العدد : ١٧٦٥٣ - الخميس ٢٣ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٥٣ - الخميس ٢٣ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

ما معنى أن يبكي الفيلسوف إدجار موران على غزة؟

بقلم: د. رفيف رضا صيداوي

الخميس ٢٣ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

خلال‭ ‬مشاركته‭ ‬كضيف‭ ‬شرف‭ ‬في‭ ‬الدورة‭ ‬الثانية‭ ‬لمهرجان‭ ‬الكتاب‭ ‬الإفريقي‭ ‬في‭ ‬مراكش‭ (‬FLAM‭) ‬في‭ ‬فبراير‭ ‬2024،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬بكاء‭ ‬الفيلسوف‭ ‬وعالم‭ ‬الاجتماع‭ ‬الفرنسي‭ ‬إدجار‭ ‬موران‭ (‬1921-2026‭) ‬بكاء‭ ‬عاديا‭.‬

فهذا‭ ‬الرجل‭ ‬الذي‭ ‬نيف‭ ‬على‭ ‬المائة‭ ‬عام‭ (‬ناهز‭ ‬عمره‭ ‬آنذاك‭ ‬103‭ ‬سنوات‭)‬،‭ ‬لم‭ ‬يبك‭ ‬غزة‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬بكى‭ ‬ظلم‭ ‬عالم‭ ‬وعدم‭ ‬عدالته،‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬طالما‭ ‬دعانا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬واعين‭ ‬بتراجيديته‭ ‬وبتراجيدية‭ ‬مصائرنا‭ ‬فيه؛‭ ‬كيف‭ ‬لا‭ ‬وهو‭ ‬الذي،‭ ‬بحسب‭ ‬كاتب‭ ‬سيرته‭ ‬الذاتية‭ ‬إيمانويل‭ ‬لوميو‭ ‬بعنوان‭: ‬‮«‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مائة‭ ‬عام‭ ‬ليصبح‭ ‬إدجار‭ ‬موران‮»‬،‭ ‬تكونت‭ ‬حياته‭ ‬‮«‬من‭ ‬حيوات‭ ‬متعددة،‭ ‬متشابكة‭ ‬مع‭ ‬مآس‭ ‬وأحداث‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة،‭ ‬وشعر‭ ‬غير‭ ‬متوقع،‭ ‬ولقاءات‭ ‬حاسمة‭. ‬معالم،‭ ‬وإشارات،‭ ‬وتفاصيل‭ ‬مسيرة‭ ‬استثنائية‮»‬‭.‬

بكى‭ ‬صاحب‭ ‬الفكر‭ ‬الحر‭ ‬و‮«‬المركب‮»‬‭ ‬وهو‭ ‬يحدس‭ ‬بالتقدم‭ ‬العلمي‭ ‬والتكنولوجي‭ ‬الهائل‭ ‬وبالكارثة‭ ‬البشرية‭ ‬الشاملة‭: ‬‮«‬نحن‭ ‬نسبح‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬غامض،‭ ‬ومشتبه‭ ‬فيه‭ ‬بحيث‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬بإمكاننا‭ ‬أن‭ ‬نتوقع‭ ‬ما‭ ‬سيحدث؛‭ ‬نعيش‭ ‬مغامرة‭ ‬مجهولة‭ ‬كالسائرين‭ ‬نياما‮…‬‮»‬،‭ (‬من‭ ‬حوار‭ ‬‮«‬المجلة‭ ‬الفلسفية‮»‬‭ ‬الفرنسية،‭ ‬العدد‭ ‬رقم‭ ‬151‭ - ‬أغسطس‭ ‬2021‭).‬

فمع‭ ‬استشرافه‭ ‬عتبات‭ ‬الألفية‭ ‬الثالثة،‭ ‬وما‭ ‬رافق‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬تصاعد‭ ‬لحمى‭ ‬التسلح،‭ ‬ومن‭ ‬صواريخ‭ ‬تخترق‭ ‬الكوكب،‭ ‬ونجاح‭ ‬العقل‭ ‬البشرى‭ ‬في‭ ‬مد‭ ‬بصره‭ ‬إلى‭ ‬أقاصي‭ ‬الكون‭ ‬السحيق‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬أعمق‭ ‬نقاط‭ ‬الزمان‭ ‬والمكان،‭ ‬بما‭ ‬يشي‭ ‬بتقدم‭ ‬علمي‭ ‬وتكنولوجي‭ ‬غير‭ ‬مسبوق،‭ ‬توالت‭ ‬دعواته‭ ‬إلى‭ ‬تأمل‭ ‬هذا‭ ‬التغول‭ ‬المتعدد‭ ‬الأوجه،‭ ‬اقتصاديا‭ ‬وتكنولوجيا‭ ‬وعسكريا‭.. ‬إلخ،‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬صار‭ ‬يشهد‭ ‬ميلا‭ ‬أكبر‭ ‬لدى‭ ‬المثقفين‭ ‬نحو‭ ‬التقوقع‭ ‬داخل‭ ‬مجالاتهم‭ ‬المعرفية‭ ‬والنأي‭ ‬‮«‬عن‭ ‬أفكار‭ ‬ذات‭ ‬قيمة‭ ‬مدنية‭ ‬أو‭ ‬اجتماعية‭ ‬أو‭ ‬سياسية‮»‬،‭ ‬أو‭ ‬حولوا‭ ‬بالتزاماتهم‭ ‬الحزبية‭ ‬‮«‬الأفكار‭ ‬إلى‭ ‬بارود‭ ‬للمدافع‮»‬‭ ‬أو‭ ‬غدوا‭ ‬نجوما‭ ‬إعلامية‭ ‬يبيعون‭ ‬‮«‬الأفكار‭ ‬الرائجة‭ ‬في‭ ‬الاستهلاك‮»‬‭ (‬إدجار‭ ‬موران،‭ ‬مقدمات‭ ‬للخروج‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭).‬

إدجار‭ ‬موران‭ ‬الفرنسي‭ ‬اليهودي‭ ‬الذى‭ ‬عايش‭ ‬النازية‭ ‬والشيوعية‭ ‬وأشكالا‭ ‬من‭ ‬التعصب‭ ‬والاضطهاد‭ ‬الدينيين،‭ ‬وامتدت‭ ‬مسيرته‭ ‬كسلسلة‭ ‬من‭ ‬المقاومات،‭ ‬بدءا‭ ‬من‭ ‬مقاومته‭ ‬السرية‭ ‬للنازية‭ ‬خلال‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬مرورا‭ ‬بالشيوعية‭ ‬كخلاص،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬انتسابه‭ ‬إلى‭ ‬الحزب‭ ‬الشيوعي‭ ‬الفرنسي‭ ‬عشرة‭ ‬أعوام‭ (‬1941-1951‭)‬،‭ ‬رفض‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الحزب‭ ‬مقصلة‭ ‬لفكره‭ ‬النقدي؛‭ ‬إذ‭ ‬حافظ‭ ‬على‭ ‬فكره‭ ‬الحر،‭ ‬وجاهر‭ ‬به‭ ‬مناهضا‭ ‬النهج‭ ‬الستاليني‭ ‬وانحراف‭ ‬دكتاتورية‭ ‬البروليتاريا‭ ‬إلى‭ ‬دكتاتورية‭ ‬الحزب‭ ‬الواحد‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يصار‭ ‬إلى‭ ‬طرده،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬وثقه‭ ‬لاحقا‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬الشهير‭ ‬‮«‬النقد‭ ‬الذاتي‮»‬‭ (‬1959‭) ‬Autocritique،‭ ‬مستكملا‭ ‬ثورته،‭ ‬حتى‭ ‬لحظة‭ ‬وفاته،‭ ‬على‭ ‬مختلف‭ ‬أشكال‭ ‬الاستبداد‭ ‬والدوغمائية‭ ‬والتعصب‭ ‬انطلاقا‭ ‬من‭ ‬فكره‭ ‬‮«‬المركب‮»‬‭ ‬الذى‭ ‬خصص‭ ‬له‭ ‬كتابه‭ ‬الشهير‭ ‬‮«‬مدخل‭ ‬إلى‭ ‬الفكر‭ ‬المركب‮»‬‭(‬1990‭) ‬Introduction‭ ‬à‭ ‬la‭ ‬pensée‭ ‬complexe‭ .‬

هذا‭ ‬الفكر‭ ‬الذي‭ ‬شكل‭ ‬عماد‭ ‬مشروعه‭ ‬الفكري‭ ‬الموسوعي‭ ‬الفذ‭ ‬‮«‬المنهج‭ ‬La‭ ‬Methode‭ ‬1977-‭ ‬2004،‭ ‬الرافض‭ ‬للتفكير‭ ‬التبسيطي‭ ‬والاختزالي،‭ ‬أو‭ ‬للرؤى‭ ‬أحادية‭ ‬الجانب،‭ ‬الطامح‭ ‬إلى‭ ‬معرفة‭ ‬غير‭ ‬منقطعة‭ ‬عن‭ ‬الحياة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬لا‭ ‬ترسم‭ ‬حدودا‭ ‬صارمة‭ ‬ونهائية‭ ‬بين‭ ‬التاريخي‭ ‬والميتافيزيقي،‭ ‬بين‭ ‬الفرد‭ ‬والمجتمع،‭ ‬بين‭ ‬العلم‭ ‬والدين،‭ ‬بين‭ ‬الخطأ‭ ‬والصواب‭.. ‬إيمانا‭ ‬منه‭ ‬بالثنائيات‭ ‬المكونة‭ ‬للتجربة‭ ‬الإنسانية‭. ‬وعن‭ ‬الخطأ‭ ‬والصواب‭ ‬ذكر‭ ‬أنه‭ ‬كوريث‭ ‬لهيجل‭ ‬وماركس‭ ‬طالما‭ ‬ساوره‭ ‬اعتقاد‭ ‬أنه‭ ‬يجب‭ ‬عليه‭ ‬مواجهة‭ ‬التناقضات‭ ‬وتجاوزها،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬ساعده‭ ‬هيراقليطس‭ ‬على‭ ‬إدراك‭ ‬أنه‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬تجاوز‭ ‬التناقض‭ ‬للخروج‭ ‬منه،‭ ‬بل‭ ‬بإمكاننا‭ ‬أن‭ ‬نعيش‭ ‬التوترات‭ ‬المتواصلة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬في‭ ‬الخطأ‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬الصواب‭.‬

بفكره‭ ‬المركب‭ ‬هذا‭ ‬قارب‭ ‬إدجار‭ ‬موران‭ ‬ظواهر‭ ‬العصر‭ ‬كلها‭ ‬بموسوعية‭ ‬فذة،‭ ‬لأن‭ ‬تفكيك‭ ‬هذه‭ ‬الظواهر‭ ‬وقراءتها‭ ‬لا‭ ‬يستقيمان‭ ‬برأيه‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تمازج‭ ‬المعارف‭ ‬وتكامل‭ ‬الحقول‭ ‬المعرفية‭. ‬بذلك،‭ ‬أخرج‭ ‬أطروحته‭ ‬الفلسفية‭ ‬حول‭ ‬‮«‬الفكر‭ ‬المركب‮»‬‭ ‬من‭ ‬إطارها‭ ‬النظري‭ ‬المجرد‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬عملية‭ ‬لتشريح‭ ‬أزمات‭ ‬العصر‭ (‬السياسية،‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬البيئية،‭ ‬النفسية‭) ‬غير‭ ‬المعزولة‭ ‬عن‭ ‬بعضها‭ ‬بعضا،‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬التبسيط‭ ‬والسببية‭ ‬الخطية؛‭ ‬وبين‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬لا‭ ‬يواجه‭ ‬أزمة‭ ‬واحدة،‭ ‬بل‭ ‬‮«‬أزمة‭ ‬مركبة‮»‬‭ ‬نابعة‭ ‬من‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأزمات‭ ‬المتشابكة‭ ‬التي‭ ‬تتغذى‭ ‬من‭ ‬بعضها‭ ‬بعضا،‭ ‬رابطا‭ ‬بين‭ ‬المحلي‭ ‬والكوني،‭ ‬أي‭ ‬‮«‬الكل‭ ‬في‭ ‬الجزء،‭ ‬والجزء‭ ‬في‭ ‬الكل‮»‬،‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬بات‭ ‬فيه‭ ‬مصير‭ ‬الفرد‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬بقعة‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬مرتبطا‭ ‬بما‭ ‬يجري‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الكوكب‭ ‬وبمصير‭ ‬الإنسانية‭ ‬جمعاء‭.‬

بفكره‭ ‬المركب‭ ‬أيضا،‭ ‬قرأ‭ ‬إدجار‭ ‬موران‭ ‬العالم‭ ‬الجديد،‭ ‬وخصوصا‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬إلى‭ ‬أين‭ ‬يسير‭ ‬العالم؟Ou‭ ‬va‭ ‬le‭ ‬monde‭? (‬2007‭) ‬‮»‬‭.‬

فكره‭ ‬المركب‭ ‬هذا‭ ‬دعمته‭ ‬ثقافته‭ ‬الموسوعية‭ ‬التي‭ ‬قادته‭ ‬على‭ ‬الدوام‭ ‬إلى‭ ‬تبيان‭ ‬المسار‭ ‬المقلق‭ ‬للنظام‭ ‬العالمي‭ ‬الجديد‭ ‬وتداعياته‭ ‬منذ‭ ‬أواخر‭ ‬الألفية‭ ‬الثانية‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬التحديد،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬حين‭ ‬يبتعد‭ ‬العلم‭ ‬والتقدم‭ ‬العلمي‭ ‬أو‭ ‬يفترقان‭ ‬عن‭ ‬الأخلاق‭ ‬والإنسانية؛‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬نبه‭ ‬إليه‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬ثمانينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬العلم‭ ‬بالوعي‮»‬‭ (‬1982‭).‬

كتابه‭ ‬‮«‬المعارف‭ ‬السبع‭ ‬الضرورية‭ ‬لتربية‭ ‬المستقبل‮»‬‭ ‬أيضا‭ ‬بدا‭ ‬كثورة‭ ‬فلسفية‭ ‬وفكرية‭ ‬واجتماعية‭ ‬في‭ ‬النظرة‭ ‬إلى‭ ‬التعليم‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬ميدان‭ ‬التربية‭ ‬والتعليم‭ ‬فقط؛‭ ‬إذ‭ ‬تمثلت‭ ‬إحدى‭ ‬أبرز‭ ‬هذه‭ ‬المعارف‭ ‬السبع‭ ‬في‭ ‬‮«‬تعليم‭ ‬الوضع‭ ‬الإنساني‮»‬،‭ ‬أي‭ ‬تدريس‭ ‬معنى‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬بشرا‭ ‬قبل‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬آخر،‭ ‬وهو‭ ‬الأمر‭ ‬الذى‭ ‬لا‭ ‬يستوي‭ ‬مع‭ ‬النزوع‭ ‬الراديكالي‭ ‬نحو‭ ‬تجزيء‭ ‬المعارف،‭ ‬والتخصصات‭ ‬المفرطة‭ ‬في‭ ‬الدقة‭ (‬والفكر‭ ‬التجزيئي؛‭ ‬كما‭ ‬لا‭ ‬يستوى‭ ‬مع‭ ‬أزمات‭ ‬كوكبنا‭ ‬وما‭ ‬يشهده‭ ‬من‭ ‬تلوث‭ ‬مناخي‭ ‬وبيئي،‭ ‬لأن‭ ‬المطلوب‭ ‬هو‭ ‬تعليم‭ ‬التضامن‭ ‬البشرى‭ ‬بما‭ ‬يتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬الدول‭ (‬أي‭ ‬نحو‭ ‬المواطنة‭ ‬الكوكبية،‭ ‬وما‭ ‬تحتاج‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬وعى‭ ‬كوكبي‭. ‬لذا‭ ‬اعتبر‭ ‬إدجار‭ ‬موران،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬فلاسفة‭ ‬آخرين‭ ‬مثل‭ ‬إيفان‭ ‬إليتش،‭ ‬وهانس‭ ‬جوناس‭ ‬وسواهم‭ ‬من‭ ‬الداعمين‭ ‬والمؤثرين‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الأخلاقيات‭ ‬البيئية‭ ‬الحديثة‭.‬

لا‭ ‬غرابة‭ ‬إذا‭ ‬إن‭ ‬بكى‭ ‬الملقب‭ ‬بـ«ضمير‭ ‬الإنسانية‮»‬‭ ‬و«ضمير‭ ‬العالم‭ ‬الحي‮»‬‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬واصفا‭ ‬إياه‭ ‬بـ«المأساة‭ ‬المروعة‮»‬‭ ‬وبـ‮«‬مجزرة‭ ‬تشهدها‭ ‬الإنسانية‮»‬‭. ‬فقد‭ ‬عرت‭ ‬دموعه‭ ‬بشاعة‭ ‬ما‭ ‬يحصل،‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬البتة‭ ‬ضعفا‭ ‬أو‭ ‬استسلاما‭. ‬كيف‭ ‬تكون‭ ‬كذلك‭ ‬وهو‭ ‬الرجل‭ ‬الذي‭ ‬بذل،‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬قرن،‭ ‬كل‭ ‬جهوده‭ ‬الفكرية‭ ‬وطاقاته‭ ‬للذود‭ ‬عن‭ ‬كينونة‭ ‬الإنسان‭.. ‬من‭ ‬دون‭ ‬ملل‭ ‬أو‭ ‬كلل،‭ ‬حتى‭ ‬الرمق‭ ‬الأخير‭.‬

البكاء‭ ‬مع‭ ‬إدجار‭ ‬موران‭ ‬يعني‭ ‬مواجهة‭ ‬عالم‭ ‬قاس‭ ‬يفترق‭ ‬العلم‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬فيه‭ ‬أكثر‭ ‬فأكثر‭ ‬عن‭ ‬دورهما‭ ‬ومآلاتهما‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والسياسية؛‭ ‬عالم‭ ‬يتجه‭ ‬نحو‭ ‬ذاك‭ ‬الـ«مجهول‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬دأب‭ ‬على‭ ‬التنبيه‭ ‬من‭ ‬خطورته‭ ‬على‭ ‬البشرية‭ ‬جمعاء‭.‬

بكى‭ ‬‮«‬ضمير‭ ‬الإنسانية‮»‬‭ ‬واقعا‭ ‬يرفضه‭ ‬العقل‭ ‬والضمير‭. ‬بكى‭ ‬انحرافا‭ ‬عن‭ ‬قيم‭ ‬العدالة‭ ‬والمواطنة‭ ‬العالمية‭ ‬الحقة‭ ‬وعن‭ ‬قيم‭ ‬الثورة‭ ‬الفرنسية‭ (‬حرية،‭ ‬أخوة،‭ ‬مساواة‭). ‬بكى‭ ‬صمت‭ ‬العالم،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬الغربي،‭ ‬حيال‭ ‬ذبح‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬وإبادتهم‭. ‬لكن‭ ‬بكاءه‭ ‬هذا‭ ‬الذي‭ ‬اختلط‭ ‬بصراخ‭ ‬إدانته‭ ‬للكراهية‭ ‬والتعصب‭ ‬وقوى‭ ‬التدمير‭ ‬إنما‭ ‬جاء‭ ‬تتويجا‭ ‬لإيمانه‭ ‬العميق‭ ‬بالإمكانات‭ ‬الخلاقة‭ ‬التي‭ ‬تولد‭ ‬من‭ ‬رحم‭ ‬الأزمات‭.‬

إنه‭ ‬إدجار‭ ‬موران‭ ‬الذي‭ ‬ناقض‭ ‬ذات‭ ‬حوار‭ ‬في‭ ‬جريدة‭ ‬‮«‬لوموند‮»‬‭ ‬الفرنسية‭ ‬مقولة‭ ‬المفكر‭ ‬السياسي‭ ‬الأمريكي‭ ‬فرنسيس‭ ‬فوكوياما‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬القدرات‭ ‬الخلاقة‭ ‬للتطور‭ ‬البشرى‭ ‬قد‭ ‬استنفدت‭ ‬مع‭ ‬الديمقراطية‭ ‬التمثيلية‭ ‬والاقتصاد‭ ‬الليبرالي،‭ ‬معلقا‭ ‬بالقول‭ ‬إن‭ ‬‮«‬التاريخ‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬استنفد‭ ‬وليس‭ ‬القدرات‭ ‬الخلاقة‭ ‬للإنسانية‮»‬‭.‬

إنه‭ ‬إدجار‭ ‬موران‭ ‬الفيلسوف‭ ‬وعالم‭ ‬الاجتماع‭ ‬الذى‭ ‬لم‭ ‬ينحرف‭ ‬عن‭ ‬مبادئه‭ ‬الكونية‭ ‬ذات‭ ‬النزعة‭ ‬الإنسانية؛‭ ‬فهو‭ ‬حين‭ ‬ناصر‭ ‬غزة‭ ‬لم‭ ‬ينظر‭ ‬إلى‭ ‬الضحية‭ ‬بناء‭ ‬على‭ ‬انتمائها‭ ‬العرقي‭ ‬أو‭ ‬الديني‭ ‬أو‭ ‬الجهوي،‭ ‬بل‭ ‬ناصر‭ ‬شعبا‭ ‬مظلوما‭ ‬سلبته‭ ‬إسرائيل‭ ‬أرضه‭ ‬وصادرت‭ ‬حياته،‭ ‬متجاوزا‭ ‬بذلك‭ ‬ازدواجية‭ ‬المعايير‭ ‬والمنطق‭ ‬التبريري‭ ‬لجرائم‭ ‬هذه‭ ‬الدولة‭ ‬اللذين‭ ‬انزلق‭ ‬في‭ ‬شراكهما‭ ‬فلاسفة‭ ‬آخرون،‭ ‬فتداعت‭ ‬لديهم‭ ‬الكونية‭ ‬الأخلاقية،‭ ‬أمثال‭ ‬يورجان‭ ‬هابرماس،‭ ‬ولوك‭ ‬فيري،‭ ‬وميشال‭ ‬أونفراي،‭ ‬وراينر‭ ‬فورست‭ ‬وسواهم؛‭ ‬هؤلاء‭ ‬الذين‭ ‬كشفت‭ ‬‮«‬إنسانويتهم‮»‬‭ ‬عن‭ ‬امتياز‭ ‬حصري‭ ‬للغرب‭ ‬وعن‭ ‬انحياز‭ ‬تاريخي‭ ‬للمركزية‭ ‬الغربية‭ ‬ومنطق‭ ‬القوة‭.‬

إنه‭ ‬إدجار‭ ‬موران‭ ‬الذي‭ ‬أبى‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬‮«‬ضمير‭ ‬الإنسانية‮»‬،‭ ‬انسجاما‭ ‬مع‭ ‬إيمانه‭ ‬الراسخ‭ ‬بالقدرات‭ ‬والطاقات‭ ‬القمينة‭ ‬بإعادة‭ ‬تصويب‭ ‬التاريخ‭ ‬والعمل‭ ‬على‭ ‬‮«‬أنسنة‮»‬‭ ‬تحولاته‭.‬

{ باحثة‭ ‬وكاتبة‭ ‬لبنانية‭ ‬

مختصة‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬الاجتماع‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا