على مدى نصف القرن الماضي، مارست «لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية» (أيباك)، أقوى لوبي يهودي مؤيد لإسرائيل قي الولايات المتحدة، نفوذاً واسعاً في الانتخابات التي خاضها كلا الحزبين السياسيين الجمهوري والديمقراطي على حد السواء.
وقد دأب هذا اللوبي المهمين على تهديد وترهيب معارضيه، وحين كان يهزم أي منتقد لإسرائيل في أي انتخابات أمريكية فإنه لا يتوانى في التباهي بذلك الانتصار ويُقدِّم ذلك الإنجاز للآخرين كدرسٍ يستخلصون منه العبرة.
تمكن ثلاثة مرشحين مناوئين للسياسات الإسرائيلية من هزيمة مرشحين حظوا بدعم لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي التي جرت في الفترة الماضية في مدينة نيويورك، وهو ما قد يؤشر إلى بداية نهاية حقبة بالنسبة إلى هذا اللّوبي المؤيد لإسرائيل.
اتبع لوبي «لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية» (أيباك) نهجاً ذكياً في التعامل مع السياسة ومختلف الانتخابات التي تجري في الولايات المتحدة الأمريكية؛ فقد تأسس بمبادرة من «مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الكبرى»، ما أتاح له منذ البداية الارتباط بشبكة وطنية متميزة تضم قادة وناشطين يهوداً أمريكيين، والأهم من ذلك، شبكة من المتبرعين. وقد وظفت المنظمة هذه الموارد جميعها بفعالية للتأثير على أعضاء مجلسي النواب والشيوخ وحثهم على تبني مواقف مؤيدة لإسرائيل.
لم يكتف القائمون على هذا اللوبي بالتوجه إلى المسؤولين المنتخبين في واشنطن لمطالبتهم بتأييد تشريعات محددة، بل إنهم لم يتوانوا في الاستعانة بقادة محليين من الدائرة الانتخابية لعضو الكونغرس لعرض الأمر وطرحه.
وعندما كان مرشحون جدد يخوضون الانتخابات، كان ممثلون محليون يعرضون عليهم المساعدة في صياغة مواقفهم المتعلقة بسياسات الشرق الأوسط؛ وقد انطوت هذه الزيارات والعروض -ضمنياً- على وعدٍ بالدعم إذا ما استجاب المسؤول المنتخب أو المرشحون لما يُطلب منهم، وتهديدٍ بالمعارضة إذا لم يفعلوا ذلك.
وسعيا منها إلى تكثيف جهودها، أنشأ لوبي «أيباك» شبكة تضم ما يسمى «لجان العمل السياسي»، التي تتولى جمع مئات الآلاف من الدولارات لتوزيعها دعماً لمرشحين مدعومين أو معارضةً مرشحين آخرين، وذلك بناءً على مواقفهم تجاه إسرائيل.
وقد زعمت منظمة «أيباك» أنها لم تنسق عمل لجان العمل السياسي -وهو ما كان سيُعد انتهاكاً لقوانين الانتخابات- إلا أنه، نظراً إلى أن معظم هذه اللجان يترأسها أعضاء في مجلس إدارة منظمة «أيباك» أو أفراد من عائلاتهم، ولأن نمط مساهماتها كان شديد الوضوح بما لا يدع مجالاً للشك في وجود تنسيق، فقد كان من الواضح تماماً أن هذا التنسيق كان قائماً بالفعل.
اتسمت عمليات لوبي «أيباك» أيضاً بالطابع الاستراتيجي؛ إذ لم يستفد الجميع من سخائها المالي، بل خُصِّصت حزم التبرعات لرؤساء اللجان البرلمانية المهمة ولأعضاء الكونغرس الداعمين بشدة ممن واجهوا منافسة انتخابية صعبة في مساعيهم لإعادة انتخابهم.
وعندما يتجاوز المسؤولون المنتخبون الخطوط الحمراء مراراً وتكراراً، يصبح خصومهم هم المستفيدون من مبالغ كبيرة من أموال لجان العمل السياسي والتبرعات المجمعة من المانحين الأفراد المؤيدين لإسرائيل والذين تربطهم علاقات بلجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك).
وبشكل عام، لم تكن المبالغ ضخمة للغاية، لكنها كانت كافية لإيصال رسالة سياسية معينة. فقبل أربعة عقود، وجدنا أن إجمالي المبالغ التي قدمتها لجان العمل السياسي التابعة للوبي «أيباك» والمتبرعون الأفراد بلغت نحو 4 ملايين دولار في كل دورة انتخابية، حيث حظيت مجموعة من المرشحين بالنصيب الأكبر منها.
وعندما يُهزم بعض المسؤولين المنتخبين -ممن وجهوا انتقادات لإسرائيل- على يد منافسين حظوا بدعم لوبي «أيباك»، كانت الجماعة تتباهى بانتصارها، بغض النظر عما إذا كان دعمها قد لعب دوراً حاسماً في النتيجة أو لا؛ إذ كان هدفها توجيه رسالة إلى غيرهم من المسؤولين المنتخبين مفادها: «عليكم أن تخشونا، وإلا فقد تواجهون الهزيمة أنتم أيضاً».
ومع انتهاء العمل باللوائح الفيدرالية التي كانت تحد من الرقابة على النفقات المستقلة في الحملات الانتخابية، استغلت لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) وغيرها من الجماعات المؤيدة لإسرائيل هذا الوضع لإنشاء «لجان عمل سياسي فائقة» قادرة على جمع وإنفاق عشرات الملايين من الدولارات في كل دورة انتخابية.
وبدلاً من المهمة الشاقة المتمثلة في التنسيق الخفي لعشرات اللجان السياسية الخاضعة للتنظيم الفيدرالي والمحدودة في المبالغ التي يمكنها تلقيها من المتبرعين الأفراد وتقديمها لكل مرشح، يمكن لهذه اللجان السياسية الفائقة غير المنظمة أن تتلقى مساهمات بملايين الدولارات من الأفراد وتنفق نفس المبلغ لمساعدة أو إيذاء المرشحين الذين يختارونهم.
وخلال الفترة الممتدة ما بين عامي 2022 و2024، استهدفت هذه اللجان الفائقة بكثير من التأثير والفعالية عدداً محدوداً من المرشحين الذين كانوا ينتقدون إسرائيل، وأنفقوا الملايين لإلحاق الهزيمة بكل واحد منهم.
وفي أعقاب حرب الإبادة الجماعية التي شنتها إسرائيل على غزة، شهدنا انهياراً حاداً في الدعم الشعبي لإسرائيل، ولا سيما في أوساط الديمقراطيين. وفي ظل هذه الأجواء الجديدة، لم يعد بإمكان منظمة «أيباك» انتقاء مرشحين بعينهم وجعلهم عبرةً للآخرين.
يواجه هذا اللوبي الآن تحديات جديدة بشكل أسبوعي؛ فقد أيد أكثر من 110 من أعضاء مجلسي النواب والشيوخ الأمريكيين وقف المساعدات العسكرية لإسرائيل بسبب انتهاكاتها للحقوق الفلسطينية.
كما اتهم عشرات المسؤولين المنتخبين إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية، وتعهد مئات من أعضاء الكونغرس والمرشحين بأن ترفض حملاتهم الانتخابية أي دعم من لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك).
وفي الواقع، فقد أصبحت منظمة «أيباك» مثيرة للجدل وسلبية السمعة إلى درجة أنها اضطرت إلى إنشاء كيانات جديدة أو الاعتماد على بدائل لتكون بمثابة أوعية للأموال التي تجمعها وتوزعها على المرشحين.
وعلى الرغم من هذه التعديلات، فقد تبين أن العقبات التي تواجهها القوى المؤيدة لإسرائيل تفوق قدرتها على الاحتمال؛ إذ تواصل الممارسات الإسرائيلية تنفير المزيد من الناخبين.
وكلما زاد حجم الأموال التي تنفقها لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك)، زادت الصورة السلبية المرتبطة بها؛ فحتى عندما تحقق هذه اللجنة الفوز، فإنها تخسر الدعم بسبب أساليبها القسرية العنيفة، وهذا يقودنا إلى الانتخابات التمهيدية التي جرت قبل بضعة أيام في نيويورك.
تُمثّل هزيمة عضوين بارزين في الكونغرس -من المؤيدين لإسرائيل- على يد منافسين انتقدوا السياسات الإسرائيلية ودعموا العدالة للفلسطينيين، إلى جانب فوز مرشحٍ كان يقود احتجاجات مؤيدة للفلسطينيين في الجامعات بنيويورك في سباق انتخابي مفتوح، نقطة تحوّل مهمة في السياسة الأمريكية.
لم يقتصر الأمر على قيام لوبي «أيباك» المتنفذ وحلفائه بإنفاق الملايين في هذه المساعي الفاشلة، بل إن هذه الانتخابات وضعت السياسات الإسرائيلية وحقوق الفلسطينيين في صلب النقاش العلني، وهو ما يمثل تطورا لافتا.
لقد تمثلت السمة المميزة لمشاركة الجماعات المؤيدة لإسرائيل في الحملات السابقة في الحرص الشديد على عدم تحويل دعم إسرائيل إلى قضية عامة؛ إذ كانوا يجمعون التبرعات من أنصارهم استناداً إلى قضية إسرائيل، لكن تلك القضية لم تكن هي الغرض الذي تُنفق فيه تلك الأموال.
لقد كانوا ينفقون الأموال على إعلانات تنتقد عمر المرشح، أو «أجندته المتطرفة»، أو بعض تصرفاته غير اللائقة في مرحلة الشباب؛ لكنهم لم يذكروا قط أن تدخلهم كان بسبب موقف ذلك المرشح من إسرائيل.
كان هذا هو الحال في هذه المنافسات الانتخابية في نيويورك؛ فقد كانت هناك قضايا عديدة تهم الناخبين، ولا سيما حالة الإحباط من السياسات العقيمة والفاشلة التي تتبناها قيادة الحزب الديمقراطي، إلا أن هذه المنافسات كانت تتمحور أيضاً حول إسرائيل، وكان الناخبون يدركون ذلك تماماً.
كانت ردود الفعل الصادرة عن الجانب المؤيد لإسرائيل متوقعة؛ إذ اتهم البعض استهداف أموال منظمة «أيباك» ونفوذها بأنه تصرف غير عادل أو حتى معادٍ للسامية، وكأن المنظمة لم تكن تتباهى -على مدى عقود- بأموالها ونفوذها باعتبارهما مصدر قوتها.
وادعى آخرون أنه نتيجة لهذه الانتخابات «لم يعد اليهود يشعرون بالأمان في نيويورك»، متجاهلين حقيقة أنه في أبرز المنافسات الثلاث التي شهدت هزيمة عضو يهودي في الكونغرس مؤيد لإسرائيل، كان الفائز يهودياً أيضاً، ويُعرّف نفسه بأنه صهيوني تقدمي عارض بشدة الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل بحق الفلسطينيين.
وهناك أيضاً محاولة غريبة لاتهام المرشحين والناخبين المؤيدين للفلسطينيين بتفتيت الحزب الديمقراطي، في حين أن لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) بذلت قصارى جهدها عقودا لتفتيت الحزب والبلاد من خلال إجبار السياسيين على الانصياع للخط أو مواجهة الهزيمة.
وأخيراً، هناك تلك المحاولة المستميتة لتصوير الانتخابات برمتها على أنها شأن يقتصر على نيويورك ولا علاقة له ببقية أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية، متجاهلين حقيقة أن المشهد السياسي الوطني قد تغير، إذ باتت منافسات من النوع ذاته تجري في كل مكان.
خلاصة القول هي أن قبضة لوبي «أيباك» المتنفذ على المشهد السياسي قد ضعفت بعد مرور نصف قرن؛ ورغم أنها لن تختفي في القريب العاجل، فإن هذه الحقبة الجديدة ستشهد نقاشاً حقيقياً حول سياسة الولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط. شكراً لناخبي نيويورك.
{ رئيس المعهد العربي الأمريكي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك