يوميات سياسية
السيـــــــد زهـــــــره
هذا المسلسل الدموي في الخليج.. إلى متى؟
أمريكا تدفع ثمن التنازل لإيران في مذكرة التفاهم
دول مجلس التعاون عليها أن تخطط لمواجهة الخطر الإرهابي الإيراني وحدها
الأوضاع الداخلية تمنع ترامب من العودة إلى الحرب الشاملة
ما هي حسابات إيران وراء تصعيد عدوانها الإرهابي على دولنا؟
❠ ترامب قد يقرر إنهاء الحرب من طرف واحد والانسحاب

منذ أكثر من اسبوع تشهد المنطقة مسلسلا دمويا متواصلا.. أمريكا تشن ضربات على مواقع في إيران، وإيران تقوم بالرد بتصعيد عدوانها الإرهابي على البحرين ودول مجلس التعاون والأردن وعلى السفن في مضيق هرمز. الكل في المنطقة وفي العالم يتساءل: هذا المسلسل الدموي في الخليج الى متى؟.. ما الذي يحدث بالضبط ؟.. متى وكيف ستنتهي هذه الحرب؟.. وهكذا.
في القلب من الجدل حول هذه التساؤلات تقع قضيتان مهمتان: قضية الانقسامات الداخلية في إيران وتأثيرها على الوضع، وقضية حسابات أمريكا وإيران في هذه المواجهة الحالية ورؤيتهما لاحتمالات الاتفاق من عدمه.
بداهة دول مجلس التعاون الخليجي أول المعنيين بهذا الجدل، وبحث ومعرفة الاحتمالات المختلفة لتطور الصراع والحرب وكيف يمكن ان ينتهي.
◼ ◼ ◼
عن الانقسامات في إيران
في الأيام القليلة الماضية تحدثت تقارير غربية عدة عن الانقسامات الداخلية في إيران على اعتبار انها من اهم العوامل التي ستحدد مسار التطورات ومستقبل الحرب الحالية وآفاق الاتفاق مع أمريكا من عدمه.
من المهم بالطبع ان نتابع هذه التقارير وما تطرحه، فالقضية تعنينا أكثر من أي أحد آخر.
وكالة «رويترز» نشرت قل يومين تقريرا نقلت فيه عن مسؤولين باكستانيين قولهما ان القيادة الباكستانية تتابع بقلق الانقسامات في اوساط القيادة في إيران، والفجوة التي تتسع بين مواقف عدد من كبار المسؤولين الإيرانيين وبين الحرس الثوري. وذكر المسؤولان أن «مواقف الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، ووزير الخارجية عباس عراقجي، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، باتت تختلف بصورة متزايدة عن توجهات الحرس الثوري، ولا سيما فيما يتعلق بإدارة الأزمة الحالية والتعامل مع الولايات المتحدة».
ونقلت رويترز عن المحلل الدفاعي الباكستاني محمد علي قوله إن الجيش، في إشارة إلى الحرس الثوري والمؤسسة العسكرية، «يبدو أنه يهيمن على عملية صنع القرار في إيران»، مضيفًا أن هذا الانطباع يزداد ترسخًا لدى صناع القرار في إسلام آباد.
باكستان التي تقوم بدور الوساطة بين أمريكا وإيران تتابع هذه القضية اذ تعتبر ان هذه الانقسامات «تزيد تعقيد المشهد السياسي والأمني في إيران» وتعرقل جهود الوساطة الي تقوم بها.
صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية نشرت تقريرا عن نفس القضية، ونقلت فيه عن دبلوماسي إيراني مطلع قوله: ان «الانقسام يتسع داخل دوائر صنع القرار في طهران بين تيار يدفع نحو مزيد من التصعيد مع الولايات المتحدة، وآخر يحذر من التداعيات الاقتصادية لاستمرار المواجهة، في وقت تتعرض فيه إيران لضغوط عسكرية وعقوبات متزايدة».
ويقول الدبلوماسي الايراني أيضا: إن «تيارًا متشددًا داخل إيران يدعو إلى تشديد المواجهة والسيطرة على مضيق هرمز، باعتباره إحدى أهم أوراق الضغط في مواجهة واشنطن، في حين ان التيار الذي وصفه بـ«البراجماتي» يخشى أن يؤدي استمرار الحصار الأمريكي والتصعيد العسكري إلى مزيد من التدهور الاقتصادي، ويؤيد البحث عن مخرج سياسي يخفف الضغوط على البلاد».
بحسب هذه التقارير وغيرها كثير هناك حقيقتان اساسيتان تتعلقان بالانقسام الداخلي في إيران:
الأولى: ان الخلاف بين القوى المختلفة يدور حول من يرى ان من مصلحة إيران التصعيد والسيطرة الكاملة على مضيق هرمز وعدم التنازل عن هذا ابدا املا في اجبار ترامب على قبول هذا، ومن يرى ان من مصلحة إيران تقديم تنازلات والتوصل الى اتفاق تقبله أمريكا.
والثانية: ان الحرس الثوري الايراني الذي يمثل تيار التصعيد والتشدد هو الذي يسيطر ويحكم قبضته على السلطة واتخاذ القرار في إيران.
بغض النظر عما إذا كانت كل هذا التقارير عن تفاقم الانقسامات في إيران صحيحة وتعكس الواقع بالفعل، ام ان المسألة لا تتعدى توزيع أدوار بين مختلف القوى في إيران، فالنتيجة في كل الأحوال واحدة.
النتيجة ان هذا الانقسام سواء كان حقيقيا ام مصطنعا سيكون عاملا أساسيا في تحديد مستقبل الحرب والأزمة.
ومع ذلك، فهذا الحديث عن الانقسامات وتأثيرها مبالغ فيه. طالما ان الحرس الثوري يحكم قبضته على الحكم واتخاذ القرار فسيفرض في النهاية موقفه على الكل. ولنلاحظ ان هناك اجماعا في إيران على ان العدوان الارهابي على دول مجلس التعاون أداة فعالة بيد النظام.
بالمقابل الجانب الحاسم الآخر الذي سيحدد مستقبل الأزمة والحرب هو موقف إدارة الرئيس ترامب وحساباتها. كيف تنظر إدارة ترامب الى هذا الانقسام في إيران، وما هي حساباتها بناء على ذلك ورؤيتها لمستقبل الحرب وكيف ستنتهي؟
◼ ◼ ◼
حسابات إيران
قبل ان نعرض خيارات إدارة ترامب ورؤيتها للوضع الحالي على ضوء الانقسامات داخل إيران وبالتالي مستقبل الاتفاق او عدم الاتفاق – من المهم ان نتوقف عند تحليل يستحق التأمل عن حسابات النظام الايراني في الوقت الحاضر.
التحليل نشرته صحيفة «فاينانشيال تايمز» البريطانية للباحث ولي نصر، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جونز هوبكنز، وهو بالمناسبة من اهم الباحثين الايرانيين في الغرب ولعب أدوارا مهمة في عهد الادارات الأمريكية المتعاقبة.
يرى ولي نصر أن عودة الولايات المتحدة وإيران إلى الحرب لا ترجع أساساً إلى سوء فهم مذكرة التفاهم التي أنهت المرحلة الأولى من الصراع، بل إلى أنها قامت على تثبيت ميزان القوى وقت توقيعها؛ وهو ميزان سعت واشنطن إلى تغييره، بينما تمسكت طهران بالحفاظ عليه.
بعبارة اخرى هو يرى، وعن حق، ان مذكرة التفاهم رجحت ميزان القوى لصالح إيران وان النظام الايراني لا يريد تغيير هذه الحقيقة. ويوضح أكثر ويقول تحديدا ان الحرب التي بدأتها الولايات المتحدة في فبراير، بهدف إسقاط النظام الإيراني أو إجباره على قبول شروط أمريكية تقيّد برنامجه النووي ودوره الإقليمي، انتهت بمنح طهران ورقة قوة تمثلت في فرض سيطرتها على مضيق هرمز.
وبحسب الكاتب، تعتقد القيادة الإيرانية أن إظهار ضبط النفس لن يؤدي إلا إلى مزيد من الضغوط الأمريكية، ولذلك ترى أن التصعيد قد يكون ضرورياً لردع واشنطن ودفعها إلى التفاوض بجدية على إنهاء الحرب والتوصل إلى اتفاق نووي أوسع.
ويشير إلى أن طهران ترفض التخلي عن سيطرتها على مضيق هرمز، لأنها تعدها أهم أوراقها في أي مفاوضات مقبلة، وضمانة لالتزام الولايات المتحدة بأي اتفاق مستقبلي.
ويخلص الكاتب إلى أن إيران ستسعى إلى امتصاص الضربات الأمريكية وتوسيع هجماتها على الأهداف العسكرية ومنشآت الطاقة والبنية التحتية المدنية في الخليج، لإظهار أن واشنطن لن تتمكن من تحديد مستوى الحرب وحدها. كما تراهن طهران على أن الضغط الذي سيلحق بالاقتصاد العالمي نتيجة إغلاق مضيق هرمز، وربما باب المندب والبحر الأحمر، سيدفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى التراجع أولاً.
ما يقوله الباحث ولي نصر مهم لأنه يحدد بالفعل حسابات إيران من وراء ما يجري حاليا على ساحة الصراع.
حسابات إيران تقوم على الرهان على ان خيار التصعيد ضد دول مجلس التعاون وفي مضيق هرمز، وامتصاص تأثيرات الضربات الأمريكية التي تعتبر حتى الآن محدودة، وعلى ان ترامب لا يملك خيارات كثيرة، سوف يقود في النهاية الى اجبار إدارة ترامب على تقديم التنازلات التي تريدها. أي سوف تقود في النهاية الى تأكيد القوة التي حصلت عليها إيران في مذكرة التفاهم. ويمكن القول بناء على هذا ان ما يحدث اليوم هو ان إدارة ترامب تدفع ثمن التنازلات التي قدمتها لإيران في مذكرة التفاهم.
◼ ◼ ◼
خيارات ترامب
كيف تنظر إدارة ترامب الى الانقسام الداخلي في إيران وتأثيره على مستقبل الحرب والصراع والاتفاق او عدم الاتفاق؟.. ما هي حسابات امريكا بشكل عام في ادارتها للأزمة والحرب؟.. ما هي الخيارات المتاحة امام ترامب لإنهاء الحرب والخروج من الأزمة؟
على ضوء قراءة تطورات الوضع الحالي في المنطقة، والمواقف الأمريكية المختلفة المعلنة، وقراءة الوضع الداخلي الذي يواجهه الرئيس الأمريكي، يمكن القول ان ترامب امامه خيارات ثلاثة:
الخيار الأول: ان يقرر ترامب العودة الى الحرب على إيران بحدودها القصوى. بمعنى ان يشن حربا شاملة تستهدف كما يهدد الجسور ومنشآت الطاقة والكهرباء والمواقع النووية، والحاق اقصى تدمير ممكن بإيران وشل الحياة فيها.
الفكرة في هذا الخيار انه من الممكن في النهاية ان يجبر النظام الايراني على طلب وقف اطلاق النار والعودة الى المفاوضات للوصول الى اتفاق تقبله أمريكا، وسوف يكون في هذه الحالة على حسابها حتما.
المشكلة هنا ان الأوضاع الداخلية في امريكا تحول دون لجوء ترامب الى هذا الخيار. هناك معارضة واسعة بالفعل في الداخل للحرب ومطالبات بإنهائها والخروج من الأزمة واتهامات من كل جانب لترامب بأنه يجر أمريكا الى مستنقع ويستنزف قواها بلا رؤية واضحة ولا اهداف محددة. هذا الوضع الداخلي مهم لترامب خصوصا مع اقتراب انتخابات الكونجرس في نوفمبر والخشية من ان يلقى فيها الجمهوريون بسبب الحرب هزيمة قاسية.
وفي نفس الوقت لا يمكن للوضع الحالي ان يستمر لأشهر طويلة، أي وضع تبادل الضربات المحدودة والاستنزاف للجانبين من دون افق واضح ولا نتيجة واضحة.
لهذا لا يبقى أمام ترامب عمليا سوى الخيارين الاخرين.
الخيار الثاني: هو ان يقبل ترامب بتقديم التنازلات التي تطالب بها إيران، او على الأقل اغلبها، من اجل التوصل الى اتفاق في النهاية ينهي الحرب ويخرج أمريكا من الأزمة ويقدمه ترامب على انه انجاز عظيم.
المشكلة هنا حتى لو ان ترامب مستعد لهذا، وهو مستعد بالفعل، انه سيتم تصوير ما حدث من اتفاق بالشروط الإيرانية على انه يمثل هزيمة كاملة لإدارة ترامب في داخل أمريكا وخارجها بكل ما يترتب على ذلك من تبعات.
الأمر الآخر انه في هذه الحالة سوف يواجه ترامب غضبا متزايدا من دول مجلس التعاون الخليجي حلفاء أمريكا بكل ما يترتب على ذلك أيضا.
الخيار الثالث: ان يقرر ترامب في لحظة معينة الانسحاب ببساطة. بمعنى ان يعلن انه حقق ما يريد وانتصر على إيران وان المهمة انتهت.
ما يمكن ان يقوله ترامب في هذا الحالة يكرره بالفعل طوال الفترة الماضية في تصريحاته. نعني انه يقول انه الحق دمار شديدا بإيران وكل قواها، وانه عطل امكانية بناء البرنامج النووي، وبالإضافة إلى هذا يقول ان أمريكا ليست بحاجة أصلا الى مضيق هرمز، وان على الدول المستفيدة منه ان تتعامل هي مع الأزمة.
هذه هي الخيارات الثلاثة المتاحة امام ترامب. لا نعرف بالطبع الى اي خيار سوف يلجأ. لكن علينا ان نتأمل تصريحات ادلت بها المتحدثة باسم البيت الأبيض قبل يومين قد يعطينا مؤشرا عاما لكيف تفكر ادارة ترامب.
المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت، قالت: ان «الولايات المتحدة لا تزال منفتحة على التوصل إلى اتفاق مع إيران، رغم الضربات العسكرية الأخيرة التي نفذها الجيش الأمريكي، وإن طهران تواصل المحادثات مع واشنطن وتسعى بدورها إلى إبرام اتفاق.
وأضافت ليفيت أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا يزال يفضل المسار الدبلوماسي، لكنه سيتحرك ضد إيران إذا لم تلتزم بما وصفته بـ«وعودها»، مؤكدة أن الإدارة الأمريكية تواصل الجمع بين الضغوط العسكرية والانخراط في المفاوضات. وأكدت المتحدثة أن هناك انقساما بين القادة في إيران، لكن رغم ذلك يريد بعضهم إبرام صفقة واتمام الاتفاق مع الولايات المتحدة.
إذا دققنا فيما قالته المتحدثة باسم البيت الأبيض يمكننا ان نصل ببساطة الى نتيجة مؤداها ان ادارة ترامب رهانها الأساسي ما زال على إمكانية التوصل الى اتفاق مع إيران رغم الانقسامات ورغم المواجهات الحالية وأي شيء آخر. وحقيقة الأمر انه ليس لهذا من معنى سوى استعداد ادارة ترامب لتقديم تنازلات لإيران.
◼ ◼ ◼
ما معنى كل هذا؟
ماذا يعني كل هذا الجدل والاحتمالات بالنسبة الى دول مجلس التعاون الخليجي؟
نعرف جميعا ان دول المجلس تدفع ثمنا فادحا في هذا المسلسل الدموي المتواصل في الخليج.. تتعرض لعدوان إرهابي ايراني متواصل لا يتوقف على اراضيها ومنشآتها الحيوية على الرغم من انها ليست طرفا في الحرب ولم ترد هذه الحرب اصلا.
دول مجلس التعاون من المفروض بداهة ان تدرس دراسة وافية متأنية كل الاحتمالات الممكنة لتطور هذا الصراع وهذه الحرب على النحو الذي قدمنا جوانب اساسية منه وان تبني حساباتها على اسوأ الاحتمالات.
وإذا تأملنا ما ذكرناه فسنجد انه في الاجمال فإن اغلب الاحتمالات المتوقعة سيئة بالنسبة الى دول مجلس التعاون.
إذا تم التوصل الى اتفاق بشروط إيران او بأغلب شروطها، وبتنازلات من ترامب، ستكون هذه كارثة.
وإذا قرر ترامب انهاء الحرب من طرف واحد والانسحاب مع بقاء الوضع كما هو عليه، فستكون كارثة أيضا. سيعني هذا ان ترامب قرر ان يترك دول مجلس لتعاون وحدها في مواجهة ايران، ويترك العالم كله في مواجهتها فيما يتعلق بمضيق هرمز.
وعلى ضوء هذا، المنطق السياسي السليم يحتم على دول مجلس التعاون كما ذكرت ان تبني حساباتها على أسوأ الاحتمالات، وان تفكر وتخطط وتتصرف من الآن فصاعدا على اعتبار ان عليها وحدها مواجهة الخطر الإرهابي الايراني والتعامل معه.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك