شعار «الاستقلال»، الذي رفعته الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، ليس مجرد شعار سياسي عابر، بل كان تعبيرا عن ذاكرة تاريخية مثقلة بتجارب التدخل الخارجي وضعف الدولة أمام القوى الكبرى.
فإيران، وفق قراءة الأكاديمي الأمريكي من أصل إيراني، ولى نصر، في كتابه «الاستراتيجية الكبرى لإيران: تاريخ سياسي»، المنشور عام 2025، تستند إلى خبرة تاريخية طويلة تشكلت منذ القرن التاسع عشر، عندما فقدت أجزاء واسعة من أراضيها في القوقاز لصالح روسيا، بعد هزيمتين عسكريتين في عهد الدولة القاجارية، ثم واجهت تصاعد النفوذ البريطاني داخل أراضيها.
هذه التجارب رسخت لدى النخبة الإيرانية قناعة بأن ضعف الدولة يعنى فقدان السيادة، وأن الحفاظ على استقلال القرار السياسي والعسكري يتطلب بناء دولة قادرة على مقاومة الضغوط الخارجية وعدم التحول إلى ساحة نفوذ للقوى الكبرى.
ولهذا اكتسب شعار الاستقلال الذي رفعته الثورة الإسلامية تأثيراً واسعاً لأنه لم يخاطب التيار الديني وحده، بل لامس شعوراً وطنياً متراكماً لدى قطاعات مختلفة من الإيرانيين. ومع مرور السنوات، تحول الشعار إلى عقيدة الأمن القومي الإيراني، فارتبط برفض النفوذ الأمريكي، وبناء القدرات العسكرية المحلية، والاعتماد على الذات في مجال الدفاع، ومواجهة العقوبات والضغوط الدولية.
ويرى الكاتب أن فهم إيران الحالية يتطلب العودة إلى تاريخها السياسي، بما في ذلك تجربة الانقلاب على حكومة محمد مصدق عام 1953، والحرب العراقية الإيرانية، والتدخلات الأجنبية المتكررة. فالسلوك الإيراني، وفق هذا التصور، ليس نتاجاً للأيديولوجيا الدينية وحدها، كما تميل بعض القراءات الغربية، بل هو مزيج من اعتبارات الأمن القومي، والذاكرة التاريخية، والرغبة في الحفاظ على مكانة إقليمية مستقلة.
دخلت إدارة ترامب الحرب على إيران بناء على حسابات خاطئة ومضللة قدمتها أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، وكانت تراهن على سقوط النظام خلال أيام معدودات، بعدها تقوم طهران بتقديم تنازلات كبيرة فيما يخص ملفها النووي والمليشيات المسلحة التابعة في المنطقة، وربما حلم الرئيس الأمريكي بالاستيلاء على النفط الإيراني كما فعل في فنزويلا وحرمان الصين من موارد الطاقة في كلا البلدين.
لكن النتائج جاءت مختلفة، إذ استطاعت إيران، رغم الضربات المؤلمة واغتيال قادتها، عدم الانهيار واستخدام مضيق هرمز كورقة ضغط بالسيطرة عليه والتحكم فيه وإغلاقه، ما جعل الكلفة الاقتصادية للحرب تتزايد على العالم كله.
إن ارتفاع أسعار الطاقة لا يبقى ملفاً خارجياً بالنسبة إلى أمريكا، بل يتحول سريعاً إلى عبء داخلي ثقيل على رئيسها وإدارته، وهو ما يرفع من كلفة استمرار التصعيد العسكري المفتوح.
استمرار الخلافات حول تنفيذ التعهدات المتبادلة في مذكرة التفاهم التي تم توقيعها بين البلدين دفع الطرفين إلى دائرة جديدة من التصعيد العسكري، لتتحول المواجهة من صراع حول ملفات محددة إلى اختبار لقدرة كل طرف على فرض إرادته.
بالنسبة إلى إيران، لا تبدو المعركة مجرد خلاف سياسي أو تفاوضي، بل تبدو صراعاً مرتبطاً ببقاء النظام واستقلال الدولة. ولذلك تراهن طهران على عاملين رئيسيين: الحفاظ على التماسك الداخلي، وإظهار القدرة على تحمل الضغوط والخسائر. لكنها في الوقت نفسه تدرك أن استمرار الصراع له كلفة تتجاوز حدودها، وأن أي مواجهة واسعة لن تدفع ثمنها وحدها، بل ستمتد الخسائر إلى منطقة الخليج والاقتصاد العالمي بأكمله.
{ كاتبة صحفية مصرية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك