العدد : ١٧٦٥٢ - الأربعاء ٢٢ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٨ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٥٢ - الأربعاء ٢٢ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٨ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

الدولة الوطنية.. بين تحديات الداخل ومخاطر الخارج

بقلم: د. بدر محمد عادل

الأربعاء ٢٢ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

لم‭ ‬يعد‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬مستقبل‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬مجرد‭ ‬نقاش‭ ‬فكري‭ ‬أو‭ ‬سياسي،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬قضية‭ ‬ترتبط‭ ‬مباشرة‭ ‬بالأمن‭ ‬القومي‭ ‬والاستقرار‭ ‬الإقليمي،‭ ‬فالتطورات‭ ‬المتسارعة‭ ‬التي‭ ‬تشهدها‭ ‬المنطقة،‭ ‬وما‭ ‬يصاحبها‭ ‬من‭ ‬تدخلات‭ ‬خارجية،‭ ‬ومحاولات‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬القرار‭ ‬الوطني،‭ ‬ودعم‭ ‬المليشيات‭ ‬المسلحة‭ ‬الموالية‭ ‬لقوى‭ ‬خارجية،‭ ‬والحروب‭ ‬السيبرانية‭ ‬والإعلامية،‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية‭ ‬أصبحت‭ ‬هدفًا‭ ‬رئيسًا‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬موازين‭ ‬القوى‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬سيادة‭ ‬الدول‭ ‬واستقرارها‭.‬

لقد‭ ‬أثبتت‭ ‬التجارب‭ ‬الإقليمية‭ ‬خلال‭ ‬العقدين‭ ‬الماضيين‭ ‬أن‭ ‬انهيار‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية‭ ‬لا‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تغيير‭ ‬نظام‭ ‬سياسي‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬الفوضى‭ ‬والإرهاب،‭ ‬ويؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تفكك‭ ‬المؤسسات،‭ ‬وانهيار‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬واتساع‭ ‬رقعة‭ ‬النزاعات‭ ‬الداخلية،‭ ‬بما‭ ‬ينعكس‭ ‬سلبا‭ ‬على‭ ‬الأمن‭ ‬والسلم‭ ‬الإقليميين‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬فإن‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية‭ ‬وهيبتها‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬خيارًا‭ ‬سياسيا،‭ ‬وإنما‭ ‬ضرورة‭ ‬وجودية‭ ‬لحماية‭ ‬الشعوب‭ ‬وصيانة‭ ‬المكتسبات‭ ‬التنموية‭.‬

وتتميز‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬بنموذج‭ ‬تنموي‭ ‬استطاع‭ ‬أن‭ ‬يحقق‭ ‬مستويات‭ ‬متقدمة‭ ‬من‭ ‬الاستقرار‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاجتماعي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬جعلها‭ ‬هدفا‭ ‬لمحاولات‭ ‬متعددة‭ ‬تستهدف‭ ‬النيل‭ ‬من‭ ‬أمنها‭ ‬واستقرارها،‭ ‬سواء‭ ‬عبر‭ ‬دعم‭ ‬الجماعات‭ ‬المسلحة‭ ‬التابعة‭ ‬لقوى‭ ‬خارجية،‭ ‬أو‭ ‬بث‭ ‬خطاب‭ ‬الكراهية‭ ‬والطائفية،‭ ‬أو‭ ‬نشر‭ ‬حملات‭ ‬التضليل‭ ‬الإعلامي،‭ ‬أو‭ ‬استهداف‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬الحيوية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الهجمات‭ ‬السيبرانية،‭ ‬وتؤكد‭ ‬هذه‭ ‬الممارسات‭ ‬أن‭ ‬التهديدات‭ ‬الحديثة‭ ‬أصبحت‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدا،‭ ‬إذ‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬الأدوات‭ ‬العسكرية‭ ‬وغير‭ ‬العسكرية‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بالحروب‭ ‬الهجينة‭.‬

ولا‭ ‬تقتصر‭ ‬حماية‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية‭ ‬على‭ ‬الإجراءات‭ ‬الأمنية‭ ‬والعسكرية،‭ ‬وإنما‭ ‬تبدأ‭ ‬ببناء‭ ‬الإنسان‭ ‬وتعزيز‭ ‬ثقافة‭ ‬المواطنة‭ ‬وترسيخ‭ ‬سيادة‭ ‬القانون،‭ ‬ورفع‭ ‬كفاءة‭ ‬المؤسسات‭ ‬العامة،‭ ‬وترسيخ‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬المواطن‭ ‬والدولة‭. ‬فالمجتمعات‭ ‬الواعية‭ ‬والمتماسكة‭ ‬تعد‭ ‬أقل‭ ‬عرضة‭ ‬لحملات‭ ‬التضليل‭ ‬والشائعات‭ ‬ومحاولات‭ ‬بث‭ ‬الفرقة‭ ‬والانقسام‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬المرحلة‭ ‬الراهنة‭ ‬تفرض‭ ‬تعزيز‭ ‬العمل‭ ‬الخليجي‭ ‬المشترك،‭ ‬باعتباره‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬أدوات‭ ‬مواجهة‭ ‬التحديات‭ ‬الإقليمية،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬المجالات‭ ‬الأمنية،‭ ‬أو‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬أو‭ ‬القانونية،‭ ‬أو‭ ‬التقنية،‭ ‬فالتحديات‭ ‬العابرة‭ ‬للحدود‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬التصدي‭ ‬لها‭ ‬بجهود‭ ‬فردية،‭ ‬وإنما‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تنسيق‭ ‬مستمر،‭ ‬وتبادل‭ ‬للمعلومات،‭ ‬وتطوير‭ ‬للأطر‭ ‬القانونية،‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬الأمن‭ ‬الجماعي‭ ‬ويحافظ‭ ‬على‭ ‬استقرار‭ ‬المنطقة‭.‬

إن‭ ‬قوة‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية‭ ‬لا‭ ‬تقاس‭ ‬فقط‭ ‬بما‭ ‬تمتلكه‭ ‬من‭ ‬إمكانات‭ ‬عسكرية،‭ ‬وإنما‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬مؤسساتها،‭ ‬وتعزيز‭ ‬وحدتها‭ ‬الداخلية،‭ ‬وصيانة‭ ‬سيادتها،‭ ‬وترسيخ‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬القيادة‭ ‬والشعب،‭ ‬فهذه‭ ‬العناصر‭ ‬مجتمعة‭ ‬تشكل‭ ‬الحصن‭ ‬الحقيقي‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬أي‭ ‬تهديد‭ ‬خارجي،‭ ‬حفظ‭ ‬الله‭ ‬خليجنا‭ ‬العربي‭ ‬قيادات‭ ‬وحكومات‭ ‬وشعوباً‭.‬

{ رئيس‭ ‬قسم‭ ‬القانون‭ ‬العام‭ ‬

‭ - ‬جامعة‭ ‬البحرين‭. ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا