لا يختلف القطاع العقاري عن غيره في إمكانية وقوعه ضحية عمليات مشروعة في مقدمتها غسل الأموال.. بل قد يكون من أكثر القطاعات جاذبية للمخالفين.
يعرف غسل الأموال في القطاع العقاري بأنه القيام بعمليات شراء أو بيع أو تطوير العقارات بهدف إخفاء المصدر غير المشروع للأموال، وإظهارها وكأنها أموال قانونية ناتجة عن استثمار عقاري مشروع.
فمثلا إذا حصل شخص على أموال من أنشطة غير قانونية كالاحتيال أو الاتجار بالمخدرات أو جرائم مالية، فإنه قد يستخدم هذه الأموال لشراء عقار، ثم يبيعه لاحقًا أو يؤجره، بحيث تبدو الأموال الناتجة عن البيع أو الإيجار وكأنها دخل مشروع من نشاط عقاري.
ويُعد القطاع العقاري من أكثر القطاعات عرضة لمحاولات غسل الأموال، وجاذبية لمن يسعون إلى إخفاء المصدر الحقيقي للأموال غير المشروعة. ويعود ذلك لعدة أسباب منها:
- ارتفاع قيمة الصفقات العقارية مقارنة بباقي القطاعات، مما يسمح بتحويل مبالغ كبيرة من الأموال في صفقة واحدة، بدلاً من تقسيمها إلى عشرات أو مئات العمليات الصغيرة.
- تحويل الأموال إلى أصول ملموسة يمكن الاحتفاظ بها أو بيعها أو تأجيرها. وبالتالي تبدو الأموال وكأنها ناتجة عن استثمار مشروع.
- إمكانية تحقيق أرباح ذات مظهر قانوني يصعب أحيانا رصده بسبب عمليات البيع والشراء والايجار.
- صعوبة تحديد القيمة الحقيقية للعقار، عكس السلع ذات الأسعار الثابتة. مما يتيح إمكانية المبالغة أو إخفاء جزء من الأموال أو تبرير تدفقات مالية غير اعتيادية.
- إمكانية تسجيل العقارات باسم شركات أو صناديق استثمارية أو وكلاء، مما يصعّب معرفة المستفيد الحقيقي من الصفقة إذا لم تكن هناك قواعد صارمة للإفصاح.
- سوق العقارات عابر للحدود. فكثير من الدول يستطيع المستثمر الأجنبي شراء وبيع العقارات وتحويل الأموال عبر الحدود، وهو ما يجعل القطاع جزءًا من حركة الأموال العالمية.
- الاحتفاظ بالقيمة العالية على المدى الطويل. وهذا ما يضمن إخفاء الأموال وتحقيق عائد استثماري في الوقت نفسه.
- تعدد الأطراف في المعاملات العقارية مثل الوسطاء والمطورين والمحامين والممولين، وهو ما يزيد من امكانية استغلال بعض الثغرات لإخفاء مصدر الأموال إذا لم تكن هناك إجراءات صارمة.
- الثغرات التنظيمية في بعض الأسواق. ففي حين يتميز القطاع المصرفي لرقابة صارمة وموحدة عالمياً، قد تعاني بعض الكثير من الأسواق العقارية من ضعف الرقابة على المهن غير المالية.
- إمكانية استخدام النقد في صفقات التطوير للبناء والتجديد خاصة لدفع أجور العمالة والمواد الخام والخدمات اللوجستية وغيرها، مما يصعب تتبعها بدقة.
ولكن على الرغم مما سبق، لا يعني ذلك أن القطاع العقاري بؤرة لغسل الأموال.
ويعتمد الأمر على طبيعة السوق والتشريعات والرقابة وقوانين الإفصاح.
صور الغسل
السؤال هنا: ما أبرز صور غسل الأموال في القطاع العقاري؟
في الواقع تتعدد أساليب المخالفين على الرغم في انها تشترك في هدف واحد هو إدخال أموال غير مشروعة في صفقات عقارية، لتحول الى أصول أو سيولة رسمية ذات مصدر شرعي ظاهرياً. ومن أكثر صور غسل الأموال في العقارات شيوعا:
- شراء العقارات بأموال غير مشروعة، ثم بيعها لاحقًا أو تأجيرها. فتظهر العائدات وكأنها أرباح مشروعة من استثمار عقاري.
- شراء العقارات بأسماء أشخاص أو شركات أخرى بهدف إخفاء المستفيد الحقيقي.
- التلاعب في قيمة العقار سواء بالمبالغة أو التقليل مع الاتفاق على مبالغ تُدفع خارج العقد، وبالتالي يتم نقل الأموال بطريقة يصعب تتبعها، مع إمكانية تبرير امتلاك أموال كبيرة، وإخفاء جزء من الأموال غير المشروعة.
- البيع والشراء المتكرر. حيث يُباع العقار عدة مرات خلال فترة قصيرة بين أطراف قد تكون مرتبطة ببعضها، مع تغيير الأسعار في كل عملية، بهدف إيجاد سلسلة معقدة من المعاملات يصعب على الجهات الرقابية تتبع مصدر النقد الأساسي فيها.
- استخدام التمويل العقاري بشكل صوري، مثل القروض والرهون. وهذا ما يجعل ظاهرها مشروعا، بينما تكون الأموال المستخدمة في السداد من مصادر غير مشروعة. وأحيانا يقوم غاسل الأموال بنقل أمواله غير المشروعة إلى حساب شركة صوريّة يمتلكها في دولة أخرى، ثم تقوم تلك الشركة بـ«إقراضه» هذه الأموال رسمياً لشراء عقار في بلده الأصلي. يظهر الأمر أمام السلطات والبنك كأنه استثمار أجنبي أو تمويل عقاري مشروع.
- الاستثمار في مشاريع التطوير العقاري عن طريق ضخ أموال غير مشروعة في إنشاء مشروع عقاري أو المشاركة في تطويره، ثم تُسترد لاحقًا على شكل أرباح أو عوائد تبدو قانونية.
- العقارات الفاخرة وهي من أكثر الأصول جاذبية بسبب ارتفاع قيمتها وإمكانية استخدام ملايين الدولارات في صفقة واحدة.
- اللجوء إلى شركات خارجية في أسواق توفر سرية عالية، مما يصعّب معرفة المالك الحقيقي.
- التلاعب في بند الإيجارات. كان يقوم الغاسل بشراء عقار استثماري ثم يسجل عقود إيجار بأسعار مبالغ فيها لمستأجرين وهميين. ويُودع المال غير المشروع شهرياً في البنك تحت مسمى إيرادات إيجارية منتظمة وموثقة.
- استخدام وسطاء أو وكلاء أو محامين أو شركات إدارة عقارية لإبعاد المالك الحقيقي عن المعاملة.
مؤشرات الغسل
عندما نتحدث عن بعض المؤشرات التي قد تدل على معاملات مشبوهة، فإن هذا لا يعني بالضرورة وجود جريمة أو اشكالية، ولكن عند توافر بعض هذه العلامات فإن الامر يتطلب المزيد من الحذر والتدقيق. ومن هذه المؤشرات التي يضعها المختصون:
شراء عقار نقدًا بمبالغ كبيرة من دون مبرر اقتصادي واضح.
شراء عقارات متعددة خلال فترة قصيرة.
بيع العقار بعد فترة وجيزة من دون سبب تجاري واضح.
استخدام شركات ذات هياكل ملكية معقدة أو غير شفافة.
اختلاف كبير بين سعر البيع والقيمة السوقية.
رفض المشتري الإفصاح عن المستفيد الحقيقي أو مصدر الأموال.
تحويل الأموال من دول أو حسابات لا تبدو مرتبطة بطبيعة الصفقة.
تأثيرات خطيرة
المشكلة في غسل الأموال بالقطاع العقاري أن الخطر لا يقتصر على الجوانب الأمنية أو القانونية فقط، بل يؤثر على الاقتصاد الكلي والاستقرار المالي ويخلق ما يصفه الاقتصاديون بتشوهات قاسية في آليات العرض والطلب والاستثمارات. ومن أبرز الآثار:
- تضخم وارتفاع أسعار العقارات. فغالبا يكون هدف المعاملات العقارية هنا هو إخفاء الأموال وليس تحقيق أفضل صفقة. وهذا ما يجعل المخالفين يقبلون على شراء العقارات بأسعار قد تكون أعلى من قيمتها الحقيقية بكثير. وهو ما يؤدي إلى ارتفاع تدريجي في الأسعار.
- التأثير على آليات العرض والطلب، لأن الطلب الناتج عن غسل الأموال ليس طلبًا حقيقيًا نابعًا من حاجة العملاء. وهذا ما يجعل السوق يعطي مؤشرات مضللة للمطورين والمستثمرين ويؤدي إلى قرارات استثمارية غير دقيقة.
- التأثير على إمكانيات ذوي الدخل المتوسط والمنخفض ويؤدي إلى تراجع القدرة على تملك المساكن، حيث ان ارتفاع الأسعار يجعل امتلاك المساكن أكثر صعوبة مع اتساع الفجوة بين الأسعار والدخول.
- توجيه الاستثمارات إلى قطاعات غير منتجة بدل توجيهها إلى قطاعات إنتاجية مثل الصناعة والمشروعات الصغيرة، مما يقلل من مساهمة هذه الأموال في النمو الاقتصادي الحقيقي.
- تقلبات السوق العقاري. حيث ان الأموال غير المشروعة قد تدخل السوق بسرعة ثم تختفي بذات السرعة بسبب تغير القوانين او تشديد الرقابة. مما يخلق موجات من الارتفاع والانخفاض المفاجئ في الأسعار.
- غياب المنافسة العادلة، لأن الأموال غير المشروعة قد لا تخضع للمعايير التي يخضع لها المستثمر الملتزم. فمثلا قد يقبل الغاسل بالخسارة او عوائد قليلة لأن هدفه إخفاء مصدر الأموال. وبالتالي تكون المنافسة غير عادلة
- التأثير على كفاءة ومؤشرات السوق العقاري، حيث لا تعكس هذه المؤشرات القيمة الحقيقية للعقارات نتيجة تأثير الأموال غير المشروعة في الأسعار. مما يؤثر حتى على آليات اتخاذ قرارات سليمة.
- الإضرار بالنظام المصرفي وارتفاع مخاطر التمويل والاستثمار خاصة في الأسواق التي ترتبط بغسل الأموال، حيث تشدد البنوك إجراءات التمويل وترتفع تكاليف الامتثال، ويتردد المستثمرون الأجانب في دخول السوق بسبب المخاطر التنظيمية.
- الإضرار بسمعة الدولة كبيئة مالية واستثمارية.
- ارتفاع تكاليف الرقابة والامتثال بسبب اضطرار الجهات الرقابية إلى تخصيص موارد أكبر لتعزيز الرقابة وتطوير الأنظمة وتدريب الجهات المعنية. وبنفس الوقت تتحمل الشركات العقارية والمصارف تكاليف أكبر لتوفير متطلبات الامتثال لمكافحة غسل الأموال.
- انتشار ظاهرة العقارات الشاغرة وتجميد الأصول. إذ يهدف الكثير من غاسلي الأموال الى تحويل المبالغ الى أصول وليس تشغيلها، وبالتالي تكثر العقارات الشاغرة، وتصبح رأس مال عقيما لا يسهم في الدورة الاقتصادية.
- تراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، لأن المستثمر يبحث عن سوق مستقرة وقابلة للتنبؤ. وارتباط أي سوق عقارية بمخاطر غسل الأموال، فقد يجعل المستثمرين يترددون كثيرا في المخاطرة ويفضلون التوجه لأسواق تتمتع برقابة أكثر صرامة.
- تعقيد الإجراءات خاصة على القطاع المالي، حيث تواجه البنوك تدقيقًا أكبر بما في ذلك المراسلة والعاملات الدولية، مما يبطئ من سرعة المعاملات ويرفع تكاليف التحويلات والتمويل.
مكافحة غسل الأموال
تتطلب مكافحة هذه الجريمة توفير منظومة صارمة تضمن أكبر قدر من الشفافية في السوق العقاري، وتمنع تحول العقارات إلى ملاذ آمن للأموال غير المشروعة. وهذا ما يعني ضرورة اعتماد إجراءات رقابية وقانونية ومالية، ومن ذلك:
- تشديد معايير التحقق من هوية المشترين والبائعين والمستثمرين، وتحديد المستفيد الحقيقي من الصفقة.
- التدقيق في مصادر التمويل والتأكد من مشروعية الأموال المستخدمة والتحويلات المالية الكبيرة أو غير المعتادة.
- إلزام الشركات العقارية بالإبلاغ عن العمليات المشبوهة، وهذا ما يتطلب إنشاء قنوات اتصال مع الجهات الرقابية.
- توفير أكبر قدر من الشفافية في المعاملات العقارية، وهو ما يتطلب إنشاء سجلات عقارية دقيقة تكشف المالك الحقيقي للعقار، ومنع استخدام الشركات الوهمية أو الأسماء المستعارة لإخفاء هوية أصحاب الأموال.
- تنظيم العمل في السوق العقاري بما في ذلك عمل الوسطاء والمطورين العقاريين، وإلزامهم بالحصول على تدريب في مكافحة غسل الأموال، مع وضع أنظمة امتثال داخل الشركات العقارية، وفرض عقوبات على الوسطاء الذين يتجاهلون مؤشرات الاشتباه.
- استخدام التكنولوجيا وتحليل البيانات وتوظيف أنظمة الذكاء الاصطناعي لتحليل أنماط البيع والشراء واكتشاف العمليات غير الطبيعية، وهو ما يتطلب ربط قواعد البيانات العقارية والمالية لرصد المخاطر، ومراقبة التغيرات غير المنطقية في أسعار العقارات.
- وضع أنظمة تشجع على تقليل الاعتماد على الدفع النقدي في الصفقات العقارية لأنه يصعّب تتبع مصدر الأموال.
- ترسيخ منظومة تعزز التعاون بين جميع الأطراف المعنية مثل الجهات الحكومية والعقارية. والمصارف. والجهات الرقابية والعقارية.
- وجود تشريعات وعقوبات رادعة للمتورطين في غسل الأموال.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك