رهبة الوقوف بين يدي عدالة المحكمة، تلك التي عرفتها جيداً في أول حضور لي أمام القضاء، تبقى أصدق تعريف لما تعنيه المحاماة: وقوف إلى جانب من يبحث عن حقه. وهذا الجوهر بالذات هو ما يستدعي اليوم وقفة أمام قانون المحاماة الجديد رقم 24 لسنة 2026، الذي صدر بتصديق من جلالة الملك حفظه الله ونُشر في الجريدة الرسمية، وبعد نحو شهر من دخوله حيّز النفاذ، مازال يخطو خطواته الأولى نحو التطبيق الكامل، ليعيد إلى الأذهان تلك الفكرة الأولى: أن الإنسان أدرك منذ القدم أنه يحتاج إلى من يقف بجانبه أمام القضاء.
تمتد جذور المحاماة إلى ما هو أبعد مما نتخيل؛ فالمصريون القدماء عرفوا من يسدي المشورة للمتخاصمين، وفي عهد حمورابي كان لكل خصم حق توكيل غيره للمطالبة بحقه، فيما أدرك الإغريق أن العدالة تحتاج إلى بلاغة، وبلغت المهنة ذروتها في روما على يد شيشرون الذي جعل من قاعة المحكمة منبراً للحق. وحين جاء الإسلام أجاز للإنسان أن يُنيب غيره للدفاع عن حقه، مدركاً أنه قد يعجز لجهل أو ضعف أو هيبة. فالدفاع عن الحق فطرة إنسانية قديمة قِدَم الإنسان نفسه.
ستة وأربعون عاماً مضت على أول قانون بحريني ينظم مهنة المحاماة، الصادر عام 1980، وهي مدة كافية لتغيير وجه مؤسسة كاملة. البحرين التي كانت تبني قوانينها الأولى أصبحت اليوم دولة تملك مؤسسات راسخة، ومواطناً أكثر وعياً بحقوقه، وعلاقات قانونية أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.
القانون الجديد رقم 24 لسنة 2026، الذي أعاد صياغة أبواب المهنة كاملة، يحمل رؤية شاملة لمهنة المحاماة، تُعيد رسم العلاقة بين المحامي وموكله، وتنظم الأتعاب، وتضع معايير واضحة للمساءلة. والمتأمل في هذه التفاصيل يدرك أنها تعكس وعياً حقيقياً بما تحتاج إليه المهنة اليوم، وبما يستحقه الموكل البحريني من ضمانات.
ومن أبرز ما جاء به القانون تعزيز مكانة المحامي وحمايته، فقد ساوى بين عقوبة الاعتداء على المحامي أثناء تأديته لواجبه المهني وعقوبة الاعتداء على أحد أعضاء هيئة المحكمة، وجرّم انتحال صفة محامٍ، وحظر القبض على المحامي أو تفتيش مكتبه إلا بأمر من النيابة العامة، وهي ضمانات تحمي استقلالية المحامي وتصون هيبة المهنة. كما أقرّ القانون إلزامية ارتداء رداء المحاماة أمام المحاكم، في ترسيخ رمزي لمكانتها. هذا كله اعتراف صريح بأن المحامي شريك حقيقي في منظومة العدالة.
النقاش حول القانون أثمر تعديلات مهمة قبل إقراره النهائي. فقد جرى التوافق على عدم منح صلاحية وقف المحامي مؤقتاً قبل الفصل في الشكاوى المقدمة ضده، صوناً لقرينة البراءة واستقراره المهني، كما حُذف اشتراط التأمين الإلزامي الذي أثار جدلاً واسعاً في مراحل الإعداد المبكرة. وفي المقابل، استحدث القانون معايير أكثر صرامة لدخول المهنة، من امتحان قبول وبرنامج تدريبي إلزامي واختبار رخصة، إلى جانب جدول جديد للمحامين المجازين للمرافعة أمام محكمة الاستئناف العليا، بما يرفع من كفاءة الممارسة القانونية من دون إغلاق الباب أمام الكفاءات الوطنية الجديدة. أما تنظيم عمل المستشارين القانونيين الأجانب، فجاء أكثر دقة، بقصر عملهم على تقديم المشورة القانونية وإلزامهم بالتسجيل لدى الوزارة، مع حظر تواصلهم المباشر مع الموكلين إلا بحضور محامٍ بحريني من العاملين بالمكتب.
ما يلفت النظر في هذا القانون هو الحراك الذي أحدثه. النقاش امتد ليشمل جمعية المحامين البحرينية ومجلسي الشورى والنواب، وهذا مؤشر على وعي مهني حقيقي وعلى أن المهنة تعرف قيمة ما يُكتب باسمها.
في صميم هذه المهنة تقع علاقة إنسانية عميقة، بين شخص يحمل همّه ويبحث عن حقه، وآخر يضع خبرته ووقته في خدمته. هذه العلاقة تقوم على الثقة، والثقة تحتاج إلى وضوح من الطرفين. المحامي الذي تُصان حقوقه وتُحمى استقلاليته يكون أقدر على حماية موكله، وحين تُنظَّم الأتعاب وتتحدد الحقوق والواجبات بصورة واضحة، تتحول هذه العلاقة إلى أرضية صلبة يقف عليها الطرفان بارتياح. وما يبدو تنظيماً مهنياً بحتاً هو في جوهره أحد أعمدة ثقة المجتمع بأن العدالة قابلة للوصول إليها، لا حكراً على من يملك خبرة أو نفوذاً.
تحديث قانون المحاماة يندرج أيضاً في سياق إقليمي. البحرين التي تطمح إلى أن تكون مركزاً قانونياً وتحكيمياً بارزاً في المنطقة تحتاج إلى منظومة تشريعية ترقى إلى هذا الطموح، ومحامٍ بحريني مؤهل وواثق من حقوقه هو الوجه الذي تقدمه للعالم حين تقول إنها دولة قانون.
ولعل الأكثر تأثراً بهذا التوجه هم المحامون الشباب الذين يدخلون سوقاً قانونياً أكثر تنافسية وتعقيداً مما كان عليه قبل عقود، جيل يعمل في عالم تتشابك فيه العقود الرقمية والنزاعات العابرة للحدود، ويستحق قانوناً يواكب هذا الواقع ويصون مساره، وهم شركاء أصيلون في ملف يخصهم قبل غيرهم.
من حمورابي إلى شيشرون إلى أروقة العدالة البحرينية، المحاماة مهنة تأبى الجمود. كل حضارة أضافت إليها، وكل مرحلة صقلتها، والبحرين اليوم تكتب فصلاً جديداً في هذه المسيرة. وتلك الرهبة التي عرفتها يوماً في أول وقوف لي أمام القضاء، لم تكن يوماً عائقاً، وإنما تذكيراً دائماً بحجم الأمانة التي يحملها كل من يقف إلى جانب صاحب حق. وقانون بهذا الحجم من التغيير يستحق أكثر من وقفة واحدة، لأن العدالة التي يصونها، وتلك الرهبة التي تحرسها، تستحقان أكثر من قانون واحد.
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك