العدد : ١٧٦٥٣ - الخميس ٢٣ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٥٣ - الخميس ٢٣ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ صفر ١٤٤٨هـ

دراسات

بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ74 لقيام ثورة 23 يوليو عام 1952..
المكانة التاريخية والدور الحضاري لثورة يوليو.. رؤية تحليلية

بقلم: عبدالـمالك سالـمان

الخميس ٢٣ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

كيف‭ ‬حسمت‭ ‬ثورة‭ ‬يوليو‭ ‬وجمال‭ ‬عبدالناصر‭ ‬الجدل‭ ‬حول‭ ‬‮«‬الهوية‭ ‬القومية‭ ‬العربية»؟

لماذا‭ ‬ربطت‭ ‬الثورة‭ ‬بين‭ ‬تحقيق‭ ‬العدالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬ونجاح‭ ‬التجربة‭ ‬الديمقراطية؟


يحتفل‭ ‬أبناء‭ ‬الأمة‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬الثالث‭ ‬والعشرين‭ ‬من‭ ‬شهر‭ ‬يوليو‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬عام‭ ‬بالذكرى‭ ‬السنوية‭ ‬لقيام‭ ‬الثورة‭ ‬التي‭ ‬قادها‭ ‬الزعيم‭ ‬العربي‭ ‬جمال‭ ‬عبدالناصر‭ ‬وزملاؤه‭ ‬من‭ ‬الضباط‭ ‬الأحرار‭ ‬عام‭ ‬1952،‭ ‬والتي‭ ‬نحتفل‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬بمرور‭ ‬74‭ ‬عاما‭ ‬على‭ ‬قيامها‭.‬

وقد‭ ‬يتساءل‭ ‬البعض‭: ‬لماذا‭ ‬نتوقف‭ ‬لنتذكر‭ ‬ثورة‭ ‬23‭ ‬يوليو‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬عام،‭ ‬وما‭ ‬الأهمية‭ ‬الكبرى‭ ‬لذلك؟

والواقع‭ ‬أن‭ ‬ثورة‭ ‬23‭ ‬يوليو‭ ‬1952‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬حدثا‭ ‬عاديا‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬مصر‭ ‬والوطن‭ ‬العربي،‭ ‬وفي‭ ‬تاريخ‭ ‬كل‭ ‬الأمم‭ ‬والشعوب‭ ‬هناك‭ ‬أحداث‭ ‬ومحطات‭ ‬تاريخية‭ ‬فاصلة‭ ‬كانت‭ ‬بداية‭ ‬لتحولات‭ ‬كبرى‭ ‬صاغت‭ ‬واقعا‭ ‬أو‭ ‬تاريخا‭ ‬جديدا‭ ‬ظل‭ ‬يلقي‭ ‬بآثاره‭ ‬وتداعياته‭ ‬على‭ ‬مسيرة‭ ‬هذه‭ ‬الأمة‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬عقود‭ ‬متوالية‭.‬

ولا‭ ‬نغالي‭ ‬بالقول‭ ‬ان‭ ‬ثورة‭ ‬23‭ ‬يوليو‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬الاحداث‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬غيرت‭ ‬مسار‭ ‬الاحداث‭ ‬ورسمت‭ ‬معالم‭ ‬جديدة‭ ‬لحركة‭ ‬التاريخ‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬والوطن‭ ‬العربي‭ ‬والعالم‭ ‬كله،‭ ‬فقد‭ ‬غيرت‭ ‬وجه‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬والعالم‭ ‬العربي‭ ‬وأعادت‭ ‬صياغة‭ ‬خريطة‭ ‬التفاعلات‭ ‬الإقليمية‭ ‬والتوازنات‭ ‬العالمية‭ ‬بما‭ ‬اتخذته‭ ‬من‭ ‬قرارات‭ ‬استراتيجية‭ ‬ومواقف‭ ‬مبدئية‭ ‬تمثلت‭ ‬في‭ ‬خوض‭ ‬معركة‭ ‬التحرر‭ ‬من‭ ‬الاستعمار‭ ‬الغربي‭ ‬ومساندة‭ ‬تطلعات‭ ‬شعوب‭ ‬العالم‭ ‬الثالث‭ ‬في‭ ‬الحرية‭ ‬والاستقلال‭ ‬وتبني‭ ‬سياسة‭ ‬عدم‭ ‬الانحياز‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬سياسات‭ ‬الاستقطاب‭ ‬بين‭ ‬المعسكرين‭ ‬الرأسمالي‭ ‬الغربي‭ ‬بزعامة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬والمعسكر‭ ‬الاشتراكي‭ ‬بزعامة‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي،‭ ‬وهو‭ ‬الصراع‭ ‬الذي‭ ‬هيمن‭ ‬على‭ ‬تفاعلات‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬خلال‭ ‬النصف‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬ومنذ‭ ‬انتهاء‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬عام‭ ‬1945‭.‬

أما‭ ‬كيف‭ ‬نجحت‭ ‬ثورة‭ ‬23‭ ‬يوليو‭ ‬في‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬محيطها‭ ‬العربي‭ ‬الإقليمي‭ ‬وفي‭ ‬الإطار‭ ‬الدولي،‭ ‬وكيف‭ ‬كان‭ ‬دورها‭ ‬حاسما‭ ‬في‭ ‬إحداث‭ ‬تحولات‭ ‬كبرى‭ ‬مازالت‭ ‬تأثيراتها‭ ‬قائمة‭ ‬حتى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا،‭ ‬ونحن‭ ‬نقترب‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬القادم‭ ‬من‭ ‬الاحتفال‭ ‬بذكرى‭ ‬اليوبيل‭ ‬الماسي‭ ‬لقيام‭ ‬ثورة‭ ‬23‭ ‬يوليو‭ ‬عام‭ ‬1952؟‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬يستدعي‭ ‬منا‭ ‬إلقاء‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬التأثيرات‭ ‬البارزة‭ ‬لثورة‭ ‬23‭ ‬يوليو‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬المعاصر‭ ‬لمصر‭ ‬والوطن‭ ‬العربي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬ثورة‭ ‬يوليو‭ ‬تحتل‭ ‬مكانة‭ ‬بارزة‭ ‬ومضيئة‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬تستحق‭ ‬أن‭ ‬تتوقف‭ ‬أمامها‭ ‬الأجيال‭ ‬الصاعدة‭ ‬بالتأمل‭ ‬والدرس‭ ‬والتحليل‭ ‬لتتعرف‭ ‬على‭ ‬الأهمية‭ ‬التاريخية‭ ‬الكبرى‭ ‬لثورة‭ ‬يوليو‭ ‬ودور‭ ‬قائدها‭ ‬وزعيمها‭ ‬جمال‭ ‬عبدالناصر‭ ‬في‭ ‬إحداث‭ ‬التحولات‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬صاغت‭ ‬تاريخ‭ ‬الأمة‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الاستقلال‭ ‬حتى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا‭.‬

الثورة‭ ‬وطموحات‭ ‬الشعب‭ ‬المصري

يمكن‭ ‬القول‭ ‬بأنه‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬وقع‭ ‬الاحتلال‭ ‬الإنجليزي‭ ‬لمصر‭ ‬عام‭ ‬1882،‭ ‬وإجهاض‭ ‬الثورة‭ ‬العرابية‭ ‬بقيادة‭ ‬الزعيم‭ ‬الوطني‭ ‬المصري‭ ‬أحمد‭ ‬عرابي،‭ ‬وعلى‭ ‬مدى‭ ‬نحو‭ ‬70‭ ‬عاما‭ ‬ظلت‭ ‬قضية‭ ‬كيفية‭ ‬التحرر‭ ‬من‭ ‬المستعمر‭ ‬وتحقيق‭ ‬الاستقلال‭ ‬الوطني‭ ‬في‭ ‬صدارة‭ ‬القضايا‭ ‬التي‭ ‬تشغل‭ ‬الحركة‭ ‬الوطنية‭ ‬المصرية،‭ ‬وكان‭ ‬هناك‭ ‬إيمان‭ ‬عميق‭ ‬بان‭ ‬التحرر‭ ‬من‭ ‬الاستعمار‭ ‬هو‭ ‬بداية‭ ‬الطريق‭ ‬لتحقيق‭ ‬طموحات‭ ‬وتطلعات‭ ‬الشعب‭ ‬المصري‭ ‬في‭ ‬الحرية‭ ‬والكرامة‭ ‬والعدالة‭ ‬والتقدم‭ ‬والنهضة‭.‬

ولقد‭ ‬سعى‭ ‬رموز‭ ‬الحركة‭ ‬الوطنية‭ ‬المصرية‭ ‬ومن‭ ‬أبرزهم‭ ‬مصطفى‭ ‬كامل‭ ‬ومحمد‭ ‬فريد‭ ‬إلى‭ ‬إبقاء‭ ‬مشعل‭ ‬التحرر‭ ‬الوطني‭ ‬متقدا‭ ‬سواء‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭ ‬المصري‭ ‬او‭ ‬على‭ ‬الساحة‭ ‬الدولية‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬المحافل‭ ‬السياسية‭ ‬الأوروبية‭.‬

وبلغت‭ ‬التحركات‭ ‬الوطنية‭ ‬ذروتها‭ ‬مع‭ ‬تفجر‭ ‬ثورة‭ ‬1919‭ ‬التي‭ ‬قادها‭ ‬الزعيم‭ ‬الوطني‭ ‬سعد‭ ‬زغلول‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى‭ ‬عام‭ ‬1918،‭ ‬حيث‭ ‬برزت‭ ‬قضية‭ ‬تحرر‭ ‬الشعوب‭ ‬الواقعة‭ ‬تحت‭ ‬سيطرة‭ ‬الاستعمار‭ ‬لتصبح‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬القضايا‭ ‬التي‭ ‬تناقشها‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬اشتركت‭ ‬في‭ ‬الحرب،‭ ‬وكان‭ ‬مطلب‭ ‬المصريين‭ ‬هو‭ ‬تشكيل‭ ‬وفد‭ ‬مصري‭ ‬وطني‭ ‬يمثلهم‭ ‬ويعبر‭ ‬عن‭ ‬مطالبهم‭ ‬العادلة‭ ‬أمام‭ ‬الإنجليز،‭ ‬وفي‭ ‬إطار‭ ‬محاولات‭ ‬صياغة‭ ‬عالم‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى‭ ‬الذي‭ ‬سعى‭ ‬لإنشاء‭ ‬‮«‬عصبة‭ ‬الأمم‮»‬‭ ‬بأمل‭ ‬أن‭ ‬تجنب‭ ‬العالم‭ ‬ويلات‭ ‬حرب‭ ‬عالمية‭ ‬مدمرة‭ ‬جديدة‭.‬

ورغم‭ ‬ما‭ ‬حققته‭ ‬ثورة‭ ‬1919‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬الإنجازات‭ ‬في‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬سطوة‭ ‬التدخل‭ ‬الإنجليزي‭ ‬في‭ ‬الشؤون‭ ‬المصرية‭ ‬وصياغة‭ ‬دستور‭ ‬تاريخي‭ ‬حفل‭ ‬بالكثير‭ ‬من‭ ‬الحقوق‭ ‬والحريات‭ ‬وهو‭ ‬دستور‭ ‬1923،‭ ‬وما‭ ‬ترتب‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬مفاوضات‭ ‬قادت‭ ‬الى‭ ‬توقيع‭ ‬معاهدة‭ ‬1936‭ ‬مع‭ ‬إنجلترا،‭ ‬والتي‭ ‬حققت‭ ‬قدرا‭ ‬من‭ ‬الاستقلال‭ ‬للدولة‭ ‬المصرية،‭ ‬لكن‭ ‬الطموح‭ ‬لتحقيق‭ ‬الاستقلال‭ ‬الكامل‭ ‬والناجز‭ ‬لم‭ ‬يتحقق،‭ ‬فقد‭ ‬بقي‭ ‬الوجود‭ ‬العسكري‭ ‬الإنجليزي‭ ‬قائما‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬قناة‭ ‬السويس،‭ ‬مما‭ ‬يؤكد‭ ‬استمرار‭ ‬وضعية‭ ‬الاحتلال‭ ‬الأجنبي،‭ ‬كما‭ ‬استمر‭ ‬النفوذ‭ ‬السياسي‭ ‬الإنجليزي‭ ‬حاضرا‭ ‬بقوة‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬السياسية‭ ‬المصرية،‭ ‬عبر‭ ‬تدخلات‭ ‬المندوب‭ ‬السامي‭ ‬البريطاني‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬الحكومات‭ ‬وإسقاط‭ ‬الوزراء‭ ‬والوزارات‭ ‬وتوجيه‭ ‬السياسات‭ ‬العامة‭ ‬لنظام‭ ‬الحكم‭ ‬داخليا‭ ‬وخارجيا‭.‬

ولذلك‭ ‬ظل‭ ‬حلم‭ ‬التحرر‭ ‬من‭ ‬سطوة‭ ‬الاحتلال‭ ‬البريطاني‭ ‬حلم‭ ‬كل‭ ‬المصريين،‭ ‬ولم‭ ‬يتحقق‭ ‬هذا‭ ‬الحلم‭ ‬إلا‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬ثورة‭ ‬الضباط‭ ‬الاحرار‭ ‬بزعامة‭ ‬جمال‭ ‬عبدالناصر‭ ‬عام‭ ‬1952،‭ ‬التي‭ ‬أجبرت‭ ‬الانجليز‭ ‬على‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬مفاوضات‭ ‬لوضع‭ ‬نهاية‭ ‬للاحتلال‭ ‬البريطاني‭ ‬قادها‭ ‬جمال‭ ‬عبدالناصر‭ ‬وانتهت‭ ‬الى‭ ‬توقيع‭ ‬اتفاقية‭ ‬الجلاء‭ ‬عام‭ ‬1954،‭ ‬والتي‭ ‬اسفرت‭ ‬عن‭ ‬جلاء‭ ‬آخر‭ ‬جندي‭ ‬بريطاني‭ ‬عن‭ ‬مصر‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1956‭.‬

وإذا‭ ‬عدنا‭ ‬الى‭ ‬الأهداف‭ ‬الستة‭ ‬التي‭ ‬أعلنتها‭ ‬ثورة‭ ‬23‭ ‬يوليو‭ ‬فور‭ ‬نجاحها‭ ‬في‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬مقاليد‭ ‬الحكم‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬عام‭ ‬1952،‭ ‬فيمكن‭ ‬القول‭ ‬بأنها‭ ‬كانت‭ ‬تشكل‭ ‬جميع‭ ‬أهداف‭ ‬الحركة‭ ‬الوطنية‭ ‬المصرية‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬سبعة‭ ‬عقود‭ ‬وتمت‭ ‬صياغة‭ ‬هذه‭ ‬الأهداف‭ ‬بعبارات‭ ‬موجزة‭ ‬ومحكمة،‭ ‬ما‭ ‬جعلها‭ ‬واضحة‭ ‬لجموع‭ ‬الشعب‭ ‬وليس‭ ‬النخب‭ ‬الثقافية‭ ‬والفكرية‭ ‬فقط،‭ ‬وقاد‭ ‬ذلك‭ ‬الى‭ ‬سرعة‭ ‬التفاف‭ ‬القطاعات‭ ‬العريضة‭ ‬من‭ ‬الشعب‭ ‬المصري‭ ‬حول‭ ‬الثورة‭ ‬والمسارعة‭ ‬الى‭ ‬تأييدها‭ ‬عبر‭ ‬البيانات‭ ‬والتحركات‭ ‬الجماهيرية‭.‬

وكانت‭ ‬أهداف‭ ‬ثورة‭ ‬يوليو‭ ‬على‭ ‬النحو‭ ‬التالي‭:‬

-1‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬الاستعمار‭ ‬وأعوانه‭.‬

-2‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬الإقطاع‭.‬

-3‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬الاحتكار‭ ‬وسيطرة‭ ‬رأس‭ ‬المال‭.‬

-4‭ ‬إقامة‭ ‬عدالة‭ ‬اجتماعية‭.‬

-5‭ ‬إقامة‭ ‬جيش‭ ‬وطني‭ ‬قوى‭.‬

-6‭ ‬إقامة‭ ‬حياة‭ ‬ديمقراطية‭ ‬سليمة‭.‬

كانت‭ ‬القيمة‭ ‬الكبرى‭ ‬لهذه‭ ‬الأهداف‭ ‬والمبادئ‭ ‬انها‭ ‬عبرت‭ ‬بصدق‭ ‬عن‭ ‬تطلعات‭ ‬جموع‭ ‬المصريين،‭ ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬تترجم‭ ‬قراءة‭ ‬عميقة‭ ‬للواقع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والسياسي‭ ‬والاقتصادي‭ ‬المصري‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬ثورة‭ ‬1952،‭ ‬وإذا‭ ‬كنا‭ ‬قد‭ ‬اوضحنا‭ ‬ما‭ ‬قامت‭ ‬به‭ ‬الثورة‭ ‬لتحقيق‭ ‬الهدف‭ ‬الأول‭ ‬وهو‭ ‬التحرر‭ ‬من‭ ‬المستعمر‭ ‬البريطاني،‭ ‬فإن‭ ‬الأهداف‭ ‬الأخرى‭ ‬شكلت‭ ‬وحدة‭ ‬متكاملة‭ ‬لمشروع‭ ‬نهوض‭ ‬وطني‭ ‬حضاري‭ ‬مصري‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬مبادئ‭ ‬الحرية‭ ‬والكرامة‭ ‬والعدالة‭ ‬والمساوة،‭ ‬والسعي‭ ‬لتغيير‭ ‬الواقع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬كله‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬من‭ ‬مجتمع‭ ‬النصف‭ ‬في‭ ‬المائة،‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬يطلق‭ ‬عليه‭ ‬لوجود‭ ‬طبقة‭ ‬قليلة‭ ‬في‭ ‬رأس‭ ‬الهرم‭ ‬الاجتماعي‭ ‬تتمتع‭ ‬بكل‭ ‬الحقوق‭ ‬والامتيازات‭ ‬فيما‭ ‬تعاني‭ ‬القطاعات‭ ‬العريضة‭ ‬من‭ ‬الشعب‭ ‬من‭ ‬ويلات‭ ‬مثلث‭ ‬‮«‬الجهل‭ ‬والفقر‭ ‬والمرض‮»‬،‭ ‬الى‭ ‬إحداث‭ ‬ثورة‭ ‬كبرى‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬أرجاء‭ ‬البلاد‭ ‬بالتوجه‭ ‬الى‭ ‬بناء‭ ‬مجتمع‭ ‬‮«‬الكفاية‭ ‬والعدل‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬أصبح‭ ‬عنوان‭ ‬السياسات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬للثورة،‭ ‬أي‭ ‬بناء‭ ‬مجتمع‭ ‬تنال‭ ‬فيه‭ ‬جميع‭ ‬فئات‭ ‬المجتمع‭ ‬نصيبا‭ ‬عادلا‭ ‬من‭ ‬الثروة‭ ‬الوطنية‭ ‬بما‭ ‬يمكنها‭ ‬من‭ ‬تغطية‭ ‬كل‭ ‬الاحتياجات‭ ‬المعيشية‭ ‬الأساسية‭ ‬بشكل‭ ‬كاف‭ ‬وعادل،‭ ‬وعلى‭ ‬أساس‭ ‬من‭ ‬الانصاف‭ ‬والمساواة‭ ‬وبلا‭ ‬تمييز‭ ‬طبقي‭ ‬أو‭ ‬وجود‭ ‬للنزعات‭ ‬الفوقية‭ ‬او‭ ‬الاستعلاء‭ ‬على‭ ‬الفقراء‭.‬

لقد‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬شأن‭ ‬تحقيق‭ ‬الأهداف‭ ‬الستة‭ ‬لثورة‭ ‬يوليو‭ ‬أن‭ ‬يملك‭ ‬المصريون‭ ‬حرية‭ ‬قرارهم،‭ ‬وان‭ ‬يكونوا‭ ‬أصحاب‭ ‬سلطة‭ ‬حقيقية‭ ‬على‭ ‬بلادهم‭ ‬ودولتهم‭ ‬وثرواتهم‭ ‬الزراعية‭ ‬والمصرفية‭ ‬والصناعية،‭ ‬وعلى‭ ‬قناة‭ ‬السويس‭ ‬أهم‭ ‬مواردهم‭ ‬المالية،‭ ‬وذلك‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬طبقة‭ ‬اجنبية‭ ‬كانت‭ ‬تتمتع‭ ‬بامتيازات‭ ‬غير‭ ‬محدودة‭ ‬وكانت‭ ‬متحالفة‭ ‬مع‭ ‬طبقة‭ ‬الاعيان‭ ‬وكبار‭ ‬الرأسماليين‭ ‬والاقطاعيين،‭ ‬وتهيمن‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬مفاصل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المصري،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أشار‭ ‬إليه‭ ‬البيان‭ ‬رقم‭ ‬واحد‭ ‬للثورة‭ ‬من‭ ‬ضرورة‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬الاقطاع‭ ‬والاحتكار‭ ‬وسيطرة‭ ‬رأس‭ ‬المال‭.‬

واذا‭ ‬كان‭ ‬بناء‭ ‬جيش‭ ‬وطني‭ ‬قوي‭ ‬أمرا‭ ‬حتميا،‭ ‬بعد‭ ‬التجربة‭ ‬المريرة‭ ‬للضباط‭ ‬الاحرار‭ ‬الذين‭ ‬خاضوا‭ ‬حرب‭ ‬عام‭ ‬1948‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تحرير‭ ‬فلسطين‭ ‬وانتهت‭ ‬الى‭ ‬هزيمة‭ ‬كل‭ ‬الجيوش‭ ‬العربية‭ ‬أمام‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يطلق‭ ‬عليه‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬العصابات‭ ‬الصهيونية،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬شكل‭ ‬صدمة‭ ‬كبرى‭ ‬للعرب‭ ‬جميعا‭ ‬وللشعب‭ ‬المصري‭ ‬خصوصا،‭ ‬واوجد‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الغليان‭ ‬في‭ ‬صفوف‭ ‬الجيش‭ ‬المصري‭ ‬قادت‭ ‬الى‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬الثورة‭ ‬من‭ ‬اجل‭ ‬اصلاح‭ ‬الأوضاع‭ ‬المختلة‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬والتي‭ ‬انعكست‭ ‬سلبا‭ ‬على‭ ‬الجيش‭ ‬المصري‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬1848‭ ‬نتيجة‭ ‬تحكم‭ ‬المستعمر‭ ‬البريطاني‭ ‬في‭ ‬نوعية‭ ‬وحجم‭ ‬الأسلحة‭ ‬التي‭ ‬يتم‭ ‬تزويد‭ ‬الجيش‭ ‬بها،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬موازين‭ ‬القوى‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬لصالح‭ ‬العصابات‭ ‬الصهيونية‭.‬

لهذا‭ ‬كله،‭ ‬كان‭ ‬طبيعيا‭ ‬ان‭ ‬يدرك‭ ‬الضباط‭ ‬الاحرار‭ ‬ان‭ ‬إقامة‭ ‬جيش‭ ‬وطني‭ ‬قوي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتحقق‭ ‬الا‭ ‬بالتخلص‭ ‬من‭ ‬المستعمر‭ ‬البريطاني‭ ‬وإنهاء‭ ‬سطوته‭ ‬في‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شؤون‭ ‬الحياة‭ ‬المصرية،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬قدرات‭ ‬الجيش‭ ‬الوطني‭ ‬المصري‭ ‬ونوعية‭ ‬السلاح‭ ‬الذي‭ ‬يجب‭ ‬ان‭ ‬يتوافر‭ ‬له‭. ‬كما‭ ‬ان‭ ‬الجيش‭ ‬الوطني‭ ‬القوي‭ ‬هو‭ ‬القادر‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬الاستقلال‭ ‬الوطني‭ ‬والتصدي‭ ‬لتهديدات‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭.‬

الديمقراطية‭ ‬والعدالة‭ ‬الاجتماعية

وإذا‭ ‬كان‭ ‬البعض‭ ‬يوجه‭ ‬انتقادات‭ ‬لثورة‭ ‬يوليو‭ ‬بانها‭ ‬أخفقت‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬أهدافها‭ ‬وهو‭ ‬الهدف‭ ‬السادس‭ ‬بإقامة‭ ‬حياة‭ ‬ديمقراطية‭ ‬سليمة،‭ ‬وخاصة‭ ‬انه‭ ‬حدث‭ ‬جدال‭ ‬داخل‭ ‬مجلس‭ ‬قيادة‭ ‬الثورة‭ ‬الذي‭ ‬شكله‭ ‬الضباط‭ ‬الاحرار‭ ‬لقيادة‭ ‬البلاد‭ ‬بعد‭ ‬نجاح‭ ‬الثورة‭ ‬حول‭ ‬المسألة‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬وما‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬عمله‭ ‬لتحقيق‭ ‬هذا‭ ‬الهدف،‭ ‬وخاصة‭ ‬حول‭ ‬فكرة‭ ‬انسحاب‭ ‬الجيش‭ ‬والعودة‭ ‬إلى‭ ‬الثكنات‭ ‬العسكرية‭ ‬بعد‭ ‬إسقاط‭ ‬النظام‭ ‬السابق‭ ‬وإعلان‭ ‬قيام‭ ‬النظام‭ ‬الجمهوري‭.‬

والواقع،‭ ‬ان‭ ‬غالبية‭ ‬الضباط‭ ‬الأحرار‭ ‬وعلى‭ ‬رأسهم‭ ‬جمال‭ ‬عبدالناصر‭ ‬كانوا‭ ‬يخشون‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬إعادة‭ ‬الحكم‭ ‬للمدنيين‭ ‬وانسحاب‭ ‬الضباط‭ ‬الاحرار‭ ‬من‭ ‬الحكم‭ ‬والحياة‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬سوف‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬إفشال‭ ‬أهداف‭ ‬الثورة‭ ‬وإلى‭ ‬إعادة‭ ‬الأوضاع‭ ‬المختلة‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬السياسية‭ ‬من‭ ‬فساد‭ ‬الأحزاب‭ ‬وتلاعبها‭ ‬بالأوضاع‭ ‬السياسية‭ ‬والقضايا‭ ‬الاجتماعية‭ ‬بهدف‭ ‬تحقيق‭ ‬مصالحها‭ ‬الأنانية‭ ‬الخاصة‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬هموم‭ ‬وطموحات‭ ‬القطاعات‭ ‬العريضة‭ ‬من‭ ‬الشعب‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تمتلك‭ ‬تلك‭ ‬الاحزاب‭ ‬مشروعا‭ ‬وطنيا‭ ‬شاملا‭ ‬للإصلاح‭ ‬والنهضة‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬العدالة‭ ‬والانصاف‭ ‬والانحياز‭ ‬للطبقات‭ ‬الفقيرة‭.‬

وكانت‭ ‬الرؤية‭ ‬الحاكمة‭ ‬التي‭ ‬تبناها‭ ‬جمال‭ ‬عبدالناصر‭ ‬واتفقت‭ ‬معه‭ ‬غالبية‭ ‬الضباط‭ ‬الاحرار‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تحقيق‭ ‬الهدف‭ ‬السادس‭ ‬للثورة‭ ‬بإقامة‭ ‬حياة‭ ‬ديمقراطية‭ ‬‮«‬سليمة‮»‬‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬إحداث‭ ‬ثورة‭ ‬اجتماعية‭ ‬جذرية‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬توسع‭ ‬قاعدة‭ ‬القادرين‭ ‬على‭ ‬الانخراط‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬السياسية‭ ‬والمشاركة‭ ‬الديمقراطية‭ ‬عبر‭ ‬توسيع‭ ‬قاعدة‭ ‬الطبقة‭ ‬الوسطى‭ ‬وإصلاح‭ ‬أوضاع‭ ‬الطبقات‭ ‬الفقيرة‭ ‬التي‭ ‬تشكل‭ ‬غالبية‭ ‬الشعب‭ ‬والمجتمع‭.‬

ولكي‭ ‬يصل‭ ‬المجتمع‭ ‬المصري‭ ‬الى‭ ‬وضعية‭ ‬تمكنه‭ ‬من‭ ‬ممارسة‭ ‬حياة‭ ‬ديمقراطية‭ ‬‮«‬سليمة‮»‬،‭ ‬ولا‭ ‬تكون‭ ‬‮«‬ديمقراطية‭ ‬الأغنياء‮»‬،‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬سائدا‭ ‬قبل‭ ‬عام‭ ‬1952،‭ ‬فلا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬الإسراع‭ ‬بتطبيق‭ ‬السياسات‭ ‬الإصلاحية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬للثورة‭ ‬وفي‭ ‬طليعتها‭ ‬مجانية‭ ‬التعليم‭ ‬وتحسين‭ ‬أوضاع‭ ‬العمال،‭ ‬وتنفيذ‭ ‬الإصلاح‭ ‬الزراعي‭ ‬الذي‭ ‬يوسع‭ ‬قاعدة‭ ‬الملكية‭ ‬الزراعية‭ ‬لتشمل‭ ‬صغار‭ ‬الفلاحين،‭ ‬ولا‭ ‬تظل‭ ‬ملكية‭ ‬الأراضي‭ ‬الزراعية‭ ‬حكرا‭ ‬على‭ ‬كبار‭ ‬الرأسماليين‭ ‬والاقطاعيين‭ ‬الذين‭ ‬يمتلكون‭ ‬المال‭ ‬والنفوذ‭ ‬بما‭ ‬يمكنهم‭ ‬من‭ ‬الهيمنة‭ ‬على‭ ‬الانتخابات‭ ‬والعملية‭ ‬الديمقراطية‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬العمال‭ ‬والموظفين‭ ‬والفلاحين‭ ‬والفقراء‭.‬

وقد‭ ‬اشار‭ ‬الى‭ ‬هذه‭ ‬الإشكالية‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬المؤرخين‭ ‬المصريين‭ ‬المعاصرين‭ ‬وهو‭ ‬الدكتور‭ ‬عاصم‭ ‬الدسوقي،‭ ‬قائلا‭ ‬إن‭ ‬مصر‭ ‬كانت‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬التفاوت‭ ‬الطبقي‭ ‬قبل‭ ‬الثورة،‭ ‬وإن‭ ‬ذلك‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬أوضاع‭ ‬اجتماعية‭ ‬مختلة‭ ‬تنذر‭ ‬بوقوع‭ ‬احداث‭ ‬كبرى،‭ ‬مشيرا‭ ‬الى‭ ‬تقرير‭ ‬أمريكي‭ ‬رصد‭ ‬عام‭ ‬1949‭ ‬تردي‭ ‬الأوضاع‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬بدقة‭ ‬آنذاك،‭ ‬وأبرز‭ ‬ما‭ ‬جاء‭ ‬فيه‭ ‬‮«‬ملاحظة‭ ‬تفشي‭ ‬الرشاوى‭ ‬واتساع‭ ‬الفوارق‭ ‬الطبقية‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬بسوء‭ ‬بالغ،‭ ‬مما‭ ‬ينبئ‭ ‬بحدوث‭ ‬حدث‭ ‬سياسي‭ ‬وشيك‭ ‬وهو‭ ‬الأمر‭ ‬الذى‭ ‬يهدد‭ ‬بقاء‭ ‬الاستعمار‭ ‬الإنجليزي‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‮»‬‭.‬

وأوضح‭ ‬أن‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬كلمة‭ ‬‮«‬سليمة‮»‬‭ ‬في‭ ‬الهدف‭ ‬السادس‭ ‬للثورة‭ ‬أي‭ ‬‮«‬إقامة‭ ‬حياة‭ ‬ديمقراطية‭ ‬سليمة‮»‬‭ ‬تعني‭ ‬عدم‭ ‬الرضا‭ ‬او‭ ‬الاقتناع‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬قادة‭ ‬الثورة‭ ‬بالتجربة‭ ‬الديمقراطية‭ ‬قبل‭ ‬الثورة‭ ‬موضحًا‭ ‬أهمية‭ ‬لفظة‭ ‬‮«‬السليمة‮»‬،‭ ‬لأن‭ ‬الديمقراطية‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الثورة‭ ‬حرمت‭ ‬جماهير‭ ‬الشعب‭ ‬المصري‭ ‬من‭ ‬عمال‭ ‬وفلاحين‭ ‬من‭ ‬التقدم‭ ‬والتمتع‭ ‬بالحرية‭ ‬والديمقراطية،‭ ‬ذلك‭ ‬ان‭ ‬الوصول‭ ‬الى‭ ‬البرلمان‭ ‬والسلطة‭ ‬التشريعية‭ ‬من‭ ‬واقع‭ ‬قانون‭ ‬الانتخابات‭ ‬الذى‭ ‬صدر‭ ‬مع‭ ‬دستور‭ ‬عام‭ ‬1923‭ ‬كان‭ ‬ينص‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬يرشح‭ ‬نفسه‭ ‬لمجلس‭ ‬الشيوخ‭ ‬يكون‭ ‬ممن‭ ‬يدفع‭ ‬ضريبة‭ ‬أطيان‭ ‬زراعية‭ ‬قدرها‭ ‬150‭ ‬جنيهًا‭ ‬كتأمين،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مالكا‭ ‬لحوالي‭ ‬300‭ ‬من‭ ‬الأفدنة‭ ‬الزراعية‭ ‬على‭ ‬أقل‭ ‬تقدير،‭ ‬وقد‭ ‬بلغت‭ ‬الضريبة‭ ‬على‭ ‬الفدان‭ ‬الواحد‭ ‬آنذاك‭ ‬50‭ ‬قرشًا،‭ ‬مما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الرابح‭ ‬هو‭ ‬لا‭ ‬محالة‭ ‬سيكون‭ ‬من‭ ‬ملاك‭ ‬الأراضي‭ ‬الزراعية‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬اصطلح‭ ‬عليه‭ ‬آنذاك‭ ‬بعبارة‭ ‬‮«‬أصحاب‭ ‬الأطيان‮»‬،‭ ‬فكان‭ ‬جليًا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬القانون‭ ‬قد‭ ‬اختزل‭ ‬مجلس‭ ‬الأمة‭ ‬في‭ ‬ملاك‭ ‬الأراضي‭ ‬الزراعية‭ ‬وأصحاب‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬وخاصة‭ ‬‮«‬الإقطاعيين‮»‬،‭ ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬من‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬نجد‭ ‬جل‭ ‬القوانين‭ ‬التي‭ ‬صدرت‭ ‬من‭ ‬المجالس‭ ‬البرلمانية‭ ‬قبل‭ ‬الثورة‭ ‬كانت‭ ‬تصب‭ ‬في‭ ‬مصلحة‭ ‬الملاك،‭ ‬وعلى‭ ‬النقيض‭ ‬حاولت‭ ‬ثورة‭ ‬يوليو‭ ‬توسيع‭ ‬قاعدة‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬فبات‭ ‬للعمال‭ ‬والفلاحين‭ ‬مندوبون‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬الأمة‭ ‬بمجرد‭ ‬إجراء‭ ‬الانتخابات‭ ‬لأول‭ ‬مجلس‭ ‬أمة‭ ‬عام‭ ‬1957،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يضاف‭ ‬الى‭ ‬أهم‭ ‬مكاسب‭ ‬ثورة‭ ‬يوليو‭.‬

الجدل‭ ‬حول‭ ‬‮«‬هوية‭ ‬القومية‭ ‬العربية‮»‬

يمكن‭ ‬القول‭ ‬بأن‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬القضايا‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تشغل‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬والمجتمعات‭ ‬العربية،‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬انهيار‭ ‬الدولة‭ ‬العثمانية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تسيطر‭ ‬على‭ ‬معظم‭ ‬البلاد‭ ‬العربية‭ ‬قرونا،‭ ‬هو‭ ‬الجدل‭ ‬حول‭ ‬الهوية‭ ‬الوطنية‭ ‬ونشوء‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬هويات‭ ‬بديلة‭ ‬لهوية‭ ‬الخلافة‭ ‬العثمانية‭ ‬الإسلامية‭ ‬وطابعها‭ ‬التركي،‭ ‬وخاصة‭ ‬بعد‭ ‬سقوط‭ ‬الخلافة‭ ‬العثمانية‭ ‬عام‭ ‬1924‭.‬

ففي‭ ‬بلاد‭ ‬الشام‭ ‬ظهرت‭ ‬أفكار‭ ‬القومية‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬سياسات‭ ‬التتريك،‭ ‬وفي‭ ‬مصر‭ ‬اندلع‭ ‬نقاش‭ ‬وجدال‭ ‬امتد‭ ‬طويلا‭ ‬حول‭ ‬هوية‭ ‬مصر،‭ ‬وهل‭ ‬هي‭ ‬إسلامية‭ ‬ام‭ ‬فرعونية‭ ‬ام‭ ‬عربية‭ ‬ام‭ ‬بحر‭ ‬متوسطية‭ ‬وغير‭ ‬ذلك،‭ ‬وفي‭ ‬بلاد‭ ‬المغرب‭ ‬العربي‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬تنازع‭ ‬بين‭ ‬الهوية‭ ‬العربية‭ ‬الإسلامية‭ ‬والهوية‭ ‬الامازيغية‭.‬

ولا‭ ‬بد‭ ‬هنا‭ ‬من‭ ‬إلقاء‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الجدل‭ ‬لأهميته‭ ‬في‭ ‬إبراز‭ ‬ما‭ ‬قامت‭ ‬به‭ ‬ثورة‭ ‬يوليو‭ ‬وقائدها‭ ‬جمال‭ ‬عبدالناصر‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭.‬

فقد‭ ‬تنازعت‭ ‬المصريين‭ ‬في‭ ‬النصف‭ ‬الاول‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬خمس‭ ‬هويات‭ ‬وانتماءات‭ ‬متناقضة‭ ‬ومتضاربة‭: ‬فرعونية،‭ ‬وإسلامية،‭ ‬وإفريقية،‭ ‬ومتوسطية‭ - ‬أوروبية،‭ ‬وآخرها‭ ‬عربية‭. ‬وكان‭ ‬أقوى‭ ‬الاتجاهات‭ ‬بينها‭ ‬اعتقاد‭ ‬المصريين‭ ‬أنهم‭ (‬أمة‭ ‬قائمة‭ ‬بذاتها‭) ‬تتحدث‭ ‬بلسان‭ ‬عربي،‭ ‬ولكنها‭ ‬ليس‭ ‬بالضرورة‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬أمة‭ ‬عربية‭.‬

كان‭ ‬المؤمنون‭ ‬بالانتماء‭ ‬القومي‭ ‬العربي‭ ‬أقلية‭ ‬مثل‭ ‬أحمد‭ ‬حسن‭ ‬الزيات‭ ‬ومصطفى‭ ‬صادق‭ ‬الرافعي،‭ ‬وأحمد‭ ‬أمين،‭ ‬وأحمد‭ ‬عبد‭ ‬القادر‭ ‬المازني،‭ ‬وعبدالرحمن‭ ‬عزام‭ (‬الذي‭ ‬أصبح‭ ‬أول‭ ‬أمين‭ ‬عام‭ ‬للجامعة‭ ‬العربية‭ ‬عند‭ ‬إنشائها‭ ‬عام‭ ‬1945‭). ‬

أما‭ ‬كبار‭ ‬الأدباء‭ ‬والمفكرين‭ ‬فكانوا‭ ‬بين‭ ‬معاد‭ ‬للعروبة‭ ‬أو‭ ‬منكر‭ ‬لها،‭ ‬أو‭ ‬قائل‭ ‬إن‭ ‬المصريين‭ ‬فراعنة،‭ ‬أو‭ ‬أمة‭ ‬قائمة‭ ‬بذاتها،‭ ‬وكان‭ ‬من‭ ‬أبرزهم‭ ‬سلامة‭ ‬موسى‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يدافع‭ ‬عن‭ ‬التمسك‭ ‬بالهوية‭ ‬الفرعونية‭ ‬،‭ ‬ولويس‭ ‬عوض‭ ‬،‭ ‬وقاسم‭ ‬أمين،‭ ‬وأحمد‭ ‬لطفي‭ ‬السيد،‭ ‬وأكثر‭ ‬من‭ ‬عبر‭ ‬عنهم‭ ‬عميد‭ ‬الأدب‭ ‬العربي‭ ‬طه‭ ‬حسين‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬أهم‭ ‬مفكري‭ ‬مصر‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الحقبة‭. ‬وقد‭ ‬أدلى‭ ‬طه‭ ‬حسين‭ ‬بأحاديث‭ ‬وكتب‭ ‬مقالات‭ ‬كثيرة‭ ‬كرر‭ ‬فيها‭ ‬رفضه‭ ‬وصف‭ ‬مصر‭ ‬بالعربية‭.. ‬وذات‭ ‬مرة‭ ‬كتب‭ ‬بعض‭ ‬الكتاب‭ ‬داعيا‭ ‬إلى‭ ‬وحدة‭ ‬عربية‭ ‬تنضم‭ ‬إليها‭ ‬مصر،‭ ‬فرد‭ ‬عليهم‭ ‬طه‭ ‬حسين‭ ‬بقوله‭: ‬‮«‬إن‭ ‬المصريين‭ ‬لا‭ ‬يتصورون‭ ‬اشتراكهم‭ ‬في‭ ‬إمبراطورية‭ ‬عربية‭ ‬مهما‭ ‬يكن‭ ‬مستقرها،‭ ‬ومهما‭ ‬يكن‭ ‬شكلها،‭ ‬ومهما‭ ‬تكن‭ ‬نظم‭ ‬الحكم‭ ‬فيها‮»‬‭.‬

‭ ‬وأكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك؛‭ ‬فقد‭ ‬ذهب‭ ‬طه‭ ‬حسين‭ ‬بعيدا‭ ‬في‭ ‬أطروحاته‭ ‬بمحاولة‭ ‬جعل‭ ‬مصر‭ ‬تنتمي‭ ‬الى‭ ‬الهوية‭ ‬‮«‬البحر‭ ‬متوسطية‮»‬‭ ‬وجعلها‭ ‬امتدادا‭ ‬للثقافة‭ ‬اليونانية‭ ‬الإغريقية،‭ ‬كما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬الشهير‭ ‬‮«‬مستقبل‭ ‬الثقافة‭ ‬في‭ ‬مصر‮»‬‭ ‬الصادر‭ ‬عام‭ ‬1938‭.‬

‭ ‬وقد‭ ‬أثار‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬لطه‭ ‬حسين‭ ‬جدلاً‭ ‬واسعاً‭ ‬كونه‭ ‬دعا‭ ‬إلى‭ ‬اعتبار‭ ‬مصر‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬المنظومة‭ ‬الحضارية‭ ‬الغربية‭ (‬الأوروبية‭) ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬العقلانية‭ ‬والعلم،‭ ‬ورأى‭ ‬طه‭ ‬حسين‭ ‬أن‭ ‬العقل‭ ‬المصري‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬الفكر‭ ‬اليوناني‭ ‬والأوروبي‭ ‬منه‭ ‬إلى‭ ‬الشرق‭ ‬الآسيوي‭.‬

لذلك‭ ‬اعتبر‭ ‬المنتقدون‭ ‬هذا‭ ‬الطرح‭ ‬تهديداً‭ ‬للهوية‭ ‬العربية‭ ‬والإسلامية‭ ‬ومحاولة‭ ‬‮«‬تغريب‮»‬‭ ‬للمجتمع‭ ‬المصري،‭ ‬كما‭ ‬اعتبره‭ ‬المحافظون‭ ‬والأزهر‭ ‬الشريف‭ ‬انسلاخاً‭ ‬من‭ ‬الدين‭ ‬والقيم‭ ‬الشرقية،‭ ‬بينما‭ ‬أيده‭ ‬المدافعون‭ ‬لرؤيته‭ ‬التحديثية‭.‬

وحتى‭ ‬عباس‭ ‬محمود‭ ‬العقاد‭ ‬لم‭ ‬يزد‭ ‬على‭ ‬اعتبار‭ ‬مصر‭ ‬أمة‭ ‬قائمة‭ ‬بذاتها،‭ ‬تربطها‭ ‬ثقافة‭ ‬مشتركة‭ ‬ببقية‭ ‬العرب‭ ‬ومثله‭ ‬عبدالقادر‭ ‬حمزة،‭ ‬وفتحي‭ ‬رضوان،‭ ‬وزكي‭ ‬مبارك‭.‬

ولنا‭ ‬أن‭ ‬نبدي‭ ‬هنا،‭ ‬كل‭ ‬علامات‭ ‬الدهشة‭ ‬من‭ ‬آراء‭ ‬قامة‭ ‬فكرية‭ ‬كبيرة‭ ‬مثل‭ ‬طه‭ ‬حسين‭ ‬عميد‭ ‬الأدب‭ ‬العربي‭ ‬التي‭ ‬تحاول‭ ‬إبعاد‭ ‬الهوية‭ ‬العربية‭ ‬عن‭ ‬مصر‭ ‬وإلصاقها‭ ‬بهوية‭ ‬ثقافية‭ ‬غربية‭ ‬إغريقية،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يعكس‭ ‬عمق‭ ‬الازمة‭ ‬الفكرية‭ ‬حول‭ ‬هوية‭ ‬مصر‭ ‬حتى‭ ‬لدى‭ ‬عمالقة‭ ‬الفكر‭ ‬المصري‭ ‬ونخبة‭ ‬المثقفين‭ ‬قبل‭ ‬ثورة‭ ‬يوليو‭.‬

أمام‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬المأزوم‭ ‬والمضطرب‭ ‬كان‭ ‬أول‭ ‬ما‭ ‬قامت‭ ‬به‭ ‬ثورة‭ ‬يوليو‭ ‬هو‭ ‬حسم‭ ‬اشكالية‭ ‬الهوية‭ ‬وانتماء‭ ‬مصر‭ ‬القومي،‭ ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬لأن‭ ‬الضباط‭ ‬الاحرار‭ ‬الذين‭ ‬قاموا‭ ‬بالثورة‭ ‬بقيادة‭ ‬جمال‭ ‬عبدالناصر‭ ‬هم‭ ‬مصريون‭ ‬عروبيون،‭ ‬فاستعادوا‭ ‬للمرة‭ ‬الاولى‭ ‬بعد‭ ‬مئات‭ ‬الأعوام‭ ‬حكم‭ ‬مصر،‭ ‬وانحازوا‭ ‬لانتماء‭ ‬مصر‭ ‬العروبي‭.‬

وهنا‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬الإشادة‭ ‬بالرؤية‭ ‬التاريخية‭ ‬والفكرية‭ ‬المتقدمة‭ ‬لجمال‭ ‬عبدالناصر‭ ‬ضابط‭ ‬الجيش‭ ‬الشاب‭ ‬الذي‭ ‬أدرك‭ ‬أهمية‭ ‬الهوية‭ ‬القومية‭ ‬العربية‭ ‬لمصر،‭ ‬وأنها‭ ‬ليست‭ ‬فقط‭ ‬تعبيرا‭ ‬عن‭ ‬هوية‭ ‬ثقافية‭ ‬أصيلة‭ ‬وحقيقية‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬الوعي‭ ‬الحقيقي‭ ‬للشعب‭ ‬المصري،‭ ‬ولكنها‭ ‬أيضا‭ ‬ضرورة‭ ‬استراتيجية‭ ‬لحماية‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬المصري‭ ‬الذي‭ ‬يمتد‭ ‬تاريخيا‭ ‬إلى‭ ‬المشرق‭ ‬العربي‭ ‬وأقصى‭ ‬حدود‭ ‬بلاد‭ ‬الشام‭ ‬منذ‭ ‬العصر‭ ‬الفرعوني‭ ‬مرورا‭ ‬بالعصور‭ ‬الإسلامية‭ ‬والتصدي‭ ‬للغزوات‭ ‬الصليبية‭ ‬والمغولية‭ ‬ووصولا‭ ‬إلى‭ ‬مواجهة‭ ‬الغزوة‭ ‬الصهيونية‭ ‬في‭ ‬فلسطين‭ ‬المحتلة‭ ‬التي‭ ‬أرادها‭ ‬الغرب‭ ‬الاستعماري‭ ‬بمثابة‭ ‬‮«‬حصان‭ ‬طروادة‮»‬‭ ‬لإجهاض‭ ‬كل‭ ‬التطلعات‭ ‬العربية‭ ‬إلى‭ ‬الوحدة‭ ‬مفتاح‭ ‬قوة‭ ‬العرب‭ ‬ومصدر‭ ‬صعودهم‭ ‬الحضاري‭.‬

جدل‭ ‬الهوية‭ ‬بين‭ ‬المشرق‭ ‬والمغرب

ولم‭ ‬يكن‭ ‬المشرق‭ ‬العربي‭ ‬مهد‭ ‬الدعوة‭ ‬والاحياء‭ ‬للفكرة‭ ‬القومية‭ ‬العربية‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة،‭ ‬رغم‭ ‬ان‭ ‬معظم‭ ‬آباء‭ ‬الفكر‭ ‬القومي‭ ‬كانوا‭ ‬من‭ ‬بلاد‭ ‬المشرق‭ ‬العربي‭ ‬والشام‭ ‬مثل‭ ‬ساطع‭ ‬الحصري‭ ‬وعبدالرحمن‭ ‬الكواكبي‭ ‬وقسطنطين‭ ‬زريق‭ ‬وزكي‭ ‬الأرسوزي‭ ‬ومحمد‭ ‬عزة‭ ‬دروزة‭ ‬وميشيل‭ ‬عفلق،‭ ‬وهم‭ ‬الذين‭ ‬نادوا‭ ‬بالوحدة‭ ‬العربية‭ ‬الشاملة‭.‬

فقد‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬فكرة‭ ‬‮«‬القومية‭ ‬السورية‮»‬‭ ‬التي‭ ‬صاغها‭ ‬انطون‭ ‬سعادة‭ ‬مؤسس‭ ‬الحزب‭ ‬القومي‭ ‬السوري‭ ‬وكان‭ ‬فيها‭ ‬انحياز‭ ‬متطرف‭ ‬للقومية‭ ‬السورية‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الهوية‭ ‬القومية‭ ‬العربية،‭ ‬وقد‭ ‬تبنى‭ ‬أفكار‭ ‬انطون‭ ‬سعادة‭ ‬بدرجات‭ ‬وأشكال‭ ‬متباينة‭ ‬بعض‭ ‬فلاسفة‭ ‬التيارات‭ ‬الاخرى‭ ‬كالمارونية‭ ‬السياسية،‭ ‬التي‭ ‬ارتكزت‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬شعوب‭ ‬سورية‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬لهم‭ ‬بالعرب‭ ‬وينتمون‭ ‬الى‭ ‬حضارة‭ ‬مختلفة‭ ‬وعنصر‭ ‬بشري‭ ‬مميز،‭ ‬ويستشهدون‭ ‬بأبحاث‭ ‬بيولوجية‭ ‬وروايات‭ ‬تاريخية‭ ‬مضللة‭ ‬تحط‭ ‬من‭ ‬شأن‭ ‬العرب،‭ ‬وتحط‭ ‬من‭ ‬قدرهم‭ ‬عنصريا‭ ‬ومن‭ ‬قدر‭ ‬حضارتهم‭!‬

ولكن‭ ‬حقبة‭ ‬النضال‭ ‬القومي‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬ثورة‭ ‬يوليو‭ ‬التي‭ ‬قادها‭ ‬جمال‭ ‬عبدالناصر‭ ‬حفلت‭ ‬بنضالات‭ ‬جماهيرية‭ ‬قومية‭ ‬وإنجازات‭ ‬وتحولات‭ ‬كبرى‭ ‬أسقطت‭ ‬الأطروحات‭ ‬والمقولات‭ ‬والنظريات‭ ‬المعادية‭ ‬للعروبة‭. ‬فكانت‭ ‬حصيلتها‭ ‬نقلة‭ ‬نوعية‭ ‬كبيرة،‭ ‬بالمعايير‭ ‬التاريخية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والفكرية،‭ ‬إذ‭ ‬حسمت‭ ‬الحركة‭ ‬القومية‭ ‬العربية‭ ‬حالة‭ ‬الازدواجية‭ ‬والفصام‭ ‬بين‭ ‬الهويات‭ ‬المتناقضة‭ ‬والمضطربة‭ ‬والمتصارعة‭ ‬في‭ ‬المشرق‭ ‬العربي،‭ ‬بحيث‭ ‬أصبح‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬ستينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬يعون‭ ‬ذاتهم‭ ‬كأمة‭ ‬واضحة‭ ‬الهوية‭ ‬القومية،‭ ‬ومحددة‭ ‬الأهداف،‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬السعي‭ ‬نحو‭ ‬إقامة‭ ‬كيان‭ ‬سياسي‭ ‬موحد‭.‬

وحتى‭ ‬في‭ ‬بلاد‭ ‬المغرب‭ ‬العربي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬ثمة‭ ‬تأثير‭ ‬قوي‭ ‬للأفكار‭ ‬والاطروحات‭ ‬التي‭ ‬روجت‭ ‬لها‭ ‬الثقافة‭ ‬الفرنسية‭ ‬طويلا‭ ‬للادعاء‭ ‬أن‭ ‬سكان‭ ‬المغرب‭ ‬الاصليين‭ ‬من‭ ‬الامازيغ‭ ‬هم‭ ‬شعوب‭ ‬أوروبية‭ ‬هاجرت‭ ‬قديما‭ ‬الى‭ ‬الضفة‭ ‬الجنوبية‭ ‬للبحر‭ ‬المتوسط،‭ ‬وهم‭ ‬الآن‭ ‬شعوب‭ ‬قريبة‭ ‬من‭ ‬الأوروبيين‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬قربهم‭ ‬إلى‭ ‬العرب‭ ‬القادمين‭ ‬من‭ ‬الجزيرة‭ ‬العربية‭ ‬بثقافتهم‭ ‬الصحراوية‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬الاسلام‭.‬

فقد‭ ‬أعادت‭ ‬الثورة‭ ‬الجزائرية‭ ‬بدعم‭ ‬مصر‭ ‬والعرب‭ ‬تعريب‭ ‬الجزائريين،‭ ‬وفجرت‭ ‬الوعي‭ ‬بالروابط‭ ‬التي‭ ‬تجمعهم‭ ‬بالعرب،‭ ‬بمن‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬شعوب‭ ‬وقبائل‭ ‬الامازيغ‭ ‬التي‭ ‬ظهر‭ ‬فيها‭ ‬علماء‭ ‬ومؤرخون‭ ‬أكدوا‭ ‬أن‭ ‬الامازيغ‭ ‬وفدوا‭ ‬من‭ ‬اليمن،‭ ‬وليس‭ ‬من‭ ‬أوروبا‭ ‬قبل‭ ‬آلاف‭ ‬السنين،‭ ‬في‭ ‬طليعتهم‭ ‬اللغوي‭ ‬والمؤرخ‭ ‬البارز‭ ‬عثمان‭ ‬السعدي،‭ ‬وأصبح‭ ‬الامازيغ‭ ‬قادة‭ ‬للحركات‭ ‬القومية‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬الجزائر‭ ‬والمغرب‭ ‬وتونس‭ ‬كالأمير‭ ‬عبدالكريم‭ ‬الخطابي‭ ‬وعلال‭ ‬الفاسي‭ ‬وعبدالحميد‭ ‬بن‭ ‬باديس‭ ‬ومصالي‭ ‬الحاج،‭ ‬والبشير‭ ‬الابراهيمي‭ ‬وحسين‭ ‬آيت‭ ‬أحمد،‭ ‬وهواري‭ ‬بومدين‭ ‬وعبدالعزيز‭ ‬بوتفليقة‭ ‬والأخضر‭ ‬الابراهيمي‭!‬

هذا‭ ‬الإنجاز‭ ‬التاريخي‭ ‬هو‭ ‬أبرز‭ ‬إنجازات‭ ‬الحركة‭ ‬القومية‭ ‬في‭ ‬النصف‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬بعد‭ ‬الانجاز‭ ‬الأول‭ ‬المتمثل‭ ‬بالانفكاك‭ ‬عن‭ ‬الحقبة‭ ‬العثمانية‭ ‬التي‭ ‬استمرت‭ ‬زهاء‭ ‬أربعة‭ ‬قرون،‭ ‬ثم‭ ‬التحرر‭ ‬من‭ ‬الاستعمار‭ ‬الأوروبي‭.‬

وبعد‭ ‬قيام‭ ‬الثورة‭ ‬وجمال‭ ‬عبدالناصر‭ ‬بتأميم‭ ‬القناة‭ ‬والانتصار‭ ‬على‭ ‬العدوان‭ ‬الثلاثي‭ ‬عام‭ ‬1956،‭ ‬انفجرت‭ ‬المشاعر‭ ‬القومية‭ ‬في‭ ‬الشارع‭ ‬العربي‭ ‬من‭ ‬المحيط‭ ‬الى‭ ‬الخليج،‭ ‬وأصبح‭ ‬هدف‭ ‬تحقيق‭ ‬الوحدة‭ ‬حلم‭ ‬كل‭ ‬الجماهير‭ ‬العربية،‭ ‬كما‭ ‬أسهم‭ ‬إنشاء‭ ‬إذاعة‭ ‬صوت‭ ‬العرب‭ ‬من‭ ‬القاهرة‭ ‬في‭ ‬زيادة‭ ‬الوعي‭ ‬العربي‭ ‬بالقضايا‭ ‬القومية،‭ ‬ولعبت‭ ‬خطابات‭ ‬الزعيم‭ ‬جمال‭ ‬عبدالناصر‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تذاع‭ ‬عبر‭ ‬الأثير‭ ‬من‭ ‬‮«‬صوت‭ ‬العرب‮»‬‭ ‬دورا‭ ‬كبيرا‭ ‬في‭ ‬تنشئة‭ ‬أجيال‭ ‬عربية‭ ‬تؤمن‭ ‬بالفكر‭ ‬القومي‭ ‬العربي‭ ‬وأهمية‭ ‬الوحدة‭ ‬العربية‭.‬

ولا‭ ‬شك،‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الميراث‭ ‬الخالد‭ ‬الذي‭ ‬صاغته‭ ‬ثورة‭ ‬يوليو‭ ‬وزعامة‭ ‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬هو‭ ‬الرصيد‭ ‬الحي‭ ‬المتجدد‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬كل‭ ‬أبناء‭ ‬الأمة‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬تضامن‭ ‬وترابط‭ ‬وجداني‭ ‬وعاطفي‭ ‬عميق‭ ‬كلما‭ ‬واجهت‭ ‬الامة‭ ‬العربية‭ ‬تحديات‭ ‬وتهديدات‭ ‬وجودية،‭ ‬ولهذا‭ ‬من‭ ‬المهم‭ ‬استثمار‭ ‬هذا‭ ‬الرصيد‭ ‬العروبي‭ ‬الوجداني‭ ‬والثقافي‭ ‬لإحياء‭ ‬مشاريع‭ ‬التكامل‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والسياسي‭ ‬والدفاعي‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬العمل‭ ‬العربي‭ ‬المشترك،‭ ‬لأن‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬السبيل‭ ‬الوحيد‭ ‬لحماية‭ ‬مقدرات‭ ‬الأمة‭ ‬العربية‭ ‬وحماية‭ ‬الأمن‭ ‬والمستقبل‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬لا‭ ‬يعترف‭ ‬إلا‭ ‬بالقوة‭ ‬والأقوياء‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا