العدد : ١٧٦٥٣ - الخميس ٢٣ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٥٣ - الخميس ٢٣ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

حروب الممرات البحرية من هرمز إلى باب المندب

بقلم: عمرو حلمي

الخميس ٢٣ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

يشهد‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬الصراع‭ ‬تختلف‭ ‬في‭ ‬طبيعتها‭ ‬عن‭ ‬الحروب‭ ‬التقليدية‭ ‬التي‭ ‬عرفتها‭ ‬المنطقة‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الماضية‭. ‬فالمواجهة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تدور‭ ‬فقط‭ ‬حول‭ ‬الحدود‭ ‬أو‭ ‬النفوذ‭ ‬السياسي،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬تتمحور‭ ‬بصورة‭ ‬متزايدة‭ ‬حول‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬مضيقا‭ ‬هرمز‭ ‬وباب‭ ‬المندب،‭ ‬وهما‭ ‬شريانان‭ ‬حيويان‭ ‬للتجارة‭ ‬العالمية‭ ‬وأمن‭ ‬الطاقة‭ ‬والاستقرار‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الدولي‭.‬

فالتصعيد‭ ‬المتجدد‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإيران‭ ‬يعكس‭ ‬خلافاً‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬النزاع‭ ‬حول‭ ‬البرنامج‭ ‬النووي‭ ‬الإيراني‭. ‬إذ‭ ‬ترى‭ ‬واشنطن‭ ‬أن‭ ‬ضمان‭ ‬حرية‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬يمثل‭ ‬ركناً‭ ‬أساسياً‭ ‬من‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬الذي‭ ‬تقوده،‭ ‬وأن‭ ‬أي‭ ‬تهديد‭ ‬لهذا‭ ‬المضيق‭ ‬يشكل‭ ‬تحدياً‭ ‬مباشراً‭ ‬لمصداقية‭ ‬القوة‭ ‬الأمريكية‭ ‬ولمصالح‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬والاقتصاد‭ ‬العالمي‭.‬

أما‭ ‬طهران،‭ ‬فتنظر‭ ‬إلى‭ ‬المضيق‭ ‬باعتباره‭ ‬إحدى‭ ‬أهم‭ ‬أوراق‭ ‬الردع‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬التي‭ ‬تمتلكها،‭ ‬ولهذا‭ ‬تبدو‭ ‬القيادة‭ ‬الإيرانية‭ ‬مستعدة‭ ‬لتحمل‭ ‬مخاطر‭ ‬التصعيد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬قبولها‭ ‬بتآكل‭ ‬بطيء‭ ‬لقدراتها‭ ‬على‭ ‬الردع‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬تجد‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬نفسها‭ ‬أمام‭ ‬معضلة‭ ‬معقدة‭. ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬ترغب‭ ‬في‭ ‬الانزلاق‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬طويلة‭ ‬ومكلفة‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬السماح‭ ‬بترسيخ‭ ‬سابقة‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬تهديد‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬فعالة‭ ‬لفرض‭ ‬المكاسب‭ ‬السياسية‭.‬

وتكمن‭ ‬الخطورة‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬كلا‭ ‬الطرفين‭ ‬يعتقد‭ ‬أن‭ ‬الوقت‭ ‬يعمل‭ ‬لصالحه‭. ‬فإيران‭ ‬تراهن‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬البترول‭ ‬واضطراب‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭ ‬سيدفعان‭ ‬واشنطن‭ ‬إلى‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬طاولة‭ ‬التفاوض‭ ‬بشروط‭ ‬أكثر‭ ‬توازناً،‭ ‬بينما‭ ‬تعتقد‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬أن‭ ‬الضغوط‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والعسكرية‭ ‬المتزايدة‭ ‬ستدفع‭ ‬طهران‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬إلى‭ ‬تقديم‭ ‬تنازلات‭ ‬جوهرية‭.‬

لكن‭ ‬الخطر‭ ‬الأكبر‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬وحده؛‭ ‬فإمكانية‭ ‬انخراط‭ ‬الحوثيين‭ ‬في‭ ‬موجة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬التصعيد‭ ‬تضيف‭ ‬بعداً‭ ‬أكثر‭ ‬خطورة‭ ‬للمشهد‭ ‬الإقليمي‭. ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬هرمز‭ ‬يمثل‭ ‬البوابة‭ ‬الشرقية‭ ‬لتجارة‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمية،‭ ‬فإن‭ ‬باب‭ ‬المندب‭ ‬يمثل‭ ‬البوابة‭ ‬الجنوبية‭ ‬للبحر‭ ‬الأحمر‭ ‬وقناة‭ ‬السويس‭.‬

‭ ‬وفي‭ ‬حال‭ ‬تصاعد‭ ‬التوتر‭ ‬بين‭ ‬واشنطن‭ ‬وطهران‭ ‬فقد‭ ‬ترى‭ ‬جماعة‭ ‬الحوثيين‭ ‬أن‭ ‬المصالح‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الإيرانية‭ ‬تقتضي‭ ‬توسيع‭ ‬نطاق‭ ‬الضغط‭ ‬عبر‭ ‬تكثيف‭ ‬الهجمات‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر،‭ ‬بما‭ ‬يفتح‭ ‬عملياً‭ ‬جبهة‭ ‬بحرية‭ ‬ثانية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭. ‬وقد‭ ‬يشهد‭ ‬العالم‭ ‬تحولاً‭ ‬من‭ ‬الحروب‭ ‬التقليدية‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬وصفه‭ ‬بـ«حروب‭ ‬الخنق‭ ‬الاستراتيجي‮»‬‭ ‬Strategic‭ ‬Strangulation‭ ‬Wars،‭ ‬حيث‭ ‬تصبح‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬ومنشآت‭ ‬الطاقة‭ ‬والأصول‭ ‬الاقتصادية‭ ‬أهدافاً‭ ‬رئيسية‭ ‬للصراع‭. ‬

وفي‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬السيناريو،‭ ‬لا‭ ‬يتطلب‭ ‬الأمر‭ ‬إغلاقاً‭ ‬كاملاً‭ ‬لمضيقي‭ ‬هرمز‭ ‬وباب‭ ‬المندب‭ ‬لإحداث‭ ‬أزمة‭ ‬عالمية؛‭ ‬فمجرد‭ ‬ارتفاع‭ ‬المخاطر‭ ‬الأمنية‭ ‬أو‭ ‬زيادة‭ ‬تكاليف‭ ‬التأمين‭ ‬والشحن‭ ‬كفيل‭ ‬بإحداث‭ ‬صدمات‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬الدولية‭.‬

ومن‭ ‬ثم،‭ ‬فإن‭ ‬التحدي‭ ‬الرئيسي‭ ‬لا‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬احتمال‭ ‬اندلاع‭ ‬حرب‭ ‬إقليمية‭ ‬شاملة‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬خطر‭ ‬الانزلاق‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬مزمنة‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬الاستقرار،‭ ‬تتسم‭ ‬بتعدد‭ ‬بؤر‭ ‬التوتر‭ ‬وتكرار‭ ‬الهجمات‭ ‬المحدودة‭ ‬والتصعيد‭ ‬المتقطع‭.‬

‭ ‬وفي‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬البيئة،‭ ‬تصبح‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬للطاقة‭ ‬والموانئ‭ ‬وخطوط‭ ‬الملاحة‭ ‬الدولية‭ ‬أهدافاً‭ ‬ذات‭ ‬قيمة‭ ‬استراتيجية‭ ‬متزايدة،‭ ‬بينما‭ ‬يتحول‭ ‬أمن‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬إلى‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬محددات‭ ‬التوازنات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭. ‬والأخطر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬سيدفع‭ ‬نحو‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬عسكرة‭ ‬المنطقة،‭ ‬مع‭ ‬زيادة‭ ‬الوجود‭ ‬العسكري‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج،‭ ‬بما‭ ‬قد‭ ‬يحول‭ ‬هذه‭ ‬الممرات‭ ‬إلى‭ ‬ساحات‭ ‬مواجهة‭ ‬شبه‭ ‬دائمة‭. ‬كما‭ ‬قد‭ ‬يدفع‭ ‬القوى‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الكبرى‭ ‬إلى‭ ‬تسريع‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬مسارات‭ ‬تجارية‭ ‬بديلة‭ ‬وإعادة‭ ‬صياغة‭ ‬استراتيجياتها‭ ‬المتعلقة‭ ‬بأمن‭ ‬الطاقة‭ ‬وسلاسل‭ ‬الإمداد‭.‬

‭ ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬أياً‭ ‬من‭ ‬الطرفين‭ ‬يمتلك‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬حسم‭ ‬الصراع‭ ‬لصالحه‭. ‬فالولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬رغم‭ ‬تفوقها‭ ‬العسكري،‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬إنهاء‭ ‬قدرة‭ ‬إيران‭ ‬وشبكة‭ ‬حلفائها‭ ‬على‭ ‬تهديد‭ ‬أمن‭ ‬الملاحة‭ ‬البحرية‭ ‬إلا‭ ‬بثمن‭ ‬استراتيجي‭ ‬واقتصادي‭ ‬باهظ‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬تدرك‭ ‬طهران‭ ‬أن‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬إرباك‭ ‬المصالح‭ ‬الأمريكية‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬امتلاكها‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬فرض‭ ‬إرادتها‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬أو‭ ‬دفع‭ ‬واشنطن‭ ‬إلى‭ ‬التخلي‭ ‬عن‭ ‬التزاماتها‭ ‬ومصالحها‭ ‬الإقليمية‭.‬

ومن‭ ‬هنا،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬قد‭ ‬دخل‭ ‬بالفعل‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬حروب‭ ‬الاستنزاف‭ ‬البحري،‭ ‬حيث‭ ‬يسعى‭ ‬كل‭ ‬طرف‭ ‬إلى‭ ‬رفع‭ ‬كلفة‭ ‬المواجهة‭ ‬على‭ ‬خصومه‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬شاملة‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الصراعات‭ ‬يحمل‭ ‬مخاطر‭ ‬جسيمة،‭ ‬لأن‭ ‬أي‭ ‬خطأ‭ ‬في‭ ‬الحسابات‭ ‬أو‭ ‬حادث‭ ‬محدود‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬انفجار‭ ‬إقليمي‭ ‬واسع‭ ‬النطاق‭.‬

وفي‭ ‬النهاية،‭ ‬فإن‭ ‬أمن‭ ‬مضيقي‭ ‬هرمز‭ ‬وباب‭ ‬المندب‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬قضية‭ ‬تخص‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬جزءاً‭ ‬لا‭ ‬يتجزأ‭ ‬من‭ ‬الأمن‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي‭. ‬وإذا‭ ‬استمرت‭ ‬دوامة‭ ‬التصعيد‭ ‬الحالية،‭ ‬فقد‭ ‬يجد‭ ‬العالم‭ ‬نفسه‭ ‬أمام‭ ‬أخطر‭ ‬أزمة‭ ‬بحرية‭ ‬منذ‭ ‬عقود،‭ ‬تعيد‭ ‬رسم‭ ‬خريطة‭ ‬التجارة‭ ‬والطاقة‭ ‬الدولية‭ ‬وتدفع‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬اليقين‭ ‬الاستراتيجي،‭ ‬حيث‭ ‬تعود‭ ‬الجغرافيا‭ ‬البحرية‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬إلى‭ ‬قلب‭ ‬الصراع‭ ‬على‭ ‬القوة‭ ‬والنفوذ‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭.‬

{ كاتب‭ ‬وسفير‭ ‬سابق‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا