العدد : ١٧٦٥٠ - الاثنين ٢٠ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٥٠ - الاثنين ٢٠ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

تحديات حقيقية تستحق أن ينافس فيها العرب

بقلم: عادل الحامدي

الاثنين ٢٠ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

مع‭ ‬كل‭ ‬بطولة‭ ‬لكأس‭ ‬العالم،‭ ‬يتجدد‭ ‬السؤال‭ ‬القديم‭: ‬لماذا‭ ‬يغادر‭ ‬العرب‭ ‬المنافسة‭ ‬مبكراً؟‭ ‬وكأن‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬أصبحت‭ ‬مرآة‭ ‬نرى‭ ‬فيها‭ ‬صورتنا‭ ‬الجماعية،‭ ‬فنفرح‭ ‬لانتصار‭ ‬عابر،‭ ‬ونحزن‭ ‬لخروج‭ ‬سريع،‭ ‬ثم‭ ‬نطوي‭ ‬الصفحة‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬البطولة‭ ‬التالية‭. ‬لكن‭ ‬السؤال‭ ‬الأهم‭ ‬ليس‭ ‬لماذا‭ ‬خسرنا‭ ‬مباراة،‭ ‬بل‭: ‬في‭ ‬أي‭ ‬ميدان‭ ‬ينبغي‭ ‬للأمة‭ ‬العربية‭ ‬أن‭ ‬تنافس‭ ‬العالم‭ ‬أصلاً؟

إن‭ ‬الأمم‭ ‬الكبرى‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬بعدد‭ ‬الأهداف‭ ‬التي‭ ‬تسجلها‭ ‬في‭ ‬الملاعب،‭ ‬وإنما‭ ‬بما‭ ‬تتركه‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬من‭ ‬قيم،‭ ‬وما‭ ‬تبنيه‭ ‬في‭ ‬الحضارة‭ ‬من‭ ‬منجزات،‭ ‬وما‭ ‬تمنحه‭ ‬للإنسان‭ ‬من‭ ‬كرامة‭ ‬وحرية‭ ‬وعدالة‭. ‬الرياضة،‭ ‬مهما‭ ‬بلغت‭ ‬أهميتها،‭ ‬ليست‭ ‬سوى‭ ‬ثمرة‭ ‬لشجرة‭ ‬أعمق‭ ‬جذوراً؛‭ ‬فإذا‭ ‬كانت‭ ‬الجذور‭ ‬ضعيفة‭ ‬فلن‭ ‬تصمد‭ ‬الأغصان‭ ‬أمام‭ ‬أول‭ ‬ريح‭.‬

لقد‭ ‬عرف‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬عصور‭ ‬ازدهارهم‭ ‬أن‭ ‬المنافسة‭ ‬الحقيقية‭ ‬كانت‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬المعرفة،‭ ‬وتشييد‭ ‬المدن،‭ ‬وصناعة‭ ‬القانون،‭ ‬ورعاية‭ ‬الإنسان‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬بيت‭ ‬الحكمة‭ ‬في‭ ‬بغداد‭ ‬ملعباً‭ ‬لكرة‭ ‬القدم،‭ ‬لكنه‭ ‬كان‭ ‬ساحةً‭ ‬تنافس‭ ‬فيها‭ ‬العقل‭ ‬مع‭ ‬الجهل،‭ ‬وانتصر‭ ‬فيها‭ ‬العلم‭ ‬على‭ ‬الخرافة‭. ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬جامعات‭ ‬فاس‭ ‬والقيروان‭ ‬وقرطبة‭ ‬والأزهر‭ ‬مجرد‭ ‬مؤسسات‭ ‬تعليمية،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬مصانع‭ ‬للوعي،‭ ‬ومرافئ‭ ‬استقبلت‭ ‬طلاب‭ ‬المعرفة‭ ‬من‭ ‬جهات‭ ‬الأرض‭ ‬الأربع‭. ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬سر‭ ‬ذلك‭ ‬المجد‭ ‬في‭ ‬وفرة‭ ‬المال،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬أخلاقية‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬الكرامة‭ ‬الإنسانية‭ ‬قيمة‭ ‬عليا،‭ ‬ومن‭ ‬الحرية‭ ‬شرطاً‭ ‬للإبداع،‭ ‬ومن‭ ‬العدالة‭ ‬أساساً‭ ‬للاستقرار‭. ‬فلا‭ ‬يمكن‭ ‬لعقل‭ ‬مقيد‭ ‬بالخوف‭ ‬أن‭ ‬يبتكر،‭ ‬ولا‭ ‬لإنسان‭ ‬يشعر‭ ‬بالإهانة‭ ‬أن‭ ‬يصنع‭ ‬حضارة،‭ ‬ولا‭ ‬لمجتمع‭ ‬يخشى‭ ‬الكلمة‭ ‬الحرة‭ ‬أن‭ ‬ينافس‭ ‬الأمم‭ ‬التي‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬حرية‭ ‬التفكير‭ ‬وقوداً‭ ‬لتقدمها‭.‬

ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬أول‭ ‬ميدان‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يتنافس‭ ‬فيه‭ ‬العرب‭ ‬هو‭ ‬استعادة‭ ‬القيمة‭ ‬الإنسانية‭ ‬للإنسان‭ ‬العربي‭. ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬المواطن‭ ‬أغلى‭ ‬من‭ ‬الحجر،‭ ‬وأن‭ ‬تكون‭ ‬كرامته‭ ‬مصونة‭ ‬بالقانون،‭ ‬وحريته‭ ‬مكفولة‭ ‬بالدستور،‭ ‬وحقوقه‭ ‬غير‭ ‬قابلة‭ ‬للمساومة‭. ‬فهذه‭ ‬ليست‭ ‬شعارات‭ ‬سياسية،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬لكل‭ ‬نجاح‭ ‬اقتصادي‭ ‬أو‭ ‬علمي‭ ‬أو‭ ‬رياضي‭.‬

بعد‭ ‬ذلك‭ ‬تأتي‭ ‬المنافسة‭ ‬في‭ ‬التعليم،‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬الجامعات‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬جودة‭ ‬المعرفة‭ ‬التي‭ ‬تنتجها‭. ‬وفي‭ ‬البحث‭ ‬العلمي،‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬كثرة‭ ‬المؤتمرات‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬الاكتشافات‭ ‬وبراءات‭ ‬الاختراع‭. ‬وفي‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المنتج،‭ ‬لا‭ ‬اقتصاد‭ ‬الريع‭ ‬والاستهلاك‭. ‬وفي‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬والطاقة‭ ‬المتجددة‭ ‬والصناعات‭ ‬الدوائية‭ ‬والفضائية،‭ ‬وهي‭ ‬الميادين‭ ‬التي‭ ‬ستحدد‭ ‬موازين‭ ‬القوة‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬المقبلة‭.‬

وليس‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬المصادفة‭ ‬أن‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تتصدر‭ ‬مؤشرات‭ ‬الابتكار‭ ‬هي‭ ‬نفسها‭ ‬التي‭ ‬تتصدر‭ ‬نتائج‭ ‬الرياضة‭. ‬فالرياضة‭ ‬ليست‭ ‬جزيرة‭ ‬معزولة،‭ ‬وإنما‭ ‬هي‭ ‬نتيجة‭ ‬لنظام‭ ‬تعليمي‭ ‬وصحي‭ ‬وإداري‭ ‬وثقافي‭ ‬متكامل‭. ‬اللاعب‭ ‬الذي‭ ‬يرفع‭ ‬كأس‭ ‬العالم‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬ابن‭ ‬مدرسة‭ ‬جيدة،‭ ‬ومستشفى‭ ‬جيد،‭ ‬وقانون‭ ‬عادل،‭ ‬ومؤسسات‭ ‬تحترم‭ ‬الكفاءة‭.‬

أما‭ ‬نحن،‭ ‬فكثيراً‭ ‬ما‭ ‬نريد‭ ‬الثمار‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬نزرع‭ ‬الأشجار‭. ‬نحتفل‭ ‬بالإنجاز‭ ‬الفردي،‭ ‬لكننا‭ ‬نتردد‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬المؤسسة‭ ‬التي‭ ‬تنتج‭ ‬آلاف‭ ‬الإنجازات‭. ‬نبحث‭ ‬عن‭ ‬البطل،‭ ‬بينما‭ ‬تتقدم‭ ‬الأمم‭ ‬بصناعة‭ ‬الإنسان‭ ‬العادي‭ ‬الذي‭ ‬يؤدي‭ ‬عمله‭ ‬بإتقان‭ ‬كل‭ ‬يوم‭.‬

إن‭ ‬قوة‭ ‬الدول‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬فقط‭ ‬بما‭ ‬تملكه‭ ‬من‭ ‬جيوش‭ ‬واقتصاد‭ ‬وتحالفات،‭ ‬وإنما‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬محمية‭ ‬بشعبها،‭ ‬ومسنودة‭ ‬بحلمه،‭ ‬ومحصنة‭ ‬بثقته‭. ‬فحين‭ ‬يلتقي‭ ‬حلم‭ ‬الدولة‭ ‬بحلم‭ ‬المجتمع‭ ‬يصبح‭ ‬الشعب‭ ‬هو‭ ‬السور‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬تُخترق‭ ‬أسواره،‭ ‬وهو‭ ‬القوة‭ ‬التي‭ ‬تعجز‭ ‬عن‭ ‬صناعتها‭ ‬أعتى‭ ‬الترسانات‭.‬

تقفز‭ ‬إلى‭ ‬الذهن‭ ‬هنا‭ ‬صورة‭ ‬معبرة،‭ ‬ربما‭ ‬كانت‭ ‬أكثر‭ ‬بلاغة‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬التحليلات‭ ‬السياسية‭. ‬عشرات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬فوق‭ ‬ركام‭ ‬بيوتهم‭ ‬المهدمة،‭ ‬يرفعون‭ ‬الأعلام‭ ‬المصرية‭ ‬ويهتفون‭ ‬دعماً‭ ‬للمنتخب‭ ‬المصري‭ ‬في‭ ‬كأس‭ ‬العالم‭. ‬كان‭ ‬مشهداً‭ ‬إنسانياً‭ ‬بالغ‭ ‬الدلالة؛‭ ‬شعب‭ ‬يخرج‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الركام،‭ ‬مثقلاً‭ ‬بالفقد‭ ‬والجوع‭ ‬والخوف،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يتخلى‭ ‬عن‭ ‬انتمائه‭ ‬العربي‭ ‬ولا‭ ‬عن‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬منح‭ ‬الحب‭.‬

إن‭ ‬الأمم‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬فقط‭ ‬بما‭ ‬تفعله‭ ‬حكوماتها،‭ ‬وإنما‭ ‬أيضاً‭ ‬بما‭ ‬تحتفظ‭ ‬به‭ ‬شعوبها‭ ‬من‭ ‬وفاء‭ ‬ووجدان‭ ‬وقدرة‭ ‬على‭ ‬تجاوز‭ ‬الجراح‭. ‬وما‭ ‬رفع‭ ‬تلك‭ ‬الأعلام‭ ‬إلا‭ ‬تذكير‭ ‬بأن‭ ‬روابط‭ ‬الشعوب‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬حسابات‭ ‬السياسة،‭ ‬وأن‭ ‬الكرامة‭ ‬الإنسانية‭ ‬هي‭ ‬اللغة‭ ‬الوحيدة‭ ‬التي‭ ‬يفهمها‭ ‬الجميع‭.‬

لا‭ ‬أحد‭ ‬يطالب‭ ‬العرب‭ ‬بأن‭ ‬يتخلوا‭ ‬عن‭ ‬حلم‭ ‬الفوز‭ ‬بكأس‭ ‬العالم،‭ ‬فالأحلام‭ ‬الجميلة‭ ‬تستحق‭ ‬أن‭ ‬تُعاش‭. ‬لكن‭ ‬الأجمل‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬نحلم‭ ‬بالفوز‭ ‬في‭ ‬كأس‭ ‬الحرية،‭ ‬وكأس‭ ‬العدالة،‭ ‬وكأس‭ ‬النزاهة،‭ ‬وكأس‭ ‬المعرفة،‭ ‬وكأس‭ ‬احترام‭ ‬الإنسان‭. ‬تلك‭ ‬البطولات‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭ ‬بصافرة‭ ‬حكم،‭ ‬ولا‭ ‬تُحسم‭ ‬بركلات‭ ‬الترجيح،‭ ‬وإنما‭ ‬تظل‭ ‬تتراكم‭ ‬جيلاً‭ ‬بعد‭ ‬جيل‭ ‬حتى‭ ‬تصنع‭ ‬أمة‭ ‬واثقة‭ ‬بنفسها‭ ‬وقادرة‭ ‬على‭ ‬الإسهام‭ ‬في‭ ‬الحضارة‭ ‬الإنسانية‭. ‬إن‭ ‬الطريق‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬انجاز‭ ‬إنما‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬المدرسة‭ ‬والجامعة‭ ‬والمختبر‭ ‬والمحكمة‭ ‬والمكتبة،‭ ‬ومن‭ ‬احترام‭ ‬الإنسان‭ ‬بوصفه‭ ‬الغاية‭ ‬الأولى‭ ‬لأي‭ ‬مشروع‭ ‬حضاري‭.‬

وعندما‭ ‬تصبح‭ ‬الحرية‭ ‬ثقافة،‭ ‬والكرامة‭ ‬ممارسة‭ ‬يومية،‭ ‬والتعليم‭ ‬أولوية،‭ ‬والعدالة‭ ‬قاعدة‭ ‬لا‭ ‬استثناء،‭ ‬فلن‭ ‬يكون‭ ‬التألق‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬الملاعب‭ ‬سوى‭ ‬نتيجة‭ ‬طبيعية،‭ ‬لا‭ ‬معجزة‭ ‬موسمية‭. ‬وهذه‭ ‬المعطيات‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬ستقودنا‭ ‬إلى‭ ‬زمن‭ ‬البطولة‭ ‬الكبرى‭: ‬بطولة‭ ‬صناعة‭ ‬الإنسان،‭ ‬وصناعة‭ ‬الدولة،‭ ‬وصناعة‭ ‬المستقبل‭.‬

{ كاتب‭ ‬وصحفي‭ ‬تونسي‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا