العدد : ١٧٦٥٢ - الأربعاء ٢٢ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٨ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٥٢ - الأربعاء ٢٢ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٨ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

انتكاسة اللوبي المؤيد لإسرائيل في انتخابات نيويورك

بقلم: د. جيمس زغبي

الأربعاء ٢٢ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

على‭ ‬مدى‭ ‬نصف‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬مارست‭ ‬‮«‬لجنة‭ ‬الشؤون‭ ‬العامة‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‮»‬‭ (‬أيباك‭)‬،‭ ‬أقوى‭ ‬لوبي‭ ‬يهودي‭ ‬مؤيد‭ ‬لإسرائيل‭ ‬قي‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬نفوذاً‭ ‬واسعاً‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬التي‭ ‬خاضها‭ ‬كلا‭ ‬الحزبين‭ ‬السياسيين‭ ‬الجمهوري‭ ‬والديمقراطي‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬السواء‭.‬

وقد‭ ‬دأب‭ ‬هذا‭ ‬اللوبي‭ ‬المهمين‭ ‬على‭ ‬تهديد‭ ‬وترهيب‭ ‬معارضيه،‭ ‬وحين‭ ‬كان‭ ‬يهزم‭ ‬أي‭ ‬منتقد‭ ‬لإسرائيل‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬انتخابات‭ ‬أمريكية‭ ‬فإنه‭ ‬لا‭ ‬يتوانى‭ ‬في‭ ‬التباهي‭ ‬بذلك‭ ‬الانتصار‭ ‬ويُقدِّم‭ ‬ذلك‭ ‬الإنجاز‭ ‬للآخرين‭ ‬كدرسٍ‭ ‬يستخلصون‭ ‬منه‭ ‬العبرة‭. ‬

تمكن‭ ‬ثلاثة‭ ‬مرشحين‭ ‬مناوئين‭ ‬للسياسات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬من‭ ‬هزيمة‭ ‬مرشحين‭ ‬حظوا‭ ‬بدعم‭ ‬لجنة‭ ‬الشؤون‭ ‬العامة‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ (‬أيباك‭) ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬التمهيدية‭ ‬للحزب‭ ‬الديمقراطي‭ ‬التي‭ ‬جرت‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬الماضية‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬نيويورك،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يؤشر‭ ‬إلى‭ ‬بداية‭ ‬نهاية‭ ‬حقبة‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬اللّوبي‭ ‬المؤيد‭ ‬لإسرائيل‭.‬

اتبع‭ ‬لوبي‭ ‬‮«‬لجنة‭ ‬الشؤون‭ ‬العامة‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‮»‬‭ (‬أيباك‭) ‬نهجاً‭ ‬ذكياً‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬السياسة‭ ‬ومختلف‭ ‬الانتخابات‭ ‬التي‭ ‬تجري‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية؛‭ ‬فقد‭ ‬تأسس‭ ‬بمبادرة‭ ‬من‭ ‬‮«‬مؤتمر‭ ‬رؤساء‭ ‬المنظمات‭ ‬اليهودية‭ ‬الكبرى‮»‬،‭ ‬ما‭ ‬أتاح‭ ‬له‭ ‬منذ‭ ‬البداية‭ ‬الارتباط‭ ‬بشبكة‭ ‬وطنية‭ ‬متميزة‭ ‬تضم‭ ‬قادة‭ ‬وناشطين‭ ‬يهوداً‭ ‬أمريكيين،‭ ‬والأهم‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬شبكة‭ ‬من‭ ‬المتبرعين‭. ‬وقد‭ ‬وظفت‭ ‬المنظمة‭ ‬هذه‭ ‬الموارد‭ ‬جميعها‭ ‬بفعالية‭ ‬للتأثير‭ ‬على‭ ‬أعضاء‭ ‬مجلسي‭ ‬النواب‭ ‬والشيوخ‭ ‬وحثهم‭ ‬على‭ ‬تبني‭ ‬مواقف‭ ‬مؤيدة‭ ‬لإسرائيل‭.‬

لم‭ ‬يكتف‭ ‬القائمون‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬اللوبي‭ ‬بالتوجه‭ ‬إلى‭ ‬المسؤولين‭ ‬المنتخبين‭ ‬في‭ ‬واشنطن‭ ‬لمطالبتهم‭ ‬بتأييد‭ ‬تشريعات‭ ‬محددة،‭ ‬بل‭ ‬إنهم‭ ‬لم‭ ‬يتوانوا‭ ‬في‭ ‬الاستعانة‭ ‬بقادة‭ ‬محليين‭ ‬من‭ ‬الدائرة‭ ‬الانتخابية‭ ‬لعضو‭ ‬الكونغرس‭ ‬لعرض‭ ‬الأمر‭ ‬وطرحه‭.‬

وعندما‭ ‬كان‭ ‬مرشحون‭ ‬جدد‭ ‬يخوضون‭ ‬الانتخابات،‭ ‬كان‭ ‬ممثلون‭ ‬محليون‭ ‬يعرضون‭ ‬عليهم‭ ‬المساعدة‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬مواقفهم‭ ‬المتعلقة‭ ‬بسياسات‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط؛‭ ‬وقد‭ ‬انطوت‭ ‬هذه‭ ‬الزيارات‭ ‬والعروض‭ -‬ضمنياً‭- ‬على‭ ‬وعدٍ‭ ‬بالدعم‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬استجاب‭ ‬المسؤول‭ ‬المنتخب‭ ‬أو‭ ‬المرشحون‭ ‬لما‭ ‬يُطلب‭ ‬منهم،‭ ‬وتهديدٍ‭ ‬بالمعارضة‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يفعلوا‭ ‬ذلك‭.‬

وسعيا‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬تكثيف‭ ‬جهودها،‭ ‬أنشأ‭ ‬لوبي‭ ‬‮«‬أيباك‮»‬‭ ‬شبكة‭ ‬تضم‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬‮«‬لجان‭ ‬العمل‭ ‬السياسي‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬تتولى‭ ‬جمع‭ ‬مئات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬الدولارات‭ ‬لتوزيعها‭ ‬دعماً‭ ‬لمرشحين‭ ‬مدعومين‭ ‬أو‭ ‬معارضةً‭ ‬مرشحين‭ ‬آخرين،‭ ‬وذلك‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬مواقفهم‭ ‬تجاه‭ ‬إسرائيل‭.‬

وقد‭ ‬زعمت‭ ‬منظمة‭ ‬‮«‬أيباك‮»‬‭ ‬أنها‭ ‬لم‭ ‬تنسق‭ ‬عمل‭ ‬لجان‭ ‬العمل‭ ‬السياسي‭ -‬وهو‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬سيُعد‭ ‬انتهاكاً‭ ‬لقوانين‭ ‬الانتخابات‭- ‬إلا‭ ‬أنه،‭ ‬نظراً‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬معظم‭ ‬هذه‭ ‬اللجان‭ ‬يترأسها‭ ‬أعضاء‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬إدارة‭ ‬منظمة‭ ‬‮«‬أيباك‮»‬‭ ‬أو‭ ‬أفراد‭ ‬من‭ ‬عائلاتهم،‭ ‬ولأن‭ ‬نمط‭ ‬مساهماتها‭ ‬كان‭ ‬شديد‭ ‬الوضوح‭ ‬بما‭ ‬لا‭ ‬يدع‭ ‬مجالاً‭ ‬للشك‭ ‬في‭ ‬وجود‭ ‬تنسيق،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الواضح‭ ‬تماماً‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التنسيق‭ ‬كان‭ ‬قائماً‭ ‬بالفعل‭.‬

اتسمت‭ ‬عمليات‭ ‬لوبي‭ ‬‮«‬أيباك‮»‬‭ ‬أيضاً‭ ‬بالطابع‭ ‬الاستراتيجي؛‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يستفد‭ ‬الجميع‭ ‬من‭ ‬سخائها‭ ‬المالي،‭ ‬بل‭ ‬خُصِّصت‭ ‬حزم‭ ‬التبرعات‭ ‬لرؤساء‭ ‬اللجان‭ ‬البرلمانية‭ ‬المهمة‭ ‬ولأعضاء‭ ‬الكونغرس‭ ‬الداعمين‭ ‬بشدة‭ ‬ممن‭ ‬واجهوا‭ ‬منافسة‭ ‬انتخابية‭ ‬صعبة‭ ‬في‭ ‬مساعيهم‭ ‬لإعادة‭ ‬انتخابهم‭.‬

وعندما‭ ‬يتجاوز‭ ‬المسؤولون‭ ‬المنتخبون‭ ‬الخطوط‭ ‬الحمراء‭ ‬مراراً‭ ‬وتكراراً،‭ ‬يصبح‭ ‬خصومهم‭ ‬هم‭ ‬المستفيدون‭ ‬من‭ ‬مبالغ‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬أموال‭ ‬لجان‭ ‬العمل‭ ‬السياسي‭ ‬والتبرعات‭ ‬المجمعة‭ ‬من‭ ‬المانحين‭ ‬الأفراد‭ ‬المؤيدين‭ ‬لإسرائيل‭ ‬والذين‭ ‬تربطهم‭ ‬علاقات‭ ‬بلجنة‭ ‬الشؤون‭ ‬العامة‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ (‬أيباك‭).‬

وبشكل‭ ‬عام،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬المبالغ‭ ‬ضخمة‭ ‬للغاية،‭ ‬لكنها‭ ‬كانت‭ ‬كافية‭ ‬لإيصال‭ ‬رسالة‭ ‬سياسية‭ ‬معينة‭. ‬فقبل‭ ‬أربعة‭ ‬عقود،‭ ‬وجدنا‭ ‬أن‭ ‬إجمالي‭ ‬المبالغ‭ ‬التي‭ ‬قدمتها‭ ‬لجان‭ ‬العمل‭ ‬السياسي‭ ‬التابعة‭ ‬للوبي‭ ‬‮«‬أيباك‮»‬‭ ‬والمتبرعون‭ ‬الأفراد‭ ‬بلغت‭ ‬نحو‭ ‬4‭ ‬ملايين‭ ‬دولار‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬دورة‭ ‬انتخابية،‭ ‬حيث‭ ‬حظيت‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المرشحين‭ ‬بالنصيب‭ ‬الأكبر‭ ‬منها‭. ‬

وعندما‭ ‬يُهزم‭ ‬بعض‭ ‬المسؤولين‭ ‬المنتخبين‭ -‬ممن‭ ‬وجهوا‭ ‬انتقادات‭ ‬لإسرائيل‭- ‬على‭ ‬يد‭ ‬منافسين‭ ‬حظوا‭ ‬بدعم‭ ‬لوبي‭ ‬‮«‬أيباك‮»‬،‭ ‬كانت‭ ‬الجماعة‭ ‬تتباهى‭ ‬بانتصارها،‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬دعمها‭ ‬قد‭ ‬لعب‭ ‬دوراً‭ ‬حاسماً‭ ‬في‭ ‬النتيجة‭ ‬أو‭ ‬لا؛‭ ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬هدفها‭ ‬توجيه‭ ‬رسالة‭ ‬إلى‭ ‬غيرهم‭ ‬من‭ ‬المسؤولين‭ ‬المنتخبين‭ ‬مفادها‭: ‬‮«‬عليكم‭ ‬أن‭ ‬تخشونا،‭ ‬وإلا‭ ‬فقد‭ ‬تواجهون‭ ‬الهزيمة‭ ‬أنتم‭ ‬أيضاً‮»‬‭.‬

ومع‭ ‬انتهاء‭ ‬العمل‭ ‬باللوائح‭ ‬الفيدرالية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تحد‭ ‬من‭ ‬الرقابة‭ ‬على‭ ‬النفقات‭ ‬المستقلة‭ ‬في‭ ‬الحملات‭ ‬الانتخابية،‭ ‬استغلت‭ ‬لجنة‭ ‬الشؤون‭ ‬العامة‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ (‬أيباك‭) ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الجماعات‭ ‬المؤيدة‭ ‬لإسرائيل‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬لإنشاء‭ ‬‮«‬لجان‭ ‬عمل‭ ‬سياسي‭ ‬فائقة‮»‬‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬جمع‭ ‬وإنفاق‭ ‬عشرات‭ ‬الملايين‭ ‬من‭ ‬الدولارات‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬دورة‭ ‬انتخابية‭.‬

وبدلاً‭ ‬من‭ ‬المهمة‭ ‬الشاقة‭ ‬المتمثلة‭ ‬في‭ ‬التنسيق‭ ‬الخفي‭ ‬لعشرات‭ ‬اللجان‭ ‬السياسية‭ ‬الخاضعة‭ ‬للتنظيم‭ ‬الفيدرالي‭ ‬والمحدودة‭ ‬في‭ ‬المبالغ‭ ‬التي‭ ‬يمكنها‭ ‬تلقيها‭ ‬من‭ ‬المتبرعين‭ ‬الأفراد‭ ‬وتقديمها‭ ‬لكل‭ ‬مرشح،‭ ‬يمكن‭ ‬لهذه‭ ‬اللجان‭ ‬السياسية‭ ‬الفائقة‭ ‬غير‭ ‬المنظمة‭ ‬أن‭ ‬تتلقى‭ ‬مساهمات‭ ‬بملايين‭ ‬الدولارات‭ ‬من‭ ‬الأفراد‭ ‬وتنفق‭ ‬نفس‭ ‬المبلغ‭ ‬لمساعدة‭ ‬أو‭ ‬إيذاء‭ ‬المرشحين‭ ‬الذين‭ ‬يختارونهم‭.‬

وخلال‭ ‬الفترة‭ ‬الممتدة‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬2022‭ ‬و2024،‭ ‬استهدفت‭ ‬هذه‭ ‬اللجان‭ ‬الفائقة‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬التأثير‭ ‬والفعالية‭ ‬عدداً‭ ‬محدوداً‭ ‬من‭ ‬المرشحين‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬ينتقدون‭ ‬إسرائيل،‭ ‬وأنفقوا‭ ‬الملايين‭ ‬لإلحاق‭ ‬الهزيمة‭ ‬بكل‭ ‬واحد‭ ‬منهم‭.‬

وفي‭ ‬أعقاب‭ ‬حرب‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬التي‭ ‬شنتها‭ ‬إسرائيل‭ ‬على‭ ‬غزة،‭ ‬شهدنا‭ ‬انهياراً‭ ‬حاداً‭ ‬في‭ ‬الدعم‭ ‬الشعبي‭ ‬لإسرائيل،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬أوساط‭ ‬الديمقراطيين‭. ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬هذه‭ ‬الأجواء‭ ‬الجديدة،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬بإمكان‭ ‬منظمة‭ ‬‮«‬أيباك‮»‬‭ ‬انتقاء‭ ‬مرشحين‭ ‬بعينهم‭ ‬وجعلهم‭ ‬عبرةً‭ ‬للآخرين‭.‬

يواجه‭ ‬هذا‭ ‬اللوبي‭ ‬الآن‭ ‬تحديات‭ ‬جديدة‭ ‬بشكل‭ ‬أسبوعي؛‭ ‬فقد‭ ‬أيد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬110‭ ‬من‭ ‬أعضاء‭ ‬مجلسي‭ ‬النواب‭ ‬والشيوخ‭ ‬الأمريكيين‭ ‬وقف‭ ‬المساعدات‭ ‬العسكرية‭ ‬لإسرائيل‭ ‬بسبب‭ ‬انتهاكاتها‭ ‬للحقوق‭ ‬الفلسطينية‭. ‬

كما‭ ‬اتهم‭ ‬عشرات‭ ‬المسؤولين‭ ‬المنتخبين‭ ‬إسرائيل‭ ‬بارتكاب‭ ‬إبادة‭ ‬جماعية،‭ ‬وتعهد‭ ‬مئات‭ ‬من‭ ‬أعضاء‭ ‬الكونغرس‭ ‬والمرشحين‭ ‬بأن‭ ‬ترفض‭ ‬حملاتهم‭ ‬الانتخابية‭ ‬أي‭ ‬دعم‭ ‬من‭ ‬لجنة‭ ‬الشؤون‭ ‬العامة‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ (‬أيباك‭).‬

وفي‭ ‬الواقع،‭ ‬فقد‭ ‬أصبحت‭ ‬منظمة‭ ‬‮«‬أيباك‮»‬‭ ‬مثيرة‭ ‬للجدل‭ ‬وسلبية‭ ‬السمعة‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬أنها‭ ‬اضطرت‭ ‬إلى‭ ‬إنشاء‭ ‬كيانات‭ ‬جديدة‭ ‬أو‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬بدائل‭ ‬لتكون‭ ‬بمثابة‭ ‬أوعية‭ ‬للأموال‭ ‬التي‭ ‬تجمعها‭ ‬وتوزعها‭ ‬على‭ ‬المرشحين‭.‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬التعديلات،‭ ‬فقد‭ ‬تبين‭ ‬أن‭ ‬العقبات‭ ‬التي‭ ‬تواجهها‭ ‬القوى‭ ‬المؤيدة‭ ‬لإسرائيل‭ ‬تفوق‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬الاحتمال؛‭ ‬إذ‭ ‬تواصل‭ ‬الممارسات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬تنفير‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الناخبين‭. ‬

وكلما‭ ‬زاد‭ ‬حجم‭ ‬الأموال‭ ‬التي‭ ‬تنفقها‭ ‬لجنة‭ ‬الشؤون‭ ‬العامة‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ (‬أيباك‭)‬،‭ ‬زادت‭ ‬الصورة‭ ‬السلبية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بها؛‭ ‬فحتى‭ ‬عندما‭ ‬تحقق‭ ‬هذه‭ ‬اللجنة‭ ‬الفوز،‭ ‬فإنها‭ ‬تخسر‭ ‬الدعم‭ ‬بسبب‭ ‬أساليبها‭ ‬القسرية‭ ‬العنيفة،‭ ‬وهذا‭ ‬يقودنا‭ ‬إلى‭ ‬الانتخابات‭ ‬التمهيدية‭ ‬التي‭ ‬جرت‭ ‬قبل‭ ‬بضعة‭ ‬أيام‭ ‬في‭ ‬نيويورك‭.‬

تُمثّل‭ ‬هزيمة‭ ‬عضوين‭ ‬بارزين‭ ‬في‭ ‬الكونغرس‭ -‬من‭ ‬المؤيدين‭ ‬لإسرائيل‭- ‬على‭ ‬يد‭ ‬منافسين‭ ‬انتقدوا‭ ‬السياسات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬ودعموا‭ ‬العدالة‭ ‬للفلسطينيين،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬فوز‭ ‬مرشحٍ‭ ‬كان‭ ‬يقود‭ ‬احتجاجات‭ ‬مؤيدة‭ ‬للفلسطينيين‭ ‬في‭ ‬الجامعات‭ ‬بنيويورك‭ ‬في‭ ‬سباق‭ ‬انتخابي‭ ‬مفتوح،‭ ‬نقطة‭ ‬تحوّل‭ ‬مهمة‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬الأمريكية‭.‬

لم‭ ‬يقتصر‭ ‬الأمر‭ ‬على‭ ‬قيام‭ ‬لوبي‭ ‬‮«‬أيباك‮»‬‭ ‬المتنفذ‭ ‬وحلفائه‭ ‬بإنفاق‭ ‬الملايين‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المساعي‭ ‬الفاشلة،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬هذه‭ ‬الانتخابات‭ ‬وضعت‭ ‬السياسات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬وحقوق‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬في‭ ‬صلب‭ ‬النقاش‭ ‬العلني،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمثل‭ ‬تطورا‭ ‬لافتا‭.‬

لقد‭ ‬تمثلت‭ ‬السمة‭ ‬المميزة‭ ‬لمشاركة‭ ‬الجماعات‭ ‬المؤيدة‭ ‬لإسرائيل‭ ‬في‭ ‬الحملات‭ ‬السابقة‭ ‬في‭ ‬الحرص‭ ‬الشديد‭ ‬على‭ ‬عدم‭ ‬تحويل‭ ‬دعم‭ ‬إسرائيل‭ ‬إلى‭ ‬قضية‭ ‬عامة؛‭ ‬إذ‭ ‬كانوا‭ ‬يجمعون‭ ‬التبرعات‭ ‬من‭ ‬أنصارهم‭ ‬استناداً‭ ‬إلى‭ ‬قضية‭ ‬إسرائيل،‭ ‬لكن‭ ‬تلك‭ ‬القضية‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬هي‭ ‬الغرض‭ ‬الذي‭ ‬تُنفق‭ ‬فيه‭ ‬تلك‭ ‬الأموال‭.‬

لقد‭ ‬كانوا‭ ‬ينفقون‭ ‬الأموال‭ ‬على‭ ‬إعلانات‭ ‬تنتقد‭ ‬عمر‭ ‬المرشح،‭ ‬أو‭ ‬‮«‬أجندته‭ ‬المتطرفة‮»‬،‭ ‬أو‭ ‬بعض‭ ‬تصرفاته‭ ‬غير‭ ‬اللائقة‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬الشباب؛‭ ‬لكنهم‭ ‬لم‭ ‬يذكروا‭ ‬قط‭ ‬أن‭ ‬تدخلهم‭ ‬كان‭ ‬بسبب‭ ‬موقف‭ ‬ذلك‭ ‬المرشح‭ ‬من‭ ‬إسرائيل‭.‬

كان‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المنافسات‭ ‬الانتخابية‭ ‬في‭ ‬نيويورك؛‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬قضايا‭ ‬عديدة‭ ‬تهم‭ ‬الناخبين،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬حالة‭ ‬الإحباط‭ ‬من‭ ‬السياسات‭ ‬العقيمة‭ ‬والفاشلة‭ ‬التي‭ ‬تتبناها‭ ‬قيادة‭ ‬الحزب‭ ‬الديمقراطي،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المنافسات‭ ‬كانت‭ ‬تتمحور‭ ‬أيضاً‭ ‬حول‭ ‬إسرائيل،‭ ‬وكان‭ ‬الناخبون‭ ‬يدركون‭ ‬ذلك‭ ‬تماماً‭.‬

كانت‭ ‬ردود‭ ‬الفعل‭ ‬الصادرة‭ ‬عن‭ ‬الجانب‭ ‬المؤيد‭ ‬لإسرائيل‭ ‬متوقعة؛‭ ‬إذ‭ ‬اتهم‭ ‬البعض‭ ‬استهداف‭ ‬أموال‭ ‬منظمة‭ ‬‮«‬أيباك‮»‬‭ ‬ونفوذها‭ ‬بأنه‭ ‬تصرف‭ ‬غير‭ ‬عادل‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬معادٍ‭ ‬للسامية،‭ ‬وكأن‭ ‬المنظمة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تتباهى‭ -‬على‭ ‬مدى‭ ‬عقود‭- ‬بأموالها‭ ‬ونفوذها‭ ‬باعتبارهما‭ ‬مصدر‭ ‬قوتها‭.‬

وادعى‭ ‬آخرون‭ ‬أنه‭ ‬نتيجة‭ ‬لهذه‭ ‬الانتخابات‭ ‬‮«‬لم‭ ‬يعد‭ ‬اليهود‭ ‬يشعرون‭ ‬بالأمان‭ ‬في‭ ‬نيويورك‮»‬،‭ ‬متجاهلين‭ ‬حقيقة‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬أبرز‭ ‬المنافسات‭ ‬الثلاث‭ ‬التي‭ ‬شهدت‭ ‬هزيمة‭ ‬عضو‭ ‬يهودي‭ ‬في‭ ‬الكونغرس‭ ‬مؤيد‭ ‬لإسرائيل،‭ ‬كان‭ ‬الفائز‭ ‬يهودياً‭ ‬أيضاً،‭ ‬ويُعرّف‭ ‬نفسه‭ ‬بأنه‭ ‬صهيوني‭ ‬تقدمي‭ ‬عارض‭ ‬بشدة‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬التي‭ ‬ترتكبها‭ ‬إسرائيل‭ ‬بحق‭ ‬الفلسطينيين‭.‬

وهناك‭ ‬أيضاً‭ ‬محاولة‭ ‬غريبة‭ ‬لاتهام‭ ‬المرشحين‭ ‬والناخبين‭ ‬المؤيدين‭ ‬للفلسطينيين‭ ‬بتفتيت‭ ‬الحزب‭ ‬الديمقراطي،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬لجنة‭ ‬الشؤون‭ ‬العامة‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ (‬أيباك‭) ‬بذلت‭ ‬قصارى‭ ‬جهدها‭ ‬عقودا‭ ‬لتفتيت‭ ‬الحزب‭ ‬والبلاد‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إجبار‭ ‬السياسيين‭ ‬على‭ ‬الانصياع‭ ‬للخط‭ ‬أو‭ ‬مواجهة‭ ‬الهزيمة‭.‬

وأخيراً،‭ ‬هناك‭ ‬تلك‭ ‬المحاولة‭ ‬المستميتة‭ ‬لتصوير‭ ‬الانتخابات‭ ‬برمتها‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬شأن‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬نيويورك‭ ‬ولا‭ ‬علاقة‭ ‬له‭ ‬ببقية‭ ‬أنحاء‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬متجاهلين‭ ‬حقيقة‭ ‬أن‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي‭ ‬الوطني‭ ‬قد‭ ‬تغير،‭ ‬إذ‭ ‬باتت‭ ‬منافسات‭ ‬من‭ ‬النوع‭ ‬ذاته‭ ‬تجري‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‭.‬

خلاصة‭ ‬القول‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬قبضة‭ ‬لوبي‭ ‬‮«‬أيباك‮»‬‭ ‬المتنفذ‭ ‬على‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي‭ ‬قد‭ ‬ضعفت‭ ‬بعد‭ ‬مرور‭ ‬نصف‭ ‬قرن؛‭ ‬ورغم‭ ‬أنها‭ ‬لن‭ ‬تختفي‭ ‬في‭ ‬القريب‭ ‬العاجل،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬الحقبة‭ ‬الجديدة‭ ‬ستشهد‭ ‬نقاشاً‭ ‬حقيقياً‭ ‬حول‭ ‬سياسة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭. ‬شكراً‭ ‬لناخبي‭ ‬نيويورك‭.‬

{ رئيس‭ ‬المعهد‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا