تُعدّ (الحرية) من أكثر المفاهيم رسوخًا في الوعي الإنساني وإثارةً للجدل في التاريخ الفلسفي، لأنها تمسّ صميم السؤال عن الإنسان: ما ماهيته؟ وما حدود إرادته؟ وما طبيعة علاقته بالسلطة، وبالأخلاق، وبالمجتمع؟ ومن هنا لم تكن الحرية مفهومًا جزئيًا أو عرضيًا في التراث الفكري، بل كانت دائمًا نقطة ارتكاز لفهم الإنسان والوجود والنظام السياسي والأخلاقي.
وإذا كان الفكر الفلسفي قد انشغل، منذ اليونان إلى الحداثة وما بعدها، بتحديد معنى أن يكون الإنسان (حرًا)، فإن هذا الانشغال لم يفضِ إلى تعريف واحد مستقر، بل ولّد تصورات متعددة بل ومتنازعة، تتراوح بين الحرية بوصفها غيابًا للإكراه الخارجي، والحرية بوصفها تمكنًا داخليًا من توجيه الذات والتحكم في المصير، والحرية بوصفها استقلالًا ذاتيًا أخلاقيًا، أو حقًا سياسيًا، أو شرطًا وجوديًا لتكوين الذات.
هذا التعدد المفهومي لم يعد اليوم مجرد خلاف نظري في الفلسفة السياسية، بل صار ذا آثار قانونية وأخلاقية وتربوية وثقافية مباشرة على المجتمعات الحديثة. ويظهر ذلك بوضوح في التمييز الذي تعرضه بعض الموسوعات بين الحرية السلبية باعتبارها غياب العوائق والقيود، والحرية الإيجابية باعتبارها قدرة الفرد على التحكم في حياته وتحقيق مقاصده الأساسية من الحياة، مع التنبيه إلى أن هذين الفهمين ليسا مجرد نوعين مختلفين من الحرية، بل يمكن أن يتحولا إلى تأويلين متنافسين، بل ومتعارضين، لمثال سياسي واحد.
مفهوم الحرية المطلقة في الفلسفة الغربية
يُلاحظ أن كثيرًا من الاتجاهات الغربية الحديثة، وخاصة الليبرالية، تميل إلى تعريف الحرية بوصفها غياب القيود الخارجية (الحرية السلبية)، أي أن يكون الفرد قادرًا على التصرف من دون تدخل من الآخرين بمعنى (الفردية). وهذا التصور، على الرغم من أهميته في حماية الفرد من التعسف السياسي، يعاني من قصور بنيوي يتمثل في اختزال الحرية إلى مجرد إمكان الفعل من دون النظر إلى قيمة هذا الفعل أو غايته. فالفلسفة الليبرالية، في صيغتها المتطرفة، لا تميز بين:
• حرية البناء وحرية التدمير.
• حرية الاختيار الرشيد وحرية الانقياد للهوى.
وهذا يؤدي إلى ما يمكن تسميته تفريغ الحرية من مضمونها الأخلاقي، بحيث تصبح الحرية مجرد إمكانية، لا قيمة لها، وهو ما أفرز أزمات معاصرة مرتبطة بفقدان المعنى، وانهيار المرجعيات، وتضخم النزعة الفردانية.
فالفردية أو الاستقلال الذاتي تُعد من المفاهيم المركزية في الفلسفة الغربية الحديثة، حيث يُنظر إلى الحرية بوصفها قدرة الإنسان على أن يكون مصدر أفعاله وقراراته. غير أن هذا المفهوم قد تعرض لنقد واسع في الفلسفة المعاصرة، وخاصة من قبل الاتجاهات التي تؤكد البعد الاجتماعي والثقافي للإنسان؛ فالفرد -في الواقع- ليس كائنًا معزولًا، بل هو:
• نتاج بنية ثقافية.
• ومحصلة علاقات اجتماعية.
• ومتأثر بشروط نفسية واقتصادية.
وقد أشارت الدراسات الفلسفية إلى أن الاستقلال الذاتي ليس حالة مطلقة، بل هو حالة نسبية تتأثر بالسياق، وأن القرارات الفردية ليست دائمًا نابعة من ذات خالصة، بل من منظومات معقدة من التأثيرات.
وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن التصور الغربي للاستقلال الذاتي يفترض نموذجًا مثاليًا للإنسان لا يعكس واقعه الفعلي، وهو ما يؤدي إلى فجوة بين النظرية والتطبيق.
فلسفة الحرية في المنهج الإسلامي
أما في العقيدة الإسلامية فإن الحرية تدخل من باب أوسع وأعمق من مجرد الجدل السياسي أو الأخلاقي المجرد؛ إذ ينظر إلى الحرية في ضوء التوحيد، والكرامة الإنسانية، والتكليف، والاستخلاف، والمسؤولية. فالحرية في التصور الإسلامي ليست انفلاتًا من كل قيد، كما أنها ليست مجرد حق قانوني يحدده العقد الاجتماعي، بل هي في أصلها تحرر من العبودية لغير الله سبحانه، وتمكين للإنسان من ممارسة اختياره ضمن أفق أخلاقي وغائي يوجّه الإرادة ولا يلغيها.
ولهذا يقرّر القرآن مبدأ عدم الإكراه في أصل الاعتقاد كما ورد في سورة البقرة الآية 256 «لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ»، ويثبت للإنسان أهلية الاختيار كما ورد في سورة الكهف الآية 29 حينما قال تعالى: «فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ»، وكذلك يقر الحرية بالتبعة كما ورد في سورة الإنسان الآية 3 حينما قال تعالى: «إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا». وهذا المنظور يتصل كذلك بما يبرزه من أن الفكر الإسلامي يتعامل مع الإنسان بوصفه مكرّمًا، ومستخلفًا، وممنوحًا حقوقًا في الحرية والكرامة والحياة الكريمة ضمن شبكة من الواجبات والقيم الاجتماعية والأخلاقية؛ فالحرية في الإسلام لا تنفصل عن المسؤولية؛ إذ إن:
• الإنسان حر في اختياره.
• لكنه مسؤول عن نتائج هذا الاختيار.
وهذا ما يميز الحرية الإسلامية عن التصورات المطلقة؛ فهي ليست مجرد حق، بل مسؤولية أخلاقية أمام الله سبحانه أولاً ومن ثم المجتمع، لذلك فإن الحرية في الإسلام تقوم على مجموعة من الضوابط، منها:
• عدم الإضرار بالآخرين.
• الالتزام بالقيم الأخلاقية.
• تحقيق المصلحة العامة.
إذن، فهي حرية منضبطة تحقق التوازن بين الفرد والمجتمع، من دون إفراط أو تفريط.
فالمنهج الإسلامي يرفض ما يعرف بالفردية أو الحرية المطلقة، التي عادة ما تكون من غير قيود، فالحرية في الإسلام ليست (حرية من كل قيد)، بل (حرية من القيد الزائف)، وهذا التصور يمنح الحرية بعدًا كيفيًا لا مجرد بعد كمي، إذ لا تُقاس الحرية بعدد الخيارات، بل بقدرة الإنسان على الاختيار الصحيح ضمن أفق أخلاقي واعٍ.
يتضح من خلال التحليل النقدي أن الإشكال المركزي في فلسفات الحرية المعاصرة يكمن في اختلال التوازن بين أركان ثلاثة: الإرادة، والقيم، والغاية. فبينما تميل بعض الاتجاهات إلى تأليه الإرادة الفردية وإطلاقها من كل قيد، بما يؤدي إلى نسبية القيم وتفكك المعنى، تميل اتجاهات أخرى إلى إخضاع الفرد لبنى جماعية أو عقلانية عليا، بما يهدد استقلاله وحريته. وفي المقابل، يقدّم المنهج الإسلامي تصورًا تركيبيًا للحرية، يقوم على الجمع بين استقلال الإنسان في الاختيار، وخضوعه لمنظومة قيمية موضوعية، وارتباط فعله بغاية وجودية تتجاوز الفرد. ومن ثمّ فإن هذا التصور لا يكتفي بحل الإشكال النظري للحرية، بل يسعى إلى تحقيق التوازن العملي بين حرية الإنسان ومسؤوليته، وبين حقوقه الفردية ومتطلبات المجتمع، وهو ما يمنحه قدرة تفسيرية ومعيارية أعلى مقارنة بعدد من النماذج الفلسفية الأخرى.
واليوم، نجد أن كل هذه المفاهيم غدت رهينة لفكر متجرد لا يؤمن بقيم أو مبادئ، سواء على مستوى الفرد أو الدول، وما نعيشه اليوم في الإقليم يعكس بوضوح غياب كل تلك المفاهيم، أو خلط الأوراق حتى لا تبن إلا الأوراق السوداء.
Zkhunji@hotmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك