العدد : ١٧٦٥٠ - الاثنين ٢٠ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٥٠ - الاثنين ٢٠ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

فلسفة وقيمة الحرية بين المدارس المختلفة

بقلم: د. زكريا الخنجي

الأحد ١٩ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

تُعدّ‭ (‬الحرية‭) ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬المفاهيم‭ ‬رسوخًا‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬الإنساني‭ ‬وإثارةً‭ ‬للجدل‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الفلسفي،‭ ‬لأنها‭ ‬تمسّ‭ ‬صميم‭ ‬السؤال‭ ‬عن‭ ‬الإنسان‭: ‬ما‭ ‬ماهيته؟‭ ‬وما‭ ‬حدود‭ ‬إرادته؟‭ ‬وما‭ ‬طبيعة‭ ‬علاقته‭ ‬بالسلطة،‭ ‬وبالأخلاق،‭ ‬وبالمجتمع؟‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬الحرية‭ ‬مفهومًا‭ ‬جزئيًا‭ ‬أو‭ ‬عرضيًا‭ ‬في‭ ‬التراث‭ ‬الفكري،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬دائمًا‭ ‬نقطة‭ ‬ارتكاز‭ ‬لفهم‭ ‬الإنسان‭ ‬والوجود‭ ‬والنظام‭ ‬السياسي‭ ‬والأخلاقي‭.‬

وإذا‭ ‬كان‭ ‬الفكر‭ ‬الفلسفي‭ ‬قد‭ ‬انشغل،‭ ‬منذ‭ ‬اليونان‭ ‬إلى‭ ‬الحداثة‭ ‬وما‭ ‬بعدها،‭ ‬بتحديد‭ ‬معنى‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الإنسان‭ (‬حرًا‭)‬،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬الانشغال‭ ‬لم‭ ‬يفضِ‭ ‬إلى‭ ‬تعريف‭ ‬واحد‭ ‬مستقر،‭ ‬بل‭ ‬ولّد‭ ‬تصورات‭ ‬متعددة‭ ‬بل‭ ‬ومتنازعة،‭ ‬تتراوح‭ ‬بين‭ ‬الحرية‭ ‬بوصفها‭ ‬غيابًا‭ ‬للإكراه‭ ‬الخارجي،‭ ‬والحرية‭ ‬بوصفها‭ ‬تمكنًا‭ ‬داخليًا‭ ‬من‭ ‬توجيه‭ ‬الذات‭ ‬والتحكم‭ ‬في‭ ‬المصير،‭ ‬والحرية‭ ‬بوصفها‭ ‬استقلالًا‭ ‬ذاتيًا‭ ‬أخلاقيًا،‭ ‬أو‭ ‬حقًا‭ ‬سياسيًا،‭ ‬أو‭ ‬شرطًا‭ ‬وجوديًا‭ ‬لتكوين‭ ‬الذات‭.‬

هذا‭ ‬التعدد‭ ‬المفهومي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬اليوم‭ ‬مجرد‭ ‬خلاف‭ ‬نظري‭ ‬في‭ ‬الفلسفة‭ ‬السياسية،‭ ‬بل‭ ‬صار‭ ‬ذا‭ ‬آثار‭ ‬قانونية‭ ‬وأخلاقية‭ ‬وتربوية‭ ‬وثقافية‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬المجتمعات‭ ‬الحديثة‭. ‬ويظهر‭ ‬ذلك‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬التمييز‭ ‬الذي‭ ‬تعرضه‭ ‬بعض‭ ‬الموسوعات‭ ‬بين‭ ‬الحرية‭ ‬السلبية‭ ‬باعتبارها‭ ‬غياب‭ ‬العوائق‭ ‬والقيود،‭ ‬والحرية‭ ‬الإيجابية‭ ‬باعتبارها‭ ‬قدرة‭ ‬الفرد‭ ‬على‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬حياته‭ ‬وتحقيق‭ ‬مقاصده‭ ‬الأساسية‭ ‬من‭ ‬الحياة،‭ ‬مع‭ ‬التنبيه‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذين‭ ‬الفهمين‭ ‬ليسا‭ ‬مجرد‭ ‬نوعين‭ ‬مختلفين‭ ‬من‭ ‬الحرية،‭ ‬بل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحولا‭ ‬إلى‭ ‬تأويلين‭ ‬متنافسين،‭ ‬بل‭ ‬ومتعارضين،‭ ‬لمثال‭ ‬سياسي‭ ‬واحد‭.‬

مفهوم‭ ‬الحرية‭ ‬المطلقة‭ ‬في‭ ‬الفلسفة‭ ‬الغربية

يُلاحظ‭ ‬أن‭ ‬كثيرًا‭ ‬من‭ ‬الاتجاهات‭ ‬الغربية‭ ‬الحديثة،‭ ‬وخاصة‭ ‬الليبرالية،‭ ‬تميل‭ ‬إلى‭ ‬تعريف‭ ‬الحرية‭ ‬بوصفها‭ ‬غياب‭ ‬القيود‭ ‬الخارجية‭ (‬الحرية‭ ‬السلبية‭)‬،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الفرد‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬التصرف‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تدخل‭ ‬من‭ ‬الآخرين‭ ‬بمعنى‭ (‬الفردية‭). ‬وهذا‭ ‬التصور،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أهميته‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬الفرد‭ ‬من‭ ‬التعسف‭ ‬السياسي،‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬قصور‭ ‬بنيوي‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬اختزال‭ ‬الحرية‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬إمكان‭ ‬الفعل‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬قيمة‭ ‬هذا‭ ‬الفعل‭ ‬أو‭ ‬غايته‭. ‬فالفلسفة‭ ‬الليبرالية،‭ ‬في‭ ‬صيغتها‭ ‬المتطرفة،‭ ‬لا‭ ‬تميز‭ ‬بين‭:‬

•‭ ‬حرية‭ ‬البناء‭ ‬وحرية‭ ‬التدمير‭.‬

•‭ ‬حرية‭ ‬الاختيار‭ ‬الرشيد‭ ‬وحرية‭ ‬الانقياد‭ ‬للهوى‭.‬

وهذا‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬تسميته‭ ‬تفريغ‭ ‬الحرية‭ ‬من‭ ‬مضمونها‭ ‬الأخلاقي،‭ ‬بحيث‭ ‬تصبح‭ ‬الحرية‭ ‬مجرد‭ ‬إمكانية،‭ ‬لا‭ ‬قيمة‭ ‬لها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أفرز‭ ‬أزمات‭ ‬معاصرة‭ ‬مرتبطة‭ ‬بفقدان‭ ‬المعنى،‭ ‬وانهيار‭ ‬المرجعيات،‭ ‬وتضخم‭ ‬النزعة‭ ‬الفردانية‭.‬

فالفردية‭ ‬أو‭ ‬الاستقلال‭ ‬الذاتي‭ ‬تُعد‭ ‬من‭ ‬المفاهيم‭ ‬المركزية‭ ‬في‭ ‬الفلسفة‭ ‬الغربية‭ ‬الحديثة،‭ ‬حيث‭ ‬يُنظر‭ ‬إلى‭ ‬الحرية‭ ‬بوصفها‭ ‬قدرة‭ ‬الإنسان‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مصدر‭ ‬أفعاله‭ ‬وقراراته‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬قد‭ ‬تعرض‭ ‬لنقد‭ ‬واسع‭ ‬في‭ ‬الفلسفة‭ ‬المعاصرة،‭ ‬وخاصة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الاتجاهات‭ ‬التي‭ ‬تؤكد‭ ‬البعد‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والثقافي‭ ‬للإنسان؛‭ ‬فالفرد‭ -‬في‭ ‬الواقع‭- ‬ليس‭ ‬كائنًا‭ ‬معزولًا،‭ ‬بل‭ ‬هو‭:‬

•‭ ‬نتاج‭ ‬بنية‭ ‬ثقافية‭.‬

•‭ ‬ومحصلة‭ ‬علاقات‭ ‬اجتماعية‭.‬

•‭ ‬ومتأثر‭ ‬بشروط‭ ‬نفسية‭ ‬واقتصادية‭.‬

وقد‭ ‬أشارت‭ ‬الدراسات‭ ‬الفلسفية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الاستقلال‭ ‬الذاتي‭ ‬ليس‭ ‬حالة‭ ‬مطلقة،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬حالة‭ ‬نسبية‭ ‬تتأثر‭ ‬بالسياق،‭ ‬وأن‭ ‬القرارات‭ ‬الفردية‭ ‬ليست‭ ‬دائمًا‭ ‬نابعة‭ ‬من‭ ‬ذات‭ ‬خالصة،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬منظومات‭ ‬معقدة‭ ‬من‭ ‬التأثيرات‭.‬

وفي‭ ‬ضوء‭ ‬ذلك،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬التصور‭ ‬الغربي‭ ‬للاستقلال‭ ‬الذاتي‭ ‬يفترض‭ ‬نموذجًا‭ ‬مثاليًا‭ ‬للإنسان‭ ‬لا‭ ‬يعكس‭ ‬واقعه‭ ‬الفعلي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬فجوة‭ ‬بين‭ ‬النظرية‭ ‬والتطبيق‭.‬

فلسفة‭ ‬الحرية‭ ‬في‭ ‬المنهج‭ ‬الإسلامي

أما‭ ‬في‭ ‬العقيدة‭ ‬الإسلامية‭ ‬فإن‭ ‬الحرية‭ ‬تدخل‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬أوسع‭ ‬وأعمق‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬الجدل‭ ‬السياسي‭ ‬أو‭ ‬الأخلاقي‭ ‬المجرد؛‭ ‬إذ‭ ‬ينظر‭ ‬إلى‭ ‬الحرية‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬التوحيد،‭ ‬والكرامة‭ ‬الإنسانية،‭ ‬والتكليف،‭ ‬والاستخلاف،‭ ‬والمسؤولية‭. ‬فالحرية‭ ‬في‭ ‬التصور‭ ‬الإسلامي‭ ‬ليست‭ ‬انفلاتًا‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬قيد،‭ ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬حق‭ ‬قانوني‭ ‬يحدده‭ ‬العقد‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬أصلها‭ ‬تحرر‭ ‬من‭ ‬العبودية‭ ‬لغير‭ ‬الله‭ ‬سبحانه،‭ ‬وتمكين‭ ‬للإنسان‭ ‬من‭ ‬ممارسة‭ ‬اختياره‭ ‬ضمن‭ ‬أفق‭ ‬أخلاقي‭ ‬وغائي‭ ‬يوجّه‭ ‬الإرادة‭ ‬ولا‭ ‬يلغيها‭. ‬

ولهذا‭ ‬يقرّر‭ ‬القرآن‭ ‬مبدأ‭ ‬عدم‭ ‬الإكراه‭ ‬في‭ ‬أصل‭ ‬الاعتقاد‭ ‬كما‭ ‬ورد‭ ‬في‭ ‬سورة‭ ‬البقرة‭ ‬الآية‭ ‬256‭ ‬‮«‬لَا‭ ‬إِكْرَاهَ‭ ‬فِي‭ ‬الدِّينِ‮»‬،‭ ‬ويثبت‭ ‬للإنسان‭ ‬أهلية‭ ‬الاختيار‭ ‬كما‭ ‬ورد‭ ‬في‭ ‬سورة‭ ‬الكهف‭ ‬الآية‭ ‬29‭ ‬حينما‭ ‬قال‭ ‬تعالى‭: ‬‮«‬فَمَن‭ ‬شَاءَ‭ ‬فَلْيُؤْمِنْ‭ ‬وَمَن‭ ‬شَاءَ‭ ‬فَلْيَكْفُرْ‮»‬،‭ ‬وكذلك‭ ‬يقر‭ ‬الحرية‭ ‬بالتبعة‭ ‬كما‭ ‬ورد‭ ‬في‭ ‬سورة‭ ‬الإنسان‭ ‬الآية‭ ‬3‭ ‬حينما‭ ‬قال‭ ‬تعالى‭: ‬‮«‬إِنَّا‭ ‬هَدَيْنَاهُ‭ ‬السَّبِيلَ‭ ‬إِمَّا‭ ‬شَاكِرًا‭ ‬وَإِمَّا‭ ‬كَفُورًا‮»‬‭. ‬وهذا‭ ‬المنظور‭ ‬يتصل‭ ‬كذلك‭ ‬بما‭ ‬يبرزه‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الفكر‭ ‬الإسلامي‭ ‬يتعامل‭ ‬مع‭ ‬الإنسان‭ ‬بوصفه‭ ‬مكرّمًا،‭ ‬ومستخلفًا،‭ ‬وممنوحًا‭ ‬حقوقًا‭ ‬في‭ ‬الحرية‭ ‬والكرامة‭ ‬والحياة‭ ‬الكريمة‭ ‬ضمن‭ ‬شبكة‭ ‬من‭ ‬الواجبات‭ ‬والقيم‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والأخلاقية؛‭ ‬فالحرية‭ ‬في‭ ‬الإسلام‭ ‬لا‭ ‬تنفصل‭ ‬عن‭ ‬المسؤولية؛‭ ‬إذ‭ ‬إن‭: ‬

•‭ ‬الإنسان‭ ‬حر‭ ‬في‭ ‬اختياره‭.‬

•‭ ‬لكنه‭ ‬مسؤول‭ ‬عن‭ ‬نتائج‭ ‬هذا‭ ‬الاختيار‭. ‬

وهذا‭ ‬ما‭ ‬يميز‭ ‬الحرية‭ ‬الإسلامية‭ ‬عن‭ ‬التصورات‭ ‬المطلقة؛‭ ‬فهي‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬حق،‭ ‬بل‭ ‬مسؤولية‭ ‬أخلاقية‭ ‬أمام‭ ‬الله‭ ‬سبحانه‭ ‬أولاً‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬المجتمع،‭ ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬الحرية‭ ‬في‭ ‬الإسلام‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الضوابط،‭ ‬منها‭:‬

•‭ ‬عدم‭ ‬الإضرار‭ ‬بالآخرين‭.‬

•‭ ‬الالتزام‭ ‬بالقيم‭ ‬الأخلاقية‭.‬

•‭ ‬تحقيق‭ ‬المصلحة‭ ‬العامة‭.‬

إذن،‭ ‬فهي‭ ‬حرية‭ ‬منضبطة‭ ‬تحقق‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬الفرد‭ ‬والمجتمع،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬إفراط‭ ‬أو‭ ‬تفريط‭.‬

فالمنهج‭ ‬الإسلامي‭ ‬يرفض‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بالفردية‭ ‬أو‭ ‬الحرية‭ ‬المطلقة،‭ ‬التي‭ ‬عادة‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬قيود،‭ ‬فالحرية‭ ‬في‭ ‬الإسلام‭ ‬ليست‭ (‬حرية‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬قيد‭)‬،‭ ‬بل‭ (‬حرية‭ ‬من‭ ‬القيد‭ ‬الزائف‭)‬،‭ ‬وهذا‭ ‬التصور‭ ‬يمنح‭ ‬الحرية‭ ‬بعدًا‭ ‬كيفيًا‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬بعد‭ ‬كمي،‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬الحرية‭ ‬بعدد‭ ‬الخيارات،‭ ‬بل‭ ‬بقدرة‭ ‬الإنسان‭ ‬على‭ ‬الاختيار‭ ‬الصحيح‭ ‬ضمن‭ ‬أفق‭ ‬أخلاقي‭ ‬واعٍ‭.‬

يتضح‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التحليل‭ ‬النقدي‭ ‬أن‭ ‬الإشكال‭ ‬المركزي‭ ‬في‭ ‬فلسفات‭ ‬الحرية‭ ‬المعاصرة‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬اختلال‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬أركان‭ ‬ثلاثة‭: ‬الإرادة،‭ ‬والقيم،‭ ‬والغاية‭. ‬فبينما‭ ‬تميل‭ ‬بعض‭ ‬الاتجاهات‭ ‬إلى‭ ‬تأليه‭ ‬الإرادة‭ ‬الفردية‭ ‬وإطلاقها‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬قيد،‭ ‬بما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬نسبية‭ ‬القيم‭ ‬وتفكك‭ ‬المعنى،‭ ‬تميل‭ ‬اتجاهات‭ ‬أخرى‭ ‬إلى‭ ‬إخضاع‭ ‬الفرد‭ ‬لبنى‭ ‬جماعية‭ ‬أو‭ ‬عقلانية‭ ‬عليا،‭ ‬بما‭ ‬يهدد‭ ‬استقلاله‭ ‬وحريته‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬يقدّم‭ ‬المنهج‭ ‬الإسلامي‭ ‬تصورًا‭ ‬تركيبيًا‭ ‬للحرية،‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬استقلال‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬الاختيار،‭ ‬وخضوعه‭ ‬لمنظومة‭ ‬قيمية‭ ‬موضوعية،‭ ‬وارتباط‭ ‬فعله‭ ‬بغاية‭ ‬وجودية‭ ‬تتجاوز‭ ‬الفرد‭. ‬ومن‭ ‬ثمّ‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬التصور‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬بحل‭ ‬الإشكال‭ ‬النظري‭ ‬للحرية،‭ ‬بل‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬التوازن‭ ‬العملي‭ ‬بين‭ ‬حرية‭ ‬الإنسان‭ ‬ومسؤوليته،‭ ‬وبين‭ ‬حقوقه‭ ‬الفردية‭ ‬ومتطلبات‭ ‬المجتمع،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمنحه‭ ‬قدرة‭ ‬تفسيرية‭ ‬ومعيارية‭ ‬أعلى‭ ‬مقارنة‭ ‬بعدد‭ ‬من‭ ‬النماذج‭ ‬الفلسفية‭ ‬الأخرى‭.‬

واليوم،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬المفاهيم‭ ‬غدت‭ ‬رهينة‭ ‬لفكر‭ ‬متجرد‭ ‬لا‭ ‬يؤمن‭ ‬بقيم‭ ‬أو‭ ‬مبادئ،‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الفرد‭ ‬أو‭ ‬الدول،‭ ‬وما‭ ‬نعيشه‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬الإقليم‭ ‬يعكس‭ ‬بوضوح‭ ‬غياب‭ ‬كل‭ ‬تلك‭ ‬المفاهيم،‭ ‬أو‭ ‬خلط‭ ‬الأوراق‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬تبن‭ ‬إلا‭ ‬الأوراق‭ ‬السوداء‭.‬

 

‭ ‬Zkhunji@hotmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا