭ ‬فعلت‭ ‬كان‭ ‬كذا‭ ‬وكذا،‭ ‬ولكن‭ ‬قل‭ ‬قدر‭ ‬الله‭ ‬وما‭ ‬شاء‭ ‬فعل‭ ‬فإن‭ (‬لو‭) ‬تفتح‭ ‬عمل‭ ‬الشيطان‭)‬،‭ ‬حديث‭ ‬صححه‭ ‬مسلم‭.‬

فالإسلام‭ ‬لا‭ ‬يتهاون‭ ‬في‭ ‬أمر‭ ‬العقيدة،‭ ‬قال‭ ‬تعالى‭: ‬‮«‬وإذ‭ ‬قال‭ ‬لقمان‭ ‬لابنه‭ ‬وهو‭ ‬يعظه‭ ‬يا‭ ‬بني‭ ‬لا‭ ‬تشرك‭ ‬بالله‭ ‬إن‭ ‬الشرك‭ ‬لظلم‭ ‬عظيم‮»‬‭ ‬لقمان‭: ‬13،‭ ‬أما‭ ‬فيما‭ ‬دون‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬التكاليف‭ ‬فتقوم‭ ‬على‭ ‬اليسر،‭ ‬وعلى‭ ‬قاعدة‭ ‬‮«‬عند‭ ‬الضرورات‭ ‬تباح‭ ‬المحظورات‮»‬‭.‬

فالإسلام‭ ‬قوي‭ ‬في‭ ‬أمر‭ ‬العقيدة،‭ ‬وهو‭ ‬لين‭ ‬رفيق‭ ‬في‭ ‬جوانب‭ ‬التكاليف‭ ‬التي‭ ‬يكلفنا‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬بها‭.‬

هذا‭ ‬هو‭ ‬الإسلام‭ ‬في‭ ‬قوته‭.. ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬الإسلام‭ ‬في‭ ‬لينه،‭ ‬بل‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬الإسلام‭ ‬في‭ ‬صفائه‭ ‬ونقاء‭ ‬عقيدته‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا