لم يعد الحديث عن مستقبل الدولة الوطنية في منطقة الخليج العربي مجرد نقاش فكري أو سياسي، بل أصبح قضية ترتبط مباشرة بالأمن القومي والاستقرار الإقليمي، فالتطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، وما يصاحبها من تدخلات خارجية، ومحاولات التأثير في القرار الوطني، ودعم المليشيات المسلحة الموالية لقوى خارجية، والحروب السيبرانية والإعلامية، تؤكد أن الدولة الوطنية أصبحت هدفًا رئيسًا لكل من يسعى إلى إعادة تشكيل موازين القوى على حساب سيادة الدول واستقرارها.
لقد أثبتت التجارب الإقليمية خلال العقدين الماضيين أن انهيار الدولة الوطنية لا يؤدي إلى تغيير نظام سياسي فحسب، بل يفتح الباب أمام الفوضى والإرهاب، ويؤدي إلى تفكك المؤسسات، وانهيار الاقتصاد، واتساع رقعة النزاعات الداخلية، بما ينعكس سلبا على الأمن والسلم الإقليميين. ومن هنا فإن الحفاظ على الدولة الوطنية وهيبتها لم يعد خيارًا سياسيا، وإنما ضرورة وجودية لحماية الشعوب وصيانة المكتسبات التنموية.
وتتميز دول الخليج العربي بنموذج تنموي استطاع أن يحقق مستويات متقدمة من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وهو ما جعلها هدفا لمحاولات متعددة تستهدف النيل من أمنها واستقرارها، سواء عبر دعم الجماعات المسلحة التابعة لقوى خارجية، أو بث خطاب الكراهية والطائفية، أو نشر حملات التضليل الإعلامي، أو استهداف البنية التحتية الحيوية من خلال الهجمات السيبرانية، وتؤكد هذه الممارسات أن التهديدات الحديثة أصبحت أكثر تعقيدا، إذ تجمع بين الأدوات العسكرية وغير العسكرية في إطار ما يعرف بالحروب الهجينة.
ولا تقتصر حماية الدولة الوطنية على الإجراءات الأمنية والعسكرية، وإنما تبدأ ببناء الإنسان وتعزيز ثقافة المواطنة وترسيخ سيادة القانون، ورفع كفاءة المؤسسات العامة، وترسيخ الثقة بين المواطن والدولة. فالمجتمعات الواعية والمتماسكة تعد أقل عرضة لحملات التضليل والشائعات ومحاولات بث الفرقة والانقسام.
كما أن المرحلة الراهنة تفرض تعزيز العمل الخليجي المشترك، باعتباره أحد أهم أدوات مواجهة التحديات الإقليمية، سواء في المجالات الأمنية، أو الاقتصادية، أو القانونية، أو التقنية، فالتحديات العابرة للحدود لا يمكن التصدي لها بجهود فردية، وإنما تحتاج إلى تنسيق مستمر، وتبادل للمعلومات، وتطوير للأطر القانونية، بما يعزز الأمن الجماعي ويحافظ على استقرار المنطقة.
إن قوة الدولة الوطنية لا تقاس فقط بما تمتلكه من إمكانات عسكرية، وإنما بقدرتها على حماية مؤسساتها، وتعزيز وحدتها الداخلية، وصيانة سيادتها، وترسيخ الثقة بين القيادة والشعب، فهذه العناصر مجتمعة تشكل الحصن الحقيقي في مواجهة أي تهديد خارجي، حفظ الله خليجنا العربي قيادات وحكومات وشعوباً.
{ رئيس قسم القانون العام
- جامعة البحرين.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك