يرى العديد من المحللين والسياسيين في منطقة الخليج العربي وخارجها أن التحركات والاعتداءات الإيرانية تجاه دول مثل البحرين والكويت والإمارات لا تندرج تحت إطار الدفاع عن النفس، بل تعكس أبعاداً وأهدافاً جيوسياسية وأيديولوجية مختلفة. ففي خضم ما تتعرض له طهران من تدمير شامل لبنيتها العسكرية والاقتصادية من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، إلا انها تسعى للخروج من ذلك بمكسب طالما حلمت به ألا وهو بسط النفوذ والهيمنة الإقليمية والسياسية والعسكرية على منطقة الخليج العربي الحيوية والتحكم في ممرها المائي الاستراتيجي الوحيد مثل مضيق هرمز لتعزيز أوراق ضغطها الدولية.
تستخدم طهران العدوان على دول الخليج العربية كورقة ضغط تفاوضية، حيث تحاول إيران نقل صراعاتها وخلافاتها مع القوى الدولية مثل الولايات المتحدة والمجتمع الدولي إلى الساحة الخليجية مستهدفة المنشآت الاقتصادية وحركة الملاحة البحرية وأمن الطاقة العالمي للضغط على المجتمع الدولي لتحقيق مكاسب سياسية أو تخفيف العقوبات، وتُحدد السقوف السياسية والجيوسياسية الراهنة مدى تمادي طهران في عداء واستهداف دول الخليج العربية، وتخضع حساباتها لمعادلة ردع متبادلة وضغوط دولية مكثفة، فرغم الاعتداءات والهجمات الصاروخية والمسيرات الواسعة التي شنتها إيران ضد البنية التحتية والناقلات التجارية لدول مجلس التعاون الخليجي في سياق حربها الأخيرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، فإن ثمة كوابح استراتيجية قوية تمنعها من الذهاب إلى مواجهة مفتوحة بلا نهاية بل هو تكتيك حافة الهاوية.
تُدرك طهران أن أي تمادٍ يقود إلى مواجهة مفتوحة سيعطي الولايات المتحدة وإسرائيل المبرر الكامل لشن ضربات تدميرية شاملة لا تقتصر على شل قدراتها العسكرية، بل تمتد لتدمير منشآتها النفطية الحيوية مثل جزيرة خرج ومصافي بندر عباس وبوشهر، ما يعني عملياً الانهيار التام والنهائي للاقتصاد الإيراني، كذلك السعي الإيراني لفرض ترتيبات أحادية للسيطرة على مضيق هرمز عبر استهداف السفن يصطدم مباشرة بمصالح قوى عظمى كبرى بما فيها حلفاء إيران مثل الصين والهند وكوريا ودول شرق آسيا التي تعتمد كلياً على تدفق النفط والغاز الخليجي والتمادي الإيراني هنا يعني عزل طهران دولياً حتى من أقرب حلفائها.
الفراغ السياسي الداخلي وصراع القيادة الذي تعيشه طهران بعد مقتل المرشد السابق علي خامنئي وكبار القادة العسكريين وكبار المستشارين في النظام الإيراني أدخل إيران في مرحلة استثنائية من عدم الاستقرار السياسي في قمة الهرم الحاكم، وخاصة مع غياب القائد والموجّه الفلسفي الأوحد للنظام الـسابق علي خامنئي، وفي ظل عدم وجود ثقة جامعة بنجله المرشد الجديد مجتبى الذي يفتقر إلى إجماع سياسي على توليه القيادة، أضف الى ذلك تشتت القرار السياسي؛ هذا الفراغ حوّل عملية اتخاذ القرار إلى قيادة مشتتة تتقاسمها أجنحة الحرس الثوري ومجلس الأمن القومي، وفي مثل هذه الفترات الانتقالية يميل النظام إلى استخدام القوة العسكرية في الخارج لتصدير أزماته الداخلية وإثبات القوة لكنه يتجنب تماماً الدخول في حرب شاملة قد تطيح بالنظام من الداخل في ظل التفاف شعبي محتقن بسبب كلفة الحروب السابقة وسقوط العملة الوطنية.
من جانب آخر اثبت الصمود الخليجي وتطور منظومات الردع العسكري لدول مجلس التعاون الخليجي نجاحاً مبهراً بعثر حسابات طهران وأحدث صدمة لم تكن تتوقعها، فطهران كانت دائماً ترى أن دول الخليج عبارة عن دول هشة لا تملك القدرة على حماية نفسها، ولكن ما حدث أثبت خطأ التقديرات العسكرية الايرانية حيث نجحت منظومات الردع والدفاع الخليجية في بناء شبكة متطورة متعددة الطبقات تعتمد على التقنيات الحديثة، ومثّل تحولاً جذرياً نحو عقيدة الردع الخليجي المستقل، حيث برهنت دول مجلس التعاون الخليجي على قدرات فائقة في حماية أمنها القومي واستقرارها من خلال الدفاع الجوي الموحد، حيث تمتلك الدول الخليجية استثمارات ضخمة في أنظمة الدفاع الجوي المتقدمة، ما مكنها من حماية أجوائها والبنية التحتية الحيوية باحترافية، كذلك فإن الهجمات الإيرانية حفزت دول مجلس التعاون للتوجه نحو تنويع شبكة تحالفاتها الأمنية والعسكرية مثل الشراكات الدفاعية مع تركيا وكوريا ودول اوروبية وقوى دولية أخرى، ما يقلل من هوامش المناورة والتمادي الإيراني في المستقبل، والهجمات الأخيرة دفعت دول مجلس التعاون إلى إنهاء أي تردد دفاعي والتوجه فوراً نحو تسريع بناء شبكات دفاع جوي وصاروخي متطورة للغاية بالتعاون مع قوى إقليمية ودولية بارزة، ما يجعل أي تمادٍ إيراني مستقبلي مكلفاً عسكرياً وغير ذي جدوى.
من الواضح أن إيران تبحث عن مخرج تفاوضي وذلك من خلال التصعيد بغرض تحسين الشروط، حيث إن كل عمليات القصف والتهديد بإنهاء التفاهمات وهدنات وقف النار المؤقتة هي أوراق تضغط بها طهران لرفع العقوبات الدولية الخانقة عليها وإحياء مسار المفاوضات والخروج من هذه الأزمة بما يحفظ ماء الوجه أمام الشعب الإيراني وأذرعها الإرهابية في العواصم العربية، فإيران تعلم تماماً أن خيار المواجهة المفتوحة سيلغي أي فرصة للحلول الدبلوماسية، وسيضعها في مواجهة عسكرية مباشرة لا تمتلك القدرة على تحمل تبعاتها الطويلة.
ورغم تبني دول الخليج سياسات قائمة على ضبط النفس واحتواء الأزمات لحماية مكتسباتها التنموية والاقتصادية، فإن تجاوز طهران الخطوط الحمر قد يدفع العواصم الخليجية نحو خيارات ردع عسكرية وأمنية جماعية غير مسبوقة، وكما يُقال يمكن لإيران أن تتمادى في ممارسة الضغوط عبر وكلائها أو استخدام التهديدات والمناوشات البحرية والصاروخية المحدودة، لكنها لا تستطيع تجاوز السقف الذي يفجر حرباً إقليمية شاملة أو يؤدي إلى قطع دائم لإمدادات الطاقة العالمية نظراً إلى الكلفة الوجودية الارتدادية التي لن تتمكن طهران من تحملها.
{ باحث وكاتب صحفي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك