خلال مشاركته كضيف شرف في الدورة الثانية لمهرجان الكتاب الإفريقي في مراكش (FLAM) في فبراير 2024، لم يكن بكاء الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدجار موران (1921-2026) بكاء عاديا.
فهذا الرجل الذي نيف على المائة عام (ناهز عمره آنذاك 103 سنوات)، لم يبك غزة فحسب، بل بكى ظلم عالم وعدم عدالته، هو الذي طالما دعانا إلى أن نكون واعين بتراجيديته وبتراجيدية مصائرنا فيه؛ كيف لا وهو الذي، بحسب كاتب سيرته الذاتية إيمانويل لوميو بعنوان: «أكثر من مائة عام ليصبح إدجار موران»، تكونت حياته «من حيوات متعددة، متشابكة مع مآس وأحداث غير مسبوقة، وشعر غير متوقع، ولقاءات حاسمة. معالم، وإشارات، وتفاصيل مسيرة استثنائية».
بكى صاحب الفكر الحر و«المركب» وهو يحدس بالتقدم العلمي والتكنولوجي الهائل وبالكارثة البشرية الشاملة: «نحن نسبح في عصر غامض، ومشتبه فيه بحيث لن يكون بإمكاننا أن نتوقع ما سيحدث؛ نعيش مغامرة مجهولة كالسائرين نياما…»، (من حوار «المجلة الفلسفية» الفرنسية، العدد رقم 151 - أغسطس 2021).
فمع استشرافه عتبات الألفية الثالثة، وما رافق ذلك من تصاعد لحمى التسلح، ومن صواريخ تخترق الكوكب، ونجاح العقل البشرى في مد بصره إلى أقاصي الكون السحيق وصولا إلى أعمق نقاط الزمان والمكان، بما يشي بتقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، توالت دعواته إلى تأمل هذا التغول المتعدد الأوجه، اقتصاديا وتكنولوجيا وعسكريا.. إلخ، في زمن صار يشهد ميلا أكبر لدى المثقفين نحو التقوقع داخل مجالاتهم المعرفية والنأي «عن أفكار ذات قيمة مدنية أو اجتماعية أو سياسية»، أو حولوا بالتزاماتهم الحزبية «الأفكار إلى بارود للمدافع» أو غدوا نجوما إعلامية يبيعون «الأفكار الرائجة في الاستهلاك» (إدجار موران، مقدمات للخروج من القرن العشرين).
إدجار موران الفرنسي اليهودي الذى عايش النازية والشيوعية وأشكالا من التعصب والاضطهاد الدينيين، وامتدت مسيرته كسلسلة من المقاومات، بدءا من مقاومته السرية للنازية خلال الحرب العالمية الثانية، مرورا بالشيوعية كخلاص، من خلال انتسابه إلى الحزب الشيوعي الفرنسي عشرة أعوام (1941-1951)، رفض أن يكون الحزب مقصلة لفكره النقدي؛ إذ حافظ على فكره الحر، وجاهر به مناهضا النهج الستاليني وانحراف دكتاتورية البروليتاريا إلى دكتاتورية الحزب الواحد قبل أن يصار إلى طرده، وهو ما وثقه لاحقا في كتابه الشهير «النقد الذاتي» (1959) Autocritique، مستكملا ثورته، حتى لحظة وفاته، على مختلف أشكال الاستبداد والدوغمائية والتعصب انطلاقا من فكره «المركب» الذى خصص له كتابه الشهير «مدخل إلى الفكر المركب»(1990) Introduction à la pensée complexe .
هذا الفكر الذي شكل عماد مشروعه الفكري الموسوعي الفذ «المنهج La Methode 1977- 2004، الرافض للتفكير التبسيطي والاختزالي، أو للرؤى أحادية الجانب، الطامح إلى معرفة غير منقطعة عن الحياة الاجتماعية، لا ترسم حدودا صارمة ونهائية بين التاريخي والميتافيزيقي، بين الفرد والمجتمع، بين العلم والدين، بين الخطأ والصواب.. إيمانا منه بالثنائيات المكونة للتجربة الإنسانية. وعن الخطأ والصواب ذكر أنه كوريث لهيجل وماركس طالما ساوره اعتقاد أنه يجب عليه مواجهة التناقضات وتجاوزها، إلى أن ساعده هيراقليطس على إدراك أنه ليس من الضروري تجاوز التناقض للخروج منه، بل بإمكاننا أن نعيش التوترات المتواصلة من دون أن نكون في الخطأ أو في الصواب.
بفكره المركب هذا قارب إدجار موران ظواهر العصر كلها بموسوعية فذة، لأن تفكيك هذه الظواهر وقراءتها لا يستقيمان برأيه من دون تمازج المعارف وتكامل الحقول المعرفية. بذلك، أخرج أطروحته الفلسفية حول «الفكر المركب» من إطارها النظري المجرد إلى أداة عملية لتشريح أزمات العصر (السياسية، الاقتصادية، البيئية، النفسية) غير المعزولة عن بعضها بعضا، بعيدا عن التبسيط والسببية الخطية؛ وبين أن العالم لا يواجه أزمة واحدة، بل «أزمة مركبة» نابعة من مجموعة من الأزمات المتشابكة التي تتغذى من بعضها بعضا، رابطا بين المحلي والكوني، أي «الكل في الجزء، والجزء في الكل»، في عالم بات فيه مصير الفرد في أي بقعة من العالم مرتبطا بما يجري على مستوى الكوكب وبمصير الإنسانية جمعاء.
بفكره المركب أيضا، قرأ إدجار موران العالم الجديد، وخصوصا في كتابه «إلى أين يسير العالم؟Ou va le monde? (2007) ».
فكره المركب هذا دعمته ثقافته الموسوعية التي قادته على الدوام إلى تبيان المسار المقلق للنظام العالمي الجديد وتداعياته منذ أواخر الألفية الثانية على وجه التحديد، ولا سيما حين يبتعد العلم والتقدم العلمي أو يفترقان عن الأخلاق والإنسانية؛ وهو ما كان قد نبه إليه منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي في كتابه «العلم بالوعي» (1982).
كتابه «المعارف السبع الضرورية لتربية المستقبل» أيضا بدا كثورة فلسفية وفكرية واجتماعية في النظرة إلى التعليم بدلا من أن يقتصر على ميدان التربية والتعليم فقط؛ إذ تمثلت إحدى أبرز هذه المعارف السبع في «تعليم الوضع الإنساني»، أي تدريس معنى أن نكون بشرا قبل أي شيء آخر، وهو الأمر الذى لا يستوي مع النزوع الراديكالي نحو تجزيء المعارف، والتخصصات المفرطة في الدقة (والفكر التجزيئي؛ كما لا يستوى مع أزمات كوكبنا وما يشهده من تلوث مناخي وبيئي، لأن المطلوب هو تعليم التضامن البشرى بما يتجاوز حدود الدول (أي نحو المواطنة الكوكبية، وما تحتاج إليه من وعى كوكبي. لذا اعتبر إدجار موران، إلى جانب فلاسفة آخرين مثل إيفان إليتش، وهانس جوناس وسواهم من الداعمين والمؤثرين في مجال الأخلاقيات البيئية الحديثة.
لا غرابة إذا إن بكى الملقب بـ«ضمير الإنسانية» و«ضمير العالم الحي» على ما كان يجري في غزة، واصفا إياه بـ«المأساة المروعة» وبـ«مجزرة تشهدها الإنسانية». فقد عرت دموعه بشاعة ما يحصل، ولم تكن البتة ضعفا أو استسلاما. كيف تكون كذلك وهو الرجل الذي بذل، على مدى قرن، كل جهوده الفكرية وطاقاته للذود عن كينونة الإنسان.. من دون ملل أو كلل، حتى الرمق الأخير.
البكاء مع إدجار موران يعني مواجهة عالم قاس يفترق العلم والتكنولوجيا فيه أكثر فأكثر عن دورهما ومآلاتهما الاجتماعية والسياسية؛ عالم يتجه نحو ذاك الـ«مجهول» الذي دأب على التنبيه من خطورته على البشرية جمعاء.
بكى «ضمير الإنسانية» واقعا يرفضه العقل والضمير. بكى انحرافا عن قيم العدالة والمواطنة العالمية الحقة وعن قيم الثورة الفرنسية (حرية، أخوة، مساواة). بكى صمت العالم، ولا سيما الغربي، حيال ذبح الفلسطينيين وإبادتهم. لكن بكاءه هذا الذي اختلط بصراخ إدانته للكراهية والتعصب وقوى التدمير إنما جاء تتويجا لإيمانه العميق بالإمكانات الخلاقة التي تولد من رحم الأزمات.
إنه إدجار موران الذي ناقض ذات حوار في جريدة «لوموند» الفرنسية مقولة المفكر السياسي الأمريكي فرنسيس فوكوياما في أن القدرات الخلاقة للتطور البشرى قد استنفدت مع الديمقراطية التمثيلية والاقتصاد الليبرالي، معلقا بالقول إن «التاريخ هو الذي استنفد وليس القدرات الخلاقة للإنسانية».
إنه إدجار موران الفيلسوف وعالم الاجتماع الذى لم ينحرف عن مبادئه الكونية ذات النزعة الإنسانية؛ فهو حين ناصر غزة لم ينظر إلى الضحية بناء على انتمائها العرقي أو الديني أو الجهوي، بل ناصر شعبا مظلوما سلبته إسرائيل أرضه وصادرت حياته، متجاوزا بذلك ازدواجية المعايير والمنطق التبريري لجرائم هذه الدولة اللذين انزلق في شراكهما فلاسفة آخرون، فتداعت لديهم الكونية الأخلاقية، أمثال يورجان هابرماس، ولوك فيري، وميشال أونفراي، وراينر فورست وسواهم؛ هؤلاء الذين كشفت «إنسانويتهم» عن امتياز حصري للغرب وعن انحياز تاريخي للمركزية الغربية ومنطق القوة.
إنه إدجار موران الذي أبى إلا أن يكون «ضمير الإنسانية»، انسجاما مع إيمانه الراسخ بالقدرات والطاقات القمينة بإعادة تصويب التاريخ والعمل على «أنسنة» تحولاته.
{ باحثة وكاتبة لبنانية
مختصة في علم الاجتماع.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك