لا يقتصر التطور في البناء على الأساليب والمعدات المستخدمة، او الاعتماد على التكنولوجيا الحديثة التي تسهم في تقليل التكاليف التشغيلية وخفض البصمة البيئية وتسريع عمليات التنفيذ فحسب، بل امتدت الى المواد المستخدمة في بناء العقارات، وهي المواد التي بقيت عقودا طويلة معتمدة في تطوير المباني والمشاريع، ولكنها اليوم باتت مهددة بالتراجع أمام مواد أخرى برزت وأثبتت قدرتها على تحقيق نتائج ملفتة خاصة فيما يتعلق بـ:
- الاستدامة وتقليل الانبعاثات.
- كفاءة الطاقة والكلفة وتقليل فواتير التشغيل على المدى الطويل.
- الجودة وطول عمر العقار.
- التحول من العمل اليدوي البطيء في الموقع إلى التصنيع الرقمي المعياري خارج الموقع.
هنا يمكننا الحديث عن خمس مواد جديدة وقادمة بقوة الى عالم التشييد والبناء، وقادة على سحب البساط من الخرسانة التقليدية تحديدا، وهي:
الخرسانة ذاتية الالتئام
الخرسانة ذاتية الالتئام، وهي خرسانة تصمم بحيث تستطيع معالجة الشقوق التي تظهر فيها من تلقاء نفسها، أو بمساعدة مواد مدمجة داخلها، ولذلك لحل مشكلة حدوث التشققات التي تسمح بدخول الماء والأملاح وثاني أكسيد الكربون والكلوريدات إلى داخل الخرسانة، ما قد يؤدي مع الوقت إلى تآكل حديد التسليح وتقليل عمر البناء.
وهناك نوعان من هذه الخرسانة، الأول هو الالتئام الذاتي أو الطبيعي، بحيث تكون الخرسانة قادرة على إغلاق بعض الشقوق الصغيرة نتيجة استمرار تفاعل بعض مكونات الأسمنت غير المتفاعلة مع الماء، إضافة إلى تكوّن بلورات كربونات الكالسيوم داخل الشقوق. وهي أبسط وأقل كلفة، لكن قدرتها محدودة وتتعامل مع الشقوق الصغيرة.
اما النوع الثاني فهو الالتئام المستقل، ويتطلب في هذا النوع إضافة مواد خاصة إلى الخرسانة مثل البكتيريا والكبسولات الدقيقة والمواد الكيميائية وأنظمة دقيقة تحمل مواد الإصلاح.
فمثلا في استخدام البكتيريا، عند حدوث تشقق ودخول الماء، تنشط بعض البكتيريا وتنتج تفاعلات تؤدي إلى ترسيب كربونات الكالسيوم التي تعمل هذه المادة على سد الشق.
وفي كلا النوعين، تكمن الفائدة في تقليل الحاجة الى التدخل المباشر لإصلاح التشققات وما يتطلبه من تكلفة عمالة ومواد، مع احتمال تكرار المشكلة.
أما في الخرسانة ذاتية الالتئام فتقل الحاجة إلى هذا التدخل، مما يؤدي إلى تقليل تكاليف الصيانة، وإطالة العمر الافتراضي للمبنى، وتقليل احتمالات تسرب المياه، وحماية حديد التسليح، وتقليل الحاجة إلى أعمال الترميم، وبالتالي خفض كلفة دورة حياة المبنى.
وتعتبر هذه التقنية مناسبة الى حد كبير وبشكل خاص في المنشآت التي يصعب الوصول إليها للصيانة مثل المنشآت البحرية ومواقف السيارات والجسور والأنفاق وخزانات المياه والبنية التحتية.
ولكن لا تزال هذه التقنية تواجه بعض التحديات كونها تقنية حديثة، وتتركز هذه التحديات في التكلفة وقابلية التوسع، والمعايير القياسية، وإثبات الأداء على المدى الطويل.
وبالنسبة لمنطقة الخليج، مع ان هذه التقنية تعتبر ممكنة، إلا انها لا تزال تواجه بعض التحديات المتعلقة بالمناخ المتسم بدرجات الحرارة المرتفعة والرطوبة، الملوحة في بعض المناطق.
الخرسانة منخفضة الكربون
التقنية الثانية هي الخرسانة منخفضة الكربون، وهي تقنية تتعامل مع مشكلة أساسية تعاني منها الخرسانة التقليدية التي تعتمد على الأسمنت بشكل أساسي، وهو يحتوي على مواد كثيفة الانبعاثات الكربونية، فضلا عن الانبعاثات التي تنتجها مصانع الاسمنت نتيجة انتاج مادة الكلنكر.
لذلك تهدف هذه التقنية الى خفض كمية الكلنكر في الأسمنت، وتحسين كفاءة الأفران، واستخدام أنواع وقود أقل انبعاثاً، والاعتماد على مواد بديلة أو إضافات إسمنتية مناسبة.
وكذلك استخدام مواد معاد تدويرها مثل بعض مخلفات الصناعات أو المواد المعالجة التي يمكن أن تدخل في تركيبة الأسمنت أو الخرسانة.
يضاف الى ذلك تحسين الإنتاج باستخدام أفران أكثر كفاءة ومصادر طاقة أقل انبعاثا، واحتجاز الكربون، والتقاط ثاني أكسيد الكربون الناتج من مصانع الأسمنت وتخزينه أو استخدامه.
والنقطة المهمة هنا أنه مع التطورات والتوجهات العالمية ومنها انتشار المباني الخضراء، ومعايير الاستدامة ومعايير الإفصاح البيئي، وسياسات خفض الانبعاثات، فإن المطور العقاري سيجد المطور نفسه في المستقبل لا يركز على كم طنا من الخرسانة سيحتاج المشروع، وانما كم انبعاثاً كربونيا نتج عن إنتاج هذه الخرسانة؟
وبالنسبة للكلفة، قد تكون بعض المنتجات والتقنيات أعلى كلفة في البداية، خصوصاً إذا كانت سلسلة التوريد محدودة أو المواد البديلة غير متوافرة محلياً. ولكن على المدى البعيد ستكون اقل كلفة إذا ما تم احتساب تكلفة البناء وكلفة الطاقة والصيانة والعمر الافتراضي والقيمة المستقبلية للمبنى.
الزجاج الذكي
الزجاج الذكي هو زجاج يستطيع تغيير خصائصه الضوئية والحرارية بحسب الظروف أو وفق نظام برمجة وتحكم. بحيث يمكن أن يغير درجة نفاذ الضوء والحرارة التي تدخل من خلاله إلى المبنى.
ومن أشهر أنواع هذا الزجاج هو الزجاج الكهروكرومي، والزجاج الحراري المتغير، والزجاج الديناميكي، وتقنيات التحكم في الأشعة تحت الحمراء.
بل هناك تجارب لتطوير زجاج لا يتحكم فقط في الضوء والحرارة، وإنما يرتبط أيضا بأنظمة المبنى الذكية والطاقة الشمسية، ما يعني أن الواجهة المستقبلية للمبنى قد تتحول من مجرد غلاف للمبنى إلى عنصر نشط في إدارة الطاقة.
وتعتبر هذه التقنية مهمة جدا لمنطقة الخليج العربي التي تتميز بارتفاع درجة الحرارة، مع الاتجاه في البناء الحديث الى الواجهات الزجاجية الكبيرة خاصة في الأبراج
والمباني الكبيرة، وهو ما يعني زيادة الحمل على أجهزة التكييف.
وهنا فإن الزجاج الذكي يستطيع تقليل كمية الإشعاع الشمسي الذي يدخل المبنى عندما تكون الحاجة إلى ذلك أكبر. وهو ما يوفر مميزات كثيرة مثل خفض أحمال التكييف، تقليل استهلاك الكهرباء، تحسين الراحة الحرارية وتقليل الوهج، تحسين جودة الإضاءة الطبيعية، تقليل الاعتماد على الستائر والحلول التقليدية، تحسين أداء واجهة المبنى.
لذلك هو مناسب الى حد كبير للأبراج والفنادق والمجمعات التجارية والمطارات والمكاتب والمستشفيات والمباني الحكومية والفلل ذات المساحات الزجاجية الكبيرة.
ولكن تبقى الإشكالية في الكلفة، حيث إن الزجاج الذكي لا يزال أغلى من الزجاج التقليدي.
مواد العزل المتطورة
اجمالا، يهدف العزل الحراري إلى تقليل انتقال الحرارة من الخارج إلى الداخل أو العكس. وتكمن أهمية العزل في على الرغم من انه قد لا يظهر عادةً لمالك العقار، ولكن تأثيره المباشر يظهر في فاتورة الكهرباء وفي عمر المبنى.
ويمكن أن يسهم العزل الجيد حتى في رفع قيمة العقار، فالعقار الذي تكلفته الشهرية أقل قد يصبح أكثر جاذبية حتى لو كان سعر شرائه أعلى.
والجديد هنا أن العزل لم يعد يعتمد فقط على بعض المواد التقليدية مثل الفايبرغلاس أو الصوف الصخري أو الفوم العادي، وإنما ظهرت تقنيات أكثر تقدماً، منها:
- الإيروجيل، وهي مادة شديدة الخفة وذات خصائص عزل حراري عالية، ويمكن استخدامها عندما تكون المساحة المتاحة للعزل محدودة.
- ألواح العزل الفراغي التي تعتمد على وجود فراغ داخل اللوح لتقليل انتقال الحرارة.
- مواد نانوية تستخدم هياكل دقيقة جداً لتحقيق مقاومة حرارية عالية.
- العوازل عالية الأداء، وتهدف إلى تحقيق قيمة حرارية مرتفعة بسماكة أقل.
ومع ذلك تبقى المشكلة بالنسبة لهذه المواد يكمن في ارتفاع كلفة بعضها، ومحدودية توافرها، والحاجة إلى عمالة متخصصة، وصعوبة إصلاح بعض المواد المتطورة، وعدم ملاءمتها لبعض المناخات.
الأخشاب الهندسية
على الرغم من تراجع الاعتماد على الخشب في البناء الى حد كبير، فإن الأخشاب الهندسية بدأت تفرض نفسها في وسائل البناء الحديثة. وهي مجرد ألواح خشبية تقليدية. بل تتميز بعدة مميزات وأنواع منها ألواح تتكون من طبقات من الخشب توضع باتجاهات متعامدة ويتم لصقها معاً. أو بناء عناصر إنشائية مثل الأعمدة والكمرات تتكون من طبقات خشبية ملصقة معا بشكل هندسي مدروس. وباتت تستخدم في تصميم الجدران والأرضيات والأسقف والأعمدة.
ومن أبرز خائصها أنه يمكن تصنيعها مسبقا وتجهيز أجزاء كبيرة من المبنى في المصنع، ثم يتم نقلها إلى موقع البناء وتركيبها. وهو ما يمكن من تقليل مدة بعض مراحل المشروع ويخفض من حجم المخلفات الناتجة عن البناء في الموقع.
كما تتميز هذه الاخشاب الهندسية بانها أخف من بعض البدائل الإنشائية التقليدية، وهذا يمكن أن يؤثر في تصميم المبنى والأساسات والنقل.
والميزة المهمة أيضا هو أن الخشب يخزن الكربون الذي امتصته الأشجار أثناء نموها، ولذلك يمكن أن يكون له أثر إيجابي في حسابات الكربون. حيث وجدت دراسات دورة الحياة في بعض الحالات انخفاضاً في الأثر الكربوني للمباني الخشبية مقارنة بالبدائل الخرسانية.
كما اثبتت هذه الاخشاب قدرة على مقاومة الحرائق مقارنة بالأخشاب العادية، حيث يمكن تصميمها وفق اشتراطات مقاومة الحريق.
لكن ما تزال هذه التقنية تواجه تحديات في منطقة الخليج تتمثل في الحرارة العالية والرطوبة والحشرات والحماية من الحريق والنقل مسافات طويلة والاشتراطات والمعايير المحلية، والحاجة الى الخبرات الهندسية والتنفيذية. وبالتالي يرى المختصون انها في الخليج قد تكون أكثر ملاءمة في بعض المشروعات الهجينة بدلاً من استبدال الخرسانة بالكامل.
الخرسانة التقليدية
ما سبق يمكن القول بأن هذه التقنيات الحديثة ستؤثر بالتأكيد على مستقبل الخرسانة التقليدية، لكن لن تلغيها أو تستبدلها بالكامل في المستقبل القريب. وسيكون الاتجاه هو تطوير الخرسانة التقليدية وتحويلها إلى خرسانة أكثر ذكاءً وأقل كربوناً وأكثر متان، وذلك من خلال الممازجة بين التقليدية والتقنيات الحديثة.
خاصة وان الخرسانة التقليدية تتمتع بمزايا كثيرة منها وفرة المواد الخام وشبكات التوريد الضخمة، والخبرة المتراكمة لدى المقاولين وكلفة معروفة نسبياً.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك