تحديث قانون التنفيذ.. خطوة تعزز الثقة في القطاع العقاري
المرحلة القادمة تتطلب حوارا موسعا بين السلطة التشريعية والقطاع العقاري
يُعد القطاع العقاري من أهم القطاعات الاقتصادية في مملكة البحرين، فهو لا يمثل فقط سوقاً للاستثمار والتطوير، بل يشكل منظومة متكاملة تضم الملاك والمطورين والمستأجرين والممولين، وأي خلل في التوازن بين هذه الأطراف ينعكس بصورة مباشرة على جاذبية السوق وثقة المستثمرين.
ومن هذا المنطلق، فإن تحديث قانون التنفيذ وما تضمنه من تنظيم جديد يتعلق بإجراءات منع السفر مدة تصل إلى ثلاث سنوات يمثل خطوة إيجابية نحو تعزيز فاعلية تنفيذ الأحكام وحماية الحقوق، وخصوصاً في ظل التطور الكبير الذي يشهده العالم في مجال التقنية وانتشار المعرفة القانونية عبر الوسائل الرقمية.
في العصر الإلكتروني الحالي، أصبحت المعلومات القانونية متاحة للجميع، وأصبحت تطبيقات الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية تقدم إجابات وتحليلات تساعد الأفراد على فهم القوانين والإجراءات، وهو أمر إيجابي من ناحية نشر الوعي، لكنه في الوقت نفسه يجعل الحاجة أكبر إلى أن تكون القوانين واضحة ومتوازنة وتغلق أي ثغرات قد تستغل للإضرار بحقوق الآخرين.
ومن أكثر الملفات التي تشغل القطاع العقاري منذ سنوات طويلة قضية الإيجارات وعدم التزام بعض المستأجرين بالسداد. فهناك حالات محدودة يقوم فيها بعض المستأجرين الأجانب، على سبيل المثال، بالانتقال من مبنى إلى آخر وترك التزامات مالية متراكمة، مستفيدين من طول الإجراءات أو صعوبة تحصيل المبالغ المستحقة، ما يسبب أضراراً مالية للملاك ويؤثر على استقرار سوق الإيجارات.
وفي المقابل، هناك أيضاً ملف آخر يتعلق ببعض المواطنين الذين لديهم ملفات تنفيذ وأحكام مالية، وكانوا في السابق ملتزمين بدفع الأقساط ثم توقفوا عن السداد رغم وجود مصادر دخل لديهم. وهنا يبرز تساؤل مشروع لدى الملاك: كيف يستطيع الشخص توفير احتياجاته الأساسية من مأكل ومشرب ومسكن، وربما السفر والالتزامات الأخرى، ولكنه عند الوصول إلى التزام الإيجار يصبح غير قادر على الدفع؟
إن حماية الحقوق لا تعني بأي حال من الأحوال تجاهل الظروف الإنسانية أو الاجتماعية، فالقانون يجب أن يوازن دائماً بين حماية المدين حسن النية، وضمان عدم استغلال الإجراءات للإضرار بالدائن صاحب الحق. ولكن في الوقت نفسه، فإن صاحب العقار لديه التزامات مالية؛ فقد قام ببناء المبنى واستثمر رأسماله، وعليه التزامات تمويلية للبنوك وصيانة ورسوم، ومن حقه أن يجد طريقاً فعالاً لاسترداد حقوقه.
لقد أصبح هذا الملف من أكثر القضايا التي تؤرق المستثمرين العقاريين، حتى إن بعض الملاك أصبحوا يفضلون بيع العقارات أو تقليل نشاط التأجير لتجنب الدخول في دوامة المطالبات والتنفيذ وطول فترة التحصيل، وخصوصاً عندما تصبح كلفة المتابعة القانونية والرسوم والإجراءات أعلى من قيمة المبالغ المستحقة.
ومن هنا، فإن المرحلة القادمة تتطلب حواراً موسعاً بين السلطة التشريعية والقطاع العقاري، والاستماع إلى وجهة نظر ملاك العقارات والمطورين، وبالأخص لجنة العقار في غرفة تجارة وصناعة البحرين، باعتبارها تمثل شريحة مهمة من أصحاب المصلحة.
إن تطوير قوانين التنفيذ لا يهدف فقط إلى تحصيل الديون، بل إلى بناء بيئة اقتصادية قائمة على الثقة. فالقطاع العقاري يحتاج إلى وضوح واستقرار تشريعي حتى يستمر في الاستثمار وتوفير الوحدات السكنية والتجارية التي تخدم المجتمع.
إن تحقيق العدالة الحقيقية يكون عندما يشعر الجميع أن القانون يحمي الحقوق؛ ويحمي المواطن المتعثر بحسن نية، ويحمي كذلك المستثمر والمواطن الذي وضع أمواله في بناء عقار ويحتاج إلى ضمان أن حقوقه لن تضيع.
الرئيس التنفيذي لمجموعة الفاتح


هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك