كيف حسمت ثورة يوليو وجمال عبدالناصر الجدل حول «الهوية القومية العربية»؟
لماذا ربطت الثورة بين تحقيق العدالة الاجتماعية ونجاح التجربة الديمقراطية؟


يحتفل أبناء الأمة العربية في الثالث والعشرين من شهر يوليو من كل عام بالذكرى السنوية لقيام الثورة التي قادها الزعيم العربي جمال عبدالناصر وزملاؤه من الضباط الأحرار عام 1952، والتي نحتفل هذا العام بمرور 74 عاما على قيامها.
وقد يتساءل البعض: لماذا نتوقف لنتذكر ثورة 23 يوليو في كل عام، وما الأهمية الكبرى لذلك؟
والواقع أن ثورة 23 يوليو 1952 لم تكن حدثا عاديا في تاريخ مصر والوطن العربي، وفي تاريخ كل الأمم والشعوب هناك أحداث ومحطات تاريخية فاصلة كانت بداية لتحولات كبرى صاغت واقعا أو تاريخا جديدا ظل يلقي بآثاره وتداعياته على مسيرة هذه الأمة على مدى عقود متوالية.
ولا نغالي بالقول ان ثورة 23 يوليو هي من الاحداث الكبرى التي غيرت مسار الاحداث ورسمت معالم جديدة لحركة التاريخ في القرن العشرين في مصر والوطن العربي والعالم كله، فقد غيرت وجه الحياة في مصر والعالم العربي وأعادت صياغة خريطة التفاعلات الإقليمية والتوازنات العالمية بما اتخذته من قرارات استراتيجية ومواقف مبدئية تمثلت في خوض معركة التحرر من الاستعمار الغربي ومساندة تطلعات شعوب العالم الثالث في الحرية والاستقلال وتبني سياسة عدم الانحياز في مواجهة سياسات الاستقطاب بين المعسكرين الرأسمالي الغربي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية والمعسكر الاشتراكي بزعامة الاتحاد السوفيتي، وهو الصراع الذي هيمن على تفاعلات النظام الدولي خلال النصف الثاني من القرن العشرين ومنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945.
أما كيف نجحت ثورة 23 يوليو في التأثير في محيطها العربي الإقليمي وفي الإطار الدولي، وكيف كان دورها حاسما في إحداث تحولات كبرى مازالت تأثيراتها قائمة حتى يومنا هذا، ونحن نقترب في العام القادم من الاحتفال بذكرى اليوبيل الماسي لقيام ثورة 23 يوليو عام 1952؟ فإن ذلك يستدعي منا إلقاء الضوء على عدد من التأثيرات البارزة لثورة 23 يوليو في التاريخ المعاصر لمصر والوطن العربي، وهو ما يجعل ثورة يوليو تحتل مكانة بارزة ومضيئة في التاريخ تستحق أن تتوقف أمامها الأجيال الصاعدة بالتأمل والدرس والتحليل لتتعرف على الأهمية التاريخية الكبرى لثورة يوليو ودور قائدها وزعيمها جمال عبدالناصر في إحداث التحولات الكبرى التي صاغت تاريخ الأمة العربية في مرحلة ما بعد الاستقلال حتى يومنا هذا.
الثورة وطموحات الشعب المصري
يمكن القول بأنه منذ أن وقع الاحتلال الإنجليزي لمصر عام 1882، وإجهاض الثورة العرابية بقيادة الزعيم الوطني المصري أحمد عرابي، وعلى مدى نحو 70 عاما ظلت قضية كيفية التحرر من المستعمر وتحقيق الاستقلال الوطني في صدارة القضايا التي تشغل الحركة الوطنية المصرية، وكان هناك إيمان عميق بان التحرر من الاستعمار هو بداية الطريق لتحقيق طموحات وتطلعات الشعب المصري في الحرية والكرامة والعدالة والتقدم والنهضة.
ولقد سعى رموز الحركة الوطنية المصرية ومن أبرزهم مصطفى كامل ومحمد فريد إلى إبقاء مشعل التحرر الوطني متقدا سواء داخل المجتمع المصري او على الساحة الدولية وخاصة في المحافل السياسية الأوروبية.
وبلغت التحركات الوطنية ذروتها مع تفجر ثورة 1919 التي قادها الزعيم الوطني سعد زغلول بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى عام 1918، حيث برزت قضية تحرر الشعوب الواقعة تحت سيطرة الاستعمار لتصبح من أبرز القضايا التي تناقشها القوى الكبرى التي اشتركت في الحرب، وكان مطلب المصريين هو تشكيل وفد مصري وطني يمثلهم ويعبر عن مطالبهم العادلة أمام الإنجليز، وفي إطار محاولات صياغة عالم ما بعد الحرب العالمية الأولى الذي سعى لإنشاء «عصبة الأمم» بأمل أن تجنب العالم ويلات حرب عالمية مدمرة جديدة.
ورغم ما حققته ثورة 1919 من بعض الإنجازات في الحد من سطوة التدخل الإنجليزي في الشؤون المصرية وصياغة دستور تاريخي حفل بالكثير من الحقوق والحريات وهو دستور 1923، وما ترتب عليه من مفاوضات قادت الى توقيع معاهدة 1936 مع إنجلترا، والتي حققت قدرا من الاستقلال للدولة المصرية، لكن الطموح لتحقيق الاستقلال الكامل والناجز لم يتحقق، فقد بقي الوجود العسكري الإنجليزي قائما وخاصة في منطقة قناة السويس، مما يؤكد استمرار وضعية الاحتلال الأجنبي، كما استمر النفوذ السياسي الإنجليزي حاضرا بقوة في الحياة السياسية المصرية، عبر تدخلات المندوب السامي البريطاني في تشكيل الحكومات وإسقاط الوزراء والوزارات وتوجيه السياسات العامة لنظام الحكم داخليا وخارجيا.
ولذلك ظل حلم التحرر من سطوة الاحتلال البريطاني حلم كل المصريين، ولم يتحقق هذا الحلم إلا على يد ثورة الضباط الاحرار بزعامة جمال عبدالناصر عام 1952، التي أجبرت الانجليز على الدخول في مفاوضات لوضع نهاية للاحتلال البريطاني قادها جمال عبدالناصر وانتهت الى توقيع اتفاقية الجلاء عام 1954، والتي اسفرت عن جلاء آخر جندي بريطاني عن مصر في عام 1956.
وإذا عدنا الى الأهداف الستة التي أعلنتها ثورة 23 يوليو فور نجاحها في السيطرة على مقاليد الحكم في مصر عام 1952، فيمكن القول بأنها كانت تشكل جميع أهداف الحركة الوطنية المصرية على مدى سبعة عقود وتمت صياغة هذه الأهداف بعبارات موجزة ومحكمة، ما جعلها واضحة لجموع الشعب وليس النخب الثقافية والفكرية فقط، وقاد ذلك الى سرعة التفاف القطاعات العريضة من الشعب المصري حول الثورة والمسارعة الى تأييدها عبر البيانات والتحركات الجماهيرية.
وكانت أهداف ثورة يوليو على النحو التالي:
-1 القضاء على الاستعمار وأعوانه.
-2 القضاء على الإقطاع.
-3 القضاء على الاحتكار وسيطرة رأس المال.
-4 إقامة عدالة اجتماعية.
-5 إقامة جيش وطني قوى.
-6 إقامة حياة ديمقراطية سليمة.
كانت القيمة الكبرى لهذه الأهداف والمبادئ انها عبرت بصدق عن تطلعات جموع المصريين، كما كانت تترجم قراءة عميقة للواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي المصري ما قبل ثورة 1952، وإذا كنا قد اوضحنا ما قامت به الثورة لتحقيق الهدف الأول وهو التحرر من المستعمر البريطاني، فإن الأهداف الأخرى شكلت وحدة متكاملة لمشروع نهوض وطني حضاري مصري على أساس مبادئ الحرية والكرامة والعدالة والمساوة، والسعي لتغيير الواقع الاجتماعي كله في مصر من مجتمع النصف في المائة، كما كان يطلق عليه لوجود طبقة قليلة في رأس الهرم الاجتماعي تتمتع بكل الحقوق والامتيازات فيما تعاني القطاعات العريضة من الشعب من ويلات مثلث «الجهل والفقر والمرض»، الى إحداث ثورة كبرى في كل أرجاء البلاد بالتوجه الى بناء مجتمع «الكفاية والعدل» الذي أصبح عنوان السياسات الاجتماعية والاقتصادية للثورة، أي بناء مجتمع تنال فيه جميع فئات المجتمع نصيبا عادلا من الثروة الوطنية بما يمكنها من تغطية كل الاحتياجات المعيشية الأساسية بشكل كاف وعادل، وعلى أساس من الانصاف والمساواة وبلا تمييز طبقي أو وجود للنزعات الفوقية او الاستعلاء على الفقراء.
لقد كان من شأن تحقيق الأهداف الستة لثورة يوليو أن يملك المصريون حرية قرارهم، وان يكونوا أصحاب سلطة حقيقية على بلادهم ودولتهم وثرواتهم الزراعية والمصرفية والصناعية، وعلى قناة السويس أهم مواردهم المالية، وذلك بالنظر إلى وجود طبقة اجنبية كانت تتمتع بامتيازات غير محدودة وكانت متحالفة مع طبقة الاعيان وكبار الرأسماليين والاقطاعيين، وتهيمن على كل مفاصل الاقتصاد المصري، وهو ما أشار إليه البيان رقم واحد للثورة من ضرورة القضاء على الاقطاع والاحتكار وسيطرة رأس المال.
واذا كان بناء جيش وطني قوي أمرا حتميا، بعد التجربة المريرة للضباط الاحرار الذين خاضوا حرب عام 1948 من أجل تحرير فلسطين وانتهت الى هزيمة كل الجيوش العربية أمام ما كان يطلق عليه مجموعة من العصابات الصهيونية، الأمر الذي شكل صدمة كبرى للعرب جميعا وللشعب المصري خصوصا، واوجد حالة من الغليان في صفوف الجيش المصري قادت الى التفكير في الثورة من اجل اصلاح الأوضاع المختلة في البلاد والتي انعكست سلبا على الجيش المصري في حرب 1848 نتيجة تحكم المستعمر البريطاني في نوعية وحجم الأسلحة التي يتم تزويد الجيش بها، ما جعل موازين القوى في الحرب لصالح العصابات الصهيونية.
لهذا كله، كان طبيعيا ان يدرك الضباط الاحرار ان إقامة جيش وطني قوي لا يمكن أن تتحقق الا بالتخلص من المستعمر البريطاني وإنهاء سطوته في التحكم في كل شؤون الحياة المصرية، وفي مقدمتها قدرات الجيش الوطني المصري ونوعية السلاح الذي يجب ان يتوافر له. كما ان الجيش الوطني القوي هو القادر على حماية الاستقلال الوطني والتصدي لتهديدات الأمن القومي.
الديمقراطية والعدالة الاجتماعية
وإذا كان البعض يوجه انتقادات لثورة يوليو بانها أخفقت في تحقيق واحد من أهم أهدافها وهو الهدف السادس بإقامة حياة ديمقراطية سليمة، وخاصة انه حدث جدال داخل مجلس قيادة الثورة الذي شكله الضباط الاحرار لقيادة البلاد بعد نجاح الثورة حول المسألة الديمقراطية، وما الذي يمكن عمله لتحقيق هذا الهدف، وخاصة حول فكرة انسحاب الجيش والعودة إلى الثكنات العسكرية بعد إسقاط النظام السابق وإعلان قيام النظام الجمهوري.
والواقع، ان غالبية الضباط الأحرار وعلى رأسهم جمال عبدالناصر كانوا يخشون من أن إعادة الحكم للمدنيين وانسحاب الضباط الاحرار من الحكم والحياة السياسية في مصر، سوف يؤدي إلى إفشال أهداف الثورة وإلى إعادة الأوضاع المختلة في الحياة السياسية من فساد الأحزاب وتلاعبها بالأوضاع السياسية والقضايا الاجتماعية بهدف تحقيق مصالحها الأنانية الخاصة على حساب هموم وطموحات القطاعات العريضة من الشعب من دون أن تمتلك تلك الاحزاب مشروعا وطنيا شاملا للإصلاح والنهضة على أساس العدالة والانصاف والانحياز للطبقات الفقيرة.
وكانت الرؤية الحاكمة التي تبناها جمال عبدالناصر واتفقت معه غالبية الضباط الاحرار أنه لا يمكن تحقيق الهدف السادس للثورة بإقامة حياة ديمقراطية «سليمة» من دون إحداث ثورة اجتماعية جذرية في مصر توسع قاعدة القادرين على الانخراط في الحياة السياسية والمشاركة الديمقراطية عبر توسيع قاعدة الطبقة الوسطى وإصلاح أوضاع الطبقات الفقيرة التي تشكل غالبية الشعب والمجتمع.
ولكي يصل المجتمع المصري الى وضعية تمكنه من ممارسة حياة ديمقراطية «سليمة»، ولا تكون «ديمقراطية الأغنياء»، كما كان سائدا قبل عام 1952، فلا بد من الإسراع بتطبيق السياسات الإصلاحية الاجتماعية للثورة وفي طليعتها مجانية التعليم وتحسين أوضاع العمال، وتنفيذ الإصلاح الزراعي الذي يوسع قاعدة الملكية الزراعية لتشمل صغار الفلاحين، ولا تظل ملكية الأراضي الزراعية حكرا على كبار الرأسماليين والاقطاعيين الذين يمتلكون المال والنفوذ بما يمكنهم من الهيمنة على الانتخابات والعملية الديمقراطية على حساب العمال والموظفين والفلاحين والفقراء.
وقد اشار الى هذه الإشكالية أحد أبرز المؤرخين المصريين المعاصرين وهو الدكتور عاصم الدسوقي، قائلا إن مصر كانت تعاني من التفاوت الطبقي قبل الثورة، وإن ذلك أدى إلى أوضاع اجتماعية مختلة تنذر بوقوع احداث كبرى، مشيرا الى تقرير أمريكي رصد عام 1949 تردي الأوضاع في مصر بدقة آنذاك، وأبرز ما جاء فيه «ملاحظة تفشي الرشاوى واتساع الفوارق الطبقية في مصر بسوء بالغ، مما ينبئ بحدوث حدث سياسي وشيك وهو الأمر الذى يهدد بقاء الاستعمار الإنجليزي في مصر بشكل مباشر».
وأوضح أن الإشارة إلى كلمة «سليمة» في الهدف السادس للثورة أي «إقامة حياة ديمقراطية سليمة» تعني عدم الرضا او الاقتناع من جانب قادة الثورة بالتجربة الديمقراطية قبل الثورة موضحًا أهمية لفظة «السليمة»، لأن الديمقراطية ما قبل الثورة حرمت جماهير الشعب المصري من عمال وفلاحين من التقدم والتمتع بالحرية والديمقراطية، ذلك ان الوصول الى البرلمان والسلطة التشريعية من واقع قانون الانتخابات الذى صدر مع دستور عام 1923 كان ينص على أن من يرشح نفسه لمجلس الشيوخ يكون ممن يدفع ضريبة أطيان زراعية قدرها 150 جنيهًا كتأمين، وهو ما يعني أن يكون مالكا لحوالي 300 من الأفدنة الزراعية على أقل تقدير، وقد بلغت الضريبة على الفدان الواحد آنذاك 50 قرشًا، مما يعني أن الرابح هو لا محالة سيكون من ملاك الأراضي الزراعية أو ما اصطلح عليه آنذاك بعبارة «أصحاب الأطيان»، فكان جليًا أن هذا القانون قد اختزل مجلس الأمة في ملاك الأراضي الزراعية وأصحاب رؤوس الأموال وخاصة «الإقطاعيين»، وفي هذه الحالة من الطبيعي أن نجد جل القوانين التي صدرت من المجالس البرلمانية قبل الثورة كانت تصب في مصلحة الملاك، وعلى النقيض حاولت ثورة يوليو توسيع قاعدة المشاركة في الحياة الديمقراطية، فبات للعمال والفلاحين مندوبون في مجلس الأمة بمجرد إجراء الانتخابات لأول مجلس أمة عام 1957، وهو ما يضاف الى أهم مكاسب ثورة يوليو.
الجدل حول «هوية القومية العربية»
يمكن القول بأن من أكثر القضايا التي كانت تشغل الرأي العام في مصر والمجتمعات العربية، في مرحلة انهيار الدولة العثمانية التي كانت تسيطر على معظم البلاد العربية قرونا، هو الجدل حول الهوية الوطنية ونشوء الدعوة إلى هويات بديلة لهوية الخلافة العثمانية الإسلامية وطابعها التركي، وخاصة بعد سقوط الخلافة العثمانية عام 1924.
ففي بلاد الشام ظهرت أفكار القومية العربية في مواجهة سياسات التتريك، وفي مصر اندلع نقاش وجدال امتد طويلا حول هوية مصر، وهل هي إسلامية ام فرعونية ام عربية ام بحر متوسطية وغير ذلك، وفي بلاد المغرب العربي كان هناك تنازع بين الهوية العربية الإسلامية والهوية الامازيغية.
ولا بد هنا من إلقاء الضوء على هذا الجدل لأهميته في إبراز ما قامت به ثورة يوليو وقائدها جمال عبدالناصر بعد ذلك.
فقد تنازعت المصريين في النصف الاول من القرن العشرين خمس هويات وانتماءات متناقضة ومتضاربة: فرعونية، وإسلامية، وإفريقية، ومتوسطية - أوروبية، وآخرها عربية. وكان أقوى الاتجاهات بينها اعتقاد المصريين أنهم (أمة قائمة بذاتها) تتحدث بلسان عربي، ولكنها ليس بالضرورة تنتمي إلى أمة عربية.
كان المؤمنون بالانتماء القومي العربي أقلية مثل أحمد حسن الزيات ومصطفى صادق الرافعي، وأحمد أمين، وأحمد عبد القادر المازني، وعبدالرحمن عزام (الذي أصبح أول أمين عام للجامعة العربية عند إنشائها عام 1945).
أما كبار الأدباء والمفكرين فكانوا بين معاد للعروبة أو منكر لها، أو قائل إن المصريين فراعنة، أو أمة قائمة بذاتها، وكان من أبرزهم سلامة موسى الذي كان يدافع عن التمسك بالهوية الفرعونية ، ولويس عوض ، وقاسم أمين، وأحمد لطفي السيد، وأكثر من عبر عنهم عميد الأدب العربي طه حسين الذي كان أهم مفكري مصر على الإطلاق في تلك الحقبة. وقد أدلى طه حسين بأحاديث وكتب مقالات كثيرة كرر فيها رفضه وصف مصر بالعربية.. وذات مرة كتب بعض الكتاب داعيا إلى وحدة عربية تنضم إليها مصر، فرد عليهم طه حسين بقوله: «إن المصريين لا يتصورون اشتراكهم في إمبراطورية عربية مهما يكن مستقرها، ومهما يكن شكلها، ومهما تكن نظم الحكم فيها».
وأكثر من ذلك؛ فقد ذهب طه حسين بعيدا في أطروحاته بمحاولة جعل مصر تنتمي الى الهوية «البحر متوسطية» وجعلها امتدادا للثقافة اليونانية الإغريقية، كما جاء في كتابه الشهير «مستقبل الثقافة في مصر» الصادر عام 1938.
وقد أثار هذا الكتاب لطه حسين جدلاً واسعاً كونه دعا إلى اعتبار مصر جزءاً من المنظومة الحضارية الغربية (الأوروبية) القائمة على العقلانية والعلم، ورأى طه حسين أن العقل المصري أقرب إلى الفكر اليوناني والأوروبي منه إلى الشرق الآسيوي.
لذلك اعتبر المنتقدون هذا الطرح تهديداً للهوية العربية والإسلامية ومحاولة «تغريب» للمجتمع المصري، كما اعتبره المحافظون والأزهر الشريف انسلاخاً من الدين والقيم الشرقية، بينما أيده المدافعون لرؤيته التحديثية.
وحتى عباس محمود العقاد لم يزد على اعتبار مصر أمة قائمة بذاتها، تربطها ثقافة مشتركة ببقية العرب ومثله عبدالقادر حمزة، وفتحي رضوان، وزكي مبارك.
ولنا أن نبدي هنا، كل علامات الدهشة من آراء قامة فكرية كبيرة مثل طه حسين عميد الأدب العربي التي تحاول إبعاد الهوية العربية عن مصر وإلصاقها بهوية ثقافية غربية إغريقية، الأمر الذي يعكس عمق الازمة الفكرية حول هوية مصر حتى لدى عمالقة الفكر المصري ونخبة المثقفين قبل ثورة يوليو.
أمام هذا الوضع المأزوم والمضطرب كان أول ما قامت به ثورة يوليو هو حسم اشكالية الهوية وانتماء مصر القومي، وكان ذلك لأن الضباط الاحرار الذين قاموا بالثورة بقيادة جمال عبدالناصر هم مصريون عروبيون، فاستعادوا للمرة الاولى بعد مئات الأعوام حكم مصر، وانحازوا لانتماء مصر العروبي.
وهنا لا بد من الإشادة بالرؤية التاريخية والفكرية المتقدمة لجمال عبدالناصر ضابط الجيش الشاب الذي أدرك أهمية الهوية القومية العربية لمصر، وأنها ليست فقط تعبيرا عن هوية ثقافية أصيلة وحقيقية تعبر عن الوعي الحقيقي للشعب المصري، ولكنها أيضا ضرورة استراتيجية لحماية الأمن القومي المصري الذي يمتد تاريخيا إلى المشرق العربي وأقصى حدود بلاد الشام منذ العصر الفرعوني مرورا بالعصور الإسلامية والتصدي للغزوات الصليبية والمغولية ووصولا إلى مواجهة الغزوة الصهيونية في فلسطين المحتلة التي أرادها الغرب الاستعماري بمثابة «حصان طروادة» لإجهاض كل التطلعات العربية إلى الوحدة مفتاح قوة العرب ومصدر صعودهم الحضاري.
جدل الهوية بين المشرق والمغرب
ولم يكن المشرق العربي مهد الدعوة والاحياء للفكرة القومية العربية بعيدا عن هذه الأزمة، رغم ان معظم آباء الفكر القومي كانوا من بلاد المشرق العربي والشام مثل ساطع الحصري وعبدالرحمن الكواكبي وقسطنطين زريق وزكي الأرسوزي ومحمد عزة دروزة وميشيل عفلق، وهم الذين نادوا بالوحدة العربية الشاملة.
فقد كانت هناك فكرة «القومية السورية» التي صاغها انطون سعادة مؤسس الحزب القومي السوري وكان فيها انحياز متطرف للقومية السورية على حساب الهوية القومية العربية، وقد تبنى أفكار انطون سعادة بدرجات وأشكال متباينة بعض فلاسفة التيارات الاخرى كالمارونية السياسية، التي ارتكزت على أن شعوب سورية لا علاقة لهم بالعرب وينتمون الى حضارة مختلفة وعنصر بشري مميز، ويستشهدون بأبحاث بيولوجية وروايات تاريخية مضللة تحط من شأن العرب، وتحط من قدرهم عنصريا ومن قدر حضارتهم!
ولكن حقبة النضال القومي في زمن ثورة يوليو التي قادها جمال عبدالناصر حفلت بنضالات جماهيرية قومية وإنجازات وتحولات كبرى أسقطت الأطروحات والمقولات والنظريات المعادية للعروبة. فكانت حصيلتها نقلة نوعية كبيرة، بالمعايير التاريخية والاجتماعية والفكرية، إذ حسمت الحركة القومية العربية حالة الازدواجية والفصام بين الهويات المتناقضة والمضطربة والمتصارعة في المشرق العربي، بحيث أصبح العرب في ستينيات القرن الماضي يعون ذاتهم كأمة واضحة الهوية القومية، ومحددة الأهداف، بما فيها السعي نحو إقامة كيان سياسي موحد.
وحتى في بلاد المغرب العربي لم يعد ثمة تأثير قوي للأفكار والاطروحات التي روجت لها الثقافة الفرنسية طويلا للادعاء أن سكان المغرب الاصليين من الامازيغ هم شعوب أوروبية هاجرت قديما الى الضفة الجنوبية للبحر المتوسط، وهم الآن شعوب قريبة من الأوروبيين أكثر من قربهم إلى العرب القادمين من الجزيرة العربية بثقافتهم الصحراوية بما فيها الاسلام.
فقد أعادت الثورة الجزائرية بدعم مصر والعرب تعريب الجزائريين، وفجرت الوعي بالروابط التي تجمعهم بالعرب، بمن في ذلك شعوب وقبائل الامازيغ التي ظهر فيها علماء ومؤرخون أكدوا أن الامازيغ وفدوا من اليمن، وليس من أوروبا قبل آلاف السنين، في طليعتهم اللغوي والمؤرخ البارز عثمان السعدي، وأصبح الامازيغ قادة للحركات القومية العربية في الجزائر والمغرب وتونس كالأمير عبدالكريم الخطابي وعلال الفاسي وعبدالحميد بن باديس ومصالي الحاج، والبشير الابراهيمي وحسين آيت أحمد، وهواري بومدين وعبدالعزيز بوتفليقة والأخضر الابراهيمي!
هذا الإنجاز التاريخي هو أبرز إنجازات الحركة القومية في النصف الثاني من القرن العشرين بعد الانجاز الأول المتمثل بالانفكاك عن الحقبة العثمانية التي استمرت زهاء أربعة قرون، ثم التحرر من الاستعمار الأوروبي.
وبعد قيام الثورة وجمال عبدالناصر بتأميم القناة والانتصار على العدوان الثلاثي عام 1956، انفجرت المشاعر القومية في الشارع العربي من المحيط الى الخليج، وأصبح هدف تحقيق الوحدة حلم كل الجماهير العربية، كما أسهم إنشاء إذاعة صوت العرب من القاهرة في زيادة الوعي العربي بالقضايا القومية، ولعبت خطابات الزعيم جمال عبدالناصر التي كانت تذاع عبر الأثير من «صوت العرب» دورا كبيرا في تنشئة أجيال عربية تؤمن بالفكر القومي العربي وأهمية الوحدة العربية.
ولا شك، أن هذا الميراث الخالد الذي صاغته ثورة يوليو وزعامة جمال عبد الناصر هو الرصيد الحي المتجدد الذي يجعل كل أبناء الأمة العربية في حالة تضامن وترابط وجداني وعاطفي عميق كلما واجهت الامة العربية تحديات وتهديدات وجودية، ولهذا من المهم استثمار هذا الرصيد العروبي الوجداني والثقافي لإحياء مشاريع التكامل الاقتصادي والسياسي والدفاعي العربي في إطار العمل العربي المشترك، لأن هذا هو السبيل الوحيد لحماية مقدرات الأمة العربية وحماية الأمن والمستقبل العربي في زمن لا يعترف إلا بالقوة والأقوياء.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك