العدد : ١٧٦٥٣ - الخميس ٢٣ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٥٣ - الخميس ٢٣ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

المغامرة الإيرانية وحسابات الصراع الدولي

بقلم: مي عزام

الخميس ٢٣ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

شعار‭ ‬‮«‬الاستقلال‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬رفعته‭ ‬الثورة‭ ‬الإسلامية‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬عام‭ ‬1979،‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬شعار‭ ‬سياسي‭ ‬عابر،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬تعبيرا‭ ‬عن‭ ‬ذاكرة‭ ‬تاريخية‭ ‬مثقلة‭ ‬بتجارب‭ ‬التدخل‭ ‬الخارجي‭ ‬وضعف‭ ‬الدولة‭ ‬أمام‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭.‬

فإيران،‭ ‬وفق‭ ‬قراءة‭ ‬الأكاديمي‭ ‬الأمريكي‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬إيراني،‭ ‬ولى‭ ‬نصر،‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬الاستراتيجية‭ ‬الكبرى‭ ‬لإيران‭: ‬تاريخ‭ ‬سياسي‮»‬،‭ ‬المنشور‭ ‬عام‭ ‬2025،‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬خبرة‭ ‬تاريخية‭ ‬طويلة‭ ‬تشكلت‭ ‬منذ‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬عندما‭ ‬فقدت‭ ‬أجزاء‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬أراضيها‭ ‬في‭ ‬القوقاز‭ ‬لصالح‭ ‬روسيا،‭ ‬بعد‭ ‬هزيمتين‭ ‬عسكريتين‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬الدولة‭ ‬القاجارية،‭ ‬ثم‭ ‬واجهت‭ ‬تصاعد‭ ‬النفوذ‭ ‬البريطاني‭ ‬داخل‭ ‬أراضيها‭.‬

هذه‭ ‬التجارب‭ ‬رسخت‭ ‬لدى‭ ‬النخبة‭ ‬الإيرانية‭ ‬قناعة‭ ‬بأن‭ ‬ضعف‭ ‬الدولة‭ ‬يعنى‭ ‬فقدان‭ ‬السيادة،‭ ‬وأن‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬استقلال‭ ‬القرار‭ ‬السياسي‭ ‬والعسكري‭ ‬يتطلب‭ ‬بناء‭ ‬دولة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬مقاومة‭ ‬الضغوط‭ ‬الخارجية‭ ‬وعدم‭ ‬التحول‭ ‬إلى‭ ‬ساحة‭ ‬نفوذ‭ ‬للقوى‭ ‬الكبرى‭.‬

ولهذا‭ ‬اكتسب‭ ‬شعار‭ ‬الاستقلال‭ ‬الذي‭ ‬رفعته‭ ‬الثورة‭ ‬الإسلامية‭ ‬تأثيراً‭ ‬واسعاً‭ ‬لأنه‭ ‬لم‭ ‬يخاطب‭ ‬التيار‭ ‬الديني‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬لامس‭ ‬شعوراً‭ ‬وطنياً‭ ‬متراكماً‭ ‬لدى‭ ‬قطاعات‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬الإيرانيين‭. ‬ومع‭ ‬مرور‭ ‬السنوات،‭ ‬تحول‭ ‬الشعار‭ ‬إلى‭ ‬عقيدة‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬الإيراني،‭ ‬فارتبط‭ ‬برفض‭ ‬النفوذ‭ ‬الأمريكي،‭ ‬وبناء‭ ‬القدرات‭ ‬العسكرية‭ ‬المحلية،‭ ‬والاعتماد‭ ‬على‭ ‬الذات‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الدفاع،‭ ‬ومواجهة‭ ‬العقوبات‭ ‬والضغوط‭ ‬الدولية‭.‬

ويرى‭ ‬الكاتب‭ ‬أن‭ ‬فهم‭ ‬إيران‭ ‬الحالية‭ ‬يتطلب‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬تاريخها‭ ‬السياسي،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬تجربة‭ ‬الانقلاب‭ ‬على‭ ‬حكومة‭ ‬محمد‭ ‬مصدق‭ ‬عام‭ ‬1953،‭ ‬والحرب‭ ‬العراقية‭ ‬الإيرانية،‭ ‬والتدخلات‭ ‬الأجنبية‭ ‬المتكررة‭. ‬فالسلوك‭ ‬الإيراني،‭ ‬وفق‭ ‬هذا‭ ‬التصور،‭ ‬ليس‭ ‬نتاجاً‭ ‬للأيديولوجيا‭ ‬الدينية‭ ‬وحدها،‭ ‬كما‭ ‬تميل‭ ‬بعض‭ ‬القراءات‭ ‬الغربية،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬مزيج‭ ‬من‭ ‬اعتبارات‭ ‬الأمن‭ ‬القومي،‭ ‬والذاكرة‭ ‬التاريخية،‭ ‬والرغبة‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬مكانة‭ ‬إقليمية‭ ‬مستقلة‭.‬

دخلت‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬بناء‭ ‬على‭ ‬حسابات‭ ‬خاطئة‭ ‬ومضللة‭ ‬قدمتها‭ ‬أجهزة‭ ‬الاستخبارات‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬وكانت‭ ‬تراهن‭ ‬على‭ ‬سقوط‭ ‬النظام‭ ‬خلال‭ ‬أيام‭ ‬معدودات،‭ ‬بعدها‭ ‬تقوم‭ ‬طهران‭ ‬بتقديم‭ ‬تنازلات‭ ‬كبيرة‭ ‬فيما‭ ‬يخص‭ ‬ملفها‭ ‬النووي‭ ‬والمليشيات‭ ‬المسلحة‭ ‬التابعة‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬وربما‭ ‬حلم‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬بالاستيلاء‭ ‬على‭ ‬النفط‭ ‬الإيراني‭ ‬كما‭ ‬فعل‭ ‬في‭ ‬فنزويلا‭ ‬وحرمان‭ ‬الصين‭ ‬من‭ ‬موارد‭ ‬الطاقة‭ ‬في‭ ‬كلا‭ ‬البلدين‭. ‬

لكن‭ ‬النتائج‭ ‬جاءت‭ ‬مختلفة،‭ ‬إذ‭ ‬استطاعت‭ ‬إيران،‭ ‬رغم‭ ‬الضربات‭ ‬المؤلمة‭ ‬واغتيال‭ ‬قادتها،‭ ‬عدم‭ ‬الانهيار‭ ‬واستخدام‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬كورقة‭ ‬ضغط‭ ‬بالسيطرة‭ ‬عليه‭ ‬والتحكم‭ ‬فيه‭ ‬وإغلاقه،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬الكلفة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬للحرب‭ ‬تتزايد‭ ‬على‭ ‬العالم‭ ‬كله‭.‬

إن‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة‭ ‬لا‭ ‬يبقى‭ ‬ملفاً‭ ‬خارجياً‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬أمريكا،‭ ‬بل‭ ‬يتحول‭ ‬سريعاً‭ ‬إلى‭ ‬عبء‭ ‬داخلي‭ ‬ثقيل‭ ‬على‭ ‬رئيسها‭ ‬وإدارته،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يرفع‭ ‬من‭ ‬كلفة‭ ‬استمرار‭ ‬التصعيد‭ ‬العسكري‭ ‬المفتوح‭.‬

استمرار‭ ‬الخلافات‭ ‬حول‭ ‬تنفيذ‭ ‬التعهدات‭ ‬المتبادلة‭ ‬في‭ ‬مذكرة‭ ‬التفاهم‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬توقيعها‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬دفع‭ ‬الطرفين‭ ‬إلى‭ ‬دائرة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬التصعيد‭ ‬العسكري،‭ ‬لتتحول‭ ‬المواجهة‭ ‬من‭ ‬صراع‭ ‬حول‭ ‬ملفات‭ ‬محددة‭ ‬إلى‭ ‬اختبار‭ ‬لقدرة‭ ‬كل‭ ‬طرف‭ ‬على‭ ‬فرض‭ ‬إرادته‭.‬

بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬إيران،‭ ‬لا‭ ‬تبدو‭ ‬المعركة‭ ‬مجرد‭ ‬خلاف‭ ‬سياسي‭ ‬أو‭ ‬تفاوضي،‭ ‬بل‭ ‬تبدو‭ ‬صراعاً‭ ‬مرتبطاً‭ ‬ببقاء‭ ‬النظام‭ ‬واستقلال‭ ‬الدولة‭. ‬ولذلك‭ ‬تراهن‭ ‬طهران‭ ‬على‭ ‬عاملين‭ ‬رئيسيين‭: ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬التماسك‭ ‬الداخلي،‭ ‬وإظهار‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تحمل‭ ‬الضغوط‭ ‬والخسائر‭. ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬تدرك‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬الصراع‭ ‬له‭ ‬كلفة‭ ‬تتجاوز‭ ‬حدودها،‭ ‬وأن‭ ‬أي‭ ‬مواجهة‭ ‬واسعة‭ ‬لن‭ ‬تدفع‭ ‬ثمنها‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬ستمتد‭ ‬الخسائر‭ ‬إلى‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬والاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬بأكمله‭.‬

{ كاتبة‭ ‬صحفية‭ ‬مصرية‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا